Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri
الكاتب الليبي فرج الفاخري

الثلاثاء 19 ابريل 2011

وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر .. فاشهدوا[1]

فرج الفاخري

إن آخر ما كان يتصوره عقلي ـ فى أوسع شطحات خياله ـ أن يشهر بعض مواطني الجزائر السلاح فى وجه أخوانهم فى ليبيا من أجل مناصرة رأس النظام الفاسد، بغض النظر عن مقدار المبلغ المالي الذى تم لهم تقاضيه نظير هذا العمل الإجرامي. 

لقد ظننت أن الدَيْنُ الذى يطوق عنق الشعب الجزائري تجاه شعب ليبيا، لا يمحوه الزمن، مهما طالت سنواته وتعاقبت حقبات دهره. فلم يقم أي شعب فى العالم، بتقديم المساندات والمعونات اللازمة المختلفة (المادية والمعنوية والعسكرية)، التى ساهمت فى عضد الكفاح الوطني من أجل تحرير الجزائر من ربقة إحتلال الإستعمار الفرنسي ـ الذى أستمر لمئة وثلاثين سنة ـ أكثر من الذى قدمه شعب ليبيا فى عهد الملك إدريس السنوسي (رحمه الله وجعل مثواه الجنة). 

لقد أندلعت الثورة الجزائرية ضد الإحتلال الفرنسي فى مطلع نوفمبر 1954م، وما كان لها أن تستمر فى كفاحها لسبع سنوات، لولا دعم بعض الدول العربية، على رأسها ليبيا، التى قدم شعبها وحكومتها كافة أوجه الدعم المعنوي والإعلامي والعسكري والمالي، حتى توج كفاح الشعب الجزائري بالإستقلال المجيد. 

فقد كانت قوافل امدادات السلاح ومعونات الحاجات الضرورية الماسة تعبر الصحراء الليبية نحو الجزائر، كي تصل إلى ثوارها ليستعينوا بها فى خوض معارك كفاحهم ضد المستعمر الغاشم. وكان (منبع) معظم السلاح يأتي من مصر، التى كانت حكومتها تقوم بتسليمه لمجموعة (وطنية) من الليبيين ـ ممن يعرفون مجاهل الصحراء الكبرى ومعالم طرقها العصية ـ ليعبروا بها نحو وجهتها فى قلب الجزائر، تحت إشراف وإرشاد مفتاح الفاخري (رحمه الله وأدخله فسيح جناته)، الشهير بمفتاح الهندياني، الذى كان يخبر الصحراء ويعرف طريقه بين هضبات وسفوح كثبانها الرملية المهولة، مثلما يخبر الإمام طريقه إلى صومعة مسجده. 

ولن أسهب فى هذه المقالة فى تعديد مناحي الدعم العظيم الذى قدمه شعب ليبيا وحكومته الوطنية للشعب الجزائري فى تلك الفترة العصيبة، وسأكتفي ـ فقط ـ بمثالين، أحدهما عايشته بنفسي، والآخر جاء كشهادة وردت على لسان أحد كتاب ومثقفي الجزائر من الرعيل الذى عاصر وعايش أحداث تلك المرحلة وشارك فى صنعها. 

***** 

المثال الأول: أهل الشهامة والكرم 

لقد شاركت فى مرحلة طفولتي، من خلال الحركة الكشفية، فى مطلع الستينات ـ ولم يكن عمري فى حينه قد تجاوز العاشرة ـ فى جمع التبرعات لصالح كفاح شعب الجزائر لنيل إستقلاله. حيث أطلقت مفوضية الحركة الكشفية بمدينة بنغازي ـ كشأن كافة الهيئات المدنية والجمعيات العمومية الإجتماعية آنذاك ـ حملة مكثفة لجمع التبرعات للجزائر؛ فشكلت من بنيان أعضائها مجموعات صغيرة، تتكون كل مجموعة من زهرة و شبل وفتاة وفتى، يشرف عليهم أحد القادة؛ ليطوفوا بيوت الأحياء المتفرقة فى مدينة بنغازي، لجمع ما يجود به أهلها من مال لصالح مجهود كفاح شعب الجزائر. 

وقد نالني الشرف العظيم لأكون ضمن الأشبال الذين ضمتهم إحدى هذه المجموعات. التى جابت أحد الأحياء السكنية، تطرق أبواب منازلها، لكى تجمع ما يفيض به كرم أهلها لأجل الجزائر. وقد رأيت فى هذا المنوال، مظاهر الكرم ـ الجليل ـ الجميل، النابع من أعماق القلوب الطيبة الرحيمة. 

رأيت الناس تُغْدق بما يفوق إمكانياتها الذاتية القليلة. فرأيت النساء يخلعن أقراطهن وأساورهن وخواتمهن وحليهن من الذهب والفضة لدعم الجزائر[2]، ورأيت الرجال يخرجون أوراق البنكنوت المالية ـ المدخرة لقضاء حاجات أسرهم وذويهم ـ من جيوبهم ومحافظهم للمساهمة فى مساعدة كفاح شعب الجزائر. لقد رأيت، فى تلك الجولة السامية، الجميع يسارعون للتبرع من أجل أن تحيا الجزائر .. فاشهدوا. 

