Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri

Wednesday, 15 August, 2007

سرّ الإنسان

فرج الفاخري

إن الأمر فى الواقع لا يتوقف على نوع العلامة التى تحملها البقرة فوق جلدها، بل يتوقف بالضبط على ما تعطيه البقرة من الحليب.     من كتاب الصادق النيهوم : "ثلاث كلمات تقال بأمانة عن مشكلة التراث العربي".

 الخلافة والعقل ..

إن الحياة على الأرض بدون وجود الإنسان ـ فيها ـ تفقد معناها الذى كونها الله وسخرها لأجله. فقد خلق الله الإنسان ليكون خليفته على الأرض، وجعله أساس ومحور الحياة فيها، بعد أن فضله على سائر الكائنات الآخرى وميزه عنها بالعقل.

والعقل فى هذا السياق، ليس أداة الإنسان لتحقيق خلافته على الأرض فحسب، بل رخصته التى خوله وفوضه الله بها لهذه الخلافة. وهو من جانب آخر، القياس الذى سيجرى ـ وفقاً لمعاييره ـ محاسبته به من قبل خالقه عن سلوكه وإختياراته التى نحى إليها فى فترة وجوده على كوكب الشقاء. 

وفى سياق آخر، فإن الكون الشاسع بسرمدية تراميه فى فضاء لا متناه ـ والذى لا يعلم أحد بالحدود التى تمتد إليه أطرافه السابحة فى رحاب هذا الإبداع الرباني سوى الله ذاته ـ قد أمتلىء بقدرة (خالقه) بالنجوم والأقمار والنيازك والكواكب السيارة المختلفة؛ منها الملتهب بحمى نار غلاف جوها الحارق، وأُخرى متجمدة ببرودة صقيع سطحها الجليدي القارص، وبقيتها تتسلسل بين هذين الإختلافين بدرجات متباينة فى الأشكال والتكوينات الجغرافية والمناخية التى تفوق خيال قدرة العقل البشري على التصور.

ولعل الله قد أخلف فى هذه الكواكب المتناثرة فى فضاء كونه الشاسع كائنات أُخرى مختلفة الطور والتكوين عن الخلق البشري، وربما جعل فيها عقولاً أكثر سعة وقدرة من العقول البشرية، أو ربما أدنى فى سعة تفكيرها وتدبيرها من عقول البشر.

وعقل الإنسان ـ فى هذا الإطار ـ يُعد معجزة فى مدى قدراته الفائقة على الإبتكار والإبداع، وهو ـ أيضاً ـ لغز شديد الإبهام فى طريقة عمله وتطوره التى تدخل فيها عمليات عديدة، غاية فى الدقة والتعقيد. 

تشابه وإختلاف العقول ..

إن العقول تتشابه ـ فقط ـ فى مصدرها البيولوجي الذى يمثله فى هذا المضمار مخ الإنسان، المسئول بمعزله عن صناعة القدرة الذهنية التى يتكون منها العقل، كما هو مسئول عن ملايين المهام الأخرى المتحكمة فى نظام حركة الجسم الإنساني، التى يقوم بتأديتها معظم أفراد بني البشر بصورة تلقائية فى إطار روتين حياتهم اليومي، كالتنفس والكلام والمشي والجرى والأكل والعمل واللعب والمضاجعة والنوم وغيرها، والتى تدخل فى دينامكية أدائها إشارات وومضات يرسلها المخ لكل عضو أوعصب أوعرق فى الجسم لكى يؤدى خصائص مهامه المكلف بها فى هذا الصدد.

لكن العقول لا تتشابه ـ البتة ـ فى أسلوب تفكيرها أو فى أنماط إختياراتها التى تواجهها فى دروب الحياة المختلفة. لأن ذلك لا يدخل فى ديناميكية عمل الجسم لوظائفه الروتينية التى نسقها الله فى نظام متكامل يعمل بتلقائية لا دخل للإنسان فيه ـ رغم أنه المستفيد الأول منه ـ والعقل فى الإنسان، باليد الآخرى، يعمل وفقاً لنظام خاص لا يمت بصلة تذكر لنظام عمل جسمه المشار إليه.

