Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri
الكاتب الليبي فرج الفاخري

الإربعاء 8 سبتمبر 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة

تفاريح رمضانية (8)

فرج الفاخري

الجزء الثامن (الأخير)

لقد حزم الشهر الكريم أمتعة خيره وصفائه وكرمه، ليغادرنا مفسحاً مكانه لروتين الحياة الإعتيادية. فهاهو يلوح لنا مودعاً، كأنه لم يمكث ـ بيننا ـ لحظة واحدة. هكذا هى طبيعة الحياة الإنسانية تدور محاورها حول الوداع، وإذا شئت فسميه الإندثار !. فمنذ فجر الخليقة وحتى وقتنا الحالي، والإنسان تتداوله الأيام، يندثر أمسه إلى ماض لا يعود، ويولد ـ يوم ـ حاضره مندثراً لغد ينظره من يعيش فى رحابه. 

إن أداء نظام الحياة الذى شكله الله فى عبقريات زمنية ومكانية، لا يتغير ولا ينحرف عن مساره المحكم الدقة. ولكن الذى يتغير ـ فى هذا السياق ـ هو أداء الإنسان ذاته فى داخل إطار الزمان والمكان. بعبارة أخرى، أن شهر رمضان فى تقويم السنة القمرية، يتواتر حضوره فى نفس الوقت من كل سنة، ولن يخلف ميعاده إلى أن يفنى الوجود. وكذلك شهر يناير فى تقويم السنة الشمسية، ثابت على عهده بتكرار نفسه بعد نهاية كل عام وحلول العام الجديد. ومثله ـ فى ذلك ـ يوم الجمعة من كل اسبوع، فهو مستمر على تواتره الرتيب إلى الأبد. 

إذن، عبقرية الزمان فى داخل منظومة الحياة لا تتغير، وكذلك المكان، إذا حددناه بكوكب الأرض الذى تستقيم عليه حياة البشر. فكوكبنا فى هذا الخصوص، يظل على عهده مقراً لعيشة البشر فوق سطحه البيضاوي إلى يوم الفناء. بينما الإنسان، باليد الأخرى، يتغير بصورة سريعة تدعو إلى الذهول. 

والتغير الذى يحدثه الإنسان فى مجريات الحياة من حوله ـ بسلوكه الفردي والجماعي ـ من خلال صنعه لوقائع الأحداث التى يعيش فى إطارها، ليس هو التغير الوحيد الطارىء فى خصوص هذه المسألة، فهناك تغيرات جسدية خارجة عن نطاق قدرة تحكمه لحدوثها. 

والمعنى هنا، أن بنية الإنسان الجسدية تتغير مع نموه المضطرد فى داخل نظام التقدم الزمني، بشكل يؤدى فى نهاية المطاف إلى فنائه ذاتياً. فالإنسان، فى هذا الغرار، قد صمم ليشيخ ويهرم ويمرض ويموت، وإن كان الموت ـ فى حد ذاته ـ يتحقق دون حاجة الإنسان أن يمر بمراحل التطور الجسدية (العمرية)؛ لأن واقعته تحل بالإنسان دون إرتباط بأي مرحلة زمنية بعينها؛ حيث نجد فى هذا الصدد، أن الرضيع والطفل على حد سواء يدركهما الموت، ومثلهما الفتى والفتاة، والرجل والمرأة، فالموت فى هذا النطاق لا يلتزم بمرحلة عمرية معينة ليحقق مبتغاه.

***** 

سوف تدور حيثيات موضوع جزء اليوم ـ وهو الآخير ـ من هذه السلسلة الرمضانية، حول الثابت والمتحول فى معادلة الإنسان والزمان والموت والحياة، التى مهدت لها المقدمة السالفة، بعد أن قادنا إليها إشارتي ـ فى بداية المقالة ـ لوداع شهر رمضان الكريم (لنا) فى هذه السنة الجارية. 

وقد أستقيت مادة موضوع هذه المقالة من مشاهدتي الخاصة لوقائع جابهتها فى فترات زمنية مختلفة من حياتي، كان يعيش فى إحداها الطفل الأثير إدريس، وفى غيرها صديقي الصبا مريم وميلود، وفى ثالثة زوجتي الحبيبة إيمان، ورابعة والداي الكريمين، وخامسة وسادسة ـ وهلم جراً ـ كان يعيش فيها الأعزاء على قلبي حسام ومحمد وسيوين وغيرهم الكثير (رحمهم الله وجعل مثواهم الجنة)، فقد رحلوا جميعهم عن إطار الزمان والمكان فى الحياة الدنيا. 

