Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri
الكاتب الليبي فرج الفاخري

الإربعاء 9 يونيو 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

لأي نوع من المجتمعات ينتمي الليبيون؟ (2)

فرج الفاخري

الجزء الثاني

جبروت المال وسطوته[1]

كان أسوأ ما حدث للدعوة الإسلامية فى صدرها، تفشي سوسة الفتنة الكبرى التى أندلعت بسبب نوازع بعض الأفراد النفسية، من غرور وكبرياء وحب للمال والسلطة والنفوذ. وهذا ما أدى إلى فقدان دولتها الوليدة ـ تحت وطأة الصراعات والإنشقاقات ـ لكساء الشورى والمساواة، وإرتداء ثوب إمبراطورية الروم، ليولد فى رحابها العساة والجواسيس والمخبرين والوشاة، وتنتأ المؤامرات والدسائس والمكائد، وتندلع سلسلة من الصراعات بين أهل العقيدة الواحدة، فى طريق طويل تعدى الألف بمئات من السنين، بدأت باكورته بالعصر الأموي ومرت بالعباسي، وأنتهت بعهد الأتراك (العثمانيون)، وهو آخر عهود الخلافة الإسلامية قاطبة ـ وربما أسوأها ـ فى عمر تلك الحضارة الواعدة. 

ونال أهل ليبيا حصتهم من الفساد والتسلط والإستبداد، فى ظل حكم دولة الأتراك، التى كان جل هم ولاتها فى تعاقبهم على الحكم، جمع المال بكل الوسائل حتى لو أدى ذلك لإذلال العباد. وكان أسوأ العهود فى ظل دولة العثمانيين، عهد أسرة القره مانلي التى حكمت ليبيا لقرن وربع من الزمن، وكانت أشبه فى سلوك (معظم) حكامها بأسرة رأس النظام الفاسد التى تحكم ليبيا الآن. 

أندحر الدين فى نفوس الناس بليبيا، لقلة الإهتمام به، فبعث الله محمد بن علي السنوسي، فى منتصف القرن التاسع عشر، ليعيد إحياء تعاليمه وإرشاداته الحنيفة، وليقود أحفاده حركة النضال والجهاد الليبي ضد الغزو الإيطالي الغاشم، التى توجت ـ بقوة إيمان الناس ـ بالإستقلال المجيد. 

هُزم الإيطاليون، ورحلوا عن ليبيا، بعد جهاد طال أمده لعشرين سنة فى ميدان القتال، وعشرين أُخرى فى ميدان النضال السياسي من أجل نيل الإستقلال. وقد أعتبر الناس والمؤرخون، بأن العهد الإيطالي أسوأ العهود التى أختبرتها ليبيا وشعبها فى تاريخها الحديث، حتى جاء حكم النظام الفاسد فى سبتمبر 1969م، لينجح بشاسع واسع، وبدون مبارى إلى كسب مكانته فى إعتباره (ليس) أسوأ أنواع الأنظمة التى سيطرت على حكم ليبيا فحسب، بل أسوأها على مستوى تاريخ العالم المعروف. 

مع مراعاة أن عهد الحكم الإيطالي الذى هيمنت عناصره الفاشية على مقاليد السلطة فى أرض الوطن، يمثل فى خواصه كيان الدولة الإستعمارية، المختلفة فى جذورها القومية، وعقيدتها الدينية، ولغة نطق لسان أهلها، عن خواص النظام الفاسد، الذى يفترض فيه أنه يمثل كيان نظام حكم وطني، تنحدر عناصره من صلب التراب الليبي. 

وهذا ما يضع القائمون على الحكم فى داخل إطار النظام الفاسد فى ليبيا، فى دائرة الحرج ـ الذى لا مفر لهم من مهانته ـ عند إجراء مثل هذه المقارنة، التى تدور حول التمييز بين أسلوب حكمهم لليبيا بعد إستيلائهم على مقاليد الأمور فيها عام 1969م، وبين أسلوب عناصر الكيان الإستعماري الإيطالي فى تسيير شئون البلاد بعد إحتلالهم لها فى عام 1911م. 

ونجد المقارنة فى هذا الشأن لا ترجح كفتها لصالح العناصر الفاسدة فى نظام الحكم الأسن، فالبرهان التاريخي (الساطع) يشهد بأن حكمهم لليبيا كان أكثر سوءاً وظلماً على مدى الأربعين سنة ونيف الماضية، من حكم المستعمر الإيطالي،الذى هيمن على البلاد(بالمصادفة) لنفس مدة حكم النظام الفاسد، التى أمتدت إلى أربعين سنة وبضعة شهور!.

***** 

بعد إندحار القوات الإيطالية الغازية، وجلائها عن أرض الوطن، تسلح الليبيون فى عهد دولتهم الوطنية المستقلة ـ من 24 ديسمبر 1951 إلى 31 أغسطس 1969م ـ بصراط دينهم الحنيف، وبأعراف وتقاليد عاداتهم المتوارثة، فعم مجتمعهم (المبشر بالخير)، الرفاه والأستقرار والطمأنينة والسلام. وكانت القيم السائدة، سواء الدينية منها أو المستقاة من الأعراف المتوارثة، تردع أفراده من الإنزلاق لمواطن الفحشاء والمنكر، إلاّ قلة (ضالة) لم تكن تخلو منهم المجتمعات البشرية، مهما أرتقت مثاليتها وتبوأت مكانة راقية فى مصاف الممالك المتألقة بأخلاقها الكريمة الرفيعة. 

وتبدد الحلم الجميل بكابوس وخِيم ـ طال ليله ـ بإنقلاب عسكري، قامت به ثلة من صغار ضباط الجيش المارقين، حنثوا ليمينهم الذى أقسموه، لحماية الوطن والمحافظة على مكتساباته، التى (كان) يقع على قمتها دستوره، الذى أعد خصيصاً ليفصل بين مواطنيه، ويذود عن حقوقهم بقوانين بنوده العادلة، التى وضعت بعناية فائقة لأجل مصلحتهم، ومصلحة بلادهم، ومصلحة الأجيال القادمة. 