السر والحكمة ..

والمعنى هنا، أن الله قد كفل للإنسان نظام دقيق يعمل من تلقاء نفسه فى داخل بدنه، ليمنحه القدرة على مزاولة روتين حياته الطبيعية، لكنه أستثنى من ذلك عقله الذى يستمد نظام عمله من (ذاته) داخل كل إنسان بمعزله، والذى تحدده وتشكل قوامه الظروف المحيطة، والنشأة، والتربية، والتعليم، والعقيدة، والتجارب الخاصة، والتقاليد الكامنة فى بيئة كل فرد على حدة.

والعقل ـ من هذا المنطلق ـ عبارة عن ركائز من القوة الذهنية (الخام) التى تقطن مخ الإنسان، والتى تمر فى طور نموها (المطرد) لتشكيل " العقل " بعملية إستشفاف لكل ما يتلقاه المخ من معرفة ومعلومات، وما يصادفه من مواقف وأحداث عبر حياة صاحبه المتدرجة بين طفولته ـ فى مرحلة الإدراك الأولى ـ وحتى سن كهولته.

وتقوم ركائز الإنسان الذهنية فى هذا الصدد، بإعتمال مكونات كافة المحصلات السابقة الذكر، وإحتوائها فى نظام ذكي ـ نعرفه فيم بيننا باسم العقل ـ يرشد صاحبه للتوجهات التى تناسبه، ويملىء عليه الكيفية التى يتصرف بها عند تعامله مع الآخرين فى خضم مجريات الحياة اليومية، وذلك بحسب قدر ونوع محصلاته وتجاربه ومعرفته المختزنة فيه.

والحكمة التى أرادها الله من وراء إنماء العقل فى داخل مخ كل إمرء على حدة، تستدعيها وتفرضها ضرورة الحاجة لوجود التنوع فى قدرات العقول البشرية عند مواجهتها (الحتمية) مع نزعتي الخير والشر، الكامنتين فى ذوات البشر بمختلف أجناسهم، واللتين تدور حولهما كافة رحى الصراعات البشرية.

ويبرز ـ فى هذا الإطار ـ كل عقل إجتهاداته الفكرية من خلال أدواته المتناقضة، كالتؤدة والتروى، والطيش والتهور، والحنكة والتدبير، والحماقة والبله، والإرادة والعزيمة، والضعف والرعونة، وغيرها من السمات العقلية الآخرى التى اقتنتها عقول أصحابها فى فترة إستشفافها وحضانتها للمحصلات السالف ذكرها، وذلك بحسب الظروف التى تحيط بكل فرد بمعزله فى طور نمو عقله.

والخلاصة التى أحاول ـ جاهداً ـ أن أتوصل إليها فى هذا الطرح، هى أن ظروف التربية والنشأة، والعادات والتقاليد وغيرها من المحصلات ـ المشار إليها أعلاه ـ التى تحيط بالفرد فى فترة نموه الذهني، تعتبر مسئولة عن تكوين عقله الذى يتعامل به مع أفراد مجتمعه أو أفراد المجتمعات الآخرى التى ـ قد ـ يحل عليها فى إحدى فترات حياته بعد بلوغه مرحلة الرشد العقلي.

ولعل القارىء يجد فى المثالين المدونين أدناه التوضيح الكافى الذى ترمى هذه المقالة إليه فى هذا الخصوص. وسوف يلا حظ ـ القارىء ـ بأن المثالين المنتقيين، وهما لقصتين حقيقتين جرت أحداثهما فى واقع الحياة، تدوران حول العلاقات الزوجية.

