Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri
الكاتب الليبي فرج الفاخري

الجمعة 4 يونيو 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

لأي نوع من المجتمعات ينتمي الليبيون؟ (1)

فرج الفاخري

الجزء الأول 

سمات مختلفة لمجتمعات متفرقة 

توجد فى كيانات المجتمعات البشرية المتفرقة سمات غالبة، تشكل بخواصها وعواملها الكامنة، طباع وتصرفات أفراد كل مجتمع منها على حدة. وقد تستقر بعض هذه السمات ـ أو جميعها ـ ويستمر وجودها لفترة، أو تتغير بتعاقب الزمن على أجيالها المختلفة عبر التاريخ الإنساني الطويل. 

وتتعدد السمات فى مظاهرها المتباينة، بقدر إختلاف وتعدد المجتمعات البشرية ذاتها، وبقدر إختلاف المؤثرات المحيطة بكل مجتمع وآخر، فنجدها تارة تُشكل أوجه المشاعر الوجدانية الرابضة فى سرائر النفس البشرية، مثل سواد مشاعر المحبة والرحمة والتسامح والأخاء، بدلاً من مشاعر الكره والغبن والبغضاء، ويصح عكس ذلك بحذافيره.[1] 

وفى هذا السياق، نجد ـ على سبيل المثال ـ مجتمعات تغلب على أفرادها سمة الكرم، التى تعلن عن ذاتها بوضوح جلي، من خلال تصرفات أفرادها وتعاملاتهم اليومية مع بعضهم والبعض الآخر، ونجد مجتمعات أخرى تغلب على افرادها سمة البخل، وثالثة تسودها العصبية، ورابعة يتحلى أفرادها بسمة الشجاعة والنبل، وخامسة تنتشر بين أفرادها سمة العنف، وغيرها تعم بين أناسها سمة الإنتهازية والإستغلال، وأخرى يتسم أهلها بصفة النميمة، وهلم جراً. 

ونجدها تارة أُخرى، عبارة عن ظاهرة عقلية (عملية)، تتجلى فى إستخدام مهارات العقل الكامنة فى إكتشاف وإختراع ما يفيد الإنسان فى حقول الفكر والعلم والعمل، بل وكافة المجالات التى يخوضها الإنسان فى نطاق معترك الحياة، فتتولد عن ذلك إبداعات المعرفة بصنوفها المختلفة، وتنبثق عن ذلك المبتكرات المتفرقة فى عالم التكنولوجيا المتقدمة، التى يعكسها على أرض الواقع نموذج المجتمع الياباني ومعظم مجتمعات دول الغرب الصناعية، التى مرت جميعها بتغيرات إجتماعية جذرية، تفاعل مخاضها فى رحم ظروف وعوامل عديدة مختلفة، وحروب ضارية، إبان القرون المنصرمة، أدت نتائجها لتمهيد الطريق أمام عقول أصحاب الريادة بين أفرادها، للإنفتاح على تيارات عالم الخلق والإبتكار والإبداع، التى يفرزها العقل (المجتهد) عندما يُطلق له العنان للتأمل والتفكر والتدبر، ليصل بصاحبه إلى أوج رحاب الإبداع الفكري الخلاق، الذى يحقق الحلول المطلوبة لمعضلات الحياة القائمة. 

وقد تتشابه السمة التى ينطبع شكل المجتمع ببصمتها البارزة، أو تختلف فى جوهر أبعادها من مجتمع لآخر، بحسب المعطيات والظروف والقيم السائدة بمحيط كل مجتمع بمعزله، خلال العصور المتعاقبة؛ لكنها لا تختلف فى مدى إنعكاس تأثيرها على سلوك الأفراد فى داخل كيانات تلك المجتمعات. 

ومن ناحية أخرى، نجد فى كثير من الحالات، أن طبيعة الحاجة الإنسانية لنوع أو نمط حياة معينة، يدفع إلى ولادة ونشوء مهارات فكرية ومهنية وفنية وجسدية مختلفة بين الأفراد فى المجتمعات المعنية، تتحول ـ هى الأخرى ـ مع مرور الزمن لسمات يُبلور وجودها شكل المجتمع الذى تنبثق فى داخل كيانه. 

