Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri
الكاتب الليبي فرج الفاخري

الجمعة 8 أغسطس 2008

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

الإنهيـار

فرج الفاخري

الجزء الأول

          لست نازياً، ولم أحلم بمجد البندقيَّه.

حينما تصبح في مقبرة الشرق إلهاً،

عابساً يخلق أنجيلاً جديد.

لا، ولم أكره يهوديّاً، ولم أدع لتلوين،

جوازات السَّفر

ويدي ما اعتادت السَّيف، ولم تحفر  قبور

الآخرين.

فلماذا اعتبرتني؟

هيئة التَّحقيق في محكمة السلطان.

مارق.

                                                محمد الشلطامي

                             ـ من ديوان: تذاكر للجحيم ـ 

 ماهيَّة الإنهيار .. 

ليس الإنهيار الذى ستتناوله هذه المقالة فى حيثياتها، هو إنهيار البنيان، أو إنهيار الإقتصاد، أو الإنهيار النفسي، بل هو الإنهيار الأخلاقي والحضاري، الذى يكاد يكون سمة ـ غالبة ـ مستشرية فى أعماق نفوس معظم أبناء البشرية، بدرجة يعجز معها المرء عن إخفاء دهشته المتوالية من رؤية مشهده المتكرر فى تصرفات وسلوك الآخرين. 

قتل وسفك لدماء (الأبرياء)، عنصرية، كراهية، كذب، رياء، إنتهازية، إفتراء، إختلاس، إحتيال، إستغلال، إبتزاز، إستبداد، إعتداء، جبروت، جور، ظلم، تسلط، تسلق، تملق، تجني، سرقة، نهب، نصب، نفاق

هذه بعض من طباع أبناء البشر، التى يمارسونها فى سلوكياتهم اليومية، إزاء بعضهم البعض الآخر، وهذا هو الإنهيار (المقصود) الذى تتناوله هذه المقالة من خلال الرد على إدعاءات رفائيل لوزون، التى يقول فيها ـ ضمن حديثه الذى أدلى به فى اللقاء الذى أجرته معه قناة الحوار فى الرابع من شهر يوليو المنصرم[1] ـ بأن بعض اليهود الليبيين قد شاركوا فى الجهاد ضد الإحتلال الإيطالي لليبيا ! كما شارك بعضهم فى إمداد عمر المختار ورفاقه بالمؤونة أثناء جهادهم. 

*****

 إدعاءات لوزون تحت مجهر الحقيقة .. 

ليس من الصعب بمكان، أن يتم تفنيد إدعاءات لوزون، العارية من أوجه الحقيقة، والخالية من كافة أسس الصحة، بدون أن يتجشم المرء عناء يذكر، وذلك من خلال مواجهتها بحقيقة الواقع، التى هى أوضح من شمس ظهيرة فى سماء يوم صيف قائظ فى صحراء الربع الخالي. 

وذلك، لأن تاريخ الجهاد فى بلادنا لم تطو صفحات تدوينه بعد، ولا زال بعض معاصريه من أبناء الرعيل الأول على قيد الحياة، وحتى الذين فارقوا الحياة منهم، فقد نقلوا، فى أثناء حياتهم، لأبنائهم قصة تاريخ النضال الليبي ضد المستعمر (الغازي) بحذافيرها، وبكافة تفاصيلها التى عايشوا لحظاتها العصيبة؛ لترسخ وقائعها وأحداثها كاملة ـ من بعد ذلك ـ فى أعماق وجدان هؤلاء الأبناء من صف أفراد الرعيل الثاني. 

وهكذا، تشرب جيل بأكمله ـ لازال معظم أفراده يرزقون ـ وقائع وأحداث تاريخ تلك الحقبة بأكملها؛ فشرفتهم بسالة أبائهم وأجدادهم؛ وعمهم الفخر بشجاعة ذودهم عن أرضهم الطاهرة، وأرتفعت قامتهم شامخة بعظمة تضحياتهم النبيلة، بالأنفس قبل المال، فى سبيل وطنهم؛ وحرماتهم المقدسة، ضد العدو الباغي. 

وأنا هنا، مندهشاً من إدعاءات لوزون، وأنا أحد أبناء جيل الرعيل الثاني الذى ورث عن أبائه وأجداده قصة كفاح الليبيين ـ المسلمين ـ ضد المستعمر الإيطالي الغاشم. كما أنني، من جانب آخر، أنفقت قسط من عمري فى دراسة تاريخنا، من خلال الكتب والمراجع والوثائق والمصادر المتفرقة، فلم أسمع فى حياتي، ولم ينم إلى علمي ما يفيد بمشاركة بني اليهود فى معارك الجهاد الليبية، من قريب أو بعيد. 

وفى هذا السياق، قد تم تسجيل تاريخ وقائع وأحداث نضال الشعب الليبي (المضيء)، ضد قوى الإستعمار الإيطالي، فى الكتب والمخطوطات والأبحاث والدراسات المتخصصة؛ وهذا ما يُعد من حسن طالع شعبنا؛ لأن مثل هذا التسجيل لواقع أحداث تاريخه المشرف، كفيلاً بأن يمنع ويصد الباب أمام المغرضين، الراغبين فى تزييف وقائع أحداثه، من خلال خلق أدوار مميزة لهم فوق صفحاته، كما فعل لوزون ! فى حديثه الذى أدلى به لقناة الحوار. 

***** 

غلطة الشاطر بعشرة، وغلطة المغرض بفضحه ..