ونظراً لإلتزامي بحيز معين رسمته منذ البداية لهذه المقالات ـ المخصصة لشهر رمضان المبارك ـ ولا أرغب فى أن أتعداه، لذلك سوف أقتصر الحديث فى هذه المقالة على إدريس وميلود ومريم، وأترك البقية لوقت آخر، ربما يكون رمضان القادم، إذا كان فى العمر بقية، من يعلم ؟. 

***** 

إِدْرِيسَ 

إدريس طفل من بنغازي، عمره ست سنوات، ابن لجارنا صالح قرقوم[1]. لم يكن إدريس قرة أعين والديه فحسب، بل كان منهل فرحتهما، ومبعث سرورهما، ومهجة قلبيهما، وموطن روحيهما؛ وكان محط محبة كافة الجيران. 

كان أطفال شارعنا ـ الواقع على قارعة طريق رئيسي ـ يلعبون بعد أذان كل مغرب فى شهر رمضان الكريم لإحدى السنوات الأولى من عقد سبعينات القرن المنصرم. وكانوا ذويهم يحذرونهم على الدوام أن لا يتعدوا حدود عتبة الرصيف الممتد أمام مباني مساكنهم، ولكن لم يكن للحذر فى يومٍ أن يمنع وقوع القدر. 

ما هى إلاّ لحظة زمنية لا تتعدى الثوانى، سهى فيها إدريس على نفسه، وتخطت أقدامه الصغيرة عتبة الرصيف إلى الشارع الذى يكاد يخلو من السيارات، إلاّ تلك التى تأخر سائقيها عن موافاة موعد الوصول إلى بيوتهم فى ساعة الإفطار. 

تملك سلطان العجلة على سائق شاحنة نقل عملاقة (أوتانتا)، فقادها بسرعة هائلة، ناهباً بها الأرض، لبلوغ منزله بأسرع وقت تمكنه منه سرعته الطائشة. ولعله، فى هذا القياس، نجد أن بعض حوادث السير فى ليبيا ـ فى شهر رمضان ـ يتم وقوعها فى الوقت الذى يقترب فيه موعد أذان المغرب أو بعده بقليل، الذى يجنح فيه السائقون للسيارات إلى السرعة غير المحكومة، فيؤدى ذلك إلى عواقب غير حميدة. 

فى لحظة ـ كريهة ـ أسرع من لمح البصر، داست الإطارات الضخمة للشاحنة الكبيرة إدريس الصغير، بعد أن فشل سائقها فى كبح جماح سرعتها، وإيقافها فى الوقت المناسب. خرج جميع الجيران على صوت مكابح الشاحنة العالية، تاركين طعام إفطارهم على موائده. 

هرب السائق لمخفر الشرطة القريب، ونقل أحدهم إدريس فى سيارته لمستشفى الحوادث. عرف صالح وأخوته أن الابن الأثير قد تم نقله لمستشفى الحوادث لإسعافه. أستقليت سيارتي، ورافقني صالح وأخاه الأكبر إبراهيم إلى المستشفى المعنى.

فى بهو المستشفى، تجمع نفر من الجيران الذين فزعوا هارعين للإطمئنان على سلامة جارهم الصغير. لحظات قليلة، وقدم إلينا أحد ممرضي المستشفى، مستفسراً عن أقارب الطفل المصاب ـ من بيننا ـ حتى يتعرفوا على جثته، فقد فارق الحياة قبل أن يصل به مسعفه إلى المستشفى. 

إنهار صالح، وطلب مني دون بقية الموجودين أن أذهب للتحقق من أن الطفل الميت ليس ابنه إدريس، فقد كان الأب المكلوم لا يريد أن يتقبل فكرة موته أو يصدقها. أنتابني شعوراً مفزعاً، ألمتني أشجانه القاتلة. فالأمر لم يكن بتلك البساطة التى تتبادر إلى ذهن المرء، فلم يكن ـ فى تلك اللحظات ـ يعصرني الحزن على موت إدريس فحسب، بل كان يشغلني، بدرجة أكبر، أمر والده الذى فوضني دون الآخرين للقيام بأصعب مهمة يمكن إسنادها لإنسان فى تلك الظروف. 

ماذا أقول للأب المكلوم، ولسان حاله يطلب مني أن أخبره بأن الراقد (ميتاً) على سرير فى غرفة الإسعافات السريعة ليس ابنه إدريس. تمنيت لحظتها لو أنه أختار شخص غيري لهذه المهمة العسيرة؛ فقد كان بين الموجودين أخوته، ورهط من الجيران، معظمهم ـ إن لم يكن كلهم ـ أكبر سناً مني، لكنه إختارني أنا !. 

