Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri

Saturday, 7 January, 2006

     
     
     

الفرص الضائعة (11)

فرج الفاخري

 

لقد توقفت فى الجزء السابق عند الدعوة التى وجهها لي أصحاب منتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية لحضور إجتماع سري مقصور على عدد قليل من الأشخاص، وذلك لمناقشة الوسائل التى سيتبناها المنتدى فى خطة عمله.

وقبل أن أبدأ فى سرد أحداث ذلك الإجتماع وماتلاه من إجتماعات أفضت فى محصلتها إلى إظهار حقيقة توجه هذا المنتدى، فى درب الإقتراب من نظام الحكم الفاسد فى ليبيا، والإندماج معه فى خطته الواهمة للإصلاح. سأقوم بالتعليق على رسالة نشرها أحدهم فى صفحة الرسائل بموقع ليبيا وطننا الموقر، والتى كانت ـ كأخرى سبقتها من قبل ـ ممهورة بأسم مستعار، وفى هذه المرة أختبأ صاحب النقد خلف أسم بلال!.

 

يقول هذا الألمعي فى سياق نقده أنه لم يجد أية فرصة ضائعة فى ما يسمى بالفرص الضائعة، وأن ما جاء فى مقالتي لا يعدو أن يكون حديث عام عن شخصي، أو سرد تاريخي لبعض الأحداث والمواقف فى صورة دردشات ظريفة!.

ويقول إن الإتصال الذى تم مع بعض الشباب الليبي ـ المقيمون بداخل ليبيا ـ فى القاهرة، قد أبرزته فى مقالتي كفرصة نادرة لا مثيل لها فى تاريخ النضال الوطني، وجزمت بأنه سيكون مصيرها النجاح المؤكد والمحتم لولا ضيق ذات اليد والوصاية التي أرادت أن تفرضها بعض الشخصيات !.

وقال هذا الألمعي بأنه لم ير فيما كتبت سوى مبالغة مفرطة لم يكن هناك حاجة لذكرها ! وذلك لأن تاريخ النضال الوطني المعاصر يحفل بالكثير من المحاولات الوطنية الجريئة والشجاعة التي تفوق في خطورتها وحجمها محاولة هؤلاء الشباب بعدة مرات، ومع ذلك لم يحرص أصحابها للإعلان عنها أو التفاخر بها.

ويضيف هذا الألمعي ـ فى هذا الشأن ـ قوله: " اللهم إلا إذا كان الأمر يتعلق بحرص السيد فرج الفاخري على إبراز بطولاته وتدوين مواقفه وأمجاده التاريخية قصد ادخارها للإفادة منها وقت الحاجة!!".

ويسترسل هذا الألمعي فى إطار نقده ـ لمقالتي ـ بقوله إنه لم ير فى الجزء العاشر أية فرصة ضائعة، عدا الهجوم على منتدى التنمية السياسية، والتجريح والإساءة إلى أفراده. ويتسأل فى هذا الخصوص: " فأين في هذه الحلقة تلك الفرص التي يمكن أن يقال عنها أنها ضاعت؟!".

وينتقل هذا الألمعي فى معرض نقده إلى الجانب الأخلاقي، فيقول بأنني قد أفرطت فى التساهل بالتعريض بالأشخاص والتنظيمات الوطنية تحت ذريعة المكاشفة والصراحة، وكأنني قد امتلكت الحقيقة كاملة، وأكتسيت رداء العصمة والوصاية على التاريخ الوطني الليبي!.

كما يقول بأنه قد تملكني الإعتقاد القاطع بأن مستقبل العمل الوطني لا يمر إلا عبر رأيي ورؤيتي الخاصة وممارستي الذاتية!.

ثم يسترسل قائلاً بأنه ـ لعلي ـ قد نسيت أو تناسيت أن نضال الشعوب يمر بمراحل وأطوار وآليات متنوعة يحددها مبدأ (الممكن في السياسة)، وذلك شرط عدم التفريط في ثوابت الأمة وسلامتها ومطالبها الجوهرية نحو الحرية والخلاص من ربقة الاستبداد والظلم والتهميش.

وتأتي آخر النقاط فى نقد هذا الألمعي ـ لمقالتي ـ والتى هى فى نفس الوقت بيت قصيده الذى من أجله كتب تحت ذلك الإسم المستعار ! حيث يقول فى هذه النقطة: إن آخر وأبرز صور التساهل في التجريح العلني، ما أوردته من طعن وتجريح وإساءة بالغة لشخص عاشور الشامس.

ولا ينس ـ هذا الألمعي ـ فى غمار ذلك أن ينفى أية صلة له أو معرفة بعاشور الشامس، حيث يقول بأنه لا يعرف الشامس إلا من خلال وسائل الإعلام !.

ويضيف قائلاً، بأنه يظن مع الكثيرين غيره بأن عاشور الشامس شخصية وطنية لها تاريخها النضالي الذي من المفترض ألا ننكره أو نبخسه بمثل هذا الأسلوب.

ويقول مسترسلاً فى نقده: وعليه فإنه لا حاجة ـ لي ـ لإستخدام مثل هذا الأسلوب المتدني في التعامل مع المخالفين ونعتهم بتلك النعوت السيئة والتشكيك في نواياهم واجتهاداتهم، والتي ما كان لها أن تصدر عن شخص ـ مثلي ـ يحمل مؤهل في علم السياسة، ولي نصيب في مناهضة الاستبداد والدفاع عن الحريات واحترام الإنسان والخلاص من كافة صور وأشكال التخلف الحضاري؛ اللهم إلا إذا كُنت من أؤلئك الذين يتبنون ما يسمى بالمذهب الواقعي في السياسة ـ الميكيافلية ـ الذي يبيح كل محظور في سبيل تحقيق المآرب!!.