فنجد على سبيل المثال، مجتمعات تستقى شهرتها من إتقان أفرادها للأعمال اليدوية كصنع الخزف أو النجارة أو الحياكة والنسيج وغيره، التى تم إنصهار مهاراتها ـ فى الأساس ـ بينهم من لبنة حاجتهم لوجودها، والتى تتحول مع الزمن إلى مهارات ذاتية ينطبع بها شكل المجتمع، ليمسى متخصصاً فى ذلك النوع من الإنتاج الحرفي، الذى يتم تسويقه للمجتمعات الأخرى، غير البارعة فى حقله، حالما يتم لهم الإكتفاء الذاتي منه.[2] 

وهذا ما ينطبق بحذافيره على مجتمعات أُخرى، تكتسب شهرتها من خلال مهارة أهلها فى الصيد البحري، أو تربية المواشي، أو حقل الإنتاج الزراعي، وذلك نتيجة لطبيعة أرضها وتضاريسها ومناخها، التى تدفع بها للتخصص فى هذه المجالات بعينها.[3] وقد نجد مجتمعات أُخرى يبرع أفرادها فى قرض الشعر، ومجتمعات أخرى ينبغ أهلها فى الموسيقى أو الرسم أو الرقص وغيره من أنواع الفنون الإنسانية المختلفة. وقد يُجيد أفراد مجتمعات أُخرى أنواع من الألعاب الرياضية المعينة، كالعدو، أو لعب الكرة، أو السباحة، أو التزحلق على الجليد، وهكذا.[4] 

من هنا، فإن السمات المتوطنة فى نفوس أفراد المجتمعات البشرية المختلفة، تأتي ـ فى أصلها ـ من عدة عوامل متباينة، فقد نجدها تتكون نتيجة لمخاض الظروف الإجتماعية والإقتصادية والسياسية السائدة، أو تم خلقها من إنعكاس تأثير عوامل التضاريس الجغرافية والمناخ على نمط حياة الأفراد القائمة، أو نتأت عن شُربِ أفراد مجتمعاتها للمقدار المناسب من مناحي المعرفة المتفرقة، أو بظهورها فى نفوسهم من جراء إيمانهم بالعقيدة والدين المتاح لأفرادها فى حينه (سواء كان دين وعقيدة سماوية، أو فلسفة مستقاة من قوالب الكيانات الحضارية السائدة بين أبناء كل جيل وآخر)، أو تنشأ من إشتراك أكثر من عامل معاً، أو بكافة العوامل السابقة مجتمعة. 

وهكذا، تصنع المعطيات المتاحة والظروف السياسية والإقتصادية، وتعاليم الدين أو العقيدة السائدة، وطبيعة الأرض والمناخ بكل مجتمع وآخر، خلال العصور الزمنية المتواترة، السمات الغالبة على فعالية أفراد كل مجتمع بمعزله. سواء سمات سلوكية تختص بتصرفات الأشخاص الذاتية، أو سمات عملية تخص إحترافهم العملي فى المجال الإقتصادي. وقد تتغير السمة التى يكتسبها الناس ـ فى هذا الخصوص ـ مع مرور الزمن، لتحل غيرها مكانها، فى طباع الأجيال المتعاقبة، وذلك حين تتغير المؤثرات التى تلون بقواها الكامنة السلوك الإنساني فى المجتمع المتناول. 

* * * 

ليبيا والليبيون

ليس المجتمع الليبي بإستثناء فى هذا الخضم، فقد أكتسب أفراده سماتهم الإجتماعية الحميدة والسيئة ـ على حد سواء ـ عبر عصور زمنية طويلة، تداولتهم خلالها أنظمة حكم مختلفة، بكافة المعايير والقياسات، من الحكم العربي الإسلامي، للحكم التركي الإسلامي، لحكم الإستعمار الإيطالي، إلى حكم دولة الإستقلال الوطني، ليقعوا فى نهاية المطاف بين براثن حكم النظام الفاسد، الذى لازال ـ حتى هذه اللحظة ـ يجمع بين يديه مقاليد السلطة والنفوذ بفعل سطوة القوة والإكراه. 