وإذا كان الإستقلال قد حقق للمواطن الليبي ـ ولأول مرة فى تاريخه الطويل ـ حريته الإنسانية، وحفظ له كرامته، وزرع فى أعماق نفسه الإحساس بمواطنته لبلاده، والولاء لها بإعتزاز وفخر شديد؛ فإن نظام الحكم الفاسد قد جرده من قيمه الكامنة فى سرائر نفسه، وحوله لأمرء تائه شريد، مائع الولاء، وباهت الإنتماء

بمعنى آخر، أن التغيير السياسي، الذى حدث فى داخل ليبيا فى أعقاب إغتصاب السلطة فى سبتمبر 1969م، قد زعزع القيم التى قامت على نواتها سلوكيات أفراد المجتمع الليبي الخيرة، وذلك عبر مخطط مدروس ـ متخفياً تحت واجهة العبثية والإرتجال ـ ببرمجة موجهة للنخر فى جوهر تلك القيم السامية الكائنة فى ألباب الناس. 

وقد مكنت ثروة ليبيا الطائلة التى تحلم شعوب كثيرة بالتنعم بخيراتها، رأس نظام الردة، من ترسيخ كيان حكمه الفاسد، وإزالة مبادىء الفضيلة والقيم الخيرة فى كثير من نفوس الناس، بقوة الوسائل القمعية المختلفة، التى يقع على رأسها نصل سيف الفقر، الذى سلطه على رقابهم، بعد أن سلبهم أموالهم، وصادر حريتهم الإقتصادية، من خلال ربطهم حول ساقية حاجاتهم المعيشية الملحة، ثم هوى ـ بدون هوادة ـ على كياناتهم النفسية بمطرقة الجور المقيت. 

وهكذا، إستطاع رأس النظام الفاسد، بمساعدة مجرمي شلته المستفيدة، عبر أربعة عقود زمنية متتالية من حكمه الأسن، من تحقيق غايته الشريرة فى زرع سمات الفساد الكريهة، وإقتلاع سمات القيم الفاضلة من نفوس الكثيرين من أفراد المجتمع الليبي، لتتفشى بينهم الآفات الإجتماعية، ويفقد كثيرهم لأرصدته من ذخيرة السمات الخيرة. 

وحلت بين الناس ويلات شر عواقب التغيرات السيئة، التى طرأت على مُثُل القيم الأخلاقية بين كثير من أفراد المجتمع، والتى تسببت فيها السياسات الهدامة التى فرضها عليهم الرأس الفاسد، إبان سنوات العقود الأربعة الماضية من حكمه الأسن. 

لقد شهد الجميع ـ بدون مواربة أو حجاب ـ عصر هدم جدار العصمة الأخلاقية، التى كانت تحمى الناس من الإنحراف لمواطن الشر البغيض، وتمنعهم من الإنغماس فى مواضع الفحشاء والمنكر المكروهة. فقد رأى الجميع، الإنتهازية وهى تنتشر بين بعض المواطنين، واللامبالاة تسود عقول آخرين، والرشوة، والمحسوبية، والنصب، والإحتيال، والدعارة، والفسق، والمخدرات وغيرها الكثير الآخر من شرور الطباع والسمات الأخلاقية الفاسدة، وهى تتحول لطابع سلوكي مقبول أمره بين أفراد بعض فئات المجتمع الليبي. 

وكان المال، كالعهد به منذ الأزلُ، العصب الذى لعب الدور الأكبر فى التغيير والتحول الإجتماعي الذى حدث فى ليبيا، بعد أن فطن رأس النظام الفاسد وزمرته المعاونة له ـ التى لا تقل عنه فساداً ـ لأهمية المال فى تنفيذ مشاريعهم الشريرة وإنجاحها. حيث قاموا، بسحب بساط الإستقلالية الإقتصادية من تحت أقدام المواطن الليبي، التى كان يتمتع بمزاياها فى نطاق سعيه لكسب رزقه اليومي، وقيدوه على عجلة فاقه الحاجه المعيشية الماسة. 

والمعنى هنا، إن النظام الفاسد قد سلط على الليبيين، عضال الفقر، الذى يُعد ألعن الأوبئة التى يمكن أن تصيب الإنسان، فإستشراءه بين البشر، يفرز أعراض إجتماعية ونفسية خبيثة، تتفشى من خلالها معظم ظواهر الأمراض الإجتماعية والأخلاقية السيئة. فهو ـ بعبارة أُخرى ـ مسئول فى كثير من الحالات عن جرائم وفواحش: السرقة، والقتل، والنصب، والإحتيال، والرشوة، وشهادة الزور، والنفاق، والكذب، وركوع الرجال، وإنحراف النساء، والكثير الآخر. 

والإنسان فى هذا السياق، عبد طيع لإحتياجاته المادية، عدا من أصطفاهم الله بعزيمة لا يقوى على حملها سوى المكرمين (منه) بقوة الإرادة، التى يروضها فى عقولهم صدق إيمانهم، وصفاء سرائرهم، ويقين فهمهم لمعنى الوجود، وإدراكهم التام لحكمة الخالق فى خلقه. 

