Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri
الكاتب الليبي فرج الفاخري

الأحد 13 يونيو 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

لأي نوع من المجتمعات ينتمي الليبيون؟ (3)

فرج الفاخري

الجزء الثالث

الرقعي وأشباهه خير مثال 

لقد توقف الحديث بنا فى الجزء السابق، عند نجاح سياسات رأس النظام الفاسد (الهدامة) فى تحويل شريحة من أفراد المجتمع الليبي إلى فئة فاسدة تشاركه فى تنفيذ مخططه الشرير تجاه الشعب الليبي، وشريحة أخرى متلونة فى مواقفها، وآرائها، ومعتقداتها، ومبادئها، وولاءاتها، وإنتماءاتها، بحد لا يترك للحرباء معه ما تتباهى به على بقية الكائنات الأخرى. بينما ظلت الشريحة الثالثة، التى تمثل بقية فئات الشعب الليبي ـ رغم أنفه ـ على سجية طباعها الطيبة، التى جبلت عليها، من خلال تمسكها بعروة الأخلاق الكريمة، والإلتزام بروح الحق المبين. 

لقد كان من المفترض أن يتم ـ فى هذا الجزء والجزء الذى يليه ـ الإستشهاد بأمثلة شخصية لبعض الأفراد الذين تحتوى كياناتهم الشخصية على الخصائص السلوكية التى تعكس خواص نوعية الشريحة المتلونة فى كيان المجتمع الليبي. والمرء لا يجد أدنى صعوبة فى هذا السياق، للإشارة بسبابته إلى بعض أشخاصها. ولا أخال أن أي فرد من ـ أسوياء ـ المجتمع الليبي سيجد مشقة فى الإشارة لبعضهم، من بين أفراد محيطه الإجتماعي الخاص والعام. وكل ما يحتاجه الأمر فى هذا الصدد، هو الإستشهاد بأفعالهم ومواقفهم المتقلبة فى ولاءاتها وإنتماءاتها، والمتلونة فى معتقداتها وآرائها. 

وعلى الرغم من أن رصد هؤلاء المتلونين، يتعدى فى سهولته إخراج خنفسة قاتمة السواد من غلة دقيق ناصع البياض، فإن الحيرة روادتني عند إقدامي على إختيار بعض هذه النماذج، لتقديمها كأمثلة يسهل من ورائها، على القارىء لهذه المقالة، فهم نوعية وطبيعة هذه الشخصيات الهوائية. 

بمعنى، أن واقع الأمر يدل ـ من الناحية النظرية ـ على سهولة إختيار عينات فردية من نوعية هذه الشريحة، التى يصادف المرء نماذجها الكثيرة فى المجتمع الليبي، بل ـ للإنصاف ـ فى مجتمعات كثيرة أُخرى، إذا سخرت له الأقدار العيش مع أهلها لفترة تكفل له الحكم على تصرفات أشخاصها. غير أن الحيرة ـ كما تم الإشارة ـ قد أعترتني، عندما أتى الأمر لإنتقاء أمثلة من نماذج فردية، تعكس سمات شخصياتها خصائص الشريحة المتلونة فى المجتمع الليبي. 

والعلة فيما أنتابني من حيرة، كامنة فى شدة حرصي على تقديم أمثلة عديدة، لشخصيات مختلفة، من نماذج يعرفها الجميع، وظاهرة للعيان، وسلوكياتها معلومة (البيان) للناس، بواقع شيوع أخبار مواقفها بينهم. ولكن إتباع هذا النسق سيؤدى إلى توسيع مجال هذه المقالة المتواضعة، ويطيل موضوعها المحدود، بصورة تجعلها أقرب لأن تكون دراسة (بحثية) متخصصة، وهذا ما ليس لي به حاجة فى هذا المقام. 

من هنا، وجدت أنه من الأجدى فى هذا السياق، اللجوء إلى تقديم مثالٍ واحدٍ يعرفه جميع قراء المواقع الليبية، بملامحه الشخصية ومعالمه السلوكية الشائعة، لنقل صورة معبرة وواضحة عن سمات الشريحة المتناولة فى هذا المضمار؛ والتى لم أجد خير من يعبر عن خصائصها من سليم الرقعي !. 

وليس أمام القراء بعد ذلك، إلا مقاربة كافة ما سيتم ذكره من ضروب سلوكه المتلون، بسلوك أشباهه المتواجدين فى محيطهم الخاص أو العام، الذين يتناغمون معه فى التصرفات والطباع وشكل السلوك، وتنطبق عليهم ـ فى هذا السياق ـ سمات الشريحة المتلونة. 

وقبل أن أمضي فى تحليلي لشخصية الرقعي عبر الأمثلة الواقعية، التى سجلت صفحات مواقع الإنترنت كافة حيثيات أحداثها؛ لابد لي من أن أوضح، بما لا يترك مجالاً للشك والريبة، بأني لم أختر شخصيته فى هذا الإطار، لعداوة بيننا، أو لأجل تجريحه، أو التشهير به، فهذا مالا تحبه نفسي، ولا تفعله تحت وطأة أي ظرف أو طائل أو إعتبار. 

أنا لا أعرف الرقعي على الإطلاق، ولا تربطني به صلة أو علاقة أو معرفة من أي نوع، ولم أقابله فى حياتي ـ إذا لم تخن الذاكرة صاحبها فى هذا الغمار ـ سوى مرة واحدة، فى أمسية إحتفالية أقيمت بلندن، فى أحد أيام الأسبوع الأخير من شهر مارس من العام المنصرم، لعرض فيلم يخص محمد السنوسي، الذى دعاني إليه من ضمن كثيرين آخرين.[1]

ومن مفارقات القدر فى هذا الخصوص، أنه قبل بدء عرض الفيلم المشار إليه، جلست فى بهو الفندق (هيلتون ـ بادنجتون)، الذى تم العرض السينمائي فى إحدى قاعاته الفاخرة، مع لفيف من الحاضرين، كان من بينهم حسن الأمين ومفتاح السيد الشريف، وتم تعريفي فى أثناء ذلك، ببعض الحاضرين الذين لم يسبق لي معرفتهم من قبل، وكان سليم الرقعي من بينهم، والذى عبر عن إعجابه الشديد بكتاباتي، التى أشار إلى أنها قليلة فى نشرها، لكنها مفيدة فى مواضيعها التى تتعامل مع الحقيقة المجردة وتسعى لإظهارها وإبرازها للناس !. 