***** 

المثال الثاني: شهيد وكهل وعروس 

فى مقابلة أجرتها وردة بوجملين لموقع "الشروق أون لاين" بتاريخ 18/3/2011م[3]، مع المجاهد والأديب (الجزائري) محمد الصالح الصديق[4] المشرف على إذاعة "صوت الثورة الجزائرية"، التى كانت تبث إرسالها من إذاعة طرابلس، أثناء فترة ثورة الشعب الجزائري؛ أشار الصديق إلى أن الشعب الليبي بمختلف شرائحه، كان من أول الشعوب التى سارعت لإحتضان ثورة الجزائر ومناصرتها بكافة السبل والوسائل، وأنه لا يمكن تحت أي ظرف نسيان مواقفه البطولية المشرفة فى هذا الخصوص. 

دعوني أنقل لكم بعض ما قاله محمد الصالح الصديق ـ من نص الحوار المنوه عنه ـ فى حق الشعب الليبي، على ضوء واقع مشاهداته الشخصية لبعض المواقف المشرفة فى هذا الشأن: 

·       وردة بوجملين: كنت مكلفا بالإعلام للثورة الجزائرية في ليبيا، كيف كانت أشكال مساندة الإخوة الليبيين لثورة 54 العظيمة ؟. 

·       محمد الصالح الصديق: "سارعت العديد من الشعوب العربية للالتفاف حول الثورة الجزائرية ومدها بمختلف أشكال الدعم على غرار تونس والمغرب، لكن لن أكون مبالغا إذا قلت إن الشعب الليبي تبوأ مكانة مرموقة بين هذه الشعوب، بسبب الدعم المعنوي والمادي المقدم للثورة الجزائرية وتبنيه لها وكأنها ثورته، ومن صور هذا الدعم أنه "في يوم من الأيام خرجت صباحا من مكتبي بليبيا، فالتقيت شيخا مسنا كان يبدو في الثمانين يتسول في الطريق، وفي المساء بعد صلاة المغرب ذهبت إلى مكتب الهلال الأحمر الجزائري لأتفقد الأشخاص الذين يجمعون المال للثورة، وبينما كنت أتحدث لأحد المصريين، دخل شيخ تسبقه عصاه، وإذا به الشخص الذي التقيته في الصباح يقدم الصرة التي جمعها، فأبيت وقلت له أنت أحق بها، ولكنه رفض ورفع رأسه، وقال لي بالحرف "لا يمكن أن تحرمني من شرف المشاركة في الثورة" ثم أخذ تنهيدة وقال: الحمد لله الآن حق لي أن أفرح لأنني شاركت في هذا المجد العظيم وهو تحرير الجزائر".

"وفي قصة أخرى أذكر أن مجاهدا خرج من إدارتنا بطرابلس وكان يحمل أسلحة في سيارته، فصدم شابا يبلغ من العمر 22 ربيعا، فهرع نحوه جميع الذين كانوا متواجدين بالمكان، ومن بينهم والد الشاب الذي لم يكن لديه من الأولاد غيره، وعندما وصل إلى مكان السيارة كان يلتهب ألما وغضبا، ولكنه عندما وجد العلم الجزائري عليها توقف وسأل السائق "لماذا كنت تسوق بسرعة فأخبره أنه يحمل أسلحة للثوار الجزائريين، وأنه كان يسرع حتى يوصل الأسلحة إلى المكان المتفق عليه، فقال له والد الشاب "اذهب بسلام فإني أحتسب هذا الشاب من شهداء الثورة الجزائرية"، وفي المساء ذهبت مع الدبلوماسي أحمد بودة، الذي كان رئيس البعثة الجزائرية في ليبيا، إلى بيت ذلك الرجل حتى نعزيه ونواسيه في مصابه، وأخذنا معنا 10 آلاف جنيه حتى نسلمها له فداء لولده ولكنه أبى وقال لي "أنتم لا تقدمون الفدية على الشهداء" ورفض أن يأخذها"

·       وردة بوجملين: وماذا عن قصة العروس الليبية التى قدمت مجواهراتها للثورة التحررية ؟. 