ولكى نستحوذ على فهم وافي يشرح لنا حالة المجتمع الليبي وما آل إليه، ونتعرف على نوع سماته التى شكلت كيانه الحالي، فإنه علينا العودة إلى ما قبل وصول الفكر البشري للمفاهيم الحضارية السامية، الداعية لحرية الإنسان وحقه فى تقرير مصيره. وهذا يعود بنا إلى آلاف من السنين الطويلة، التى سبقت ولادة الفكر الليبرالي الحديث، الذى شابهته فترات تنويرية أُخرى عبر التاريخ البشري الطويل، فى بقاع مختلفة من هذا الكوكب الذى ورثه الإنسان عن الله. 

ولعله تجدر الإشارة هنا، إلى أن كافة الفترات التنويرية السابقة على العهد الليبرالي الحديث لم يُكتب لها الإستقرار بين أفراد المجتمعات التى ولدت فى ربوعها، حيث نجدها أستمرت (فقط) لفترات زمنية محدودة، تلاشت ـ من بعدها ـ بكامل عواملها الكامنة، لتعود ظلامية الإستبداد والإستعباد، وتقييد الحريات، مسيطرة على عالم البشر من جديد. 

* *

أحرار وعبيد 

دعونا ـ إذن ـ نعود إلى الوراء، آلاف السنين، لنلقى نظرة على عصر المجتمع الإغريقي فى أرض اليونان، الذى حقق حضارة رائدة قدمت للعالم فلسفة فكرية إنسانية جديرة بالإنتماء للعقل الإنساني. والتى أنار تراثها الفكري الطريق أمام رواد الفكر من فلاسفة وعلماء فى بقاع أُخرى من الأرض، ترجموا عنها، وأستفادوا من صحيح فكرها النير، ونقحوا وطوروا ما شابها من تقصير وخطأ؛ ولعل العرب كان لهم نصيباً وافراً فى ذلك. 

لا يجب علينا هنا، أن تنتابنا مشاعر الإستعجاب والغرابة، إذا وجدنا الأغريق يمارسون، وهم فى قمة مجد حضارتهم، ما كانت الأمم القوية تفعله فى ذلك الحين، من غزو وإحتلال بلاد الأقوام الأخرى، الأضعف فى القوة والشأن ـ وذلك بالقدر الذى تمكنهم منه قوتهم القتالية ـ فقد كانت نواميس العهود القديمة فى تلك الأزمنة الغابرة، تحلل وتشرع هذا الأمر بكل مقتضياته. 

وهكذا، كانت ليبيا من ضمن سائر البلاد التى قام الأغريق بإحتلالها، والتى تركوا على أرضها ـ بعد إندثارهم ـ آثارهم المعمارية الراسخة فى مناطق شتى من أرضها، لكنهم لم يتركوا فيها تراثهم الفكري الرائد. وهذه كانت طبيعة أهل الممالك القديمة، يحتلون البلاد الأخرى للنهل من خيراتها، ثم يتركون بصمتهم المعمارية (لاغير). 

وهذا ما نرآه يتكرر من خلال إحتلال جحافل جيوش الإمبراطورية الرومانية لليبيا وغيرها من البلاد الأخرى، لباع من الزمان، فى فترة صعود حضارتها لقمة المجد الإنساني (بمقاييس ذلك الزمن). حيث نجد الروم على غرارِ الأغريقِ والفينيقيين وغيرهم، يتركون فى ليبيا وعداها من البلاد التى أحتلوها، معالمهم المعمارية، ويغفلون (عن عمد) نشر تراثهم الحضاري بين نفوس أهلها. 

ولعلنا نجد السبب أو السر، من وراء عدم إهتمام أصحاب الحضارات القديمة بتلقين تراث حضاراتهم لأهل البلاد التى يحتلونها، يكمن فى التركيبة التى يقوم عليها بنيان مجتمعاتهم فى بلادهم الأم، التى تأسست بنيتها على هيكل كيان النظام الطبقي، القائم على تقسيم مجتمع الناس إلى شرائح أو طبقات مختلفة، تتدنى فى هبوطها لطبقة العبيد، وترقى فى صعودها لطبقة الأحرار، ثم تنقسم طبقة الأحرار بدورها لشرائح إجتماعية مختلفة، تبدأ بعامة الناس وتتدرج لمرتبة النبلاء والفلاسفة والحكماء والحكام والكهان. 