وما أقصده بالمفارقة (القدرية) فى هذا الشأن، أن ما سيأتي من تحليل لشخصية الرقعي فى هذه المقالة، من خلال الإستشهاد به كنموذج يعكس خصائص شريحة المتلونين، لابد أن يكون له صدى فى نفسه، حين يطلع على فحواه؛ وهذا ما يدفع بالمرء (هنا) إلى محاولة التكهن بما سيكون عليه رد فعله فى هذا الإطار، من خلال التساؤلات التالية: 

        هل يا ترى، سيكون (الرقعي) على موقفه ورأيه السابق حول كتاباتي التى ـ من وجهة نظره ـ لا تتعامل إلاّ مع الحقيقة المجردة، وتسعى من أجل إبرازها للناس ؟ أم أنه سيكون له رأياً مخالف لذلك الآن ؟. 

        هل يا ترى، سوف تتأثر وتتغير مشاعر الإعجاب ـ التى لم يخفها ـ لكتاباتي، وعبر لي عنها فى السنة الماضية، عند لقائي به (وهو الأول والأخير)، عندما يبلغه رأيي فى شخصيته، عبر نصوص هذه المقالة ؟. 

        هل يا ترى، سوف يناصبني العداء، مثل بضعة من الآخرين، الذين كتبت عنهم فيما سبق ؟ أم أن ذكائه يسعفه فى هذا الصدد، ويقبل بالنقد، ويقر بصدق ما جاء فيه من وقائع وحقائق ثابتة حوله، لا تقبل المفاصلة والجدل ؟. 

رغم تساؤلاتي السابقة، إلاّ أنني أعرف سلفاً رد فعله فى هذا الخصوص؛ فهو بالنسبة لي، كتاب مفتوح، أستدل على مضمونه من فهرسه دون عناء لقراءة محتواه. فلن يبتعد رد فعله ـ والحال كذلك ـ عن مهاجمتي تحت أسماء مستعارة، فهذا من وجهة نظري، ما يتماشى وينسجم مع مدراكاته العقلية، وله فى هذا الأمر، فيما مضى، باع طويل. ومن جانبي، فأنا لا يهمني البتة، كما لا يعنيني ما سيكون عليه رد فعله. 

دعه يفعل ما يحلو له فى هذا المنوال، وما يفعله سوف يكون إختياره الذى قاده إليه عقله وهواه، وهذا يقع ضمن حدود حريته التى منحها الله له، ولا يملك أمرء فى هذا الكون الفسيح مصادرتها منه. فما عليه ـ والأمر كذلك ـ إلاّ أن يشحذ عصارة عقله، الذى صنعه (بذاته) عبر مراحل عمره الماضية، ويختار الجادة التى تنسجم وتليق بمستواه الأخلاقي، وتعكس مقدار قيمه المكتسبة فى هذا السياق؛ ومن جانبي، لا أكترث برخص قول ومهاترات من يضايقهم إعلان الحقيقة حول تصرفاتهم، ولا يضيرني إطلاقاً رخص أساليبهم وقباحتها، ولا ترهب نفسي مدافع ثرثرتهم السوقية الجارحة، التى أغضبها كشف كلماتي النقاب عن عورات سلوكهم غير السوي. 

ومن هنا، سوف أستمر فى التعبير عن آرائي وإبداء وجهات نظري فى كافة المواضيع المختلفة التى تمس قضية بلادنا، ولن يحل دون ذلك، سوى الموت، والموت أجمل من حياة يدنو بها البعض إلى حضيض السوء والرداءة المخجلة، والموت أفضل من حياة يهبط فيها البعض بصنعة الله المكرمة إلى درك سحيق من البذاءة والسفاهة المقشعرة للأبدان. 

***** 

صورة تحت الرآية المنصورة 

يقول سليم الرقعي فى إحدى كتاباته التى نشرها على بعض مواقع الإنترنت، فى خضم حديثه عن نفسه، ومثالبه، وتنظيره لكل الشئون، وإبداء آرائه المتعددة، فى شتى القضايا والمسائل المتفرقة، التى لا ينضب معين فتاويه حولها، ولا يتوقف سيلها اليومي المنهدر منذ لحظة إنبهاره ـ فى أول مرة ـ برؤية أسمه منشور ككاتب ليبي على موقع ليبيا وطننا !. 

يقول الرقعي (بدقة تامة فى النقل والإقتباس): 

" حتى عام 1983 - وكان عمري يومها 20 عام تقريبا - يمكن تصنيفي كموالي للنظام وكان معروفا ً عني أنني أحب متابعة كل خطابات (الأخ العقيد!؟) وكنت من المعجبين به جدا ً كإعجابي بعبد الناصر  منذ صغري وكنت – لسذاجتي – أرى أنه رمز الوطنية وكنت أصدقه في كل ما يقول ! .. بل وصل إعجابي به إلى حد أنني كنت في المرحلة الأعدادية - وكان عمري يومها 16 سنة تقريبا ً - علقت صورته في غرفة نومي حتى أن بعض الأقرباء أو الأصدقاء حينما كانوا يدخلون لغرفتي يشهقون حينما يشاهدون صورة (الري؟) معلقة هناك قائلين في سخرية وإستنكار : ( أعوذ بالله !!!.. تي شنو هذا ؟؟) ثم يلومنني ساخرين : ( كيف تنام وصورة الشيطان في دارك !!؟) وكنت يومها - ولسذاجتي - أستنكر هذا القول وأدافع عن (الأخ العقيد) بل كنت أتشاجر مع أحد أقربائي بسبب أنه كان يحب (السادات ) وأنا كنت أحب (الأخ العقيد) !! .. هل تصدقون !!؟ .. ولكن هذه هي الحقيقة !".