·       محمد الصالح الصديق: "في إحدى المرات، مر موكب عروس أمام سيارة تجمع التبرعات للثورة وكان عليها علم الجزائر، فسألت العروس وليها عن سر تواجد السيارة بالمكان، فأخبرها أن فيها جزائريين يجمعون المال للثورة، فنزعت كل ما كانت تلبسه من حلي وقدمته للثورة التحريرية، ومن ثَم نستخلص أن الشعب الليبي قدم خدمة عظيمة للثورة الجزائرية ولا يمكن بأي حال من الأحوال ولا تحت أي ظرف من الظروف نسيان هذه المواقف المشرفة التي وقفها الشعب الليبي خلال هذه الثورة والتي برهن من خلالها ترفعه ونبله وشدة حبه للجزائر"

***** 

الشعب الكريم لا يضام

وهكذا، نرى اليوم بعض أبناء الجزائر يحاربون لجانب حكم الأسرة الفاسدة فى ليبيا، ضد أخوانهم الذين أعانوهم بالأمس على نيل إستقلالهم. ولكن ـ كما يشير القول المأثور ـ فإن الكريم لا يضام. فقد بعث الله لهذا الشعب الكريم من يسانده فى كفاحه المقدس لتحرير بلاده من ربقة نظام الطاغية المستبد، فقد أرسل له قطر بشعبها وحكومتها لتعوضه عن تقاعس بعض الدول العربية لمساندته فى محنته الشديدة، وتُغطي بكرمها الفائض على تآمر بعضها الآخر ضده كالجزائر !. 

واللوم الشديد بجله ـ فى مسألة مرتزقة الجزائر ـ يقع على عاتق أعضاء الحكومة الجزائرية ورئيسها بو تفليقة، فمعظمهم من حزب جبهة التحرير، التى عاصر أعضائها مواقف الشهامة والكرم والأخوة البالغة التى أظهرها الشعب الليبي لنصرة شعبهم فى أثناء كفاحه لنيل الإستقلال. هذا إذا أعتبرنا أن جيل الشباب الجزائري (الحالي)، الذين تم تجنيد آلاف منهم كمرتزقة[5] ـ تحت أشراف وتدبير أجهزة الأمن الجزائرية لمحاربة الشعب الليبي ـ يجهلون تاريخ ثورة بلادهم أثناء سعيها لنيل الإستقلال، والتى لم يكن لها أن تحقق النجاح المنشود فى هذا الإطار دون معونة ومساندة الشعب الليبي الأبي. 

يا ليت، كان دعم حكومة الجزائر ورئيسها الخسيس، قد اقتصر على إرسال فيالق المرتزقة الحقراء، بل تعداه لتهريب الأسلحة والمعونات الضرورية لتمكين آلة الحرب الفتاكة من قتل آلاف الضحايا من أفراد الشعب الليبي المغدور به. 

فرج الفاخري

farajelfakhri@live.com 

ــــــــــــــــــــــــ

[1] مقطع من قصيدة للشاعر الجزائري مفدى زكريا ـ الملقب بشاعر الثورة الجزائرية ـ التى نظمها أثناء فترة حبسه من قبل سلطات الإحتلال الفرنسي، بسجن بربروس، لتصبح بعد قيام الموسيقار المصري محمد فوزي بتلحينها، النشيد الوطني للبلاد بعد إستقلالها، وتقول الأبيات الأولى من القصيدة: 

قسماً بالنازلات الماحقات

والدماء الزاكيات الطاهرات

والبنود اللامعات الخافقات

فى الجبال الشامخات الشاهقات

نحن ثرنا .. فحياة أو ممات

وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

فاشهدوا .. فاشهدوا .. فاشهدو .. 

[2] فى تلك الفترة عرضت دور سينما البرينتشي ببنغازي فى مبناها الضخم الكبير، حفلة خاصة للنساء، لفيلم جميلة بوحريد، الذى أنتجته ومثلت فيه الفنانة القديرة ماجدة دور المناضلة الجزائرية جميلة بوحريد. وكانت أحداثه تدور حول بعض مجريات الكفاح الجزائري ضد قوات الإستعمار الفرنسي، من خلال نضال بطلته جميلة بوحريد ورفيقتها جميلة بوعزة؛ فتحولت دار السينما ـ المكتظة بالنساء ـ أثناء عرض الفيلم المؤثر، إلى ملحمة حزن أليمة، نصابها النواح والنحيب والعويل والبكاء المرير.

[3] يمكن الإطلاع على نص حوار المقابلة بالكامل على الرابط التالي:

http://www.echoroukonline.com/ara/international/la_revolution_lybienne/70897.html

[4] الأستاذ (الشيخ) محمد الصالح الصديق، عالم ومفكر وأديب ومؤرخ وفقيه ديني ومجاهد، ويُعد من أكثر المؤلفين الجزائريين إنتاجاً، فقد ألف أكثر من مئة كتاب فى المجالات المتفرقة، الأدبية والدينية والتاريخية والعلمية وغيرها. 

[5] أشار الدكتور سليمان أبو شويقير (الأمين العام للرابطة الليبية لحقوق الإنسان)، فى رسالته التى وجهها إلى مصطفى بوشاشى (رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان)، المنشورة على موقع ليبيا وطننا بتاريخ 15 أبريل 2011م؛ بأن عدد الجزائريين المرتزقة، الذين جندتهم الأجهزة الأمنية الجزائرية للقتال فى صف كتائب رأس النظام الفاسد فى ليبيا، يصل إلى حوالي ثلاثة آلاف مرتزق.

يمكن الإطلاع على نص الرسالة ـ المشار إليها ـ على الرابط التالي:

http://www.libya-watanona.com/hrights/llhr/ll150411a.htm

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home