***** 

الخير والشر 

إن جوهر وناموس الأشياء فى الحياة، مثل المشاعر والنزعات والغرائز النفسية المختلفة، ومظاهر وعوامل الطبيعة المتعددة، ومصادر القوة المتفرقة ـ التى كلفنا الله بالعيش فى إطارها فى هذه الدنيا ـ تتحدد خواصها بنظام الأضداد أو النقائض، حيث نجد لكل شيء فى الحياة نقيضه المختلف عنه فى الخواص، والمكمل له فى الكيان. بكلمات أُخرى، أن كل شيء خلقه الله لنا، بما فيه ذواتنا المكونة من ذكر وأنثى، يعكس مكنون خواصه الذاتية، إذا تعاملنا معه على حدة، لكنه يُكمل خواص نقيضه، عند محاولة جمعهما سوياً. 

الحزن يبدده الفرح، والبكاء يقف له الضحك بالمرصاد، والجوع يُسكته الشبع، والعطش يسكن ظمأه الإرتواء، وهلم جر. إن هذه الصفات المتضادة، ما هى إلاّ عينة من ثنائيات المشاعر المتناقضة التى تعتمل بها النفس البشرية، فى إطار تعايشها اليومي مع الظروف الحياتية المثارة. وهى سهلة فى رصد مغزاها كصفات منفردة، تعكس الحالة النفسية للفرد الذى تنتابه مشاعرها. لكنها من ناحية أُخرى، لا تصلح أن تكون قائمة بذاتها دون نقيضها، الذى يمنحها ـ فى هذا الإطار ـ معنى وجودها وكينونتها؛ فلا يمكن لنا أن نتعرف على معنى أحاسيس الفرح إلاّ إذا كنا قد ذقنا مشاعر الحزن، وهذا ما يصدق على كافة أنواع المشاعر والنزعات والغرائز الأخرى. 

لكن أهم المتناقضات التى يهمنا أمرها فى هذا المضمار، هما نزعتي الخير والشر، اللتان أقتضت حكمة الله عند خلقه للإنسان، أن تشتمل نفسه عليهما، مثلما تحتوى على النقيضين من كافة أنواع المشاعر والغرائز الأخرى، التى تخالجه فى أثناء تعامله مع مجريات الحياة اليومية؛ كما أقتضت حكمته جعل كافة المشاعر والغرائز النفسية، تستكين وترضخ لنزعتي الخير والشر، وهما النقيضين اللذين يتمحور حولهما إمتحان الله للإنسان فى دنياه. 

ونجد أن الله، من ناحية أُخرى، قد جعل أداة الإنسان التى تعينه على خوض الإختبار الدنيوي، متبلورة فى كيان العقل، الذى تقوم مهمته على إرشاد صاحبه إلى مصيره المحدد بين سبيلين لا ثالث لهما، إما إرتياد جادة الخير والصلاح، أو سلوك طريق الشر والضلال. 

والعقل يكتسب أسمه وكينونته، من مصادر عديدة من بينها المعلومات، والمعرفة بمختلف مناحيها، والخبرة الشخصية (والجماعية)، والتأمل والتفكير، والكثير الآخر الذى يصادفه الإنسان ويرآه فى أثناء حياته على الأرض. فالإنسان فى مرحلة طفولته، لا يملك العقل بعد، ولكنه يملك خلايا المخ التى تُساعده على صناعة العقل فى ذاته الوليدة، من خلال إختزان كافة ما يصلها من مبادىء وقيم وإرشادات تربوية، ومعلومات ومعرفة، وغيره من المحصلات الفكرية المتفرقة التى يستقيها ـ صاحبها ـ من المحيط الذى يترعرع فى كنفه. 

إذن، صناعة العقل فى كيان الإنسان، تعتمد كلية على التربية والتعليم والمعرفة المتوفرة لكل فرد على حدة، وذلك بحسب المعطيات المتاحة له من صنوفها المختلفة، ومن كافة ما يتيسر له منها خلال فترة التنشئة الأساسية فى المهد، التى يتكون لديه فى أثنائها لبنات العقل بشكله الأول النامي؛ ويتأهل صاحبه ـ من بعد ذلك ـ للإنطلاق فى مشوار رحلة تطويره بالصورة الملائمة والمتناسبة مع طبيعة الرصيد المعرفي الذى يستثمره فيه، عبر مراحل العمر المتعاقبة. 

وإذا حدث، وتوقف المرء عن تغذية عقله بمكونات تطويره، من مستلزمات المعرفة والعلم والخبرة الجديرة بالإعتبار، وإمتنع عن إمداده بإحتياجاته الفكرية الماسة؛ وإختار ـ لأية أسباب ـ عدم القيام بالتنمية المطلوبة، وبالشكل المناسب، لمواجهة متطلبات الحياة ومهامها العديدة الشائكة؛ فإنه بذلك، يكون قد خسر مرشده الوحيد، فى مواجهة قد يترتب عليها ما لا يحمد عقباها.[2] 

ومجمل المعنى هنا، أنه لا يمكن ـ تحت كافة الإعتبارات ـ التعويل والإعتماد على عقل يعيش فى حالة ركود وجمود دائم؛ لأنه من المحتم أن تكون تصرفاته وردود أفعاله إزاء مواقف الحياة المتغيرة، رديئة الأداء، وسيئة النتائج؛ فلا يمكن للمرء فقدان أهم خصائصه الفاعلة، المتمثلة فى التفكير والتدبير والتمييز بين المواقف الحياتية المختلفة، التى يتطلب منه الحكم عليها، عندما تقتضي الحاجة لذلك. ومن هنا فإنه لا غنى للإنسان عن هذه الخصائص العقلية، لمواجهة مهام حياته وشئونها المتفرقة؛ وهذا (بعينه) ما يميز الإنسان عن بقية الكائنات الأخرى التى تشاركه العيش على أرض الفناء. 