وجدتُ إدريس ساجياً على سرير لم يشغل جسده الصغير غير حيز قليل منه. كان نائماً فى سلام وصفاء جميل. خرجت من الغرفة ورائحة الموت تتبعني. وجدت الجميع مشدوهين، وأنظارهم مسلطة علي، ينتظرون تأكيد خبر وفاة إدريس. عانقت الأب المنكوب، ولم أكن أحتاج أن أقول له شيئاً، فقد عبرت دموعي المنسابة على وجنتي ـ وأكدت ـ  صحة الخبر الذى لم يكن يتمنى سماعه. رحم الله إدريس، ورحم أبويه وآل قرقوم جميعهم. 

وهكذا أتى شهر رمضان فى السنة التالية فى ميقاته المعهود، وتكرر مجيئه فى السنوات التى تلتها دون تأخير، لكن إدريس لم يكن فى الوجود. 

***** 

ميلود 

كُنت ـ وأنا صغير ـ أظن بأنني وأفراد عائلتي وأصدقائي محصنين من الموت وسطوته البارعة فى سلب أرواح البشر، فالموت يستطيع نيل مبتغاه ـ فقط ـ من الآخرين ! ولابد له أن يتخطاني وكافة من أعز وأحب فى محيطي، كُنت تاركاً له ـ فى مخيلتي ـ مطلق الحرية فى إنتقاء فرائِسه من بين جموع الناس الآخرين. هكذا ظننت، وتصورت بعقلية لم تخبر الموت وتعرفه عن قرب، وتتعرف على حقيقته وعلى مهمته السامية. 

فى فترة صفاء وإستكانة وطمأنينة، أصابتني فاجعة الموت فى مكمن، ونبهتني إلى أنني ومن أعز من الأصدقاء والأهل لسنا بمنأى عن طائلته (كُل نَفْسٍ ذائِقةُ الْمَوْتِ). هكذا خطف الموت أحد الأصدقاء الأعزاء، وصعد بروحه الطاهرة لبارئه، لقد سلبني ـ الموت ـ صديقي ميلود الكليلي

كُنت قد تعاهدت مع ميلود وصديق آخر (نجيب الوداني) السفر إلى مصر فى صيف عام 1969م، وكُنت وقتها لم أتعد السابعة عشر من العمر. ولكن ظروف ميلود و نجيب لم تكن تسمح لهما بالسفر قبل يوم الثاني عشر من شهر أغسطس، فى الوقت الذى عزمت فيه أسرتي على السفر ـ إلى مصر ـ فى شهر يوليو، كعهدها الدائم بقضاء الأجازة الصيفية بالخارج. 

وهكذا، رتبت مع ميلود ونجيب أن نلتقى سوياً فى مصر عندما يفدان إليها فى موعدهما المبروم، حتى نخوض معاً مغامرات نكتشف من خلالها مباهج الحياة البريئة (إلى حد ما). 

أتى نجيب إلى الإسكندرية، حيث كُنت أقيم مع أسرتي، ولم يأت ميلود" ! "أنه الموت"، قال لي نجيب بحزن شديد. ميلود مات من جراء وقوعه من فوق رافعة شاهقة العلو. تأثرت لموته بشدة مفرطة لم أتوقعها من نفسي، ولم يتوقعها أهلي مني. حزنت وعزفت عن الخروج من البيت، وصرتُ منزوياً فى غرفتي، برفقة أشجاني الأليمة وبعض الدمع الذى ذرفته على صديق عزيز رحل عن عالمنا دون وداع. 

مرت أصياف عديدة، وأمضيت أجازات كثيرة فى بلاد متفرقة، وصادقت الكثير من الأصحاب، وميلود لازال غائباً عن هذا الوجود. هكذا هى الطبيعة الحياتية، لا تتغير نواميسها، ولكن يتغير الإنسان من حولها، تتبدل ظروفه، ويتطور جسده يمرض ويشفى، ويشيخ ويهرم، ثم يموت. 

والمعنى هنا، أن شهر رمضان وغيره من أدوات الزمن التى حددها الله سلفاً لن تتغير، فهى باقية على الدهر ما بقت الحياة، فهى تعود مع تواتر الزمن فى رتابة لا يبطلها ذلك التغير الذى يطرأ من وقت لآخر على حياة الإنسان. 

