Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri
الكاتب الليبي فرج الفاخري

السبت 4 ديسمبر 2010

هذا بَلَدُ مَعْكُوسُ!

فرج الفاخري

تعتبر النكات السياسية، إحدى المؤشرات الهامة الدالة على مشاعر الناس النفسية تجاه الحكم القائم فى أي بلد فى العالم، فهى تعكس رأي الناس ورؤيتهم تجاه ما يحدث على أرض مجتمعاتهم من تفاعل سياسي وإقتصادي وإجتماعي. 

بمعنى آخر، يجد الناس فى معظم المجتمعات الإنسانية المختلفة ـ خاصة التى تُسيطر عليها أنظمة إستبدادية ـ فى طرائف النكتة السياسية الساخرة، وسيلة للتعبير عن رأيهم حول سياسات الأنظمة التى تحكمهم، وذلك من خلال ما تعكسه مفارقاتها المحبوكة عن مكنون تفكيرهم فى هذا الخصوص. 

وقد أنتبه بعض حكام دول العالم، فى التاريخ السابق والحاضر لأهمية النكتة السياسية كمؤشر ومقياس لقراءة إتجاه الرأي العام إزاء سياساتهم. وكان جمال عبد الناصر (رحمه الله) من بين هؤلاء الحكام الذين أهتموا بمضمون النكتة السياسية لإستطلاع رأي الجماهير فى سياساته. 

ومن هنا، كلف فى فترة حكمه لمصر، مخبري أجهزة أمن الدولة بجمع كافة النكات التى يطلقها الناس على مدار ساعات النهار والليل، من على مقاهي الأحياء الشعبية، وغرز تعاطى الحشيش، وبين صفوف طلبة الجامعات، وأماكن التجمعات العامة؛ ليتم وضع حصيلتها اليومية مع التقارير الهامة لشئون الدولة الداخلية والخارجية، فى ملف على مكتبه ليطلع عليها مع فنجان قهوة الصباح. 

وهكذا، نجد ـ من جهة ـ أن تقارير شئون الحكم التى يُعدها مجموعة من المتخصصين فى أجهزة مؤسسات الدولة المتفرقة، تكشف لرئيس مصر (الراحل) عن مضمون أبعاد القضايا التى تواجهها البلاد، والتى تتطلب منه البث فى أمرها. ومن الجهة الأخرى، نجد أن النكات السياسية التى تنطلق من القاعدة الشعبية، تكشف له عن مسار الرأي العام إزاء سياساته الإقتصادية والسياسية والإجتماعية؛ رغم أن هذا لا يعنى البتة، أخذه برأي الجماهير بعين الإعتبار، عند شروعه فى عملية صنع القرار؛ فقد أثبتت مجريات الأحداث أنه ـ فى كثير من الأحيان ـ قد ضرب عرض الحائط به وتجاهله تماماً فى هذا الخصوص. 

وإذا كان عبد الناصر يطلع فى كل صباح على غلة النكات السياسية التى تجود بها قريحة نجباء الظرفاء من أفراد شعبه، فإننا نجد رأس النظام الفاسد فى ليبيا، لا يتجاهل نكات الناس المعبرة عن سخطهم من سياساته الرعناء فحسب، بل أنه يقوم بصنع نكاته الخاصة التى تسعد نفسيته السادية المريضة، فى صورة سخرية وإستهزاء ونفث سموم حقده الدفين إزاء أفراد الشعب الليبي. 

بعبارة أُخرى، يقوم الرأس الفاسد فى ليبيا بجمع أبناءه وزوجته ومن فى معيته، ليسر لهم بأحدث نكاته الساخرة من معاناة الشعب الليبي. فعلى سبيل المثال، يضحك، ويضحك معه أفراد أسرته وزمرته الفاسدة، لإعلانه ـ ذات مرة ـ بأنه يعزم على توزيع آلاف الدولارات على كل مواطن فى البلاد، ثم يتشفى بنفس حاقدة على مداعبته لأحلام البسطاء من المعوزين والمحتاجين من أبناء الشعب المنكوب بحكمه، وتنتشى نفسه الوضيعة بأحزانهم عندما يتبخر قراره الواهم فى هذا الشأن. 

وهكذا يسترسل من وقت لآخر فى لعبته المريضة القذرة، بقرار آخر يضحك فيه على الناس بمزيد من الأوهام التى تتلاشى بنفس سرعة ظهورها. ويزداد كم تشفيه فيهم، مع ظهور نكاتهم الساخرة من مثل هذه السياسات والقرارات البائسة التى يفتعلها من وقت لآخر، لأنها تكشف له عن مكنون آلامهم وضيقهم وهمومهم المعيشية من جراء ما أرتكبه من آثام فى حقهم. 

