Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri
الكاتب الليبي فرج الفاخري

الجمعة 8 ابريل 2011

الحلقة الأولى الحلقة الثانية

لا يجب أن ننسى فضلهم على ليبيا (1)

فرج الفاخري

إن الثورات الشعبية لا تولد (فجأة) من العدم، ولا يخرج الناس فى لحظة بعينها من بيوتهم لتغيير كيان السلطة الحاكمة؛ كما أنه لا تولد ـ الثورات ـ نتيجة لحدث معين يثير حنق الشعوب، ويدفع لإثارة غضبها للإنتفاض على السلطة الفاسدة التى تحكمهم. 

إن الثورات جميعها ـ فى هذا القياس ـ تولد من رحم تراكمات الظلم والقمع والفساد والفقر والذل المهين، التى تتفاعل أحاسيسها وتعتمل ـ بمرور الزمن ـ فى وجدان الناس، وتبعث فيهم الشعور بالغبن تجاه السلطة الحاكمة، فينبثق من أعماق أنفسهم مشاعر وأحاسيس الرفض الكامنة، بعد نفاذ صبرهم وعجزهم عن إحتمال قسوة المعاناة العسيرة تحت حكم تلك الأنظمة المستبدة الظالمة. 

وتشبه التراكمات التى يولد من رحمها الرفض (العلني) لسياسات السلطة الجائرة بوجدان الناس ـ فى مستهل الأمر ـ الجنين الصغير، معدوم الحيلة والقوة، الذى مع مرور الوقت، وإزدياد حدة التراكمات، ينمو ويتعاظم، ليصبح عملاقاً، ذو قوة خارقة. وفى اللحظة التى ينفذ فيها صبر الناس على الظلم، يتحول (هذا) العملاق الثائر فى نفوسهم إلى إعصار جامح، لا يقبل أصحابه ـ بأي حال ـ الإذعان والخضوع لجبروت السلطة المستبدة الغاشمة. 

***** 

لقد أخذت ثورة ليبيا، التى لا تزال نارها متقدة على أرضها الزكية الطاهرة، ما يتجاوز أربعة عقود زمنية مضنية، لتولد كالمارد العظيم (الجبار)، الذى كونته تراكمات الجور والإستبداد والقهر والذل والفقر المدقع، ليتحول لثورة مباركة لا تقبل بأقل من إسقاط النظام الفاسد برمته. 

وعلى الطريق الطويل ـ المحفوف بشتى أنواع الويلات والنكبات والكوارث الجسيمة المفجعة ـ وصل شعب ليبيا لوجهته المنشودة، بثورة مجيدة، أنطلقت شرارتها فى يوم 15 فبراير، وأندلعت بكامل عنفوان الإرادة الشعبية الأبية فى 17 فبراير، لتحرير معظم مدن البلاد، الواحدة تلو الأخرى (والبقية آتية على نفس المنوال بإذن الله). 

وكانت هناك محطات كثيرة، على قارعة هذا الطريق المشحون بالعذاب والمعاناة، لم تكن تخلو من إنتفاضات، وإحتجاجات عديدة، دفع الكثير من أبناء ليبيا الأبرار ـ فى خضم عراكها ـ حياتهم ثمناً لها، ودفع العديد الآخر الثمن من قسوة الحبس فى السجون، والتعذيب والقهر فى المعتقلات. ودفعت أعداد أُخرى الثمن من مرارة وعذاب الغربة وضَنُكَ العيش والبعد عن ذويهم وأحبابهم وعن تراب وطنهم الغالي. 

ومثلما كان لهذا الطريق المضني محطات مضيئة، فقد كان لهذه المحطات شخصيات مشرفة، صنعت بمساهماتها وتضحياتها النبيلة كيان تلك المحطات، وجعلت من نفسها مَنائِرُ لحركة النضال الوطني ضد حكم النظام الفاسد. ومات بعضهم قبل أن يرى هذا اليوم العظيم، يوم ثورة الشعب على الحكم المتعفن. ومازال البعض الآخر بيننا، لكن الكثير منا لا يشكر فضلهم على بلادنا، وعلى مساهماتهم العظيمة طوال فترة الكفاح التى أمتدت لعقود طويلة. حيث غطت عليهم جلبة وضجيج جوقة المطبلين، من عاشقي الشهرة، ومدمني التمرغ على منابر وسائل الإعلام المختلفة. 

وهذه المقالة سوف تسعى لتذكير الجميع بهؤلاء الأبطال الذين لا يجب أن ننسى فضلهم على ليبيا، سواء الأحياء منهم (أطال الله فى أعمارهم ومنحهم الصحة)، أو أولئك الذين خطفهم الموت منا، وحرمنا من شرف العيش معهم (رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته). 