ولكي ننال قسطنا المناسب من الفهم، فى هذا السياق، علينا أولاً، أن نقر بالحقيقة المعروفة، التى تُفيد بأن النظام الطبقي هو أحد العوامل المشتركة التى تربط بين معظم تركيبات مجتمعات أهل الحضارات القديمة. ولا يهم هنا عدم خجل ساداتها من تحويل فئة معينة من مواطنيها إلى عبيد، يتم توجيههم (وإستغلالهم) للقيام بأعمال السخرة المتدنية؛ ولكن ما يعنينا هو إعتبار العبودية نمط حياة معترف به فى داخل كيانات تلك المجتمعات، التى يتم وصفها ـ تجاوزاً ـ بأنها متحضرة !. 

حتى النموذج الفرعوني بحضارته الفريدة، لم ينج من الإنحدار لهاوية هذه الخصية المشينة، حيث كانت طبقة العبيد تعتبر إحدى العماد التى قامت عليها تلك الحضارة المتوغلة فى أعماق التاريخ؛ ولا عجب أن نرى ـ فى هذا المنوال ـ أن بناء آثارها العجيبة (الأهرامات والمعابد الضخمة)، قد تم بجهد سواعد مواطنيها من طبقة العبيد. 

حيث نجد طبقة العبيد تمثل أحد أسس كيان التركيبة الإجتماعية فى هيكل كيان الحضارة الفرعونية، ومعظم الحضارات القديمة، بغض النظر هنا، عن الإنحراف والخرق الواضح لمفهوم قيمة الإنسان السامية، وحقه فى ممارسة حريته الكاملة. فقد تبنت تلك الحضارات ـ وعلى رأسها الحضارة الفرعونية ـ شكل النظام الطبقي الكريه الذى يعمل على التمييز بين البشر بواقع قوانين طبقية جائرة، تم تقنينها بفعل قوة السلطة الحاكمة، وسطوة نفوذ الكهان الدينية. 

ورغم أن المثال الفرعوني، يختلف ـ عن غيره ـ فى كونه قد تقوقع بحضارته فى داخل حدود أرض الكنانة، إلا أنه يظل أقرب النماذج الواضحة فى هذا الشأن، حيث ترك الفراعنة أغنى الآثار الإنسانية فى التاريخ البشري على أرض مصر، التى قامت عليها حضارتهم، ولم يخلفوا تراث فكري للأجيال القادمة. فقد كانت تركتهم لأجيال المستقبل، لا تزيد عن بعض أوجه النشاطات العامة، التى أبرزها يتمثل فى إبتكارهم لنظام ري زراعي، وتأسيس نظام إداري حكومي (هرمي الخصية والأداء)، بينما آلت أكبر أسرارهم فى مجال علم التحنيط وغيره من التقنيات العلمية الهامة، إلى الفناء الذى ذهب أصحابها إليه. 

وهذا ما يصل بنا إلى الغاية التى جرتنا للحديث عن تركيبة نظام الطبقات فى الحضارات القديمة، والتى يهمنا من ورائها، أن سبب عدم ترك أصحاب هذه الحضارات، الذين تعاقبوا على إحتلال أرض ليبيا، ما يمكن أن يُفيد أهلها بشيء من تراثهم الحضاري (عند تناقله بين الأجيال المتوارثة)، يكمن فى نظرتهم الطبقية ـ التى جبلوا عليها ـ تجاه أهل البلاد التى يقومون بإحتلالها. 