*   *   *

 

هذه هى النقاط التى أبرزها هذا الألمعي فى نقده لمقالتي عن الفرص الضائعة، بعد أن تم نشر الجزء العاشر منها، الذى خُصص ـ حسب تسلسل المقالة ـ للحديث عن منتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية.

سأقوم، فيما يلي، بالرد على ما جاء فى هذه النقاط من نقد غير موضوعي وغير صائب، ومجافي للحقيقة. وسأقوم بتوضيح الحقائق التى تكشف غرضية هذا النقد، وإظهار مقدار إنحيازه الجلي للباطل.

سأبدأ الحديث بالأسم المستعار الذى تستر ورائه هذا الألمعي، والذى بكل أسف يشاركه فى مسلكه هذا، بعض الأخوة الليبيين ـ الآخرين ـ من رواد المواقع الليبية، الذين يصرون على التحجب بأسماء وهمية تتيح لهم تجريح وقذف وإنتقاد الآخرين بالباطل دون أن تمسهم أدنى مسئولية أخلاقية تجاه شخصياتهم الحقيقية، فقد أصبح شائعاً بين البعض من رواد مواقع الإنترنت الليبية على إقتناء الأسماء المستعارة التى ينفثون من خلالها سمومهم وأحقادهم الدفينة، وتحجب ـ فى نفس الوقت ـ عن الغير معرفة أصحابها ودوافعهم الحقيقية.

ويمكن للمرء أن يفهم ـ قليلاً ـ حجة البعض من الذين يتذرعون بخشيتهم من جبروت النظام وأساليبه القمعية، على أنفسهم وأسرهم، عند مواجهتهم له بكتاباتهم المنتقدة لسياساته بأسمائهم الحقيقية، فيلجأون ـ من ثمة ـ إلى الإحتماء وراء أسماء مستعارة !.

ولكن ـ الذى ـ لا أستطع أن أفهمه ولا أجد له تبرير منطقي، هو حرص البعض ـ من أمثال هذا الألمعي الذى أنتقد مقالتي ـ على الإختباء وراء أسماء مستعارة عند تناولهم بالنقد لأشخاص آخرين معروفي الهوية، ويعبرون عن آرائهم علنياً فى وضح النهار وتحت ضوء أشعة شمسه الساطعة !.

يعجب المرء من أصحاب هذا النوع من التعامل المخجل الذى يتبناه البعض من خلال كتاباتهم على صفحات المواقع الليبية، ويتخذونه نهجاً لهم فى مهاجمة آراء الآخرين المخالفة لهم، أو تلك التى لا تلاق فى نفوسهم هوى. وذلك بدون أدنى مسئولية شخصية تجاه نقدهم الذى يأول ـ فى نهاية الأمر ـ بأباطيله وتجريحاته وأكاذيبه إلى تلك الشخصية المجهولة، ومن ثم لا يمكن محاسبة صاحبها من خلال حوار حضاري تتقارع فيه الحجج والآراء لتكون الغلبة للحجة الأقوى برهاناً، والأكثر صدقاً وصواباً وأمانة فى ميزان الترجيح العقلي.

ومن ناحية أخرى، فإن هؤلاء  المتسترون وراء الأسماء المستعارة، يغيب عن درايتهم العقلية بأن هذا السلوك المستهجن يجرفهم بتياره الرعوني نحو الوقوع فى دائرة الأخلاق الفاسدة القبيحة، التى يفتقد أصحابها للشجاعة الأخلاقية النزيهة للجهر بأرآئهم دون خوف أو جبن مهين.

لأن أصحاب المبادىء الثابتة لا يحتاجوا إلى مدارة نقدهم، أو أعتراضاتهم، أو حوارهم مع الآخرين، إن كانوا ـ يظنوا أنهم ـ على حق، كما أنه لا حاجة لهم إلى الإختباء والتحجب وراء أسم نكرة، لأن لجوئهم إلى مثل هذا الأسلوب لا يعكس فى معناه سوى الكشف والإفصاح عن عورة جبنهم وضعف شخصياتهم.

ويذكرني سلوك هذا الألمعي المتحجب بأسم بلال بذلك الشقي الذى شطح، فى غمار دفاعه عن تنظيمه (جبهة الإنقاذ)، بأكاذيب وإدعاءات مفضوحة تحت أسم مستعار آخر، ولم تعتريه فى ذلك خلجة من الحياء. وهاهي السبحة تكر فى عدها، ليأتي دور بلال فى إقتفاء أثر سلفه، ويدافع ـ من وراء حجابه ـ عن منتداه.

لم أر هنا، فى أثنانهما، ولا فى الذين يحتذون حذوهم سوى أنهم جبناء، لا يملكوا الشجاعة للكتابة بأسمائهم الحقيقية. وكما أشرت من قبل بأنه ـ ربما ـ يستطيع المرء أن يقبل على مضض من ينتقدون النظام بأسماء وهمية، لكنه لا يقبل ـ بأي حال ـ إنتقاد البعض لمخالفيهم فى الرأي بأسماء مستعارة.

رغم أنني، شخصياً، أرى أنه ـ حتى ـ فى حالة إنتقاد النظام لا يجب علينا أن نبدل أسمائنا الحقيقة بأخرى مستعارة، لأن الصحيح والمهم فى النضال، هو عدم التستر وراء أسماء مستعارة، وذلك لإبراز القدوة لأفراد شعبنا من خلال مجاهرتنا بأرآئنا المعارضة لسياسات النظام وأسلوب حكمه الفاسد.