وحتى يتم إستيعاب هذه النقطة بصورة أوضح، لا تقبل اللبس أو التأويل؛ سأشير لمثال من واقع الحياة، وهو يدور حول بعض أبناء البشر الذين فقدوا ـ من ذويهم ـ فى مرحلة طفولتهم المبكرة، بإحدى غابات وأدغال المناطق المتاخمة للمدن والقرى فى جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأستراليا أو غيرها من مناطق العالم الأخرى، واستطاع بعضهم التعايش مع الحيوانات، والنجاة من شر إفتراسها، وذلك تحت طائلة قانون البقاء وغريزة فطرة التأقلم مع البيئة (الجديدة)، التى فرضت عليهم أحكامها؛ وربما ساعدهم فى ذلك ـ خاصة فى فترة طفولتهم المبكرة ـ بعض أنواع الحيوانات النباتية الأليفة، التى أحاطتهم برعايتها، وعلمتهم نواميس وقوانين الغابةُ وكيفية التعامل مع مخاطرها. 

والنتيجة كانت صاعقة، فقد ضاعت فرصة هؤلاء الأشخاص فى بناء كيان عقولهم، إبان المرحلة المحددة لهم ضمن إطار عملية النمو والتطور الدارجة، التى رتبها الله وصممها عند خلقه للإنسان، والتى أوكل فيها له مهمة صنع عقله (بذاته) فى أثنائها، دون تدخل منه البتة فى هذا الشأن. والخلاصة فى هذا الأمر، تتجلى فى خسران هؤلاء الأفراد لفرصة تكوين لبنات عقولهم فى فترة مرحلة الطفولة الهامة، والتى يقع تعلم اللغة على قمة قائمتها. 

إن الله عندما سوى الإنسان، فأحسن خلقه، قد ترك ـ كما سبق الذكر ـ مهمة بناء لبنات العقل الأولى، وزرع براعم جذوره فى خلايا المخ، للإنسان ذاته، من خلال تعلمه اللغة وإستشفافه لكافة المعلومات وأوجه المعرفة المختلفة التى يتم تلقينها له فى مرحلة طفولته المبكرة، والتى تقع معظم مسئوليتها على أولياء أمره. لتأتي بعد ذلك، مهمة المخ (الإعجازية)، التى يتركز جوهرها فى حفظ كافة المحصلات الفكرية التى يستقيها صاحبه فى أثناء سريان مجريات يومياته المعاشة، فى خاناته المنظمة، كأسس يتشكل بها كيان العقل الناشىء. 

ولا يقصد ـ هنا ـ أن عملية صنع الإنسان لعقله، هى فكرة إنسانية، بل المعنى المقصود هو أن الله قد إبتكر فكرة (أداة) العقل، وقضى بقدرته أن يكون مكمنه فى داخل خلايا المخ الإنساني، وترك للإنسان مهمة زراعته ورعايته ـ فى آلية تامة ـ عن طريق إستشفاف المعلومات والمعرفة التى يصادفها كل فرد بمعزله، فى محيطه الخاص. وذلك من أجل أن تتعدد العقول وتختلف بحسب ما تستقيه من محصلات فكرية مختلفة، أُتيح أمرها لكل شخص على حدة، عبر فترة حياته. ويعنى تعدد العقول ـ فى هذا السياق ـ الإختلاف فى وجهات النظر، وفى الآراء، وهذا هو عين المغزى المراد.[3] 

ونجد أن الله ـ فى هذا المنوال ـ لم يقصر مسئولية الإنسان على صناعة عقله بذاته، فى فترة المهد فحسب، بل جعله مسئولاً عن تطويره وإنمائه فى مراحل العمر اللاحقة. وتتركز مسئولية الإنسان الكاملة، لتطوير عقله، فى الكد لتحصيل أكبر قدر من المعرفة التى تصنع له عقلاً مناسباً فى قدراته، لمواكبة مراحل تدرج سنه، ومجابهة مواقفه الحياتية المتغيرة. 

وقد كان الإستثناء الوحيد من هذه القاعدة، فى سلالة البشرية الممتدة لملايين السنين، تتجلى لنا فى شخصية سيدنا آدم ـ عليه السلام ـ الذى علمه الله بنفسه (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا)، وصقل عقله بالمعرفة التامة لكافة ما يحيط به فى عالمه الجديد عند بدء الخليقة، لأن الأمر كان يتطلب ذلك بضرورة تامة لا مناص منها. 

***** 

إذن، صناعة العقل فى هذا الخصوص، تبدأ بأهم مراحله قاطبة، وهى مرحلة الطفولة، وهى (هنا) بمثابة حجر الأساس الذى يقوم على كيان محصلاتها أمر نشأته وتكوينه، كما تُعد المنطلق الذى يعتمد العقل فيه على لبناتها الأولى لتحقيق نموه وإكتمال تطوره للشكل المناسب والمطلوب، من أجل مواجهة مواقف الحياة بمناحيها الشائكة المختلفة. وهى على الجانب الآخر، مصدره الوحيد لتعلم لغة الكلام التى يعبر بها العقل عن نفسه، ويستوعب من خلالها ما يستشفه من محصلات فكرية متاحة فى محيط مجتمعه الذى يعيش (صاحبه) بين ربوعه. 

والشاهد على ذلك، نستقيه من دراسة قام بها علماء متخصصين فى مجال الإنسانيات، بجامعة مرموقة، على إحدى حالات الأشخاص الذين تم العثور عليهم فى مناطق الأدغال، بعد ضياعهم من ذويهم وهم أطفال صغار. حيث وجدوا صاحبها يتصرف (كلية) مثل الحيوانات فى كافة أوجه سلوكه وأفعاله، ووجدوه ـ وهو أمر طبيعي ـ غير قادر على الكلام أو التفاهم بلغة الإنسان. وعندما أخضعوه لبرنامج دراسي، يرجى منه تعليمه اللغة والنطق بكلماتها، فشلوا ـ فشلاً ـ ذريعاً فى مسعاهم، لأن الإنسان الذى صممه الله كأبطأ الكائنات فى النمو، قد فقد فرصة بناء هيكل عقله فى المرحلة الأولى من عمره، التى لا يمكن له تعويضها، أو تحقيق خاصية القدرة على النطق بلغة الإنسان بعد فواتها. 