وهذا ما تعمدته، لكون أمثلتها الأكثر قدرة على إبراز تشوه التفكير العقلي الذى يخيم على عقول فئة كبيرة من أفراد المجتمعات المختلفة، والذين أكتسبوه فى طور نمو عقولهم بتأثير من الظواهر الإجتماعية المتخلفة التى أحاطت بهم، وساعدت خصائص تربيتهم وتنشأتهم من تشربهم لها بعد عجزها وقصورها عن الإستفادة من المعرفة الصحيحة لتكوين عقول سليمة خالية من الأفكار المغلوطة والمنحرفة والمشوشة. 

***** 

ضرب الزوجة ـ حلال ـ مباح مادام ضمير الزوج إليه مرتاح ..

أتصل بي صديق ـ ينتمى لإحدى البلاد العربية ويقطن مدينتي التى أعيش بها فى بريطانيا ـ بالتليفون بعد فترة طويلة من الإنقطاع بسبب مشغوليات الحياة، وقال لي بأنه يريدني أن أقوم بأمر التوسط بينه وبين زوجته، فلبيت طلبه بزيارته فى منزله الذى وجدته خالياً من زوجته وأولاده.

حكى لي صديقي بأن زوجته ـ التى تنتمى لنفس جنسيته العربية ـ قد أنفصلت عنه، وتقدمت للمحكمة بطلب طلاق يحلها من إلتزامات عقد الزوجية الذى يربطهما سوياً، وناصرها فى ذلك أولادهما الذين بلغ معظمهم سن الرشد، حيث تركوا له البيت الذى كان يزخر فى يوم بصفاء الوئام الأسري بين أفراده، أو هكذا كان يُخيل لزائره فيم مضى.

شرح لي صديقي كيف هجرت زوجته بيتهما، وزهدت فى العيش معه تحت سقف واحد، والذى تبين أن أسبابه تعود لإستعماله العنف الشديد معها كلما أختلفوا فى شأن أمر ـ أو مسألة ـ ما، حيث كان يخرج عن طوره لأتفه الأسباب لينهال عليها بالضرب المبرح والسباب والشتائم الجارحة.

قلت لصديقي بعد أن أُصبت بتقزز وإشمئزاز من كلامه:

·        كيف يتأتى لك ضرب زوجتك ؟ وهل هناك صاحب عقل يضرب توأم روحه التى زوجها الله له وبارك فى علاقتهما معاً ـ فى السراء والضراء ـ برباط مقدس ؟. 

قال لي صديقي مستعجباً من إستهجاني لأسلوب العنف الذى يستخدمه مع زوجته عند اختلافه معها فى النقاشات التى تدور بينهما:

o       إنها كانت كالحمل الوديع طيلة زواجنا الذى دام لسبع وعشرين سنة، أنه السحر الذى جعلها تتمرد علي، ولم تعد بسببه تألف ضربي لها ! فليس هناك من شك أن إحدى السيدات اللآتي يحقدن علينا قد دست لها تعويذة سحرية من أجل التفريق بيننا.

أزداد إشمئزازي مم قاله صديقي، وعجزت عن تصديق السبب الذى ساقه لتبرير أمر طلب زوجته الطلاق منه، فهرائه المتذرع بالسحر لا يقبله ولا يقره عاقل يحتكم لأسس المنطق والتفكير السليم. ومن هنا، قلت له:

·        إن السحر الوحيد الذى بعث الكراهية فى قلب زوجتك تجاهك ودفعها لطلب الطلاق منك، هو ما جادت به تعويذات لكماتك القاضية، التى ـ والله ـ لو داومت على ضرب تايسون بها على مدى سبع وعشرون سنة لأعتزل الملاكمة ورفع عليك عشرات القضايا.