نعم، نصدقك يا رقعي، بأنها الحقيقة، التى تبين بدون وجه مواربة، أن الإنسان، من ذوي الشريحة المتلونة ـ فى تصرفاتها وسلوكها ـ والمتغيرة فى آرائها وأحكامها ومعتقداتها ومبادئها، تستطيع بسهولة أن تنتقل، بين ليلة وضحاها، من عقيدة الإقتناع بأمر ما، إلى الإيمان بنقيضه المختلف عنه جذرياً فى كافة أبعاده ومقوماته وقيمه. 

وفى هذا السياق، لا يمكن للمرء ـ فى غمار ـ تحليله لهذه النقطة البارزة فى شخصية الرقعي، الإكتفاء بالتعليق على ما ورد فى كلامه حولها، والذى يعترف فيه بولائه وحبه المفرط لرأس نظام الحكم الفاسد فى مطلع شبابه ـ بطريقة مخجلة ومخلة بإنسانيته ـ لينتقل من بعد ذلك إلى معارضته بشدة ملفتة للنظر. 

لأن تحليل هذه الجزئية من شخصية الرقعي على أساس التوثيق السابق، الذى نشره (بذاته) على صفحات مواقع الإنترنت الليبية، لا تكتمل أبعاد صورته، إلا بتوضيح واقع المرحلة الزمنية التى أحب فيها الرقعي رأس النظام الفاسد، وأدان له بالولاء الكامل. وبدون ذلك، سيغيب عن القارىء المتابع لموضوع هذه المقالة رؤية الإنفصام الجلي فى كيان الشخصية قيد الحديث؛ وهذا ما سيترك بدوره مجال الطعن والتأويل مشرعاً على مصرعيه لكل صاحب غرض مبيت. 

والمعنى هنا، أن الرقعي قد برر تأييده للنظام الفاسد فى فترة شبابه، لرعونة وسذاجة وطيش تلك المرحلة العمرية، وقد حاول تأويل حبه وولائه لرأس النظام الفاسد، فى تلك الفترة المبكرة من عمره، لضبابية الرؤية المتأثرة بتغرير الذات، التى لم تر الشواهد والمؤشرات الدالة على إستبداد (الرأس الفاسد) وظلمه المبين فى حق العباد والبلاد إلا فى الفترة اللاحقة لسنة 1983م، وهى السنة التى حددها فى كتاباته كبداية لوعيه على حقيقة الأمور الجارية، وإفاقته من خدر خداع سباته الواهم. 

غير أن هذه التبريرات، تخالف وجه الحقيقة كلية، فالمؤشرات والشواهد الدالة على فساد رأس النظام الحاكم فى ليبيا، وإستبداديته وظلمه اللعين، ظهرت على الملأ قبل أن يمضى عام واحد على إستيلائه على السلطة، وهذا ما سنراه من خلال الحديث القادم فى هذا الخصوص، بالتفصيل الكامل الدقيق. 

***** 

تغطية الفيل بمنديل ! 

إن الوقائع والمؤشرات والشواهد الدالة على فساد نظام الحكم الأسن فى ليبيا، لم ينقطع تواترها منذ إستيلاء الرأس الفاسد على مقاليد السلطة فى سبتمبر 1969م. وقد نبهت حدتها الشرسة جميع أفراد الشعب الليبي لحقيقة شكل ونوع الحكم المسيطر على وطنهم، بعد أن ذاق كثير منهم جرعات كافية من ويلات ظلم إستبداده الكريه. 

ونجد فى هذا المنوال، أن رؤية هذه الحقيقة الساطعة، لم يغب وضوحها عن إدراك أحد من أفراد الشعب الليبي، سوى قلة ـ كان لها أغراضها وأطماعها الخاصة ـ أختارت أن تتغاضى عما يحدث، وتعلن عن حبها وولائها للرأس الفاسد ونظامه الأسن. ونجد الرقعي فى هذا الإطار، قد أختار التلذذ بمذاق عسل السبات الجميل فى حجرة نومه الخاصة، مع صورة رأس النظام الفاسد، مغمض عيناه عن رؤية الوقائع الدالة على فساد خليله، مدافعاً عنه بكل حواسه، منتشياً بسماع كافة خطاباته، وذلك حسب ما أدلى به ـ بذات نفسه ـ على صفحات بعض مواقع الإنترنت الليبية فى هذا الخصوص. 

من السذاجة التى لا ينطلى عذرها على أحد، أن يتمحك أحدهم بحجة حداثة السن، كمبرر لعدم رؤيته للشواهد والمؤشرات الكثيرة الدالة على فساد نظام الحكم الأسن فى ليبيا، أثناء فترة سنوات العقد الأول من عهده المشئوم، فوضوح توالى وتيرة وقعائها الآثمة، يفوق فى حدة جلائه، قدرة زرقاء اليمامة على رؤية ناقة ـ حَلُوبُ ـ على بعد يقل مقداره عن نصف متر من مرمى نظرها. 

لا حجة للرقعي أو غيره ـ إذن ـ فى موالتهم وتأييدهم لرأس النظام الفاسد، (ليس) بحلول سنة 1979م فحسب، التى أكتملت مع قدومها صورة إستبداديته وظلمه الفاجر بشكل لا يمكن أن تخطئه عين الإنسان السوي، بل قبل ذلك بسنوات عديدة، حين تبين لكثير من الناس مقدار جوره اللعين، الذى لم تقف شراسة قسوة ويلاته عند حد معين. 

بمعنى آخر، إن المنطق السليم يقر لنا بأن المدراكات العقلية عند الإنسان (النزيه الضمير)، لا يمكن لها أن تُخطىء ـ بأي حال ـ رؤية الوقائع الدالة على فساد النظام الحاكم، منذ البداية الأولى لتسلطه على البلاد، فهى جلية فى وضوحها للصبي الصغير، والشاب اليافع، والكهل العجوز، ويرآها الكفيف مثلما يرآها البصير، وأخبارها مجلجلة مدوية، يسمع وطيس ضوضائها ـ دون إستراق ـ الأصم وذو السمع الثقيل. 