ولب الخلاصة هنا، إن اللغة، هى وسيلة العقل للتعبير عن أفكاره وترجمتها فى قالب يفهمه الآخرين. والعقل هو وسيلة الإنسان على التفكير والإختيار. وحرية الإختيار هى هبة الله للإنسان التى لا يمكن إستخدامها بدون وجود العقل، الذى ينفرد (بذاته) بمسئولية إختيارات المرء ـ فى الحياة  ـ المتأرجحة بين نزعتي الخير والشر

فى هذا السياق، نجد أن الحياة من منظور الخالق، وكما أرادها بحكمته الواسعة، عبارة عن ميزان، يقع العقل الإنساني بين كفتيه، اللتان تمثلان نزعتي الخير والشر، من أجل أداء مهمته التى تم إنشاءه من أجلها، والمنحصرة فى قيامه بترجيح إحداهما على الأخرى، إزاء نوعية سلوكيات وأفعال المرء والمواقف المختلفة التى يتبناها فى الحياة. ويكون إختيار العقل فى هذا الصدد، منطلقاً من مقدار رصيده المعرفي، وخبرته، ونوعية القيم التى يحوزها فى إطار مدراكاته ومحصلاته الذاتية، التى إقتناها عبر مراحل نموه وتطوره. 

إذن، الخير والشر، هما الأساس الذى تقوم عليه حكمة الله من وراء خلق كيان الإنسان. وذلك حسب ما رواه لنا الله سبحانه وتعالى (بذات نفسه)، من خلال إشارته إلى أن إبتكاره لفكرة العقل ـ الذى يقوم الإنسان بصنعه فى داخل نظام خلايا مخه ـ جاء لتمييز كينونته عن سائر المخلوقات الأخرى. والعقل هنا، يمنح الإنسان القدرة على الفهم والتفكير والإبداع والتمييز، وأهم من كل ذلك، يمنحه القدرة على الإختيار، والمفاضلة بين أصناف الأمور المعروضة على صاحبه فى إطار المواقف الحياتية المختلفة، حيث يختار العقل ما يعتقد أنه الأفضل لصاحبه، معتمداً فى ذلك على ركائز حصيلته من المعرفة، والخبرة التى مارسها فى سابق حياته. 

إن التمييز الذى خص الله به الإنسان، من خلال منحه لمعجزة العقل، يقتضى ـ ويفرض ـ على كل بشرٍ خوض معترك الحياة، ومواجهة معضلاتها، بإستخدامه لرخصة حريته فى الإختيار بين مواقفها الواقعة بين كفتي ميزان الخير والشر، وهو ما يسمى بالإمتحان الدنيوي. وهذا الإمتحان ـ فى حقيقته ـ موجه للعقل الذى يحمله الإنسان، وليس لكيانه الجسدي الذى يقع تحت سيطرة العقل منذ لحظة تكونه فيه.[4] 

والإنسان ـ فى هذا الصدد ـ لا يتميز عن أي كائن آخر فى هذا الكون، إذ جُرد من (نعمة) كيان العقل، فجسم الإنسان بشرايينه وأوردته وقلبه، وبصره وسمعه، ويداه وقدماه، وغيرها من الأعضاء والأنسجة التى تكونه، تخضع جميعها لأداة المخ، الذى يتحكم فى حركتها بدقة رتبها الله وأطلق نظامها الإعجازي، لكنها تظل ـ رغم ذلك ـ نظام لا يختلف عن أنظمة الكائنات الأخرى التى خلقها الله وبعث فيها روح الحياة. والعقل وحده هو المعادلة الفارقة فى هذا الإطار. 

حيث يظل العقل ـ من هذا المنطلق ـ الكيان الإستثنائي الفريد، الذى نال الإنسان شرف إقتنائه؛ ويظل الجسم الإنساني بكيانه الذى يحتوى العقل فى إطار منظومته المحكمة الدقة والإتقان، يخضع بكافة مكوناته لإرادة العقل، ويذعن لإرشاداته. وهذه جزئية هامة فى إطار الحكمة الإلهية الشاملة، التى قضى ربنا مشيئتها، وأنشأ من العدم كينونتها. 

بهذا القدر من الشرح المسهب، لما يحمله الإنسان من أحاسيس ومشاعر ومدركات عقلية، تدور جميعها فى فلك نزعتي الخير والشر، نجد أنفسنا نقترب بأذهاننا لشكل الصورة الكاملة، التى تبحث هذه المقالة فى موضوعها، وهى محاولة تصنيف وتحديد سمات المجتمع الليبي، التى يصطبغ أفراده ـ اليوم ـ بلونها. 

***** 

ثلاثة شرائح إجتماعية بسمات مختلفة 

ثمة نقطتان هامتان، تعرضت لهما هذه المقالة، تفيد النقطة الأولى ـ من بينهما ـ بأن المجتمعات الإنسانية تكتسب سماتها بقوة مؤثرات العوامل الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والمناخية والجغرافية التى تسود كياناتها (أنظر الجزء الأول). وتُشير النقطة الثانية إلى أن العقل الإنساني يستجيب فى تكوينه، لمحصلاته الفكرية المختلفة، ويتأثر فى تكوينه بالعوامل والمعطيات المتاحة له فى محيطه الذى يعيش فى أجوائه. 

إن ضرورة فهمنا لمحتوى فكرتي هاتين النقطتين، فيه ما يساعدنا ـ حتماً ـ على إدراك الرؤية الصحيحة لصورة التغيرات التى طرأت على بنية المجتمع الليبي، عقب إستيلاء رأس الإنقلاب العسكري فى سبتمبر 1969م على مقاليد السلطة فيه، وإنشاء نظامه الإستبدادي الفاسد على أرضه الغراء. 