وربما تكون فرصتي من النجاح لإقناع رأس النظام الفاسد فى ليبيا للتخلى عن السلطة تصل فى أقصى إبداعاتها إلى صفرٍ على الشمال، وإقناع صديقي بأن ضربه لزوجته يُعد جريمة لا تختلف فى شكلها ومضمونها عن إعتدائه بالضرب على أي فرد فى مجتمع متحضر يحترم أفراده كرامة الإنسان ـ من النساء والرجال على السواء ـ يصل نصيبي من النجاح حياله إلى عشرات من الأصفار المتراصة على الشمال، بغض النظر هنا عن أن النتيجة واحدة فى هذا الصدد، فلا فرق بين صفر أو عدة أصفار، وذلك لعدم أهمية عدد الأصفار طالما تم رصها فى الخانة الواقعة على شمال الأرقام. 

والسؤال الذى يطرح نفسه هنا بإلحاح يبعث بإهتمام المرء للبحث عن جواب شافى له، هو: من المسئول عن هذه التركيبة العقلية المتخلفة التى تصور لصاحبها بأن ضربه لزوجته أمر طبيعي لا غبار عليه ؟ وأنه أمر مباح ما دام ضميره إليه مرتاح !.

والجواب الذى لا يقبل الشك فيه ـ ولو بمقدار عقلة صباع رضيع يحبو ـ يجد ضالته فى حصيلة هذا الشخص من المعرفة المغلوطة التى تلقاها منذ نعومة أظافره وحتى لحظة إقترانه بزوجته (ضحيته المسكينة)، التى حُكم عليها ـ بموجب عقد الزواج الذى أبرمه أهلها مع بعل مستقبلها التعس ـ بعقوبة الزواج المؤبدة مع التعذيب والأعمال الشاقة.

هناك تقاليد وعادات ـ غير مكتوبة ـ يمارسها كثير من أفراد المجتمعات المتخلفة فى كوكبنا الأرضي، ويحظى عالمنا العربي والإسلامي بنصيب الأسد منها، ولعل ضرب المرأة وإحتقارها تُعد إحدى نماذجها الكريهة.

صديقي ـ العربي ـ نازح من بلد يرى معظم أفراده فى عقد الزواج كصك يخولهم إقتناء جاريات، يسهرن على خدمتهم، ويتفانين فى إسعادهم وراحتهم بكافة الوسائل، ويسارعن ـ بإيماءة منهم ـ إلى تحقيق جميع رغباتهم، ويمثتلن لأوامرهم بطاعة عمياء وخنوع تام فى كافة المسائل وعلى مختلف الأصعدة. وفى بعض الحالات يفترض فى الزوجات (الجاريات) عند حملهن، عدم التعنت فى مسألة إنجاب الأولاد من ماركة الذكور، لكونهم رمز الجودة حينما يتعلق الأمر بالبنوة.

وإذا لم تنصاع جارية ـ أحدهم ـ لرغبته فى هذا الخصوص، أي إذا أصرت إحدهن أن يكون حملها الذى تضعه من نوع ماركة الإناث، فهنا يسارع (شهريار عصره) إلى إبرام عقد صفقة جديدة تحت مسمى عقد زواج شرعي مع جارية أُخرى ـ لعلها ـ تكون أكثر قدرة على تلبية طلباته فى هذا المغمار، متحدياً بذلك مشيئة الله من ناحية، ومتجاهلاً من جهة أُخرى، الحقيقة الطبية التى تقول بأن الرجل ـ فى هذا الصدد ـ يُعد المسئول الأول عن تحديد نوع الجنين وليس المرأة. 

العقل ـ إذن ـ هو المسئول عن النهج الذى أتبعه صديقي فى تعامله مع زوجته بهذا الأسلوب غير الإنساني. وباليد الآخرى، فإن العادات والتنشأة والتربية والمعرفة السائدة التى أستقاها هذا الصديق فى بلده الأم، مسئولة ـ من جانب آخر ـ عن تكوين قواه الذهنية التى تشكل بخصائصها (الرديئة) عقله المتخلف. 