ومن هذا المنطلق، فإن إدعاءات لوزون فى هذا المضمار، غير معتد بها، لأنها لا ترقى لمصاف الحقيقة، وترتد ببساطة على صاحبها، بمجرد الإستشهاد بما يعرفه (ويعلمه) جيل الأبناء الوارثين لوقائع تاريخ نضال أبائهم وأجدادهم، من معلومات فى هذا الخصوص؛ وأيضاً من خلال الرجوع للمصادر والمراجع التاريخية المتخصصة، التى لم يشر أحدها، لأي من إدعاءات لوزون بمشاركة اليهود فى الجهاد الليبي ضد المحتل الإيطالي، الذى أستمر مداه لعشرين سنة. 

وهنا، يكمن خطأ لوزون الأكبر، الذى أرتكبه بدون أن يكلف نفسه مشقة التحقق من مدى معرفة الليبيين بتاريخهم، فغرضيته أوقعته فى مغبة الخطأ، وأدت به ـ بأسرع مما كان يحتسب ـ للوقوع فى هاوية فشل محاولته (المفضوحة)، لصنع وفبركة تاريخ زائف يمجد فيه لأبناء عقيدته. 

لكن خطأ لوزون المميت، لا يكمن (فقط) فى إدعائه بأن أجداده شاركوا فى معارك الجهاد ضد قوات المستعمر الإيطالي الغاشم، بل أنه يتجسد ويستكين فى إدعائه ـ الذى لا يجرؤ عاقل على التفوه به ـ بإن أحد بني ملته (من اليهود)، كان يمد عمر المختار وصحبه بالمؤونة أثناء أنهماكهم فى القتال مع الأعداء !. 

***** 

الشمس لا تحتاج لدليل على وجودها .. 

وهكذا، حزم الأمر، فتاريخ بلادنا ـ كما سلف الذكر ـ راسخ المعالم فى أذهان معاصريه والأجيال التى تلت، ولا يمكن لأي متطفل أن يزوره بإدعاءات ليس لها أساس من الصحة. فواقع الأمر يؤكد لنا، بأنه لا يوجد فى كتب التاريخ التى سجلت وقائع وأحداث تلك الحقبة، ولا يرقى لعلم أي ليبي ـ ورث عن السلف السابق أحاديثهم عن مجريات أحداث تلك الفترة ـ ذكر لمشاركة أبناء يهود ليبيا فى الجهاد ضد المستعمر الإيطالي (الكريه)، أو أن أحدهم قد قام بتموين عمر المختار ورفاقه، فى أثناء نضالهم وجهادهم ضد العدو الغاشم. 

بل العكس فى ذلك هو الصحيح، فعلى الرغم من أن يهود ليبيا، فى ذلك الوقت، كانوا يحولون الأموال الجمة للوكالة اليهودية، العاملة على تنفيذ مشروع إقامة دولة بني إسرائيل ـ بفعل القوة القاهرة والمساندة الدولية ـ فوق أرض فلسطين. ورغم أنهم، كانوا يعدون العدة، ويجهزون أنفسهم للرحيل عن ليبيا فى سياق الهجرة المرتبة والمخطط لها، للمشاركة فى تكوين الدولة اليهودية الناشئة. إلاّ أنهم، لم ينسوا، فى غمار ذلك، أن يقدموا كافة أيدى العون ـ فى الخفاء والعلن ـ لدولة الإستعمار الإيطالي. 

وذلك، من خلال مساعدة إدارتها بكافة أوجه الخدمات التى مكنتها منهم طاقاتهم المشرعة على مصراعيها تقرباً لدول الكتلة الأوروبية، حتى يتم كسب مؤازرتها لدولتهم اليهودية فى عدائها للعرب والمسلمين، الذى سينشأ بعد إحتلالها لأرض فلسطين. 

بل أن مساندتهم لدولة إيطاليا الإستعمارية، تجاوزت نطاق تعاونهم مع إدارتها فى داخل ليبيا، حيث أندس جواسيس اليهود، فى أعلى مستويات عملية صنع القرار فى الدولة التركية. فقد عمل إيمونويل قراصو، اليهودي الأصل، على خدمة المصالح الإيطالية فى تركيا[2]. 

وذلك بعد تغلغله فى أعلى مستويات السلطة والنفوذ فى هرم كيان الدولة التركية؛ التى بدأها بإشتراكه فى تأسيس جماعة تركيا الفتاة، ليصبح أكثر قيادييها تأثيراً فى قرارتها؛ وليتمكن بحظوته ومرتبته فى داخلها، من الدفع به كعضو فى المجلس النيابي لأكثر من مرة؛ كما تم أختياره رئيساً للجنة الأربعة، التى شكلتها جمعية الإتحاد والترقي، لإملاء شروطها، وتقليص مهام السلطان عبد الحميد، ووضعه تحت الإقامة المنزلية، بعد وصولها للحكم فى سنة 1908م.[3] 

وجاءت مساعدات إيمونويل قراصو الحقيقية لدولة الإستعمار الإيطالية، فى عدة أوجه، لعل أهمها، ممارسته للضغوط الدافعة نحو تنازل تركيا عن سيطرتها على ليبيا، ووقف عملياتها العسكرية المساندة لحركة الجهاد الليبية. ونجح فى مهمته من الداخل، التى تواكبت مع الضغوط الخارجية التى مارستها إدارة الإستعمار الإيطالي على تركيا، من خلال إحتلالها لجزر بحر إيجا، وقفلها لمنافذ عبور السفن فى منطقة الدردنيل

وهكذا حصلت إيطاليا على مبتغاها، بتخلى تركيا عن الشعب الليبي فى سنة 1912 من خلال معاهدة أوشي (لوزان). ولم يمر وقتاً طويلاً حتى أنكشف أمر تجسس إيمونويل قراصو على تركيا لصالح إيطاليا، فهرب من القصاص التركي، إلى إيطاليا التى منحته الجنسية الإيطالية، نظير خدماته التجسسية، وعاش على أرضها حتى مماته فى سنة 1934م. 