بمعنى، إن قضيتنا عادلة ومبنية على مبادىء الحق، ومن ثمة فهى تحتاج منا الجهر بمطالبها الشرعية، فى العلن، وبأسمائنا الحقيقية، حتى تمتلك أعتراضاتنا مصداقية عند إعلانها. ولا نجنح للحسابات المصلحية تحت معايير الفائدة والضرر والخسارة، من خلال هواجس الخوف من أساليب النظام القمعية التى ـ قد ـ تولدها مجاهرتنا بمواقفنا الوطنية المعارضة له.

والصحيح، إنه لا يجب علينا خشية قمع النظام ـ إن حدث ـ فهو ثمن بخس، وضريبة هينة لكل من يريد إنتزاع حقوق وطنه المسلوبة من لَدُنْ جبروت سلطان جائر.

والمغزى هنا، هو أنه يجب علينا تحمل كافة العواقب المحتملة من أجل تحقيق أهداف قضيتنا الوطنية السامية، لأن الطبيعي عند الخوض فى القضايا الوطنية الشريفة العادلة، هو المجاهرة بها من خلال كيانات معروفة الأسماء والإنتماء، وليس التستر خلف الحجاب، ولعله فى هذا الصدد ـ ومنعاً لأي لبس ـ يجب أن يستثنى من ذلك تحجب النساء، من باب الإلتزام بالتقاليد الدينية !.

 

*   *   *

 

وفى الرد على قول هذا الألمعي فى سياق نقده أنه لم يجد أية فرصة ضائعة فى ما يسمى بالفرص الضائعة.

 

أقول له أعد قراءة المقالة بروح حيادية، حتى ترى فرصة وجود تنظيم يضم فئة من الشباب المثقف المختلف الإنتماءات الفكرية والجهوية، وقد أجتمعوا بقلب رجل واحد على حب الوطن، تعمهم رؤية موحدة متبلورة فى حلم نبيل يدغدغ مشاعرهم بطموح جامح لصنع مستقبل مشرف لوطنهم.

وإذا لم تر فرصة ضائعة فى حل وإنفراط عقد مثل هذا التنظيم الواعد (الطليعة)، الذى سيعضد وجوده من أزر التنظيمات الليبية التى تأسست بعده، فى الفترات اللاحقة من مسيرة النضال والكفاح الوطني ضد النظام الأفك. فيجب عليك ـ إذن ـ ساعتها التفكير بجدية لإعادة محو أميتك من جديد، بل وفوق ذلك، عليك مراجعة قدرتك على الفهم والتمييز!.

 

وهذا ما ينطبق بحذافيره على كل من لا ير فرصة ضائعة فى تلك الأموال الجمة، وتلك الجموع الغفيرة، وتلك الموازرة الدولية، التى نالها جميعاً تنظيم جبهة الإنقاذ، ثم أصر قادته على جر المعارضة الليبية لإنتكاسة فادحة، تسبب فيها الإرتباك فى التخطيط وعدم الأمانة والمصداقية فى التعامل مع أعضائها من ناحية، ومع قضية الوطن من ناحية أخرى، والتى خلفت ـ من جرائها ـ حالة من الإحباط عاشتها المعارضة الليبية طوال فترة تمتد إلى عشرين سنة.

وهذا أيضاً ينطبق على من لا ير فرصة ضائعة فى وجود شباب متطوع بحماس حبه لوطنه ـ فى محاولة ـ لخلق تمرد وعصيان مدني قد يؤدى فى منتهاه إلى ثورة عارمة تقوض نظام الحكم الفاسد، خاصة ـ إذا عرفنا ـ أن الفرصة كانت متاحة ومتيسرة من خلال تأييد تنظيم حركة الإصلاح والتغيير لهولاء الشباب ودعمهم فى مسعاهم الوطني النبيل، لكن قادة هذا التنظيم إختاروا التبرم لمثل هذه الفرصة الذهبية السانحة.

 

وهذا كذلك ينطبق على منتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية ـ الجاري الحديث عنه ـ والذى أكتسب أصحابه برنامجاً له مقومات قادرة على مقارعة النظام بوسائل متاحة ومتقنة الإحكام فى نجاحها. وأختار أصحابه عن سبق إصرار وتعمد مصاحبة النظام، والخوض معه فى إصلاح وهمي، لن يؤد فى نهايته إلاّ لإطالة أمده، وتشتيت جهود المعارضة، وسد ثغرات الأمل ـ من أمامها ـ فى حركة نضالها من أجل تغيير هذا النظام الفاسد. 

*   *   *

 

إما قوله بأني قد أبرزت موضوع أؤلئك الشباب الذين أتصلوا بي فى القاهرة كفرصة نادرة لا مثيل لها فى تاريخ النضال الوطني، وجزمت بأنه سيكون مصيرها النجاح المؤكد والمحتم لولا ضيق ذات اليد والوصاية التي أرادت أن تفرضها بعض الشخصيات!.

 

أرد على هذا الألمعي بالقول أنني لم أجزم فى أي وقت فى كتابتي حول هذا الموضوع على النجاح المؤكد والمحتم لهؤلاء الشباب فى حركتهم الوطنية النبيلة، بل كتبت فى أكثر من مكان فى المقالة بأنه قد يكون فى إنطلاقتها تحقيق للأمل المنشود.