***** 

خداع الزوج لزوجته ـ حلال ـ مباح، كلما كان السبيل إليه متاح ..

حكى لي أحد المقربين من شخصيات القصة ـ الواقعية ـ التالية، التى جرت أحداثها فى إحدى البلاد العربية، وتم إسدال الستار على نهاية آخر فصولها السنة قبل الماضية. والقصة لزوجين طبيبين، جمعتهما قصة حب توجت فى نهايتها بزواج ميمون.

وإذا تم إعتبار عقود الزواج مثل كافة العقود الأخرى التى تبرم بين الأطراف لتقنن واجبات وحقوق كل طرف، فإن الزوج ملزم ـ فى هذه الحالة ـ بإبلاغ زوجته (جاريته) صراحة، عندما تجرفه نزواته وغرائزه الحيوانية لتكبيل جارية أُخرى بعقد زواج شرعي آخر. فإن قبلت جاريته القديمة بزواجه من الجارية الجديدة، ورحبت بضرتها التى ستقاسمها ـ فى أحسن الحالات ـ العبودية لذلك البعل الشريد، فهذا أقصى ما يتمناه البعل الذى كانت أحلامه الوردية تمنيه ـ دوماً ـ بتقمص شخصية الحاج متولي (الشهير). وإذا رفضت الزوجة مشاركة البعل مع الجارية الأخرى، فليس لها بعد ذلك عليه لوم أو ملامة، فله ـ فى هذه الحالة ـ تسريحها بمعروف.

هكذا هى أخلاق الرجال، وهذا ما تفرضه الأصول وحقوق العشرة بينه وبين جاريته القديمة. ولكن، هذا مالم يفعله البعل (الطبيب) فى القصة المتناولة بين أيدينا، فبعد ثمانية عشر سنة من زواجه بجاريته المطيعة، التى أنجبت له فى أثنائها أربعة أطفال، وطبخت له على مدارها رقم فلكي من الأكلات المتنوعة الشهية، وساعدته مادياً فى بناء عش الزوجية ـ بأغصان أسمنتية متينة ـ وعاضدته فى مشوار بناء مستقبله المهني وإكمال دراسته فوق الجامعية. بعد كل ذلك أقام الطبيب (القدوة) علاقة عاطفية مع إحدى الممرضات فى محيط عمله، أستمرت لعام ونصف، شيد فى غضونها عشاً إسمنتي آخر لجارية المستقبل التى ستحقق له مناه فى تقمص شخصية الحاج متولي (قدوته ومثله الأعلى فى هذا الشأن).

صحيح أن الزوجة ـ وفى معظم الحالات الزوج ـ آخر من يعلم، فقد علمت تلك الزوجة بما كان يدبره بعلها من وراء ظهرها، بعد أن غطت شائعات قصته الغرامية مع الممرضة على سحاب سماء مدينتهما فى تكاثفها، وبعد أن طغت شهرة حكايته العاطفية على قصة حسن ونعيمة الذائعة الصيت فى الأرياف المصرية.

وهكذا، واجهت الزوجة بعلها، فإعترف بمخططه، وطلب منها الرضوخ لرغبته. وعندما رفضت، وطلبت الطلاق، سقط فى نفسه،لأنه لو طلقها سيفقد أهم أسس وركائزشخصية الحاج متولي التى يسعى لتقمصها!.

ولكن الطبيب (القدوة) لم يحر فى أمره كثيراً فما كان منه ـ وقوانين بلاده لا تسمح بزواجه الجديد إلاّ بموافقة زوجته القديمة ـ إلاّ أن زور شهادة عن طريق أحد زملائه من الأطباء العاملين معه فى أحد مستشفيات مدينته، تُفيد حيثياتها بأن جاريته القديمة غير صالحة للإستعمال الآدمي، لأن تاريخ صلاحيتها قد أنتهى، ولم تعد ـ من ثمة ـ قادرة على أداء واجباتها الزوجية.