ولكى يأخذ التحليل ـ الجاري ـ نصيبه من العدل والإنصاف والنزاهة، ولا يغمط حق الرقعي فى تغطية كافة الحقائق والملابسات التى أحاطت بموقفه المتناول، الذى دعاه للإنضمام لشريحة المواليين للنظام الفاسد، فى الفترة الواقعة بين سنة 1979 ـ 1983م. علينا أن نقوم بجدولة كلامه السابق فى إطار الرؤية الكاملة لكافة أبعاد الأحداث والوقائع السائدة آنذاك. وهذا ما يُحتم ـ أمره ـ العودة ليوم نجاح إنقلاب الرأس الفاسد (أول سبتمبر 1969م)، فى الإستيلاء على سلطة الحكم فى ليبيا

حيث نجد ـ فى ذلك اليوم الكريه ـ كثير من الناس قد أيدته، سواء كان ذلك بوعي عقلي، أو بتأثير أجواء الحالة السياسية الوقتية التى طرأت على مسرح الحياة فى المجتمع الليبي، وترجمها الغوغاء والصفوة الواعية، على حد سواء، بأنه التجديد الذى يحمل فى طياته بوادر التغيير للأحسن، بعد أن خدعتهم شعاراته الجميلة. 

ولكن، لم تمض شهور قليلة، تلتها بعد ذلك، بضعة سنوات غير كثيرة، حتى بدأ الناس فى المجتمع الليبي يكتشفون رويداً، رويداً، خطأ توقعاتهم، وخيبة آمالهم، فى حكم العساكر الأسن، الذى أنحرف رأسه الفاسد عن شعاراته البراقة ـ التى رفعها لهم ـ فى الحرية والعدل والمساواة والرفاه. 

وبحلول سنة 1979م، كان كافة الناس فى ليبيا، قد تيقنوا بعلم الوقائع الحاضرة، أن رأس النظام الفاسد، قد أتى للحكم، ليتسيد بأدوات التسلط والإستبداد والجور المقيت؛ وكانت المؤشرات فى هذا السياق، واضحة لكل ذى علم بسيط، بواقع تؤيده السياسات النكراء التالية، التى كونت تراكماتها القناعة الكافية لدى الناس بضرورة التخلص من حكم هذا النظام الشرير: 

        مصادرة حرية الفكر والرأي.

        مصادرة حرية الصحافة ووسائل الإعلام.

        إعلان نهج الإستبداد كشكل لحكم البلاد، من خلال موقنات خطاب زوارة، وما تضمنته من كارثة تعطيل القوانين.

        إعتقال وتعذيب آلاف المواطنين، من مختلف فئات الشعب دون إستثناء.

        إلهاء الناس بمشاكل جانبية، لها مردودها السيء (الشخصي) على كل فرد وأسرته. مثال: فرض التجنيد الإجباري لدولة آمنة الحدود، وليس لها عدوات أو نزاعات مع الدول الأخرى، ولا يوجد ما يهدد سلامتها، ولا تحتاج لأكثر من جيشها النظامي القائم.

        القيام بإعدام جلة من المدنيين والعسكريين، فى حملات ترهيبية متعمدة، لتخويف الناس وإرعابهم.

        تأميم كافة المباني السكانية، والأعمال التجارية الخاصة، التى لم تستثن ـ غرضيتها ـ أية فئة من فئات المجتمع الليبي بأكمله، بما فى ذلك فئة أرباب المتاجر المحلية الصغيرة.

        إطلاق العنان لحملات قمعية واسعة، منها على سبيل المثال، الإعتقالات التى جرت على مدار سنوات طويلة فى معسكر السابع من أبريل، وزنزانات الحصان الأسود والجديّدة، وفى داخل ثكنات بعض معسكرات الجيش، وفى أقبية أجهزة المخابرات المتفرقة، وغيره من الأماكن الأخرى العديدة، التى ضاقت جدران مبانيها بالوحشية الصارخة، التى سام وكال بها مرتزقة النظام الفاسد، لألآف من المواطنين، أصناف كريهة من التعذيب الفاحش غير الإنساني

        تصعيد موجة من الحملات المسعورة لإغتيال ـ وخطف ـ أفراد المعارضة بالخارج. 

وقد أخذت كافة السياسات الإجرامية ـ السابقة ـ مكانها، فى الفترة الواقعة بين حدوث الإنقلاب فى عام 1969م وبين عام 1979م، بإستثناء السياسة الأخيرة فى القائمة المدونة أعلاه، وهى حملة الإغتيالات لأفراد المعارضة فى الخارج، التى أنطلقت بكراهيتها المفرطة، مع بداية عقد الثمانينات، ووصلت لأوجها فى عام 1982م، وأستمرت بعد ذلك لسنوات عديدة. 

وإذا تخيلنا فى هذا السياق، مخطوط لرسم بياني، تم تصميمه ـ خصيصاً ـ لتوضيح معدل تدنى تأييد وولاء الناس لنظام الحكم الفاسد فى ليبيا، فى الفترة الواقعة بين لحظة وثوبه على السلطة فى أول سبتمبر سنة 1969م، وحتى إطلالة عام 1983م؛ فسوف نجد ـ من نسج الإفتراض المبني على حقائق الواقع ـ أنه لا يقل عن 95 فى المئة من أصل المؤيدين للنظام (وليس بالطبع إجمالي عدد المواطنين)، قد أنتقلوا لمعارضته ورفض سياساته، ولو كان ذلك فى قرارة أنفسهم، خوفاً من عواقب البوح برأيهم فى هذا الصدد. وذلك فى خلال السنوات الأربعة الأولى (1969 ـ 1973م) التى تم خلالها مصادرة حرية الفكر والرأي، ومصادرة حرية الصحافة ووسائل الإعلام، وتم خلالها وضع نهج نظام الإستبداد السلطوي من خلال نقاط خطاب زوارة الخمس. 