ولعله من الأفضل أن أترك للقارىء الحكم على ذلك بنفسه من خلال إقتباس إحدى الفقرات التى كتبتها فى الجزء الثامن من هذه المقالة، والتى تؤكد على صدق قولي وكذب إدعاء هذا الألمعي، حيث سيجد القارىء فى الفقرة المقتبسة ـ من مقالتي ـ والمدونة أدناه، أن كلمة إحتمال قد تم كتابتها فى المقالة بالحروف القاتمة Bold وذلك إمعاناً لمن يطالعها للتفرس فيها وتأكيد معناها فى سياقها الذى وردت به، وهو أنه هناك إحتمال لنجاح هذه الفرصة فى تحقيق الهدف المنشود، وإليكم نص الفقرة المعنية كما وردت فى مقالتي:

"فهذه الفرصة الضائعة كانت ستقفز بهذا التنظيم خطوات سديدة على جادة الكفاح الوطني الصحيح فى معركتنا ضد النظام الأفك. بل وفوق ذلك والأهم، إنها كانت تحمل بذور إحتمال تحقيقها للهدف المنشود ـ الذى يحلم به الجميع ـ لما كانت تكتنزه بين طياتها من صحة منطق توجهها المبني على إقتفاء أثر التجارب المشهودة فى العالم وإتباع الدروس المستفادة فى هذا الإطار".

 

فأين ـ هو ـ ذلك الجزم بأن مصيرها سيكون النجاح المؤكد والمحتم، حسب إدعاء هذا الألمعي ؟.

 

*   *   *

 

إما بخصوص إشارته التهكمية إلى ـ أنني نسبت ـ ضياع تلك الفرصة لضيق ذات اليد والوصاية التي أرادت أن تفرضها بعض الشخصيات !.

 

أجد نفسي ـ أمام هذا البله المتعمد ـ أعترف بوقوعي فى حيرة من أمر هذا الألمعي، الذى لم يستوعب، أو ربما تعمد عدم إستيعاب، ما ورد فى كتابتي، رغم وضوحه، حيث أنه لم يدرك بعد أن هذا الحدث الذى أشار إليه، قد جرى على أرض الواقع، ونقلته بحذافيره فى هذه المقالة، وهو فى هذه النقطة بالذات يتلخص فى أنني قمت بمقابلة أشخاص حقيقيين، لهم تاريخهم، ويعرفهم الجميع، وذكرت أسم تنظيمهم (حركة الإصلاح والتغيير)، وذكرت أسمائهم كاملة، وهم لا يزالوا أحياء يرزقون.

وذكرت أنني قد طرحت عليهم فكرة تبنيهم لحركة مدنية يقودها فئة من الشباب الوطني بالداخل، متحمسون للقيام بحركة نضالية هدفها إثارة العصيان والتمرد المدني، وقد رفضوا هؤلاء الأشخاص ـ فى حينه ـ الضلوع فى هذا الأمر رفضاً باتاً، بل أن أحدهم وهو شخص مشبوه ـ خليفة حفتر ـ طلب قائمة بأسماء الضالعين فى هذا العمل وعناوينهم!!.

فما وجه الغرابة فى هذا الأمر؟ وما هو التفسير الذى يطلبه هذا الألمعي المتعبقر حتى يستطع أن يرى بجلاء ضياع تلك الفرصة ؟ ومن المسئول عن إهدارها؟.

 

*   *   *

 

إما قوله بأنه لم ير فيما ذكرت سوى مبالغة مفرطة ليست لها حاجة، وإن تاريخ النضال الوطني المعاصر يحفل بمحاولات وطنية جريئة وشجاعة تفوق ـ بمراحل ـ في خطورتها وحجمها محاولة هؤلاء الشباب، ومع ذلك لم يحرص أصحابها للإعلان عنها أو التفاخر بها.

 

أرد على هذا الألمعي بالقول: إن وجود محاولات أخرى شجاعة تفوق محاولة هؤلاء الشباب لا يعنى البتة أن نقوم من جانبنا بإهمال ودثر محاولة هؤلاء الأبطال ونكران مبادرتهم التى يستحقون عليها جزيل الشكر والتقدير. بل الواجب يحتم على الآخرين أن يذكروا محاولاتهم ـ التى أشار لها هذا الألمعي فى سياق نقده ـ وذلك حتى ينبعث الأمل فى أفراد الشعب وبين المعارضين أن هناك محاولات مستمرة لتقويض هذا النظام، وليس كما يعتقد البعض بأن الشعب الليبي خانع لسلطة النظام بدون أدنى حراك أو معارضة فعلية. وهذا ما سيكون له مردوده المفيد لرفع الروح المعنوية لحركة النضال الوطني.

ولا أر من ذكر هذا الألمعي لهذا الجانب وبهذه الصورة سوى خبث أراد به التقليل من شأن همة هؤلاء الأبطال الذين لا يستحقوا منا إلا كل إكبار على حماسهم وإخلاصهم الوطني.

 

*   *   *

 

إما بخصوص غمزه إلى أن الدافع والمغزى من وراء كتابتي لمقالة الفرص الضائعة بأنه قد يكون من أجل إبراز بطولاتي وتسجيل أمجادي التاريخية، وذلك لتوظيفها والإستفادة منها وقت الحاجة ! حيث يقول بالحرف الواحد: " اللهم إلا إذا كان الأمر يتعلق بحرص السيد فرج الفاخري على إبراز بطولاته وتدوين مواقفه وأمجاده التاريخية قصد ادخارها للإفادة منها وقت الحاجة " !!.

 

أرد على هذا الألمعي، بأنه لن يفلح خبثه وخسته فى الإيماء للقارىء بأن كتابتي مدفوعة بإبراز بطولاتي وأمجادي، كما أدعى. وذلك لأنه بغض النظر عن تكراري المستمر فى أكثر من مكان فى مقالتي بأن القصد الأساسي من وراء كتابتي هو التسجيل الصرف لأحداث فترة من تاريخ بلادنا، أكتنفتها فرص قيمة تم إهدارها بتعمد أو بغيره من قبل بعض المعارضين، كما كررت بأن الواجب الوطني يحتم على الجميع تسجيل هذا التاريخ من واقع معرفتهم له، وذلك حتى لا يتم طمسه أو تحريفه كسابقه.