قدم الطبيب (القدوة) الشهادة للمحكمة ـ فى دعوى أقامها بسرية تامة ـ حتى يستطع الحصول على الأذن بالزواج من الجارية الثانية (الممرضة)، بدون الحاجة لموافقة الجارية الأولى (الطبيبة) على زواجه السعيد، الذى سيدخله من وأوسع أبوابه لعالم شخصية الحاج متولي (مثله الأعلى). غير أن القانون ولوائحه فى مثل هذه الحالة يستدعى إعلام الجارية الأولى بأمر عزم بعلها على الإقتران بالجارية الثانية، وذلك عن طريق محضر يحمل لها  رسالة من القاضي بهذا الشأن.

وهذه عقبة أُخرى برزت أمام الطبيب متولي ـ كان ـ يتطلب منه موقفها العمل على تذليلها بوسائل الغش والخداع المتاحة، والتى يملك ـ فى هذا الصدد ـ خبرة وباع، أفلم يسبق له تزوير الشهادة الطبية التى شهدت ـ باطلاً ـ بعطب جاريته الأولى، مم يستدعى ضرورة إستبدالها بأُخرى سليمة ؟.

وهكذا كان، رشى البعل متولي محضر المحكمة ـ وربما القاضي أيضاً ـ بأمكانياته المادية وخدماته الطبية الواسعة، فتم تزوير إستلام الإعلان الموجه للزوجة بتوقيعها المزور، رغم أنها لم تستلمه ولم تر ذلك الإعلان قط ! فقد شهد المحضر (المرتشي) على أنها أستلمت الإعلان المنوه عنه.

وقبل أن يبث القاضي المكلف بالنظر فى ملف هذه القضية، وإصدار أذنه للبعل متولي بالزواج من جاريته الثانية، وقع ملف القضية ـ المنوه عنه ـ فى يد أحد العاملين بإدارة المحكمة، وشاءت الأقدار بأن يكون هذا الموظف تربطه صداقة متينة بعائلة الزوجة، فنسخ كافة أوراق الملف وسلمها للزوجة المخدوعة.

لم ترغب الزوجة فى إيداع بعلها الطبيب القدوة، وزميله المزور، والمحضر المرتشي فى السجن على قضية التزوير والغش الذى تمت ممارسته فى حقها، فعفت عنه، وذلك كان من حسن ـ الذكاء ـ والفطن الذى يُحسب لها وتتميز به فى هذا الإطار، فقد رأت ـ بعقل راجح ـ أنه لا فائدة ترجى من حبس زوجها المخادع، بل أن نتائجه الإجتماعية ـ إذا تم سجنه على يديها ـ ستكون وخيمة على أبنائها فى داخل مجتمع مدينتهم الصغير.

وهنا، خر الطبيب (القدوة) راكعاً على ركبتيه أمام جاريته القديمة طلباً للصفح، وغنى لها أغنية التوبة، وطلب منها نسيان الماضي بكافة سيئاته، فرحت الزوجة بعودة البعل لمكانه المعتاد فى (الكابينة)، وعاش الأثنان فى ثبات ونبات، لكنهما لم يرزقا  ـ حتى كتابة هذه السطور ـ بصبيان آخرين أو بنات.

وهكذا، غضت الزوجة الحكيمة طرفها عن طلب الطلاق، ولم تعر الأغنية الشهيرة (أيظن أنني لعبة بين يديه) أي إعتبار فى هذا الخصوص، فقد وضعت نصب أعينها، بأن الكرامة وعزة النفس التى تقود للطلاق سيدفع ثمنها الباهظ أبناؤها ـ بالدرجة الأولى ـ من خلال فقدانهم لعوامل الإستقرار الأسري فى مجتمع شرقي، لا يرحم أفراده المطلقات اللآتي يُعيلن ـ من بين أبنائهن ـ من تم وصمهن بشهادة علامات ماركتهن التجارية بالإناث.