ولم ينته صيف سنة 1979م، حتى كانت الرؤية الواضحة لحقيقة النظام الفاسد الإستبدادية قد أكتملت صورتها فى أذهان أفراد الشعب الليبي بأسره ـ بإستثناء أشرار النظام ومرتزقته ـ فى شكل قناعات راسخة بعدم صلاح رأس النظام القائم لحكم البلاد، بعد أن أثبت بجدارة منقطعة النظير فساده التام، الذى كشفت عنه سياساته الإجرامية، وبينت ـ بما لا يدع مجالاً للشك ـ حقيقة ديكتاتوريته المطلقة، وأزاحت الستار عن عورة أساليبه القمعية الشرسة، التى تبناها لأجل تحقيق مبتغى أهدافه الشريرة. 

وهكذا وصل الرفض الكامل لنظام الحكم الفاسد أوج قمته بين الناس، بعد سلسلة جرائمه القمعية، وتوجهاته الإنتكاسية. وحاولت بعض قطاعات الشعب إستعمال وسيلة الرفض العلني (المظاهرات وتوزيع المنشورات المناهضة)، فأصطدمت بآلة الإرهاب القمعية التى سلطها رأس النظام وأعوانه على كل من يرفع صوته بالرفض لنظامه، والقصة بعد ذلك صارت تاريخاً مشهوداً.[2] 

خاف الناس، وعم الذعر بينهم. لاذوا بالصمت والإنصياع للرأس الفاسد الجبان، فأندحر رفضهم إلى قاع الضمير الساكت، الذى نتأ إلى الوجود بفعل سطوة قوة القمع القبيح. ذهبت أصواتهم، فولدت بينهم لغة الهمس، بشروط تمليها ـ فى نفوسهم ـ غريزة البقاء، التى دفعتهم للركون للصمت والإستكانة لأوضاعهم الرديئة، فى إحتراس من بطش النظام الفاسد وقمعه الوحشي. 

وإذا برأ الأبكم من لغة الكلام، فلم يبرأ من رؤية شواهد جور جلاده المقيت. وإذا أخرست آلة الإرهاب القمعي لسانه عن النطق بالحق فى داخل وطنه، فلا تستطع أن تخرسه عن إيصال آهات ضميره لمسامع المجتمعات البشرية، فى العالم الفسيح، من حوله. 

نجح مواطن ليبيا فى توصيل صدى آهات ظلمه بأنينها المحزن لأصقاع البرية، بمشارقها ومغاربها القصية؛ لكنه باليد الأخرى، قد فشل ـ رغم عنه ـ فى إقناع قوى العالم (القادرة) على مناصرته فى قضيته العادلة. فهيهات له، أن تنصره مثل هذه القوى المتحكمة فى مصير العالم أو تساعده فى منشده الإنساني، فقضيته لا تعنيهم البتة، ولا تقع فى دائرة إهتماماتهم الإنسانية. 

والمعنى هنا، أن عالم العصر الحالي، تتحكم فيه (لعبة) المصالح المدججة بالمؤامرات والدسائس، غير المسموح فيها بوجود هامش ينبض فى إطاره الضمير الناطق بالعدل والحق والمساواة، فضمائر أصحاب النادي الدولي للقوى المسيطرة على العالم، عندما يتصل الأمر بمصالح بلادهم فى هذا الشأن، هى أصم فى صلابتها ـ وأشد ـ من المعادن الفولاذية متانة. فهيهات لأمثالهم، أن يهتموا بقضية الإنسان الليبي أو الفسطيني، أو غيره من أفراد الشعوب المغلوبة على أمرها فى هذا المنوال. 

تجلت أبعاد الحقيقة المُرَّةُ فى هذا الخصوص، لأهل ليبيا، أو بالأحرى لصفوتهم المتصدرة لنشاطات العمل الوطني المناهض للنظام الفاسد، واثبت لهم واقع الحال، بأن مآساتهم الوطنية، لا تحرك فى نادي قوى أصحاب المصالح الدولية ساكناً، من أجل مناصرتهم أو مناصرة الشعوب المنكوبة (مثلهم) بظلم حكامها الفاسدين. 

والأمر ببساطة، فى هذا السياق، يتلخص فى أن حسابات المعادلة الخاصة بتحقيق أهداف ومصالح القوى الدولية المسيطرة على خارطة العالم، ترى من منظورها الخاص، أن الشعب الليبي بأسره، لا يتعدى عن كونه الطرف الذى يمكن لهم الإستغناء عن قيمته الحسابية، فى إطار التركيبة العامة للواقع الرقمي الذى تشمله أبعاد المعادلة. فهو لا يُشكل الثقل الذى يمكن له أن يؤثر ـ بالإيجاب أو السلب ـ فى تحقيق أهدافهم المرسومة. بينما الرأس الفاسد على الضفة المقابلة، يحقق لهم كافة أهدافهم ويزيد. ولهذا تمت زراعته منذ البداية، ولنفس السبب تمت حمايته وترسيخ حكمه وتثبيته، والحرص على استمراريته، وتأكيد تقوية قبضته على مقاليد السلطة فى البلاد. 

والمعنى الأجمالي هنا، أن قوى العالم المالكة لوسائل فرض التغيير (ليس) فى ليبيا فحسب، بل فى بلاد كثيرة أخرى من العالم، والمالكة لأدوات إقتلاع بذرة الشر الحاكمة من جذورها، هى بذاتها التى قامت بزرعها فى المقام الأول، مثلما زرعت الكيان الصهيوني فى قلب أرض فلسطين. وصوت أهل ليبيا، فى هذا الإطار، قادر على الوصول لمسامع قادتها (كما تم الذكر)، لكنه بسهولة يضل طريقه إلى ضمائرهم الفاسدة، التى إختارت أن لا تستمع إلا لغة مصالحها الإقتصادية والسياسية والإستراتيجية. وبذلك آل صوت الشعب الليبي إلى الهباء المنثور، الذى لا حياة لمن ينادى فى فضائه الشاسع. 