ولنتغاضى هنا عن ما قلته تكراراً ومراراً عن غرضي الحقيقي من كتابة هذه المقالة، فربما سينبرى هذا الألمعي قائلاً بأن ما سقته للقراء ـ فى هذا الصدد ـ مجرد تبريرات للتمويه عن الغرض الحقيقي المتمثل ـ حسب تعبيره ـ فى إبراز بطولاتي وأمجادي.

ودعونا نذهب معاً شططاً فى التسليم بإدعاء هذا الألمعي، ونصدقه، ولو للحظة ـ فى إدعائه الخبيث ـ بأن الغرض من كتابتي لمقالة الفرص الضائعة هو من أجل إبراز بطولاتي وأمجادي.

لو فعلنا ذلك، فأننا حتماً سنقع فى ورطة عويصة لن يستطع أبرع حواة الكون أن يخرجنا منها بقناعة فحوى محتواها. لأننا ـ ببساطة ـ سنكتشف عجز قدرتنا على إيجاد أو تعيين مجد واحد أو بطولة واحدة يمكن نسبهما لي لأفخر بهما مرفوع القامة.

بمعنى، إن المتتبع للأجزاء السابقة من هذه المقالة لن يجد فيها أمجاد أو بطولات يمكن أن ينسبها لي، لأفتخر بها ـ أو أدخرها للإستفادة منها عند الحاجة ـ على حد تعبير هذا الألمعي. فإن الباحث عن مثل هذه البطولات والأمجاد فى طيات نصوص مقالتي، لن يجد منها ـ ولو ـ مقدار ضئيل يعوضه عن جهده الذى بذله فى قراءتها وتمحيصها.

فأين هى تلك البطولة التى يمكن لي أن أسندها إلى نفسي فى كل ما تم سرده من تلك الأحداث الطوال ؟.

بل على العكس، فإنه عوضً عن أن يجد هذا الباحث ضآلته المنشودة المتمثلة فى تلك الأمجاد والبطولات التى أدعى هذا الألمعي أنني كتبت من أجل إظهارها على الملأ، فأنه سيجد كماً من التهاون والتقصير الذى جنته نفسي فى حق تلك المواقف التى خلقت الفرص الضائعة المعنية.

وهذه حقيقة، فهناك إحساس لا يفارقني بأنني قد قصرت وتهاونت إزاء تلك الفرص الضائعة، التى لا ينفك شبحها عن ملاحقتي كلما جالت ذكراها فى خيالي، ليرهق تأنيباتها ضميري ويُحزن أشجاني.

ولكي يكون الأمر أكثر وضوحاً، سأعود بالقارىء إلى المواقف التى قادت إلى تلك الفرص الضائعة، وأحدد فيها مواطن تقصيري الذى قد يصل فى بعضها إلى حد الأذناب.

·     هناك أحساس لدى بأني قد تهاونت بعدم إصراري وملاحقتي لأعضاء تنظيم الطليعة للإبقاء على كيانه وإستمراره، فمسئولية حله تقع على عاتق كافة أعضائه ـ وأنا من بينهم ـ لأننا لم نبذل الجهد الكافي للحفاظ على إستمراريته، حتى يكون عضد لحركة المعارضة الليبية فى نضالها ضد نظام الحكم الفاسد.

·     ولعلي أكون قد تهاونت فى عدم الإلحاح والبحث المستمر على من له الرغبة فى تكوين نواة فكرة جيش التحرير التى طرحها علي المرحومان مصطفى القنين وعبد الله السنكي. حيث أكتفيت فى حينها برفض بعض الأصدقاء المقربين، من الطلبة الدارسين بمصر، الذين دعوتهم للمساهمة فى إحياء تلك الفكرة النيرة. بينما الواجب ـ كان ـ يقتضي مني أن أُكرس مزيداً من الوقت للبحث عن أصحاب الرغبة الحقيقية ـ من بين الليبيين ـ للمساهمة فى مثل هذا المشروع الوطني النبيل، ولا أكتف فقط بمن رفض المساهمة فيه.

·     ولعلي أكون قد تهاونت فى عدم إعلان مأساة الجزائر على الملأ فى وقتها، ومحاولة تجريم المسئولين عنها، حتى لا يكون لأمثالهم إستمرارية فى برامج المعارضة المستقبلية، وقطع دابر إعادة الكرة لفرض فكرهم البائس وعقليتهم الآثمة على معارضة اليوم.

·     ولعلي أكون قد تهاونت فى حق أؤلئك الشباب المتحمسين لخلق عصيان مدني بالداخل، لأني لم أبحث عن مصادر أخرى، علها تقبل تبنى برنامجهم، وأكتفيت بمحاولة الصديق العزيز عبد الحميد البكوش، وبرفض قادة حركة الإصلاح للمساهمة فى تفعيل تلك الفرصة الثمينة. فكم لمت نفسي وعنفتها بعد ضياع تلك الفرصة لأنها خلدت لليأس والقنوط، ولم تبحث بدأب لحوح عن جهة أخرى كان من الممكن أن تتبنى مثل هذا العمل الوطني السامي.

·     ولقد تهاونت كثيراً لتأخرى فى الكتابة عن منتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية وعن صاحبه، وكشف نهجه الذى لن يؤد إلا لتحقيق منفعة النظام والإضرار بحركة نضال المعارضة.

 

أين ـ إذن ـ تلك البطولات والأمجاد التى همز وغمز بها هذا الألمعي بخبث ومكر مكين؟.