ومن هنا، فقد رأت الزوجة المحنكة بأن الأمر يتطلب وجود بعلٍ ـ بدون تنقيط العين ـ ليس فى منزلها فحسب، بل فى منزل أية أسرة محترمة، وذلك حتى تستقيم الأمور، ويرضى العرسان التقدم لبناتها؛ وأيضاً حتى يتمكن أبنائها من الزواج من فتيات أحلامهم، لأن أبناء وبنات المطلقات فى بعض المجتمعات الشرقية والمتخلفة، يكون سوق زواجهم راكد، عندما يصطدم الأمر بالمظاهر الإجتماعية والحسب والنسب، وعائلة فلان وعائلة علتان.

ومن هذا المنطلق، فإن ظل رجل ـ كما يقول المثل الشهير ـ أفضل من ظل حائط، حتى لو كان حائط الصين العظيم. وهكذا فقد فضلت الزوجة (الطبيبة) أن تستظل بالحائط بعلها (الطبيب القدوة)، ضاربة بذلك عرض كافة الحوائط الآخرى. 

*****

لمن يخضع العـقـل ؟ ..

عقل الطبيب القدوة ـ إذن ـ مسئول مسئولية كاملة عن غشه وخداعه الذى مارسه ليس فقط تجاه زوجته وأبنائه، بل وتجاه تعاليم ربه الذى خلقه وسواه ! هذا على الرغم من تقمصه لشخصية الفرد المتدين (الورع) الذى لا يفوته فرض، ولا تنقطع عنه عادة ـ المواظبة اليومية ـ على قراءة القرآن !.

والعقل من هذا المنطلق، لا يتبع السلوك الذى يتظاهر به صاحبه، ولكنه يصنعه ليقوم صاحبه بتنفيذه، ولا تقيد العلوم والمعرفة العامة من قدرات العقل فى صناعة النهج السلوكي الذى يختاره لصاحبه، لكنها تمكن العقل من توسيع مداركه، فهى ـ فى واقع الأمر ـ لا تملك تحديد نوع سلوكه الذى يتعامل به مع الآخرين فى الحياة (فى معظم الأحيان).

والمعنى هنا، إن الطبيب (القدوة) فى القصة الواقعية السابقة، لا ينقصه، بكافة المعايير، الإلمام بالثقافة والعلم والمعرفة الدينية والأخلاقية والعامة. فهو نموذج متكامل للشخصية الإنسانية السوية، ومع ذلك إرتكب من الذنوب والأخطاء فى واقعة واحدة، ما لا يتجرأ الأدنى منه ـ فى الحوز على المحصلات السابقة بدرجات كبيرة ـ على إرتكابه.

وهذا الأمر قد يحير البعض ويربك تفكيرهم فى تحقيق فهم منطقي لمثل هذه الحالة، التى ليست فريدة ـ نوعها ـ فى عالمنا الذى يحوى من أمثالها مئات الملايين، ولكنه لا يدهش البتة من يعرف ـ على وجه الدقة ـ حيثيات المعادلة التى تحكم السر الذى يعمل بموجبه الإنسان فى هذا المغمار.

والسر ـ فى هذا السياق ـ يمكن شرحه ببساطة لا تتعد حدود كلمات قليلة، وهى أن الأمر كله يعتمد على الجانب الذى ينحاز إليه عقل الفرد عند الموازنة فى الإختيار بين نزعتي الخير والشر. فإذا إنحاز المرء للشر، فإن سلوكه لن يتورع عن إستخدام الوسائل الشريرة لتحقيق مأربه عندما يتطلب الأمر ذلك. وإذا إنحاز للخير، فسوف تردعه مقوماته الراسخة فى ركانز قواه الذهنية، والتى جرت العادة على تسميتها بالضمير.