***** 

دعونا نعود لمدار حديثنا السابق، حول وضوح فساد النظام القائم فى ليبيا، وعدم صلاح رأسه الأسن لأمر تولى الحكم فيها، الذى كشفت عنه وقائع ومجريات الأحداث السائدة منذ الأونة الأولى لوثوبه على سدة الحكم، وعززت السنوات اللاحقة حدة وضوحه، من خلال إزدياد درجات فساده وإستبداده وظلمه بإضطراد مفرط فى غايته، ليبلغ أوجه مع حلول سنة 1979م، التى أصبحت الفاصل الحقيقي لتقييم نوعية حكمه الفاسد، المبتلية به ليبيا وشعبها المنكوب. 

وهكذا، أصبحت سنة 1979م، الحد الثابت الذى لا تقبل ـ عند عتبتها الزمنية ـ شفاعة لمن يؤيد الرأس الفاسد وحكمه الأسن من بعدها. بعبارة أُخرى، من لم تقنعه كل شواهد السياسات الآثمة، التى أقترفها نظام الردة ـ المشار إليها فيم سبق ـ فى الفترة الواقعة بين سبتمبر 1969م وحتى صيف سنة 1979م، فهو كمن يحاول تغطية الفيل بمنديل ! وهو (إذن) متعمد بنية خالصة، وبكامل إرادته وقواه العقلية للإنصياع لجادة الشر المنبوذة، من خلال مناصرته وتأييده للرأس الفاسد، الذى تقع على عاتقه المسئولية الكاملة لما تم إرتكابه من جرائم فادحة فى حق الشعب الليبي فى هذا الصدد. 

ولقد رأينا الرقعي وهو يختار فى سنة 1979م ـ من خلال كلماته المنقولة أعلاه ـ تعليق صورة رأس النظام الفاسد على أحد جدران غرفة نومه الخاصة، وذلك لينشرح صدره برؤية هيئته الشريرة مع إطلالة كل مساء، ويتطلع فى سحنته الكريهة مع إشراقة صباح كل يوم يخلف اليوم الذى سبقه. كما أختار أن يستميت فى الدفاع عنه ضد مناوئيه، وأختار أن يقضي وقته فى الإستماع لخطبه الآثمة، التى كان يحرص على أن لا يفوته فرضها فى الميعاد، وأختار المضي فى هذا السبيل الكريه حتى سنة 1983م. 

إن شذوذ فكرة تعليق الرقعي لصورة رأس النظام (الفاسد) فى غرفة نومه، لا يستسيغها العقل، فالمرء فى هذا الصدد، لم يسمع عن أحد يضع صورة رئيس دولة فى غرفة مخدعه مطلقاً، وأقصى ما يتصوره الإنسان من فئة الشباب فى هذا السياق، خاصة الفتيات، أن يقمن بتعليق صور المطربين والممثلين الذين تتوائم أوصافهم مع تصورهن لفارس الأحلام. لكن تعليق صورة رئيس دولة فى غرفة نوم شاب، فهو الجديد الذى لا يمكن تخيله !. 

ومع ذلك، فإن هذا الأمر لا يعنينا فى حد ذاته، بقدر ما يهمنا معرفة سبب ولاء وحب الرقعي للرأس الفاسد المفرط، خلال الفترة الظلامية التى حسم فيها الجميع موقفهم من حكمه الأسن، وأتضح لهم ـ بما لا يدع مجالاً للشك ـ فساده وإستبداده الكامل. فلا يمكن لأي فرد أن يتخيل قيام شخص عاقلٍ، نزيه الضمير، محب لوطنه، بمولاة الرأس الفاسد، والتدله فى حبه، فى ذات الوقت الذى تمر فيه البلاد بأحلك ظروفها، تحت وطأة الظلم والإستبداد الفاجر، ويعاني أبنائها قسوة الضنك المبين، وتمارس ضدهم كافة أساليب القمع الشريرة الشرسة، والقتل البارد، وسلب الحقوق والأملاك والأموال من أصحابها، بدون وجه حق أو عدل. 

فى مثل هذه الظروف المشار إليها أعلاه، لا يمكن لأحد أن يقدم على منح الولاء التام، ومشاعر الحب المفرطة لديكتاتور تتملكه نوازع قوى الشر المحرمة، التى يعجز الشيطان (ذاته) عن مجاراته فى إرتكاب فواحش جرائمها الآثمة، الموجهة ـ معظم ـ أفعالها للحط من آدمية أفراد الشعب الليبي. لا أحد البتة ـ إذن ـ يفعل ذلك، باستثناء من كانت له أغراض وأطماع مكينة، تدفعه للركض عكس أتجاه الدرب الذى يسير عليه الناس. 

والمعنى هنا، أن تأييد رأس النظام الفاسد والهيام بحبه بعد سنة 1979م، لم يفعله إلا المرتزقة الضالين، أو من يريد الإلتحاق بعصابتهم، عن طريق تقديم أوراق تعيينه، المنحصرة فى التأييد التام للنظام، وإثبات حب رأسه الفاسد، من خلال الدفاع عنه، وعن سياساته الخرقاء، وتصوير جرائمه على أنها ممارسات وطنية يتطلبها واقع الحال؛ وإذا زاد المرشح على ذلك، ميزة تعليق صورة الرأس الفاسد فى غرفة جلوس منزله، فقد ضمن لنفسه مقام محمود فى داخل منظومة تنابلة السلطان، أما إذا تفانى فى إثبات حبه، بتعليقها فى غرفة نومه، فهو من الأعضاء المبشرين بجنة الحظوة لدى السلطان ذاته. 

لعل القارىء عند هذا الحد، يشعر بأن تمادى هذا التحليل فى سياقه الراهن، سوف يسير به نحو محاولة إعتبار تصرفات الرقعي المذكورة آنفاً، فى الفترة الزمنية الواضحة المعالم للجميع، على أنها مصوغات تعيين، أجتهد صاحبها، بكل حواسه، وبتفان على تقديمها لأصحاب الشأن فى هذا الخصوص، لضمه لصفوف المطبلين والمرتزقة المنتفعين، المحيطين بركب رأس النظام الفاسد. 