 

ومن ناحية أخرى، فإن البطولة صفة نبيلة لا يتم إطلاقها إلا على من يستحقها لعمل أنجزه وحقق به فائدة مأثورة للناس، وأنا ـ حتى هذه اللحظة ـ لازلت حالماً، أطمح من الله أن يوفقني ويمكنني من تبليغ رسالتي التى أؤتمنت عليها تجاه وطني. 

*   *   *

 

إما قوله بأنه لم ير فى الجزء العاشر من مقالتي أية فرصة ضائعة، عدا الهجوم على منتدى التنمية السياسية، والتجريح والإساءة إلى أفراده. حيث يتسأل فى هذا الخصوص: " فأين في هذه الحلقة تلك الفرص التي يمكن أن يقال عنها أنها ضاعت؟!".

 

وأرد عليه بالقول، أنني لم أتخذ منذ أن بدأت كتابتي لمقالة الفرص الضائعة من كل جزء منفصل منها للحديث عن فرصة بعينها، بحيث تنتهي رواية الفرصة المعنية بإنتهاء الجزء المخصص لها. فهذا لم يكن ضمن خطة هذه المقالة التى تمتد بتواصل متسلسل ـ فى حديث ـ تُكمل أجزائها فيه بعضها البعض.

بمعنى، أنني لا أستطع أن أضع كل فرصة ضائعة فى جزء مستقل بذاته، فهذا سيجعل الأجزاء طويلة، لا تتفق وروح النشر على الإنترنت، الذى لا يملك المرء ـ معه ـ فى عصرنا الحالي الوقت الكافي لمطالعة مقالات مسهبة فى طولها، بغض النظر عن أهميتها أو عدمه. فالقارىء العصري ـ فى العموم الغالب ـ موزع بين مطالعات مختلفة، ويشد أهتمامه فى أثناء تجواله فى آفاق الإنترنت مواقع عديدة، ينتقى من بينها ـ ومنها ـ ما يناسبه ويناسب فكره.

ومن هنا، فقد قسمت المقالة إلى أجزاء متناسبة العدد فى حجمها، بحيث لا ترهق القارىء المهتم بها، وتجعله يتابعها بسلاسة فى حلقات متتابعة، ويصاحبها فى تواترها ليصل ـ كل ما تقدم فى قراءتها ـ إلى الصورة الكاملة المعنية. وهذا هو السبب الذى أخرج الأجزاء كسلسلة تجمع الفرص الضائعة عبر صورة متكاملة فى إجماليتها الكلية، لكنها مجزئة فى تتابعها.

أي بمعنى آخر، إن أجزاء هذه المقالة متصلة ببعضها البعض، بحيث تُكمل الأجزاء التالية منها تلك التى سبقتها فى النشر، وتتحول السابقة منها إلى خلفية أساسية فى فهم التابعة لها، فهى ـ إذن ـ عبارة عن وصال بين أحداث ومواقف وتحليلات توصلنا فى كل فترة من فترات نشرها إلى إدراك وفهم فرصة ضائعة من تلك الفرص التى تحتويها المقالة فى مجملها.

 

والقارىء الذكي، لن يغب عنه فهم ذلك منذ بداية نشر أجزاء هذه المقالة، وأخاله أنه سيترسل مع تسلسلها المنطقي، خاصة أنني أشرت منذ البداية، وفى أول جزء من هذه المقالة، بأنني سأتكلم عن سبعة فرص تم تقسيمها حسب الفترات الزمنية (فترة السبعينات، وفترة الثمانينات، وفترة التسعينات، وأخيراً فترة العقد الأول من الألفية الثالثة).

والدليل على ذلك، أنني الآن منهمكاً فى كتابة محتويات ـ معظم ـ هذا الجزء فى الرد على هذا الألمعي المتحجب بأسم بلال، فلعله سيكتب مرة أخرى ليقول إنه لم ير فى الجزء الحادي عشر أية فرصة ضائعة سوى الرد على تراهاتي !.

*   *   *

 

إما فيما يخص قوله بإنني قد أفرطت فى التساهل بالتعريض بالأشخاص والتنظيمات الوطنية تحت ذريعة المكاشفة والصراحة، وكأنني قد امتلكت الحقيقة كاملة، وأكتسيت رداء العصمة والوصاية على التاريخ الوطني الليبي!.

 

أرد عليه بالقول بأنني قد كررت فى أماكن كثيرة من هذه المقالة، أن ما أكتبه هو تسجيل لتاريخ وطني لابد لي من كتابته حتى لو كره المغرضون، وهى مسئولية تاريخية يقع عبؤها على عاتق كل من شهد على أحداثها أو شارك فيها. وذلك حتى لا يأول هذا التاريخ للطمس كما فعل نظام الحكم بتاريخنا السابق لحكمه، أو التزييف من قبل بعض الذين أجرموا فى حق الوطن فى بعض فتراته.

 

ومن ناحية أخرى، فأنا لم أتهجم ـ أو أدعي بالباطل ـ على الأفراد أو التنظيمات التى جاء ذكرها، فما كتبته هو جملة من الحقائق والوقائع الثابتة، التى عاصرها وشهد عليها الكثيرين من أبناء هذا الوطن، إضافة إلى أن كثيرها وقع على مرأى وسمع الجميع. ومن هنا، فأن دوري لم يتعد تسجيلها حتى يضمها تاريخنا فى فصوله الجاري تواترها.