بمعنى، إن إستيعاب كافة ما تم شرحه فى حيثيات النصوص السابقة من هذه المقالة، التى تناولت بالتحليل كيفية إكتساب المجتمعات الإنسانية لسماتها التى تُشكل كياناتها (من ناحية). والكيفية التى يتم بها صناعة العقل الإنساني من ناحية أُخرى. سوف يمكننا من تحقيق الرؤية الصحيحة لتأثير العامل السياسي فى فرض التغيير الشامل على طابع الحياة الإجتماعية والإقتصادية فى ليبيا، تحت حكم النظام الفاسد. 

ومن ثمة، يتسنى لنا ـ باليد الأولى ـ رؤية الأساليب الهدامة التى أتبعها رأس النظام الأسن فى تغيير سمات المجتمع الليبي، التى أستمدها أفراده من عاداتهم وتقاليدهم المتوارثة، ومن عقيدتهم الإسلامية الحنيفة، بسمات أخرى، قبيحة وسيئة المردود. ونجاحه ـ باليد الأخرى ـ فى تنضيب معين المعطيات الفكرية اللازمة لصناعة عقل المواطن (الراجح)، القادر على الدفاع عن حقوقه ومكتساباته الوطنية. 

بعبارة أُخرى، إن هدف رأس نظام الحكم الفاسد، منذ إستيلائه على مقاليد السلطة فى ليبيا، هو محو كافة السمات الخيرة التى أكتسبها أفراد الشعب الليبي عبر تاريخهم الطويل، خاصة ـ تلك ـ التى أتيح لهم إكتسابها أثر إنطلاق حركة الأحياء الديني التى قادها محمد بن علي السنوسي (رحمه الله وأدخله فسيح جناته). 

ومن هنا، لم يكن يتحقق لرأس النظام الفاسد وأزلامه (المرتزقة)، مخططهم الشرير، الساعي لترويض أفراد الشعب الليبي ودفعهم لهاوية التردىء الإقتصادي والإجتماعي، بدون إستخدام قوة الإرهاب والقمع المتوحش، إضافة لسياستي الحرمان الإقتصادي، والتجهيل الفكري. حيث تم من خلال الأولى تجفيف كافة منابع الكسب المادي المشروع، من أجل التحكم فى رزق المواطن. وتم عبر سياسة التجهيل الفكري، العبث فى المجال التعليمي والتربوي؛ وسد منابع الإنفتاح العقلي بكافة مناحيها الفكرية المختلفة، والتى من أهم أوجهها، الإنغلاق على مستجدات الفكر الإنساني، وممارسة القمع الفكري، الذى من بين سياساته النكراء، مصادرة حرية الفرد وحقه فى التعبير عن مكنون رأيه، ومنعه من الإطلاع على تيارات الفكر المتعددة وإختيار ما يناسبه من فكرها المتباين، والقيام بتكبيل وتقييد حرية وسائل الإعلام، وتوجيهها فى مسار خدمة مصلحة الرأس الفاسد، ومعاونته على تحقيق مأربه الشرير. 

وقد أدت سياسة الحرمان الإقتصادي، التى طبقها رأس النظام الفاسد على أفراد المجتمع الليبي غرضها المنشود، فى ربط حاجاتهم المادية الماسة بقبضة السلطة ـ من خلال سياسة الإفقار المتعمدة ـ وفى ذات الوقت، لم يتوان عن إستخدام كافة وسائل القمع الجسدية، لتطويعهم، وإرغامهم على الخضوع لسياساته الآثمة. كما أدت سياسة التجهيل الفكري إلى حبس مدركات عقولهم فى إطار الإختيارات المفروضة عليهم. 

هكذا تحقق لرأس النظام الفاسد، ضمن إستراتيجية وضعت له من قبل سادته ـ منذ اليوم الأول لجلوسه على كرسي حكم ليبيا ـ السيطرة التامة على أرجاء البلاد بكافة مواطنيها. وتحقق لأولياء نعمته الذين أتوا به للحكم، أغراضهم (ولو نسبياً)، فى تغيير سمات المجتمع الليبي الخيرة، وزرع سمات الفساد السيئة

والعجيب فى هذا الصدد، أن معظم الناس فى ليبيا، لم يلحظوا أن رأس النظام الفاسد، يحكم ليبيا من خلال أجندة تسعى أهدافها إلى تقويض بنية المجتمع بكافة سماته وصفاته الأخلاقية الحميدة، من خلال سياسات متعمدة، مخطط لها بعناية ودقة شديدة. ولا يوجد ـ فى خصوصها ـ مجالاً للصدفة، أو الإرتجال. 

حيث نجد فى هذا المضمار، معظم الناس فى مجتمعنا المنكوب بحكم هذا النظام العميل، يذهبون لتأويل سياساته الشريرة (الفاسدة)، للرعونة، وقصر الفهم، والعبثية الناشئة عن نقص الخبرة السياسية؛ ولا يتطرق لأذهانهم البتة، أن سياساته الخبيثة المغرضة، مبنية على خطة مرسومة ـ فى وقت سابق لإنقضاضه على مقاليد السلطة فى البلاد ـ تهدف فى أساسها إلى هدم كيان المجتمع الليبي من كافة أوجهه، الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والعمرانية. 