***** 

مقدمة متأخرة .. 

أجد نفسي مضطراً عند هذه النقطة، إلى تقديم نبذة سريعة عن الخلفية العقيدية التى ينطلق منها لوزون، وبني جلدته، والتى تُعد المسئولة ـ بالدرجة الأولى ـ عن كافة تصرفاتهم وسلوكهم إزاء الآخرين من أصحاب العقائد المختلفة واللا دينيين؛ وذلك، حتى يرى القارىء الصورة الكبرى من وراء المشهد الصغير، الذى نقلته هذه المقالة. 

والأمر فى هذا الخطب، لا يتطلب من المرء سوى إصطحاب القارىء ـ لهذه المقالة ـ فى جولة سريعة عبر الدهاليز الخفية، لخلفية لوزون العقيدية، التى يكمن فى جوهر صلبها، الدافع الحقيقي لإطلاقه لتلك الإدعاءات الباطلة (المغرضة)؛ ويكمن فى بوتقتها كافة التصرفات (اللا إنسانية) المستهجنة، التى تبدر عن أصحاب الديانة اليهودية إزاء الآخرين. 

ومن هنا، فسوف أقوم ـ فيما سيلي ـ بتقديم شرح لأبعاد الخلفية التى تسيطر على مسارات أصحاب العقيدة اليهودية، من أجل أن يتسنى لنا، وبمنتهى اليسر، أن نفهم الغرض الذى يدفع بشخص ـ مثل لوزون ـ إلى التفانى فى تقمص دور الشخصية المظلومة، التى تم إجبارها (مكرهة !) على الهجرة من مسقط رأسها فى وطن، لم تتوقف مشاعره عن إظهار الحنين لربوعه، ولم تتوانى عزيمته على بذل قصارى جهدها لتحقيق أمر العودة إليه. 

ونجد، فى اليد الأخرى، إن سعيه الحثيث لتحقيق هدفه المأمول، لم يلهه عن أمر بث إفتراءاته الباطلة عبر الأثير، مدعياً فيها بأن بني عقيدته من يهود ذلك الوطن، قد شاركوا أخوانهم المسلمين الجهاد ضد جحافل قوات المستعمر الإيطالي ! وساعدوا عمر المختار بالإمدادت التموينية !. 

وفى خضم ذلك، لا يستطع المرء هنا، غض نظره عن موضوع آخر، طالما أثار حنقي فيه، ردود لوزون على سائليه بصدده، وهو رأيه حول قضية الإحتلال اليهودي لأرض فلسطين، وحول الجرائم اللا إنسانية التى يرتكبها بني عقيدته فى حق الفلسطينيين. 

وبمنتهى السخرية، والإستهانة بذكاء الآخرين، وقدرتهم على التمييز والفهم، كانت ردود لوزون، تنحصر فى أن هذه مسائل سياسية بحتة، وهو ينأى بنفسه عن الإنخراط فى السياسة، فقضيته الأساسية أنه ليبي، أُجبر على العيش خارج وطنه الذى يحن للعودة إليه. 

ولو كان لوزون، قد وضع ـ أثناء ردوده تلك ـ بعض المساحيق التى يلون بها بهلوانات السيرك وجوههم، لكانت قد أنطبقت أقواله مع مظهره، ولتماثل القول مع الشكل. فلا يخالجني شكاً، فى هذا الخصوص، أن لوزون قد ظن من الذكاء بمكان، أن يستعين بمهارة حواة السيرك وبهلواناته، فى الرقص على الحبال، وخداع البصر بالمناديل المزركشة، وإخراج الأرنب والحمامة من داخل القبعة؛ فقرر أن يكون رده بأنه لا يتعاطى السياسة !. 

لكن لوزون، نسى فى غمار إنهماكه، فى تمرير حيلته على سائليه، بأن ما يصلح للسيرك، وحواته وبهلواناته، لا يصلح لموقفه الشخصي، كيهودي، ينتمى لمجتمع اليهود، المتجمعين أفراده فوق الأراضي الفلسطينية، التى تم لهم إحتلالها. 

ودعونا نبحث، فى هذا الخصوص، عن فهم يليق بعقولنا، التى ضمن (لنا) الله بذات جلالته، قدرتها على حل الطلاسم والألغاز الحياتية؛ هذا إذا أعتبرنا محاولة فهم ماهية أهداف المجتمع اليهودي ـ القائم بعماد نواته العنصرية ـ فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة، أحد هذه الألغاز !. 

ولكن لحسن حظنا، أن معرفة الأسس التى يقوم عليها المجتمع اليهودي وأهدافه الإستعمارية، ليست بلغز (البتة)؛ بل على العكس، فهى أكثر وضوحاً من قمر منتصف شعبان، فى إحدى ليالي سماء صحراء إنتلات الصافية. 

إن وجود المجتمع اليهودي، الذى ينتمى لوزون إليه، فوق أرض فلسطين، وتكوين أفراده لدولتهم الإسرائيلية، بعامل القوة، والتآمر. هو حدث سياسي، غير عابر، بل يتعايش كل يوم من خلال ممارسات أفراده الإجرامية، إزاء أهل فلسطين؛ ويلبس كل يوم والآخر، ثوب السياسة، التى لا فكاك منها لكل يهودي؛ لأن إستمرار الإحتلال اليهودي الغاشم للأراضي الفلسطينية، وقمع أهلها، وتهجيرهم، والتنكيل بهم، وبناء المستوطنات غير الشرعية على أراضيهم، هى أدوات السياسة الإسرائيلية لمجتمع اليهود بأسره، وبدون إستثناء. 