 

كما أنني لم أُقدم نفسي فى أي وقت ـ من خلال مقالتي ـ على أني أملك الحقيقة كلها، بل أنني كتبت فى أكثر من موقع فى هذه المقالة بأنه رغم معرفتي لكثير من الحقائق عن وقائع وأحداث من تاريخنا المعاصر ـ والتى ـ أستقيتها من مصادر موثقة، إلاّ أني فى هذه المقالة لن أتحدث إلا عن حقائق الوقائع والأحداث التى شاركت فيها أو شهدت عليها بنفسي. ولعل البرهان موجود بين ثنايا ما كتبت لمن يهمه الأمر.

وفى نفس الوقت لم أدعي كما يقول هذا الألمعي ـ أو يظن ـ بأني معصوم أو وصي على التاريخ الليبي. لأنه ببساطة يمكن لأي أمرءٍ أن يرجع لما كتبت فى هذه المقالة، فسيجد فى أكثر من مقام فيها، قد طالبت الآخرين بالكتابة عن تاريخنا من خلال الحقائق التى يملكونها، وذلك حتى تتضح الصورة الكاملة لحقبة وطنية من تاريخنا المعاصر، الذى لم أشهد من أسراره وحقائقه إلا القليل. ومن ناحية أخرى ـ فأنا ـ لم أدع فى يومٍ العصمة لنفسي، فالعصمة ـ لدى المؤمنين ـ لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى.

 

*   *   *

 

إما قوله بإنه قد تملكني الإعتقاد القاطع بأن مستقبل العمل الوطني لا يمر إلا عبر رأيي ورؤيتي الخاصة وممارستي الذاتية !.

 

لا يسعني أمام هذا الهراء إلا أن أسأل صاحبه: أين ـ هى ـ تلك المؤشرات أو الإدلاءات التى بدرت مني فى هذا الخصوص، والتى على أساسها تمكن هذا الألمعي من تكوين رأيه المذكور ؟.

وأجد نفسي ـ والحال كذلك ـ أن أطلب منه، مرة أخرى، بأن يجول بقراءة متمعنة فى أجزاء هذه المقالة، ويرى كيف أنني كررت فى أكثر من مقام بأن أرآئي التى تبرزها كتابتي فى هذه المقالة ـ إن أقتضت مني الضرورة لإبدائها ـ هى وجهة نظر خاصة لا تمثل سوى أعتقاداتي الفكرية، وليس بالضرورة أن تكون مقبولة فى نظر الآخرين. وهى ـ فى نهاية اليوم ـ تُعد وجهات نظر ذاتية قابلة للصواب والخطأ. هذا على الرغم من أن معظم حيثيات المقالة قد تناولت أحداث ووقائع تاريخية جرت على أرض الواقع ولا تحتمل التأويل أو إسداء الرأي حولها.

ومن هنا، لم يكن فى كتابتي ـ وهى منشورة على الملأ لمن يريد مراجعتها ـ ما يوحى من قريب أو بعيد بأنها قاطعة وتمثل ـ بعينها ـ مستقبل العمل الوطني؛ فأنا لم أكتب سوى أحداث ووقائع تاريخية ثابتة. وإذا حدث وتطلب الأمر فى بعض مواقع الحديث ـ فى هذه المقالة ـ من ضرورة طرح بعض التحليلات التى تتناول بالشرح لتلك الوقائع والأحداث، فهذا يقع ضمن حدود وجهة النظر الذاتية، التى لا تحتمل تأويلها لغير ما سخرت له.

*   *   *

 

إما بخصوص قوله بأنني نسيت أو تناسيت أن نضال الشعوب يمر بمراحل وأطوار وآليات متنوعة يحددها مبدأ (الممكن في السياسة)، وذلك شرط عدم التفريط في ثوابت الأمة وسلامتها ومطالبها الجوهرية نحو الحرية والخلاص من ربقة الاستبداد والظلم والتهميش.

 

هذا الكلام يفضح هوية صاحبه، فهو ما يردده أصحاب المنتدى ـ وعلى وجه الخصوص عاشور الشامس ـ عندما يجابهون بإستهجان الآخرين لتقربهم وتوددهم لقمة عناصر النظام، بخصوص مسألة الإصلاح الوهمي، هذا رغم علمهم قبل غيرهم، بأنه لن تر بلادنا برنامج إصلاحي جاد يعود بالنفع على المواطنين تحت حكم هذا النظام الفاسد.

ورغم ذلك، فإن أهل المنتدى ـ ومن سار على خطاهم ـ لا ينفكوا عن ترديد عبارة: إن السياسة هى فن الممكن! أو كما جاءت فى سياق نقد هذا الألمعي بأنها مبدأ الممكن فى السياسة، وذلك فى إنطلاق من قناعة إنتهازية رخيصة تختصر المبادىء الأخلاقية السامية ـ التى تفرضها علينا القيم الحضارية الإنسانية ويُكلفنا بها ديننا الحنيف ـ إلى العمل على تسويق رعونة المراوغة، من أجل ستر عورة الإنخراط فى علاقة مريبة بالنظام تحت وهم الإصلاح الذى يعلم الطرفان (النظام ومحاوريه) أنه أكذوبة كبرى يهدف منها تحقيق كل طرف منهما لمصالحه ومنافعه الذاتية على حساب مصلحة الوطن.

 

*   *   *

 

إما قوله بأن أبرز صور التساهل في التجريح العلني، ما أوردته من طعن وتجريح وإساءة بالغة لشخص عاشور الشامس. وإنه يظن مع الكثيرين غيره بأن عاشور الشامس شخصية وطنية لها تاريخها النضالي الذي من المفترض ألا ننكره أو نبخسه بمثل هذا الأسلوب.