***** 

مسابقة الفئران: 

ورغم كل ذلك، تظل النكات السيااسية إحدى وسائل التعبير (الشعبي) عن الرفض فى المجتمعات المنكوبة بحكم الأنظمة الديكتاتورية. وليبيا فى هذا الغمار، قد ألتحقت، منذ إستيلاء الرأس الأسن على الحكم فيها، بركب الشعوب التى تُعبر عن مآسيها الناجمة عن سياساته الظالمة، بوسيلة النكات السياسية. 

فقد كان لتأثير سياسات القهر والظلم الكريه والإستبداد الغاشم الذى مارسه رأس النظام الفاسد وزمرته الأسنة فى ليبيا، إلى إنطلاق عنان النكات السياسية المعبرة عن آراء الناس فى هذا الشأن. ولعلي أذكر وقت تدشين عهد النكات السيااسية فى ليبيا تحت حكم هذا النظام المتعفن، فى حقبة السبعينات، بنكتة سأل فيها أحدهم صاحبه عن تدلى أجساد ضحايا النظام الإستبدادي الفاسد من أعواد المشانق، فى أحد شوارع بنغازي الرئيسية، فرد صاحبه مجيباً: "هذا عهد نشر الجماهير بعد عصرها"، فى إشارة إلى ترديد وسائل الإعلام الموجهة فى حينه لمصطلح عصر الجماهير

وقد سمعت عن والدي الحبيب (رحمه الله وأدخله فسيح جناته) نكتة شاعت فى حينه بين الناس، ولا أعرف إذا كان هو ـ ذاته ـ مؤلفها أم إنه نقلها عن غيره. ويرجع ميلي بالظن إلى أنه (ربما) يكون مؤلفها، لكونه قد أعتاد فى أحاديثه مع الآخرين على الإستشهاد بالأمثلة والحكم النادرة والحكايات الطريفة التى تُساعد على إجلاء المعنى المطلوب. حيث كان يستعين ـ فى هذا الخصوص ـ بالوصف الروائي القائم على تبسيط مفهوم الفكرة المراد شرحها للآخرين، فى قالب حكاية مسلية ظريفة، تُطرب من يسمعها، وتوصل له المغزى المقصود. 

وتصف النكتة ـ المعنية ـ المحتوية على حكمة مبطنة، حالة تقلبات الأوضاع فى ليبيا بفعل القرارات السياسية المتناقضة والمتطرفة فى أحكامها، بأنها سياسة مقصودة ومتعمدة لإلهاء الناس فى مغبة سوداويتها الكريهة. وذلك من خلال تشبيهها بقصة أحد سلاطين الزمان الغابر، الذى أعلن عن مسابقة ينال بها الفائز جائزة مالية عظيمة. وتستوجب شروطها على المتباريين حمل مائة فأر فى غرارة من القماش لبضعة مئات من الأمتار، بدون أن تثقب الفئران الغرارة، وتخرج منها. 

ولم ينجح أحد من المتسابقين فى الوصول إلى خط النهاية، بدون قرض الفئران لنسيج خيوط غراراتهم وإحداث ثقوب تمكنها من الفرار؛ عدا متسابق واحد، سأله السلطان عن الكيفية التى مكنته من الحفاظ على الفئران فى داخل غرارته بدون أن تتمكن من ثقبها. 

قال الرجل، وكان من اليهود: "إن الأمر فى غاية البساطة، لقد قمت بتقليب الغرارة بصورة مستمرة ـ رأساً على عقب ـ بين يدي، طوال المسافة المحددة لنهاية السباق. وبذلك، لم أمنح للفئران فرصة لثقبها. فقد كان جل همها ـ بهذا الخصوص ـ ينصب فى المحافظة على توازنها، ومنع نفسها من الإرتطام بعضها بالبعض الآخر. ضحك السلطان من حيلة اليهودي الماكرة، ومنحه قيمة الجائزة المقررة. 

قال والدي، معقباً، أن ما فعله اليهودي فى النكتة المحكية، هو على وجه التحديد ما يفعله رأس النظام الفاسد مع أفراد الشعب الليبي، يقلبه بين مشقة سياساته المرهقة وقرارته الظالمة، من تأميمات ومصادرة الأعمال والأموال، وفرض التجنيد الإجباري على الأبناء (فى دولة بالكاد تحتاج لجنود جيشها النظامي)، والقيام بربط الناس بعجلة الفقر والإحتياج المفتعل، وحرمانهم من أهم أساسيات العيش الإنساني البسيط، والكثير الآخر الذى تطول قائمة سرده فى هذا الغمار. 