وفى هذا الإطار، فإن أي يهودي ينتمى لدولة إسرائيل الإستعمارية، ويعيش فوق الأرض التى أغتصبتها من أهلها الشرعيين (الفلسطينيين)، أو يعيش خارجها ـ كما هو حال لوزون فى السنوات الآخيرة ـ هو سياسي رغم عن أنفه. وذلك بحكم الإنتماء والولاء للمجتمع الأم، الذى يتبنى أدوات القوة العسكرية، لتحقيق أغراض سياسية، ينسحب الإيمان بشرعيتها على كل أفراد هذا المجتمع العنصري، من أخمس أصابع أقدامهم وحتى أطول شعرة تعلو فروات روؤسهم. 

ولهذا، يجب على لوزون، الإجابة على التساؤلات التى يطرحها البعض عليه، من وقت لآخر، ويحدد موقفه، بدون اللجوء للعبة حواة السيرك، فى محاولة الفصل بين وضعه كليبي، وولائه لإسرائيل، ولسياساتها الإجرامية، والهروب من الإجابة، بأن هذه سياسة، وهو لا يتعاطاها. 

إنني أُجلّ، وأحترم بشدة، أؤلئك اليهود القلة، الذين أعلنوا من داخل كيان المجتمع اليهودي، فى الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو من أماكن معيشتهم فى إحدى دول العالم، على موقفهم الإنساني، الذى أستهجنوا فيه الممارسات الإجرامية التى ترتكبها سلطة دولتهم اليهودية، فى كل يوم، تجاه أهل فلسطين، بل أنهم ـ علاوة على ذلك ـ قد  أقروا بعدالة المطالب الفلسطينية. 

لكنني أبغض بشدة، كل محتال، يدين بالولاء لسلطة دولته الإستعمارية، ولا يخجل من عنصريتها البغيضة، وعنصرية بني قومه التى تزكم رائحتها الكريهة خياشيم الأسماك فى أعماق مياه بحر الظلمات. 

ومن هنا، أرى أن الجمع بين الإنتماء للمجتمع الليبي، والإنتماء والولاء للمجتمع اليهودي، الذى يغتصب أفراده حقوق الشعب الفلسطيني، ويمارسون ضده كافة أنواع الإضطهاد التى عرفتها البشرية؛ به تناقض صارخ، ولا يمكن للمرء مؤامته بأي شكل من الأشكال. 

والسبب يكمن فى أن أفراد المجتمع الليبي، بإستثناء رأس النظام الفاسد وأفراد أسرته، لا يقرون، ولا يقبلون بأي حال، عنصرية مجتمع اليهود التى يقاسى (أخوانهم) الفلسطينيين من ويلاتها. وهذا، يجعل من الصعوبة البالغة، أن يتم مؤاخاة الليبيين العرب والمسلمين، لليهود الليبيين، الذين يدينون بالولاء للمجتمع اليهودي الأم، القائمة دولته على إغتصاب الحقوق الفلسطينية. 

حيث أن تركيبة الوضع الحالي فى مجمله، يختلف كلية ـ عندما يأتى الأمر بالنسبة ليهود ليبيا ـ على الأوضاع التى كانت سائدة قبل، تأسيس الدولة اليهودية فى سنة 1948م، وقبل محطات تثبيتها من خلال الحروب العدوانية الجارحة فى سنة 1948م، وسنة 1956م، وسنة 1967م، وسنة 1973م. 

فقد كان لتكوين الدولة اليهودية فوق أراضي الشعب الفلسطيني (بالقوة)، وبمؤازرة ومساندة قوى دول الإستعمار الغربي، له عائده السيء على وجدان الشارع العربي، الذى تولدت فى داخل أشجان أفراده مشاعر الغبن والكراهية تجاه اليهود، والتى كانت تزداد عمقاً بفعل الممارسات الآثمة لدولة العنصرية اليهودية، تجاه سكان الأراضي الفلسطينية الشرعيين. 

وكانت الحروب العدوانية مع التآمر الدولي، المؤيد للمعتدي (اليهودي)، تزيد ـ كل يوم ـ من حدة مشاعر الكره تجاه اليهود. ولم يساعد هذا الأمر، تضامن يهود مجتمعات الدول العربية مع موقف دولتهم (العنصرية) العدائي، بشكل أو بآخر، ولو بالصمت، الذى هو علامة الرضا؛ فى حين أنه كان من الواجب عليهم، وهم يهود عرب، أن يشجبوا عدوانية الدولة اليهودية. 

وهكذا، فقد أرتسمت خطوط فاصلة، فى العلاقة بين العرب واليهود، تحددت معالمها، فى داخل وجدان الأفراد فى كلا الجانبين، فعلى الصعيد العربي، سواء فى ليبيا أو غيرها من الأوطان الآخرى، لم تعد أواصر الود والقبول، بيهود تلك البلاد، على حاله القديم، بين أفراد شعوبها. وهذا يرجع بالدرجة الأولى، للعدوانية اليهودية (غير الإنسانية)، المتمادية فى حقدها، والتى تُسيطر عليها مشاعر العزة بالأثم، النابعة من عنصرية أصحابها؛ التى تدفعهم كل يوم للتشفى والتلذذ بإضطهاد الشعب الفلسطيني، وفى المبالغة بسلب حقوقه الشرعية. 

***** 

العمل الجيد يطرد السيء من التداول ..

ولكن، شعوب العرب، كمثل شعوب الأرض الأخرى، لها ذاكرة (جماعية) يومية، يطرد العمل الحسن فيها، العمل السيء ويحل مكانه، والعكس فى ذلك صحيح. والمعنى هنا، أنه إذا أقترف أحدهم أعمال سيئة، ودأب على تكرار إرتكابها لفترة زمنية معينة، فسوف يكرهه الجميع كلَّ يوم يمر. 