وأرجو أن يعذرني ـ فى هذا الغمار ـ أصحاب الشخصيات الذين لم يأت على ذكر أصحابها فى هذه المقالة، ضمن من سيتم ذكرهم فى هذا الخصوص؛ فلابد أن يكون هناك آخرين، لم تسعفني ذاكرتي لتدوين فضلهم على ليبيا، أو (ربما) لعدم إلمامي بسيرتهم الفاضلة، لكنني ـ حتماً ـ لم أتعمد إسقاط أحد لدي معرفة وثيقة بفضله على وطننا. وأتعشم فى هذا السياق، أن يواصل الأخوة الكرام فى الخارج والداخل، ما بدأته فى هذه المقالة، من خلال الكتابة عن كل من كان له فضل على وطننا العزيز. 

***** 

وسوف يكون من بين الشخصيات التى سأتحدث ـ بشكل مقتضب ـ عن فضلها على ليبيا

1.    فتحي الجهمي.

2.    الدكتور عبد الرحيم صالح.

3.    عبد الحميد البكوش.

4.    أحمد حواس.

5.    الدكتور عمرو النامي.

6.    مصطفى القنين.

7.    عبدالله السنكي.

8.    منصور رشيد الكيخيا.

9.    مصطفى البركي.

10.  محمد السيفاط.

11.  الشيخ محمد الطاهر الفيتوري.

12.  عبد المنصف البوري.

13.  الحاج صابر مجيد.

14.  الدكتور عاشور جبريل.

15.  نداء صبري عياد.

16.  نوري الكيخيا.

17.  غيث سيف النصر.

18.   طارق يوسف. 

***** 

تحية لمن خلقوا من اليأس أمل : 

ولكن قبل الشروع فى الكتابة عن أصحاب الشخصيات النبيلة ـ المشار لأسمائها أعلاه ـ لابد لي من أن أستهل حديثي بتقديم أسمى آيات الثناء والإمتنان والعرفان والشكر الجزيل لأبطال ثورة السابع عشر من فبراير فى داخل ليبيا، الذين قاتلوا، ويقاتلون ـ حتى هذه اللحظة ـ الطاغوت، والفئة الضالة التى تؤازره، من أجل إسقاط حكمهم المتعفن. 

إن هؤلاء الأبطال البواسل، الذين أقتلعوا اليأس من قلوبنا (بعد أن سكنها لعقود طويلة)، وغرسوا ـ عوضاً عنه ـ الأمل بمستقبل مشرق لبلادنا، هم أصحاب الفضل الأول على ليبيا وشعبها الأبي، الذى لن ينسى أفراده (قط) صنيعهم العظيم، وسوف تذكر أجياله المتعاقبة عبر حقبات الدهْر فضلهم الجليل فى هذا الصدد. وسوف يسجل التاريخ على صفحاته المشرقة المشرفة، فضلهم فى زرع الفرحة على شفاه أفراد الشعب الليبي، بعد طول عبوس رسمته على محياهم نكبة رضوخهم لحكم أحد الأنظمة الأكثر استبدادا فى تاريخ البشرية قاطبة، لما يزيد على أربعة عقود. 

لقد أستنجدت فى غمار الكتابة عن فضل هؤلاء الكرام الكبير، بكافة الكلمات التى تعلمتها منذ نعومة أظافري، وحتى لحظتي الراهنة، لكنها خذلتني، وتضاءلت بمعانيها، وصغرت مدلولاتها، وعجزت مفرداتها عن التعبير الدقيق، والوصف البليغ الذى يعكس مقدار فضلهم العظيم على ليبيا وشعبها الكريم. وبعد حيرة طويلة، لم أجد من القول السديد فى حقهم، سوى أن أتمنى على نفسي أن أُقبل أيديهم الحرة الطاهرة، وأنحني لهم ـ بكل ما تحمله معانى الإجلال والإكبار والتبجيل ـ إحتراماً وتقديراً على صنيعهم الوطني المأثور، وأدعو لهم عند الله أن ينصرهم على الطغمة الغاشمة الأثيمة. 

***** 

(1) فتحي الجهمي 

لقد دفع فتحي الجهمي (رحمه الله)، حياته ثمناً لإنتقاده العلني (الشجاع) لسياسات حكم الرأس الفاسد، المسيطر على مقاليد السلطة فى البلاد منذ سبتمبر 1969م. ولم يكن الجهمي، فى هذا الخصوص، يبحث عن الجاه والمال والسلطة، فجميعها لا قيمة لها عنده البتة. فقد كان إهتمامه ينصب (بجله) على مكافحة الفساد، الضارب أطنابه فى أرجاء وطنه، وكان يؤرق مضجعه ـ فى هذا الصدد ـ هيمنة الظلم والإستبداد على ليبيا ومواطنيها. 

ورغم وصول فتحي الجهمي، فى هذا السياق، لمنصب رفيع فى سلم الهرم البيروقراطي فى بلاده، وحيازته لمكانة وظيفية مرموقة لها نصيبها من النفوذ الحكومي، الذى يكفل له تحقيق درجة من الغنى والثراء الفاحش (كما فعل غيره من الفاسدين). إلاّ أننا نجده يربأ بنفسه (النزيهة) عن القيام بمثل هذا المكروه الشائن، ويقف ـ عوضاً عن ذلك ـ بالمرصاد لأوجه الفساد والتجاوزات القانونية والأثرة والمحسوبية المنتشرة فى كافة قطاعات الدولة، من خلال نقده الصريح المعلن؛ مما عرضه للفصل من منصبه والزج به فى أكتوبر سنة 2002م بأحد سجون النظام الكريهة. 