***** 

مَرْيَمَ 

مريم نسمة رقيقة، هبت فى يوم من سطح أحد المنازل المجاورة لبيتنا، تنشقت أريحها، فملكت نفسي بسماحتها البالغة. فعقدنا صداقة جميلة، قل ما تنشأ بين شاب صغير ـ بالكاد تخطى مرحلة صباه ـ وامرأة ناضجة فى عشرينات عمرها (غير متزوجة). كانت مريم حلوة المحيا والمنطق. طيبة ودودة، صديقة وفية مخلصة، لا تعرف من الدنيا إلاّ جانبها الحسن المضيء. 

كانت تهديني الكتب القيِّمةِ، لمعرفتها بمدى حبي للقراءة؛ وكُنت أهديها العطور لتزيد روائحها العطرة من رونق جمالها. كنا نتحدث لساعات ـ دون كلل أو ملل ـ عن أحاديث بريئة طاهرة. وكانت أحاديثنا فى شهر رمضان بالذات، تأخذ وقتها بعد أذان صلاة العشاء، تدور حول فحوى بعض القصص والحكايات (المفيدة) التى أقرأها على مسامعها، أو أطالعها فى خلوتي، وألخصها لها فى مسامرتنا الأخوية البريئة. 

وأتذكر فى رمضان عام 1970م، قرأت عليها بعض القصص والروايات، من بينها روايتان جميلتان، إحداهما (ميرامار) لنجيب محفوظ، والأخرى ـ رائعة ـ عباس محمود العقاد (سارة)، والأخيرة فى نظري من أجمل الروايات التى كُتبت باللغة العربية من ناحية البلاغة، وجمال الصياغة، وهى الرواية الوحيدة التى كتبها هذا المفكر الفذ فى حياته، فلم يكتب بعدها إلاّ فى مجال الفكر والأدب البحت. 

لقد علمتني صداقتي الجميلة بمريم ـ فى حينه ـ أن انبذ إحدى مستحيلات القول الشهير (الغول والعنقاء والخل الوفي)، التى أعتبرتها لا تمت للصحة بصلة، وإلاّ كيف يمكن لمطلق هذا القول أن يُفسر وفاء مريم فى صداقتها معي ؟ ومع ذلك لازلت أؤمن بإستحالة وجود العنقاء والغول إلى أن يثبت العكس. 

سافرت مع أهلي إلى الخارج فى صيف إحدى السنوات الأولى من عقد السبعينات للقرن الماضي، ورجعت ونفسي تواقة لرؤية صديقتي الأثيرة مريم، لأحكى لها كالعادة عن أخبار ماحدث لي فى أثناء الأجازة. لكنهم قالوا لي أن مريم ماتت فى حادث سيارة على الطريق الساحلي. حزنت بشدة، وترحمت على صديقة عزيزة لن أعوضها فى دنيا يؤمن الناس فيها بإستحالة الفوز بخل وفي

مرت سنوات كثيرة متعاقبة لرمضان بعد موت مريم، مات فى غضونها بعض الأعزاء على قلبي، ورغم ذلك لم يتأثر الحس الزمني لحلول الشهر الكريم بذلك البتة، حيث واظب على أداء ميكانيكية رجوعه بتلقائية البارع فى حقلها. 

رحم الله مريم وميلود وإدريس، ووالداي وإيمان والدكتور كامل وسيوين ومحمد وحسام وحسين وكافة الآخرين الذين تطول قائمتهم. 

***** 

والآن أصبحت ـ بالفعل ـ محصناً ضد الموت، ليس بالمعنى القديم الذى حملته صغيراً، والذى كان مفاده أن الموت يجتازني أنا وأهلي وأصدقائي ويذهب للغير، بل محصن ضد تأثيره الفاجعي، وضد الحزن الذى يتركه فى القلب، وضد مباغتته لي فى كل حين. لم أعد أتأثر اليوم بواقعته، لأنني أعلم بأنه المصير المحتوم للبشر. وأعلم بأن الحياة قصيرة، مهما أمتدت سنواتها وطالت. وأعلم بأن جمال الموت ـ الذى خفى عني رؤيته فى السابق ـ يكمن فى كونه الوسيلة الوحيدة التى تنقلنا لعالم الخلود، ذلك العالم الذى لا يوجد فيه شر وبغض وحقد وكراهية، عالم أناسه تطهروا من النفاق والتلون والكذب الكريه. 

كل عام وجميع أهل ليبيا فى الداخل والخارج بكل خير، عدا الزمرة المجرمة (الفاسدة) الحاكمة.

فرج الفاخري

farajelfakhri@live.com

ـــــــــــــــــــــ

قد كان أفراد عائلة قرقوم لعائلتنا الجيران الذين يتمناهم كل إنسان ينشد الطيبة وحسن الجوار.

 


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home