وفى اللحظة التى يغير فيها هذا الشخص من أسلوب سلوكه السيء تجاه الآخرين، ويدأب على عمل الخير للجميع، ويحرص على تقديم العون لهم، ويتفانى فى خدمتهم؛ فإن أفراد ذلك المجتمع سيحبون هذا الشخص حباً جماً، ويقابلون وده بود مساوياً له أو أكثر منه، وتأول كافة تصرفاته السيئة السابقة إلى عالم النسيان. 

والخلاصة فى هذا المضمار، أن الإنسان الذى يختار الكياسة أسلوباً له فى سلوكه مع الآخرين، فإنه ـ حتماً ـ سيحظى بحب الآخرين له ، ويكون الكره والمقت، فى هذه الحالة، من نصيب الشخص الذى يتبنى أسلوب السلوك السيء المنبوذ. 

وبحسب معايير الحكمة الكامنة من وراء هذه المسلمة، المشار إليها أعلاه، فإن محاولة لوزون تبنى نهج الكياسة تجاه المجتمع الليبي، من خلال التودد والتقرب لأفراده، والمبالغة فى إظهار جانبه الشرعي فى المواطنة الليبية (وهذا أمر لا ينازعه فيه أحد)؛ وعقده علاقات صداقة مع بضعة قليلة من أفراد الجالية الليبية فى بريطانيا، ممن لهم رؤية مختلفة ومخالفة لرؤية الغالبية العظمى فى هذا الصدد[4]؛ وسعيه بكل همته للتعريف بنفسه، على مستوى المجتمع الليبي ككل، من خلال اللقاءات التلفزيونية مع بعض القنوات الفضائية العربية؛ ومحاولة خلق تاريخ مشرف لبني عقيدته، فى داخل ليبيا، عن طريق فبركة الأحداث التاريخية؛ كل ذلك وأكثر، يرشحه بحسب تأويل المسلمة السابقة، إلى كسب محبة، أفراد الشعب الليبي بدون نزاع. 

ولكن للأسف، بالنسبة للوزون، فمثل هذا الأمر لن يحدث، إلاّ على مستوى الفئة القليلة السالفة الذكر ـ صاحبة الوجهة المغايرة لوجهات معظم أفراد الجالية الليبية ببريطانيا فى هذا الإطار ـ فسوف تذهب كافة الجهود التى بذلها صاحبها فى السنوات الآخيرة، من أجل تحقيق مبتغاه، أدراج الرياح. وذلك، لأن جميع خطواته التى قفزها فى هذا الصدد، تصب فى معين خداع النفس، قبل خداع الآخرين. 

ولشرح السبب من وراء ذلك، علينا أن نُزيح العواطف جانباً، ونلجأ إلى إعمال كافة ركائز الإدراك العقلي والإستدراك المنطقي، بوعي تام وروية مفرطة، يتم من خلالهما إخضاع الأمر برمته لقوام قواعد الموضوعية والإنصاف. وهذا ما يتطلب منا، إلقاء الضوء على حقائق المعطيات التالية: 

·        لوزون، وبحسب تصريحاته المتكررة، فى السنوات الآخيرة، أنه ليبي، ويحب ليبيا، وينفطر قلبه بحبها، وتدمع أعينه شوقاً لرؤياها.

·        لوزون، قضى قسطاً من حياته فى خدمة عنصرية الدولة اليهودية، وتقلد فيها بعض الوظائف الحساسة، التى من عصب أساسيات مهامها، ممارسة الإضطهاد على الشعب الفلسطيني؛ ولعل يداه مخضبة بدماء بعض الضحايا من أبناء فلسطين.

·        لوزون، لا يتعاطى السياسة، عندما يأتى الأمر لتحديد موقفه من جرائم أهل عقيدته تجاه الشعب الفلسطيني؛ التى شارك فى تفعيل ديناميكيتها، فى فترة سابقة من حياته.

·        اليهود يكرهون العرب والمسلمين، بدافع (من) داء العنصرية المسيطرة على حواس وجدانهم النفسي والعقلي.

·        العرب يكرهون اليهود، بسبب إضطهادهم الصارخ، وعدوانيتهم الشرسة تجاه الشعب الفلسطيني، وسلبهم لحقوقه الشرعية.

·        لوزون، يطالب بحق العودة لموطنه (ليبيا)، بينما بني عقيدته فى داخل كيان الدولة اليهودية العنصرية، يصادرون حق ملايين الفلسطينيين للعودة إلى وطنهم فلسطين، بعد أن قاموا بتهجيرهم منه.

·        لوزون، يريد من أخوانه الليبيين، أن يستقبلوه بالأحضان الدافئة، والقبلات الحميمة على الوجنات ـ مثلما تفعله معه بضعة قليلة من أفراد الجالية الليبية فى بريطانيا ـ ويمنحونه وبقية اليهود الليبيين تعويضات مالية عن أملاكهم.[5]

·        لوزون، يرى كل يوم والذى يليه، كيف تدمر آلة الحرب اليهودية ـ بالحقد الغليل ـ أملاك الفلسطينيين على أرضهم المغتصبة، بدون وجه حق؛ دون أن ينالوا ليرة واحدة كتعويض عن مساكنهم التى تم تدميرها، أو عن أراضيهم المصادرة من أجل بناء مستوطنات لأبناء عقيدته المتوافدين من شتى بقاع العالم.

·        لكن، لوزون، لم يعد يعمل فى داخل كيان الدولة اليهودية العنصرية، وطلَّق ـ حسب إدعائه ـ إيمانه بالصهيونية، وهو الآن يبحث له عن مكان فى وطنه الثاني ليبيا.