فى غضون سنة ونصف من سجنه، عمل شقيقه محمد، المقيم بالولايات المتحدة، عن طريق منظمة ألفا، وبمساعدة محمد بويصير، على إثارة قضيته لدى الإدارة الأمريكية، مما جعل الرئيس الأمريكي جورج بوش (فى حينه) الإشارة لاسمه كأحد ضحايا القمع ومصادرة الحريات فى ليبيا، فى أحد خطاباته بهذا الخصوص. 

ولاقت مناشدات محمد الجهمي ومحمد بويصير، بخصوص فتحي الجهمي، الصدى الكافي لدى الإدارة الأمريكية لكي يتبنى السناتور جوزيف بايدن قضيته، ويتمكن ـ أثناء لقائه برأس النظام الفاسد بطرابلس ـ من إطلاق سراحه فى الثاني عشر من مارس سنة 2004م. 

وعلى أثر ذلك، ترجم محمد بويصير ومحمد الجهمي، تعاطف الإدارة الأمريكية مع قضية فتحي الجهمي، من خلال قيامها بالضغط على النظام الفاسد لفك سجنه، بأنه تغير فى توجهات سياستها الخارجية، إزاء الوضع فى ليبيا، بما يحمل فى طياته شفرة ـ مبطنة ـ موجهة للمعارضة الليبية، يوحى مضمونها إلى أن رياح الرضا والقبول، بل والترحيب والمباركة قد هبت تياراتها من صومعة صناع القرار الأمريكي لأجل العمل على تغيير نظام الحكم (الفاسد) فى ليبيا على نحو ديمقراطي. 

ولم تقنع هذه الترجمة، التى ولدتها عملية إطلاق سراح فتحي الجهمي، شقيقه الأصغر ومحمد بويصير فحسب، بل أنه شاركهما فى القناعة بها محمود شمام (أيضاً). ورأى ثلاثتهم، بأن الموالاة الأمريكية لقضية فتحي الجهمي تحمل إشارة مستترة للمعارضة الليبية لكي تضطلع بعملية التغيير تحت رعاية إدارتها. 

بمعنى آخر، أعتقد محمد بويصير ومحمد الجهمي ومحمود شمام، أن سبابة التوجه الإستراتيجي للسياسة الخارجية الأمريكية تشير إلى أن الآوان قد حان لإطلاق عنان عملية التغيير السياسي فى ليبيا. وعلى المعارضة الليبية إنتهاز هذه الفرصة لتصعيد حدة نشاطاتها المناهضة لحكم النظام الفاسد المسيطر على مقاليد السلطة فى البلاد. 

وهكذا، عمل ثلاثتهم على إستثمار مسألة الإفراج عن فتحي الجهمي، لتصعيد وتيرة الرفض من داخل الوطن. فقاموا بحثه ـ عبر مكالمة تليفونية ـ على إنتقاد حكم النظام الفاسد فى مقابلة مع قناة الحرة، التى أتاح محمود شمام منبرها، بعد أن أشترط ضرورة أن يقوم فتحي الجهمي بتوجيه النقد الشديد الصارم المطلق ـ دون أدنى تحفظ ـ أثناء اللقاء به عبر الأثير. حيث رأى شمام بأن نقد فتحي الجهمي للنظام الفاسد من داخل الوطن، سوف يؤدى إلى إثارة الناس للإنتفاض على حكم النظام الفاسد. 

وسادت الثلاثة ـ فى هذا السياق ـ قناعة بأن فتحي الجهمي، تحيطه حماية وحصانة ورعاية الإدارة الأمريكية، التى لن يجرؤ رأس النظام الفاسد وأتباعه من المرتزقة إزاءها على مس شعرة منه. لكنه ـ مع الأسف ـ فقد وقع سيناريو هذا الحدس فى مغبة الترجمة الخاطئة، لحقيقة الموقف الأمريكي عندما يأتي الأمر لمصالح دولتهم فى هذا الشأن. 

وبالفعل أنتقد فتحي الجهمي، الرأس الفاسد ونظامه الأسن بشدة بالغة، عبر اللقاء التلفزيوني الذى أجرته معه قناة الحرة. وأثارت إنتقاداته الجريئة مشاعر الناس بالداخل، لكنها لم تكن كافية (فى حينه) لدفعهم إلى الإنتفاض، لأسباب كثيرة (ليس هنا مجال الحديث عنها). 

وهكذا، قام أذناب النظام المتعفن بالقبض على فتحي الجهمي، وزجوا به فى السجن، بحجة حمايته من غضب الجماهير، وتم ـ عن عمد ـ إهمال علاجه، حتى أحتضر، وأنتقل إلى جوار ربه كشهيد للكفاح الوطني من أجل حرية بلاده. (رحم الله فتحي الجهمي وأدخله نعيم الفردوس الموعود). 

يتبع .. 

فرج الفاخري

farajelfakhri@live.com 


الحلقة الأولى الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home