بمعنى آخر، لم يلحظ معظم الناس، أن رأس النظام الأسن يحكمهم وفق خطة غادرة، لا تبرأه أطلاقاً من العمالة لجهات أجنبية، يهمها النخر فى عماد بنية المجتمع الليبي وبعض مجتمعات أُخرى ـ فى العالم ـ تخضع لنفس بنود هذه الأجندة المتآمرة.[5] 

ويمكن للمرء أن يرى ـ فى هذا الخصوص ـ أن معظم الناس، يفسرون تقلبات وتخبطات رأس النظام الفاسد، وتناقضات سياساته المتواترة، على أنها حماقة سياسية، وعبثية ذاتية، تتحكم فى عقلية رأسه المريضة الشاذة. ولم يذهب تفكيرهم إلى أن تخبطاته وعشوائيته وعبثه، هى جزء من مخطط شرير، يتعمد صاحبه ـ ومن يسانده ـ إلى إظهار سياساته المخربة بصورة مغايرة للحقيقة، ليخفى وجه عمالته وغرضيته تحت قسمات قناعه المخادع. 

أربعة عقود زمنية تخللتها سياسات رعناء، كتطبيق الإشتراكية، ومحاربة الإستعمار والإمبريالية، وخوض الحروب الخاسرة، وإقتراف الجرائم الإرهابية (فى الداخل والخارج)، والتخطيط لمشاريع الوحدة العربية الفاشلة، وتمويل الطوائف المتناحرة فى بقاع العالم المتفرقة، وفرض إرهصات مشروع إتحاد أفريقي لا هدف له سوى إستنزاف أموال الشعب الليبي. 

أربعة عقود تخللتها سياسات التأميم، وسلب وتجريد الناس من أموالهم، وتضييق فرص العيش عليهم، وقفل أبواب السعى للرزق أمامهم. فأنتشر فى غضونها الفقر المفروض بالقوة بينهم، وتحركت آلة القمع بضراوة، تضرب بدون هوادة على أيدى كل من يعارض السياسات الجائرة. وفى المقابل، تم إطلاق العنان لسياسة اللين والنعومة المفرطة والعطاء الطائي، لكل من ينظم لكتلة الشر الحاكمة ويؤيدها، ويشاركها فى إرتكاب جرائمها النكراء فى حق الوطن والمواطنين. 

أربعة عقود زمنية، من مصادرة الحريات، وإلغاء القوانين، وتكميم الأفواه، وعقد الألسن، وقطع الرقاب، وتعذيب الأجساد، وتشويه التعليم، ومنع تداول الآراء، وتحريم التعبير عن وجهات النظر، وغلق الأبواب أمام أدوات صناعة التفكير والتدبير، وصد دروب تيارات الفكر المنير. 

أربعة عقود من الضنك المرير، والظلم الفاحش، والإستبداد المطلق، حكم رأس النظام الفاسد ليبيا بموجبها، ولم يتورع خلالها عن قتل وسجن آلاف الضحايا الأبرياء، الرافضين لحكمه، من أفراد المجتمع الليبي، وقام بتخويف وترهيب بقيتهم، من خلال التلويح (لهم) بنيل نفس المصير أن لم ينصاعوا لطاعته فيما يرتكبه من شرور. ولم يشفع للأطفال حداثتهم وقلة حيلتهم، فقد سمم المئات منهم بالأمراض الفتاكة القاتلة. كما لم ينج من حقد شر نفسه، السجناء الأبرياء ـ الذين زج بهم فى معتقلاته الكثيرة المتعددة دون وجه حق ـ من القتل المحرم، فى داخل زنزانتهم وبساحة حبسهم الكريه (بوسليم مثالاً حياً على ذلك). 

مرت سنوات العقود الزمنية الأربعة، على حكم رأس النظام الفاسد لأرض ليبيا، التى أحكم إبانها سيطرته المطلقة على مقاليد السلطة، بجبروت القوة القاهرة؛ فعم اليأس، من جراء ذلك، بين الناس، وأحبطت عزائمهم فى إمكانية تغيير حكمه الجائر، فبدأ كثيرهم يتأقلم ويتعايش مع الفساد السائد، الذى عاث وأنتشر بينهم كإنتشار النار فى الهشيم، فتزعزعت قيمهم ومبادئهم الفاضلة، ليظهر من بينهم من يقبل الرشوة، تحت فاقه الحاجة، ومن ينتهز الفرص الرخيصة لتحقيق مكاسب معينة، وتمزق برقع الحياء الذى كان يكسى فى الماضي نفوسهم، فلم يخجل بعضهم من مداهنة ومنافقة الطغمة الشريرة الحاكمة. 

وهكذا أنتصر الشر على الخير فى عمر دولة النظام الفاسد الأولى، وبدأ العد التنازلي، لتسويق أبناء رأسه الأسن، لحكم ليبيا فى عهدها القادم، بحيث يسطو الشر ـ من جديد ـ على مقدرات المجتمع الليبي بكافة أوجهها، فى تكرار لسيناريو عهد حكم الأب (الفاسد). 

ومن المؤكد أن هذا الكابوس الرهيب لن ينته سواد غيمه من سماء ليبيا، إلاّ إذا أستعاد الناس وعيهم بقيمهم الفاضلة، وعاد إيمانهم الصادق إلى ألبابهم، ليروا ويتيقنون بأن الشر لن يذهب من تلقاء نفسه، وأنما يتم إقتلاع جذوره بقوة الإرادة الحرة الأبية، وأن البداية ـ لهذا الأمر ـ تتحدد إنطلاقته، عند أعتاب كل نفس على حدة، بعد أن يعيد صاحبها الأثقال الصحيحة لكفة الخير فى ميزانه، من خلال إعمال العقل، الذى ناله ـ فى الأساس ـ من أجل هذا الغرض بالذات، وأساء الإنسان (فينا) إستعماله بالشكل السليم.