وسيفهم القارىء من الإيماء السابق، بأن مسعى الرقعي قد أنتهى بفشل ذريع، فلم تلفت مجهوداته المضنية أنظار أصحاب الشأن إلى ما يملكه من خامات واعدة؛ فما كان منه ـ والحال كذلك ـ إلا أن إختار، فى حينه، القفز إلى ضفة معارضة النظام، وهذا لم يكن يحتاج منه إلى مؤهلات معينة، أو كثرة عناء، فما كان عليه سوى الكتابة والحديث بدون توقف عن مشاعر الوطنية الصادقة، والتنديد بنظام الحكم الفاسد، وإتهام بعض أنداده (المعارضين) بالخيانة وبيع القضية، والعمالة للنظام الفاسد؛ وبإختصار، ما عليه سوى رفع شعارات: عاش الوطن، يسقط الطاغية، تحيا المعارضة، أنا معارض، والمعارضة أنا !. 

***** 

الإرادة وصراط الحق المبين 

أنا لا أرغب هنا، فى إحراج الرقعي، ولا أسعى لإثارة حنقه من خلال سيناريو التصور السابق، الذى لم يتم لي إتخاذه كأساس لبناء قالب يتم به تجسيد شخصيته فى إطاره، فهدفي فى هذا الخصوص، لا يتعد ـ فى نواياه ـ عن كونه محاولة جادة تسعى للوصول إلى فهم الأسباب التى دعته للتنقل بين نمطين متناقضين فى كينونتهما وخواصهما وقيمهما وأهدافهما. وهذا ما يتطلب (أمره) البحث بموضوعية تامة فى كافة أوجه التصورات والسيناريوهات المختلفة التى تُجلى للقاريء أبعاد الموقف المتناول، الذى يضطلع التحليل الجاري بمهمة إماطة لثامه؛ وما السيناريو السابق ـ فى هذا المضمار ـ إلاّ أحد أوجهه البارزة. 

ومن هنا، لم يكن لي أن أُسقط أياً من التصورات المتاحة، التى أستلهمها العقل من المعطيات المطروحة أمامه، فى حرصه الحثيث لتقديم تفسير مقنع ـ للقاريء المتابع ـ من كافة أوجه وأبعاد الموضوع قيد التحليل. والبرهان على ذلك، نجده متجسداً فى سيناريو آخر، تحاول حيثياته المنطقية، إخراج الرقعي من هذه الورطة العويصة، التى أطبق باب قبوها على نفسه، وأحكم إقفاله بقيود شركها المتين. 

بمنتهى الإجتهاد والمثابرة، تحاول حيثيات السيناريو المستجد، فى خضم مساعيها المضنية، تبرير موقف الرقعي (المتلون)، بجعله ضحية التربية الأسرية ! حيث ترى فى مضمار تفسيرها ـ الذى يحمل فى طياته قسط من المنطق المقنع ـ بأن تعاليم أسرته التى ترعرع فى كنفها، كان لها التأثير الأعظم فى دفعه لإرتياد درب الحب والولاء لرأس النظام الفاسد فى شبابه !. 

وقبل أن يتسرع أحدهم، بإطلاق أحكام طائشة، وغير متريتة، من خلال الظن بأنني قد جنحت لإستخدام التخمين، وركنت لأسلوب الإفتراض المحض، دون الإستناد على دليل يدعم تحليلي فى هذا السياق. أقول لمن يخامره مثل هذا التصور (ولو لبرهة)، أنني لم أت بهذه الفكرة من بنات ـ أو حتى أولاد ـ أفكاري؛ وأنما أستدليت عليها من واقع ما كتبه سليم الرقعي بذات نفسه، فى أثناء إنهماكه فى الحديث عن نفسه، وعن نشأته، فنجده يصف نفسه بأنه ربيب عائلة موالية للنظام ومغرمة بحب رأسه الفاسد ! وفيم يلي نص بعض ما كتبه فى هذا الخصوص: 

" أنا تربيت في بيت كان مخدوعا ً بالقذافي وقد قال لي أحد أعمامي ذات مرة أن الأمة لم تشهد قائدا ً بعد صلاح الدين مثل القذافي !!! وكنت صغير السن آنذاك ,,, وفي المرحلة الإعدادية كنت أعلق صورة (الأخ العقيد) في غرفة نومي.

والحق يُقال فى هذا الخصوص، فإن تأثير التربية الأسرية على الأبناء، أقوى من قدرة إرادتهم على مناكفة تعاليمها الملقنة لهم (فى معظم الأحيان)، بغض النظر عن بطلان وعدم صواب أفكار التعاليم التى يتلقونها فى حينه. فالمرء فى كثير من الحالات، يكون أسير تعاليم النشأة الأولى التى يستقيها من مرشدي أسرته فى هذا الشأن. 

ورغم ذلك، فهذا لا يمنع من أن يظل لإرادة الفرد السوي، المطعمة بمدراكات عقلية راجحة، الغلبة فى تشكيل إختياراته الصحيحة، عندما تتوفر لديه الدلائل الدامغة، والحقائق الكاملة حول المواضيع المطروحة أمامه؛ حيث تستطيع الإرادة فى ذات الإنسان السوي من التغلب على تأثير المحصلات التربوية الخاطئة فى قرارة النفس، إذا تجلت أمامها الحقائق عارية من كل لبس. 

وفى حالة الرقعي، فإن مؤشرات فساد رأس النظام الأسن فى العقد الأول من حكمه، كانت واضحة بجلاء يتمكن به وغيره من تحقيق الرؤية السليمة التامة، التى تجعل أصحاب الألباب السوية من بينهم، ينبذون أمر سيطرته وتسلطه على مقاليد السلطة فى البلاد، غير أنه ـ وفى تلك الأونة بالذات ـ إختار (الرقعي) طائعاً، مصاحبة الباطل وتأييد أفعاله الشريرة، من خلال الولاء المفرط، والمناصرة المطلقة لرأس النظام الفاسد. 