ولعل الحكمة المستترة خلف الرمز فى النكتة السابقة، لا يخفى أمرها على القاريء، حيث نجدها ـ فى جانب ـ تفصح لنا بجلاء عن نجاح اليهودي، بحيلة بسيطة، فى شل حركة الفئران ومنعها من ثقب غرارته والفرار بجلدها. وفى الجانب الآخر، تكشف لنا بوضوح تام عن نجاح الرأس الفاسد الذى يسيطر على حكم ليبيا بالقوة الغاشمة، فى فرض أمر إستمرار حكمه، بحيلة ماكرة تهدف فى مسعاها إلى إلهاء أفراد الشعب الليبي، وإغراقهم فى دوامة قرارته المنبوذة الظالمة، بمؤازرة وسائل القمع المتفرقة، القائمة على جبروت السيف ومطرقة القهر اللعين. 

***** 

دهاء كبش العيد: 

دأب أحد أصدقائي على تزويدي بأخبار البلاد من الداخل، وما يجرى بها من كوارث فادحة فى حق مواطنيها وثروتها التى تهدر على الفاسقين بغير حساب. وأيضاً، يتحفني بين تارة وأُخرى، ببعض النكات التى يتدوالها الناس. وقد سمعت منه فى المدة الأخيرة بضعة نكات بليغة فى معانيها الرمزية التى تعكس صميم رأي الناس فى حكم النظام الفاسد. وسوف أروي ـ فيما يلي ـ نكتتين من بينهم، لهما علاقة بالموضوع المطروح. 

النكتة الأولى، وهى عبارة عن بيت شعر شعبي، من نوعية الأشعار التى أنطلقت بمناسبة عيد الأضحى للسنة الماضية، وتجدد قرضها فى عيد الأضحى لهذه السنة، والتى يُعبر بعضها عن ضيق الناس من حالة التردي الإقتصادي (المقنع)، تحت حكم رأس النظام الفاسد، وبلادهم ـ فى هذا النطاق ـ فاحشة الغناء !. ويُعبر بعضها الآخر، عن دس الرأس الفاسد لأنفه فى تحديد مواقيت أعيادهم وصيامهم. 

ومن هنا ظهر الشعر أو الزجل الشعبي ليعبر ـ من ناحية ـ عن سوء حالتهم المعيشية المتردية، التى تعكسها معاني أبياته الكثيرة التى قرضت لهذا الغرض، وصورت بكلماتها مدى فداحة الفاقه المعيشي السائد بين الناس، الذى تجسده حالة الفقر المدقع، وضنك العيش الضارب أطنابه فى ربوع بلادهم، فأعجزتهم (حدته) عن شراء أضحية العيد. ومن ناحية أُخرى، نجده يُعبر عن إستيائهم من أمر التلاعب بمناسك وشعائر دينهم، وهذا ما سنراه من خلال بيت الشعر المعني. 

وبيت الشعر الذى تكمن فى كلماته المعاني والأبعاد المقصودة فى هذا المضمار، يُشير إلى مدى تحكم الرأس الفاسد فى أمر تحديد يوم العيد، مخالفاً بذلك أصول التقويم الصحيح الذى يتبعه غالبية أفراد المجتمعات الإسلامية فى العالم. وتقول كلمات البيت المقصود: 

كبش العيد قاعد يطمر          خايف من رأيات معمر 

والمعنى الكامن فى هذا البيت يُشير بوضوح إلى خوف الناس وريبتهم من آراء رأس النظام الفاسد الظالمة، والمخالفة لنواميس التقاليد الراسخة وقدسية الشعائر الدينية. 

إما النكتة الثانية التى حكاها لي صديقي المشار إليه، تصف رجوع مواطن سوادني إلى بلده بعد عشر سنوات أمضاها بالعمل فى ليبيا. فسأله أحد أفراد أسرته عن إنطباعه حول ليبيا وشعبها، فقال له: 

ــ  "هذا بلد معكوس يازول !. بلد عجيب خالص. بلد كل حاجة فيه بالمقلوب. أهله يسموا الأعمى بصير. ويسموا الفحم بياض. ويسموا السخان براد. ويسموا النزهة دهورة. ويسموا الحرامي أمين. ويسموا من خرب بلدهم معمر !". 

ولا رمز فى هذه النكتة، فمعانيها جلية وواضحة للجميع.

فرج الفاخري

farajelfakhri@live.com

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home