·        الليبيون، أو أصحاب الضمائر الحية منهم، يكرهون ـ مثل بقية العرب ـ عنصرية الكيان اليهودي، التى يغتصب أصحابها حقوق أخوانهم فى فلسطين. 

المعادلة ـ إذن ـ صعبة، حتى لو أستعان، لوزون على حلها بأبن عقيدته، آينشتاين (فى عالمه الآخر)؛ لعجز ـ هذا الآخير ـ عن حلها من خلال المعطيات السابقة، أو من لدن نظرياته الخارقة فى علم الفيزياء؛ لكنه من باب (عشم) رابطة الدم، قد يصنع له قنبلة ذرية محسنة، يتم رصها إلى جانب مئات القنابل الذرية الأخرى التى تم تصنيعها فى مفاعل ديمونة النووي، لتزيد من قوة تهديد الدولة العبرية للعرب. 

وأنا هنا، لست بعبقرية آينشتاين، وقد أعجز عن حل عملية حسابية بسيطة لاتتجاوز أرقامها عدد أصابع اليد الواحدة، لكنني أملك الحل الذى يليق بذاكرة الشعب الليبي اليومية؛ ويليق بلوزون كرئيس لرابطة اليهود الليبيين فى المملكة المتحدة، (وهو) أن يكف عن الرقص على الحبال، ومحاولة السخرية من سائليه، ويحدد موقفه من عنصرية دولته اليهودية. 

فى لحظتها فقط، (ربما) سيجد له مكاناً بين أهل ليبيا، هذا على الرغم من أن الكثيرين منهم، سيظلون على كراهيتهم له، بسبب محاولات تقربه، من رأس النظام الفاسد، الذى يبغضه الليبيون، بسبب جرائمه النكراء فى حقهم، والتى مبعثها الأساسي ينطلق من روح الحقد التى تتملكه تجاه أفراد الشعب الليبي، وهو يتشابه فى ذلك مع يهود الدولة العنصرية، فى أحقادهم الكريهة تجاه الشعب الفلسطيني. 

وفى نهاية هذه الفقرة، لا أحتاج هنا، أن أروج لموضوعيتي، فيما كتبت أعلاه، فكل كلمة وردت، قد تم إستيفائها من واقع التاريخ الذى تم تدوين ـ ما مضى من ـ أحداثه الغابرة، وأيضاً من صلب واقع أحداثه الجاري تفاعلها فى أيامنا المعاصرة. 

***** 

متطفل فى بلاط الشعراء .. 

إن كافة ماكتبته أعلاه، حول إنهيار اليهود الأخلاقي، الذى عكسته سلوكياتهم خلال السبعين سنة الماضية، يُعد جزء لا ينفصل عن الإنهيار الأخلاقي لبعض المجتمعات الإنسانية الأخرى. فاليهود ليسوا بمعزل (كامل) عن بنى جنسهم البشري فى إنهيارهم الأخلاقي، فبضعة من المجتمعات البشرية الأخرى، لها إسهاماتها التى لا يستهان بها فى هذا الباع. 

وهذا ما سنراه فى حيثيات الجزء الثاني ـ من هذه المقالة ـ الذى سيتعرض لهذا الأمر من خلال، إلقاء الضوء على تفاعل أتباع الأديان المختلفة مع تعاليم عقائدهم الربانية. مع مراعاة أن يكون التركيز فى جله، على أتباع العقيدة اليهودية، وهذا هو الغرض الأساسي من هذه المقالة. 

ولعله جدير بالأهمية هنا، الإشارة إلى أنه على الرغم من أن الإنهيار الأخلاقي سمة بشرية، فى عصرنا الحالي، كما سلف الذكر؛ إلاّ أنه يحق لليهود تبؤ مركز الصدارة فيه، على مستوى عالم البشر بأسره؛ فجرائمهم وسلوكياتهم اللا إنسانية تجاه شعب فلسطين، تؤهلهم لنيل هذا المركز المقيت بكل جدارة.

وفى ختام هذا الجزء، وعلى هدى أبيات الشاعر الليبي محمد الشلطامي، المدونة فى بداية هذه المقالة، نظمت بعض أبيات الشعر، فى هذا الصدد، ولست بشاعر. 

لست نازياً،

ولم أكره يهودياً،

لكنني أمقت العنصرية.

 

حاولت إخفاء مشاعري،

حتى لا يتهمني أبناء اليهود،

بعدائي للسامية،

 

رأف علاء الدين بحالي،

فأهداني بساط الريح،

وأحد مصابيحه السحرية،

 

أبتهجت،

وطلبت من ساكن المصباح،

أن يأتيني بطاقية الإخفاء الأسطورية.

 

غاب الجني لبرهة،

وعاد مثل سهم إلى مرماه،

والإبتسامة تعلو سحنته الرمادية.

 

شبيك، لبيك،

قال الجني،

ويده ممتدة بطاقية الإخفاء المعنية.

 

لبستها،

فى ظن أنها ستخفيني،

وتخفى معي أسراري العتيقة المنسية.

 

فى لحظة،

تلاشى، عن الوجود جسدي كله،

أبتهجت، ضحكت، غمرتني سعادة لا نهائية.

 

فرحة لم تتم،

فقد أكتشفت أن لساني لم يختف،

وكذا، قلمي اللئيم، المجهول الهوية.

 

تيقنت فى حينه،

بأن الفرح ومضة،

لكن، الأحزان أبدية.

 

يا للهول، لا سلطان لي عليهما،

لساني يملى، وقلمي يخط الكلمات،

بواقع حروف الأبجدية العربية.