وقد يتساءل أحدهم، بأنه طالما ليس هناك فارق بين متعلم وجاهل، أو عالم وصعلوك، فى إختيار السلوك الذى ينتهجه صاحبه إزاء معاملاته مع الغير، فما هى ـ إذن ـ فائدة الحرص على التعليم وتحصيل المعرفة والتمسك بالدين، طالما أنها لا تعصم صاحبها من الوقوع فى مغبة الشر.

والجواب ـ فى هذا الصدد ـ يبرىء العلم والمعرفة والدين، فهم لا يصنعوا للعقل قرارته وإختياراته، بقدر ما يوسعوا مداركه وفهمه لمختلف الأمور. ولكن اللائمة ـ فى هذا الخصوص ـ تقع على التنشأة والتربية والتجارب الخاصة والعادات والتقاليد السائدة التى تحيط بالمرء، والتى تفرض عليه عند تكونها فى كيان عقله طبيعة الإختيارات التى ينحى إليها عند الموازنة بين نزعتي الخير والشر.

***** 

أقنعة العقـل

·        العقل عندما يذعن للخير، يصنع أجمل الإبداعات ويحقق أفيد الإبتكارات. وعندما يسيطر عليه الشر، يصنع أكبر مشاريع التدمير التى تضر بالإنسان.

·        العقل لغى الأطر التى تتحكم فى المسافة والمكان والزمان، فمكن الإنسان من التحليق والطيران فى أقطار السموات، وجعله يمخر البحار والأنهار والمحيطات ويغوص فى أعماقها السحيقة. وجعله يشق الصحاري والغابات ويعبر الوديان ويرتقى الجبال، كل ذلك فى أوقات قياسية ـ بعد أن كانت مثل هذه الأمور حتى زمن قريب ـ أحلام خيالية؛ فقد أبتكر العقل ـ فى هذا الخصوص ـ الأدوات التى مكنت الإنسان من فعل ذلك، والتى تجلت فى صناعته لسفن الفضاء والطائرات والسيارات والقطارات والبواخر والغواصات، وغيرها.

·        والعقل ـ أيضاً ـ صنع أسلحة الدمار الشامل، وقتل الإنسان فى بلاد العالم الجديد ليستولى على أراضيها، ودمر هوريشيما عن بكرة أبيها. وهو العقل الذى بأومره لم تخمد مدافع وصواريخ ورصاص العنصرية الإسرائيلية لحظة على مدى سبعين عاماً، بحصيلة مئات ألآف الضحايا من شعب فلسطين.

·        والعقل فى خدمة الشر، جعل رأس النظام الفاسد فى ليبيا يقهر أهلها ويفقرهم ويذلهم على مدى ثمانية وثلاثين سنة، ثم جعله ـ مؤخراً ـ يبعث بابنه الفاسد ليقول لهم أن كان ذلك لم يعد يعجبهم فليشربوا من مياه البحر الممتد على ساحل بلادهم.

·        وبالعقل تحايل معاوية بن أبي صفيان وعمرو بن أبي العاص على المسلمين برفع المصاحف على رؤس السيوف حتى يحافظوا على ثورة الإنحراف التى قضت على نظام دولة الشورى الإسلامية، فى مؤامرة ـ كان ـ هدفها بناء إمبراطورية أموية على غرار إمبراطوريات الروم، التى كانت نقطة البداية ـ فيها ـ قد حددها معاوية برفعه لقميص سيدنا عثمان تحت شعار الإقتصاص من قتلته.

 هناك الكثير ـ فى هذا السياق ـ الذى يمكن للمرء أن يقوله عن أفعال العقل، الخيرة منها أو الشريرة، ولكن فى نهاية المطاف يظل شيء واحداً ثابتاً، لا يختلف حوله العقلاء من أصحاب المنطق السوي، وهو أن العقل هو سر الإنسان، وهو سبب وجوده.

فرج الفاخري

farajelfakhri@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home