بمعنى آخر، إن صاحب النفس السوية، لا يخطىء ـ بأي حال ـ رؤية نصاب الحق، فمدركات عقله الخيرة، قادرة على التمييز بين أفعال الحق، وفواحش الباطل، بكل يسر وسهولة. ولا يحتاج المرء فى هذا السياق، لبذل أية جهود نفسية، فالحق فى صراطه واضح وبين وجلي لمن ينظر إليه بعين العدل والإنصاف، والباطل فى هذا السياق، أكثر وضوحٍ من مناهضه بمقدار جزيل. 

ومن هنا، فإنه على الرغم من نشأة الرقعي فى بيت أسرة تدين بالولاء لرأس النظام الفاسد، ورغم تأثره الشخصي بهذا الجو السقيم، الذى تشكلت فيه معتقداته السياسية فى ذات الأتجاه الذى وجد عليه ذويه؛ فإنه من جانب آخر، كان من السهل عليه، وعلى أشباهه، رؤية مقدار فساد رأس النظام الحاكم، فى تلك الفترة الكريهة من تاريخ الوطن، التى سخر فيها ـ الرأس الأسن ـ شرور شيطان نفسه لتسليط ظلمه وإستبداده على أفراد الشعب الليبي، ونفث سموم حقده فى مسار يوميات حياتهم المعاشة. 

لم يكن من الصعب ـ إذن ـ على الرقعي أن يرى ما أقترفه الرأس الفاسد من الآثام البغيضة فى حق مواطني البلاد فى تلك الفترة العصيبة، التى كانت كفيلة أن تدفع صاحب النفس السوية، ليس لنبذ الولاء للرأس الفاسد فحسب، بل مناهضته بشتى الوسائل الممكنة. 

ويجد المرء نفسه فى آخر المطاف، يعود بالملامة على الرقعي (ذاته) دون غيره على إختياره السابق، الذى يلزمه وحده، ويتحمل بذاته عواقبه غير الودودة، التى أقلها وطأة، خروج أحدهم بمثل هذه المقالة ـ الجارى كتابتها ـ التى تحلل لموقفه المعني، فيقرأها الناس، ويحكمون من خلالها على نوعية شخصيته، التى تعبر خصائصها عن صفات الشريحة المتلونة فى المجتمع الليبي. 

والمرء فى هذا الصدد، لم يجاف قواعد المنطق السليم، ولم يحد عن الموضوعية التى يلتزم بناموسها كل صاحب قلم نزيه. ومقصد القول المراد تبليغه فى هذا الشأن، أن كافة ما جمعته للقاريء فى هذه المقالة من معلومات (موثقة)، وحيثيات لوقائع ثابتة حول موقف الرقعي (المتقلب)، قد نقلته بأمانة تامة من لدن نصوص كتاباته التى نشرها على صفحات المواقع الليبية. 

وقد وجدت فيم تحدث به الرقعي عن نفسه فى هذا الإطار، ما يكفي لتكوين حكم عادل غير منحاز ـ مبني على أسس الموضوعية التامة ـ حول إختياراته المتناقضة، التى حققها بحرية إرادته المطلقة، فى إطار حقه المكفول له ولغيره (بتفويض من الله ذاته) لممارسة حرية الإختيار. حيث نجده يختار، بكامل إرادته العقلية الحرة، سلوك درب جادة الشر، المتمثلة فى تأييده للرأس الفاسد فى فترة كئيبة، تُعد من ضمن أحلك الفترات التى قاسى من ويلاتها أفراد الشعب الليبي، لكافة أنواع القهر والذل والإرهاب. 

هذا على الرغم من الرؤية الواضحة والشواهد البينة، التى أحاطت به، عند وقوفه أمام مفترق طرق الإختيارات المختلفة، التى كانت كفيلة بإعانته على تحديد الإختيار الصحيح من بينها، لكنه أبى إلاّ أن يختار وجهة الإعتقاد التى تتناسب وتتلائم مع خواص شخصيته التى أنطبع عليها، فلا مفر لأمرء ـ فى هذا السبيل ـ من ذلك. 

ويتجاهل الرقعي فى هذا المنوال، كافة شواهد الأسانيد البينة عن عمد، معرضاً عن مؤشرات منبهاتها الجلية له ـ ولأشباهه ـ بعدم أهلية رأس النظام الفاسد لحكم البلاد؛ فنجده يمعن فى غيه بإطلاق العنان لأسارير نفسه لتأييد جلاد الشعب الليبي، مخمور بنشوة محبته الفائضة، ومغمور بمشاعر الفرح والحبور لمشاهدة صورته (المنبوذة) فى غرفة منامه. 

يتبع .. 

فرج الفاخري

farajelfakhri@live.com

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] لمزيد من التفاصيل فى هذا الشأن، أنظر الحاشية المدونة فى أسفل مقالة "العودة لموقع ليبيا وطننا"، على الرابط التالي: http://www.libya-watanona.com/adab/ffakhri/ff290510a.htm . 

[2] لا أخال ـ فى هذا السياق ـ البتة، أنه يوجد من يجهل قصتنا الحزينة، قصة الشعب الذى تعرض لواحدة من أكبر عمليات السرقة والنصب والإحتيال فى تاريخ البشر، من قبل شلة من شياطين الإنْسُ، التى أحتالت عليه فى اليوم الأول من شهر سبتمبر 1969م، وأستولت على مقاليد السلطة، لتنطلق عمليات النهب والسطو المدبر لكافة ما تصل إليه إيدى عناصرها النجسة من ثروة الشعب الليبي المغلوب على أمره. وكلما زادت صادرات النفط السنوية، وتدفقت أموال بيعه لخزانة الشعب الليبي، كلما أزدادت شراهة الطمع فى نفوس هؤلاء اللصوص لسرقة المزيد، دون أن تدركهم مشاعر الخجل والحياء من عار جرائمهم النكراء.


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home