 

كارثة،

ورطة عويصة،

أليس هذا هو شر البلية ؟.

 

وقبل أن أفق من دهشتي،

لاحت للقلم المكابر،

فرصته، السانحة، الذهبية.

 

فتح قنينة الحبر،

ورشف محتواها لآخر قطرة،

وأنطلق فى ثرثرة سرمدية.

 

ثملت رأسه، ترنحت ريشته،

ركب صهوة نشوته،

وأنطلق يكتب، بغر وكبر وعنترية.

 

سارع، هذا الخائن، بإفشاء سري،

الذى حفظته فى كرات دمي،

الجارى سيلها عبر أوردتي القلبية.

 

أعلن قلمي، فى أوج سكره،

وبخط الرقعة،

بأنني أبغض العنصرية.

 

وكتب بالخط الكوفي العريض،

إن بني إسرائيل،

من أشد عتاة العنصرية.

 

لا، لست نازياً،

ولا، لم أكره يهودياً،

لكني، أكره (بشدة)، كل من يؤمن بالعنصرية

يتبع .. 

فرج الفاخري

farajelfakhri@hotmail.com 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] حتى يكون واضحاً، للقارىء، فإنه لم يتم لي مشاهدة اللقاء المذكور، فلا أملك جهاز الإستقبال، أو الطبق اللاقط، للقنوات الفضائية. لكني سمعت بتفاصيل اللقاء من بعض الأخوة الذين تمكنوا من رؤيته، وتمكنت من قراءة نبذة عنه على أحد مواقع الإنترنت الليبية. 

[2] أثناء البحث عن معلومات حول فترة الجهاد والكفاح الليبي ضد الغزو الإيطالي للبلاد، التى أستغرقت مني مدة سنة كاملة (من شهر أبريل 2002م وحتى مارس 2003م)، وذلك ضمن عملي ـ بالأجر ـ مع الأستاذ مصطفى بن حليم، لصياغة وإعداد كتابه "إنبعاث أمة وسقوط دولة"؛ حيث أكملت له فى أثنائها، كافة أوجه البحث والتقصي التاريخي لفترة الجهاد، وفترة الصراع السياسي لنيل الإستقلال، وتم تجميعها مع المادة الأساسية، التى أملاها علي بنفسه، من واقع معاصرته ومعايشته لمعظم أحداثها. ثم قمت ـ من بعد ذلك ـ بعملية الصياغة والتبويب والتنضيد. وقد أشتملت محتويات الجزء الذى ساهمت فيه بالبحث والصياغة، على وقائع تاريخ فترة الجهاد، وفترة الصراع السياسي لنيل الإستقلال، والوزارة الأولى فى عهد الإستقلال التى ترأسها السيد محمود المنتصر.

وتشاء الأقدار، أثناء إنكبابي على البحث السالف ذكره، أن يقع بين يدي كتاب يحمل تفاصيل إنقلاب الإتحاديين، على سلطة آخر حكام الدولة العثمانية، السلطان عبد الحميد، الذى جاء فى طيات حيثياته، قصة تجسس اليهودي إيمونويل قراصو، فتتبعت أمره من خلال محاضر جلسات جماعة تركيا الفتاة وجمعية الإتحاد والترقي المنبثقة عن الأولى، وجمعت المعلومات الخاصة بإيمونويل قراصو، وعرضتها على الأستاذ مصطفى بن حليم، لتضمينها فى كتابه، فوافق على إقتراحي، لقيمة المعلومات الواردة فيها، ولكونها معلومات ريادية، لم يتطرق لها أي باحث، كتب فى هذا الخصوص، من قبل. 

[3] لعله، ليس بخافٍ على المهتمين بدراسة تاريخ منطقة الشرق الأوسط، أنه مع بداية ضعف الدولة العثمانية، وتضعضع قوتها فى القرن التاسع عشر، صارت محط أطماع الدول الإستعمارية، لتقسيم ممتلكاتها ـ من البلاد الواقعة تحت نفوذ دولة خلافتها الإسلامية ـ فيما بينها.

ولم يفت الدول الإستعمارية، التى برعت بعضها، وعلى وجه الخصوص بريطانيا، فى حبك المؤامرات للوصول إلى مأربها، أن تقوم بالتشجيع على قيام الأحزاب القومية، التى تدعو لفكرة إنشاء الدولة العلمانية، التى تفصل الدين عن السياسة، وذلك فى محاولة إستلال مفهوم كيان الخلافة الإسلامية، من تفكير عامة الناس.

وهكذا كان، فقد قامت جماعة تركيا الفتاة، التى تأسست فى سنة 1860م، كحركة سرية ـ فى مستهل قيامها ـ تنادى بتطبيق النظام البرلماني، المحاكي لبرلمانات الدول الأوروبية، الذى تراه السبيل الوحيد لإنتشال تركيا من أزماتها ومشاكلها الخانقة، ومن حالة الضعف والتردى الذى وصلت إليه.

وقد كانت جماعة تركيا الفتاة، المدعومة كلية من الدول الأوروبية، ينتمى معظم أعضائها للحركة العالمية الماسونية (المشبوهة)؛ وكان هدفها، كما سبق التلميح، القضاء على فكرة الدولة الإسلامية، القائمة على فكرة إقتران أصحاب الديانة الإسلامية، بدولة واحدة، تضم تحت جناحها كافة البلاد الإسلامية، فى مشارق الأرض ومغاربها.