***** 

وخارج نطاق قدرة النظام الفاسد، وعلى عكس رغبة أسياده، الذين كانوا يأملون فى تغيير أفراد المجتمع الليبي بأسرهم، وتحويل مجتمعهم برمته إلى بؤرة من الفساد. نجد أن الرأس الفاسد ـ الذى تم فرضه بالقوة لحكم ليبيا ـ قد نجح لهم (فقط) فى تحويل بعض فئات المجتمع إلى أشرار يشاركونه إرتكاب جرائمه فى مقابل الأطماع المادية الصرفة، التى أستحوذت بأثمها على ضمائرهم الراكدة ونالت لديها مقراً مكيناً. وبقى بعض أفراد المجتمع على حالهم، يخشون الله ويحترمون إنسانيتهم، وآل البعض الآخر إلى التأرجح بين ناصيتي الفضيلة والرذيلة

وهكذا، تكونت ثلاثة شرائح إجتماعية تسود سماتها بنية المجتمع الليبي (فى الداخل) اليوم، ومثلها بين أفراد التكتلات الليبية المهاجرة لأراضي البلاد الآخرى؛ لتأخذ كياناتها صورة الأشكال التالية: 

·        شريحة أحتفظت بقيمها الفاضلة، ودفعت الثمن غالياً على جميع الأصعدة التى يمكن للمرء تخيلها. 

·        وأُخرى تخوض فى الشر ورذائله. حيث أختار أصحابها طريقهم بقناعة تامة، أملتها عليهم نفوسهم الضعيفة، التى سقطت فريسة سهلة لأطماعها المادية، ولمغريات السلطة والنفوذ وحب الجاه. 

·        وثالثة تأرجحت بين الفضيلة والرذيلة، تتمسك بفضائل السلوك الحميد تارة، وتجنح إلى مواطن السوء فى أُخرى، غير أن الإحتفاظ بمآثر الفضيلة ومحاسنها فى نفوسهم، أصعب عليهم من القبض على الجمر الحار. 

وإذا أمعنا النظر فى هذه الشرائح الثلاثة، سنجد أن الأولى والثانية من بينهم، واضحتان فى فهم كينونتهما، على العكس من الشريحة الثالثة، التى يتأرجح أصحابها بين الخير والشر (بمعناهما المطلق). ولهذا أجد لا مناص لي ـ هنا ـ من الإستفاضة فى شرح كينونة هذه الشريحة، التى تحتاج إلى توضيح كامل، يمكن إستقاءه من تعديد أفعال أصحابها فى إطار الوقائع والحقائق المتوفرة عنهم، وذلك من خلال بعض الأمثلة الحية، التى سوف يتم اللجوء إليها فى الأجزاء القادمة.

يتبع .. 

فرج الفاخري

farajelfakhri@live.com

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تُعتبر الأبيات الشعرية (التالية)، التى قرضها أبو العيناء، فى وصف سطوة المال ومدى تأثيره فى سلوك أفراد المجتمع البشري، من أكثر النصوص الأدبية التى عبرت معانيها بدقة تامة عن فحوى هذا الأمر، وأوفته حقه ببلاغة شعرية بديعة: 

من كان يملك درهمين تعلمت     شفتاه أنواع الكلام فقالا

وتقدم الفصحاء فاستمعوا له      ورأيته بين الورى مختالا

لولا دراهمه التي في كيسه                  لرأيته شر البرية حالا

إن الغني إذا تكلم كاذباً             قالوا صدقت وما نطقت محالا

وإذا الفقير أصاب قالوا لم يُصِب وكذبت يا هذا وقلت ضلالا

إن الدراهم في المواطن كلها      تكسو الرجال مهابة وجلالا

فهي اللسان لمن أراد فصاحة     وهي السلاح لمن أراد قتالا 

[2] لعل ما قاله الدكتور مصطفى السباعي فى هذا السياق، يصدق فى جزء منه مع ماتم شرحه حول هذه النقطة؛ حيث نجده يقول: " لا ينمو العقل إلا بثلاث، إدامة التفكير، ومطالعة كتب المفكرين، واليقظة لتجارب الحياة ". 

[3] العقل ـ فى هذا المضمار ـ لا يمكن أن يكون له وجود البتة، بدون وجود المخ الإنساني، الذى يُعد معجزة إلهية، تم إبتكاره ليقود نظام غاية فى الدقة والإتقان والإعجاز والتعقيد، فهو عبارة عن مركز متعدد الوظائف (المليونية)، يدور جلها حول تنظيم حركة نبض الحياة فى داخل الجسم، والعمل على تنسيق أفعال أعضائه (الإرادية واللإرادية). ويقع أمر صناعة العقل كأحد وظائف المخ الأساسية، التى يقوم من خلالها بإستقبال المحصلات الفكرية من معلومات ومعرفة وعلوم وغيره، ويحفظها فى خلاياه، ليتشكل بها كيان العقل الذى نعرفه. والعقل فى هذا الإطار، وبرؤية مختلفة، يُعد عضواً أساسياً، ينمو بإضطراد، مثل بقية أعضاء الجسم الأخرى، ويحتاج ـ مثلها ـ للغذاء والرعاية، من خلال توفير كافة مستلزماته الفكرية. 

[4] ولهذا نرى أن الله، قد طلب من الملائكة جميعها السجود للمخلوق الجديد، الذى ينفرد بمعجزة العقل. والسجود هنا ليس للمخلوق الإنساني الأول، سيدنا آدم (عليه السلام)، كما يتبادر للذهن مباشرة، بل هو موجه لبراعة الله فيما خلق بيده، وميزه عن بقية الكائنات بكيان العقل، الذى تنصب جل الحكمة الإلهية فى وجوده (قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ). 

[5] لا يتسع المجال هنا لتفسير هذا الموضوع، التى يطول شرحه، ويحتاج لمقالة مستقلة بذاتها، يتم من خلالها تحليل كافة أبعاد وحقائق عمالة الرأس الفاسد، الذى تم فرضه بالقوة لحكم الشعب الليبي، من خلال إنقلاب مدبر من قبل القوى المسيطرة على مصير العالم.


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home