 

ولعل القُراءَ النابهون قد تجلى لهم مما سبق، ويعززه ـ الآن ـ إثارة هذا الألمعي لهذه النقطة بالذات، بأنه هناك كم فائض من الخبث المرصود، والرخص المقزز الذى بعثره هذا الألمعي فى نقده غير النزيه. فهاهو يدعى أنني جرحت وطعنت وأسأت لشخص عاشور الشامس الذى يجمع هو وكثيرين غيره على أنه شخصية وطنية لها تاريخها النضالي، يجب علينا عدم بخسها.

وأُريد من هذا الألمعي أن يُعيد قراءة ما كتبت حول عاشور الشامس الذى لا أبادله عداء شخصي، فسيجد أني لم أبخسه حقه فى كونه شخصية وطنية مخضرمة، فقد كتبت عنه فى هذا الخصوص بأنه له تجربة طويلة من العمل الوطني مع المعارضة منذ بداية الثمانينات وحتى مطلع الألفية الثالثة، وتحدثت عن ذكائه وألمعيته، وقدرته الفائقة على المراوغة.

ومن هنا فأن إدعاء هذا الألمعي  بتجريحي وإنكاري لتاريخ الشامس النضالي أمر ليس له أساس من الصحة، ولا يعد منه سوى خبث مبطن بأَراجيف وأباطيل.

 

*   *   *

 

إما بخصوص قوله ـ الذى ختم به مجمل إنتقاداته ـ بإنه لا حاجة لإستخدام مثل هذا الأسلوب المتدني في التعامل مع المخالفين ونعتهم بتلك النعوت السيئة والتشكيك في نواياهم واجتهاداتهم، والتي ما كان لها أن تصدر عن شخص ـ مثلي ـ يحمل مؤهل في علم السياسة، ولي نصيب في مناهضة الاستبداد والإقصاء والدفاع عن الحريات واحترام الإنسان والخلاص من كافة صور وأشكال التخلف الحضاري؛ اللهم إلا إذا كُنت من أؤلئك الذين يتبنون ما يسمى بالمذهب الواقعي في السياسة ـ الميكيافلية ـ الذي يبيح كل محظور في سبيل تحقيق المآرب !!.

 

أعود وأقول لهذا الألمعي، بغض النظر عن أن التجريح والقذف والإساءة للغير ليست من طبعي أو سلوكي أو سيمائي، ومع ذلك أترك تأكيد هذا الأمر للقراء ليحكموا على ما كتبت، خاصة أن كتابتي فى أساسها موجهة لهؤلاء القراء، وليست موجهة لأولئك الذين مسهم ذكر الحقائق عنهم.

ولعل القراء الذين أطلعوا على كتابتي ـ فى هذا الخصوص ـ قد أيقنوا بأنني لم أنعت أحد بأوصاف سيئة، كما أدعى هذا الألمعي. ولعلهم لاحظوا أن ما جاء فى كتابتي لا يتعد ذكر حقيقة سلوك ومواقف هؤلاء إزاء بعض الوقائع التاريخية، وأنني تعرضت ـ فقط ـ لذكر حقائق تاريخية وقع أزر سوء حدوثها على مرتكبيها.

 

إما فيما يخص تعليقه بأنني ربما أكون من أؤلئك الذين يتبنون ما يسمى بالمذهب الواقعي في السياسة ـ الميكيافلية ـ الذي يبيح كل محظور في سبيل تحقيق المآرب !!.

 

أقول لهذا الألمعي بأنني لم أكد أفرغ من قراءة فقرته السابقة بما حوت من إستشهادات علمية محرفة، حتى عرفت مقدار جهله الدامس، وغرقت ـ من جرائه ـ فى ضحك هان معه الوقت الذى أضعته فى كتابة هذا الرد.

وحتى لا أتهم بالإنانية لإستئثاري بالضحك منفرد، سأشارك القراء معي فى الضحك على جهل هذا الألمعي، وذلك من خلال توضيح تلك العبارات التى دلقها فى الفقرة السابقة بدون وعي ومعرفة ـ منه ـ بمعانيها الحقيقية، حيث قام بإستخدام مفاهيم سياسية فى غير موقعها ومحلها، وليته إكتفى بذلك، بل زج بنفسه فى ورطة مميتة من خلال تسميته ووصفه لإحدى النظريات السياسية بغير ما أصطلحت عليه فى علمها المدروس.

بمعنى، إن هذا الألمعي لم يكن يع أن المذهب الذرائعي أو التبريري لفلسفة نيقولو مَكْيافلِّي التى تضمنها كتاب الأمير، والتى لخصها فى مقولة الغاية تبرر الوسيلة، حيث أعطى مكيافلِّي ـ حسب فلسفته المذكورة ـ الحق للأمير فى إستعمال كافة الوسائل غير الشرعية، والسبل غير الأخلاقية والشريرة ـ إذا أقتضى الأمر ـ من أجل توحيد الدويلات الإيطالية الخمس فى دولة واحدة قوية.

وشتان الفرق بين هذا المذهب ـ لمن يعلم ـ وبين المذهب الواقعي الذى ذكره صاحبنا على أنه مذهب مَكْيافلِّي الذرائعي.

فالمذهب الواقعي أو النظرية الواقعّية تقوم على العمل من خلال تبني الحقائق وإهمال جانب العاطفة والأعراف والتقاليد. وهى فى جانبها الفلسفي تؤمن بإستقلالية المادَّة عن الإدراك العقلي. كما أنها فى جانبها الفني والأدبي تهتم ـ فقط ـ بتسجيد الواقع من خلال مظاهر الطبيعة بجوانبها الجميلة والقبيحة.

فأين كل ذلك من وصف هذا الألمعي، الذى نمت كتابته عن جهله المطبق.

 

يتبع ..

 

فرج الفاخري

faraj25@hotmil.co.uk


     
     
     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home