ولعله من المفيد، أن ألجأ فى شرح هذا الجانب ـ بتفصيل أدق ـ من خلال النص الأصلي الذى ورد فى كتاب الأستاذ بن حليم، حتى يصل المعنى المراد للقارىء بكامله:

" بغض النظر عن الضعف الذى انتاب العالم الإسلامي تحت ظل الخلافة التركية فى القرون الأخيرة، إلا أن وجود هذه الخلافة وبكل شوائبها وبما يعتريها من ضعف ووهن فى ذلك الوقت، إلا أنها تظل خطراً فى كونها تمثل منظومة واحدة يثكاتف تحت مظلتها مفهوم الدولة الإسلامية، ويصدر القرار فيها من تحت سقف يضم قيادة واحدة ؛ فالهدف فى تلك الآونة لدى القوى الإستعمارية الأوروبية التى سيطرت على العالم القديم، كان يتمثل فى القضاء على القوة الإسلامية التى حكمت العالم على مدى ألف سنة، لم تتمكن هى معها من اختراق تبوء المسلمين فيها لمركز الصدارة الحضارية، وهى هنا تهدف من وراء مخططاتها إلى التيقن من عدم ترك أية بذور قد تساعد على إعادة نمو هذه القوة من جديد.

ولم يكن يسبق فكرة ضرب القوة الإسلامية فى ذهن القوى الإستعمارية أنذاك فى الأهمية سوى ضرب المفهوم الحضاري الإسلامي ذاته وتجريده من بواعثه فى تكوين دولة إسلامية شاملة، والمثال الجلي لدى هذه القوة الإستعمارية لايزال ينضح بالحياة فى أصداح التاريخ؛ ولذا فقد اتجهت بريطانيا بالذات إلى التركيز على التشجيع الدائم لإحياء القوميات العرقية فى أرجاء الدولة الإسلامية ، فشجعت العرب على إحياء مفهوم القومية العربية وحفزتهم على الثورة ضد سيطرة الحكم التركي والانفصال عنه ، وهى التى كانت وراء فكرة تأسيس الجامعة العربية فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وشجعت فى جنوب شرق آسيا على إحياء القوميات والديانات العرقية وتجزئة الدول إلى تقسيمات قائمة على الأسس العرقية والقومية والدينية، وذلك فى محاولة لإجهاض مفهوم الحضارة الإسلامية الشاملة والقائمة على أساس الدولة الواحدة.

ومن هنا كانت فكرة جماعة تركيا الفتاة والتى غيرت اسمها على مر المراحل ، حيث أطلقت على نفسها فى إحدى مراحلها العثمانيون الجدد ثم فى مرحلة لاحقة اسم الاتحاد والترقي ، ووصلت قوتها بمساندة الدول الأوروبية والحركة الماسونية فى داخل تركيا إلى التحكم فى صنع القرار وعزل السلاطين وتعيينهم ". 

[4] لقد اختارت مجموعة قليلة (جداً) من أفراد الجالية الليبية فى بريطانيا، مصاحبة لوزون، وتوثيق أواصر الود به، وإقامة علاقات حميمة معه، وفقاً لإعتبارات رؤيتها ـ الخاصة ـ المخالفة لبقية أفراد الجالية، فى هذا الخصوص !. 

[5] إحدى طباع دولة اليهود العنصرية الراسخة، والتى تحولت إلى سياسة ثابتة، غير معلنة، هى المطالبة بالتعويضات من الغير، سواء ذلك بوجه حق، أو بدونه. وقد أستنزف اليهود فى هذا المضمار العالم الغربي، بالتعويضات، أو بإكتساب منافع معينة لجالياتهم المنتشرة فى مختلف بقاعه.

ويتبع اليهود لتحقيق غايتهم فى هذا الخصوص، كافة أوجه الضغط الممكن، للوصول إلى مأربهم؛ حتى أنهم مؤخراً، جعلوا دولة سويسرا تخرق قوانين السرية المتبعة فى نظامها البنكي، لأول مرة فى تاريخها العريق، ليحصل اليهود على أموال حسابات بنكية (مماتة)، بإدعاء أن أصحابها من اليهود.

ولعل أطرف أنواع التعويضات التى سمعت عنها فى الآونة الأخيرة، فى هذا الخصوص، والتى تنوى حكومة اليهود العنصرية، المطالبة بها من المملكة السعودية العربية، تدور حول أملاك اليهود فى المدينة المنورة، وبعض الأماكن الأخرى، فى الفترة السابقة (واللاحقة) لظهور الإسلام ! أليس هذا أمراً يبعث على الضحك والسخرية ؟.

ولا غرابة هنا، أن يتحقق لهم مبتغاهم، تحت طائلة ضغوطهم التى تأخذ أوجه مختلفة حتى تحقق غايتها. وهم بارعون فى هذا المجال، ولا يباريهم فيه أحد. ألم يحصلوا على تعويضات هائلة من أموال الشعب العراقي، وبموافقة الأمم المتحدة، عن تأثر الحالة النفسية لأفراد شعبهم، من جراء قنابل صدام، التى لم تصب أي مرمى يقطنه اليهود ؟.

وماذا عن المساكين من أهل فلسطين، الذين يرون الرعب فى صبيحة كل يوم وليلاه ؟ وماذا عن أهل جنوب لبنان، الذين دمرت القنابل منازلهم، وقتلت أحيائهم تحت أنقاضها ؟ وماذا عن القنابل التى زرعتها قوات دولة اليهود العنصرية قبل إنسحابها، من جنوب لبنان، لترفع ضحايا أهله، وغالبيتهم من الأطفال الأبرياء ؟.

هل نال هؤلاء الضحايا الأبرياء أو غيرهم، الذين لا يتسع مجال هذه المقالة تعديد مآسيهم، تعويضاً عن أرواحهم التى هدرت، أو أراضيهم التى أُغتصبت، وليسقط ـ فى هذا الإطار ـ أمر حالتهم النفسية من الحسبان ؟


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home