فهم يرون أفراد تلك الشعوب ـ وشعب ليبيا من بينها ـ كعبيد، يتشابهون فى وضعهم وحقوقهم، إلى حد بعيد، مع أفراد طبقة العبيد الذين تعج بهم بلادهم (الأم)، ولا يمكن أن يرقوا، بأي حال، إلى مستوى أفراد طبقة النبلاء أو الفلاسفة أو غيرهم من شرائح مجتمع الأحرار المثالي. ولهذا لم يترك الغزاة ـ من أصحاب الحضارات القديمة ـ لمجتمعات البلاد التى قاموا بإحتلالها سوى أحجار أبنية قلاعهم ومعابدهم ومسارحهم وغيرها، التى تدل على تواجدهم فى فترة زمنية معينة. 

بعبارة أُخرى، قد أدت المفاهيم الطبقية التى كانت تُشكل تركيبة مجتمعات الغزاة من أصحاب الحضارات القديمة، إلى إنعدام الحرص لديهم للتداخل والإندماج الإجتماعي، فيما بينهم وبين أفراد الشعوب المحتلة، الذين كانوا يرون أفرادها كقطيع من الرعاع، ويرون فى أنفسهم صفوة نقية مميزة !. وبإنعدام التداخل والإندماج والإنصهار الإجتماعي بين الطرفين، أنعدم التأثير والنقل الحضاري المفروض، من قبل الغزاة لأصحاب الأرض المحتلة. 

* * * 

حضارة لا تفرق بين عربي وعجمي

عندما بزغ نور فجر الإسلام فى بداية القرن السابع الميلادي، كانت آخر الحضارات السابقة (الروم)، موشكة على لفظ أنفاسها الأخيرة. وكانت أرض ليبيا قبل الفتح الإسلامي، وسائر بلاد الشمال الأفريقي الواقعة إلى غربها تقطنها جماعات البربر، التى لم يتأثر أفرادها بتعاقب الغزاة من أصحاب الحضارات القديمة، على كينونتهم وهويتهم الخاصة، فأحتفظوا بلغتهم وعقائدهم وتقاليدهم وعاداتهم المتوارثة؛ وهذا مرجعه ـ كما سبق الذكر ـ لخلو أجندة الغزاة والمحتلين، من القيام بتطبيع أهل البلاد الأصليين بطابع حضاراتهم وثقافتهم الخاصة. 

لكن الأمر أختلف جذرياً بعد ظهور الإسلام، فقد كان لأتباعه أجندة واضحة، تهدف لنشر عقيدته بين الناس فى كافة أقطار الأرض ـ إن مكنتهم قدرتهم من ذلك ـ وهذا كان أمر ذى أهمية بالغة، فى نصوص التعاليم الربانية لمبلغ رسالتها ونبيها (محمد عليه الصلاة والسلام)، فقد كان لزاماً عليه تبليغ رسالة ربه لقومه، ولكافة أقوام الأرض جميعها، إذا أستطاع لذلك سبيلاً. ومن هنا تم فتح ليبيا، ضمن المد المتدفق لغزوات الفتح الإسلامي للشمال الأفريقي وما بعده، وما تضمنه من فتح أقطار أُخرى قبله. 

وحدث مالم يطرأ على مسرح التاريخ السابق فى أرض ليبيا، منذ آلاف السنين، فقد تشرب أهلها العقيدة الجديدة بتعاليمها الحضارية، وثقافتها السامية؛ وتلون مجتمع الناس وتراثهم ـ على أرضها ـ بثقافة الإسلام، وتعلم لسانهم النطق بلغة كتابه (العربية)، ورويداً أخذ شكل المجتمع يتبلور فى قالبه العربي الإسلامي. 

ولعل أهم العوامل التى ساعدت على تفعيل عملية تحقيق هذا التحول الجذري ورسوخه فى بنية المجتمع الليبي، هو رغبة أصحاب الحضارة الجديدة (الصادقة) فى نجاح مهمتهم، المتمثلة فى خلق جسور الترابط الإجتماعي مع أفراد المجتمعات المحلية وتوطيده، لأنه ـ بالنسبة لهم ـ يُعد أحد العماد الأساسية التى تقوم عليها عملية نشر دعوتهم المكلفين من ربهم بإداء واجبها المقدس، والتى تبدأ باكورة أولوياتها بضرورة السعى إلى تلقين تعاليمها وإرشاداتها لأفراد المجتمعات التى تم فتحها، وهذا ما يحقق الإندماج والتداخل والإنصهار الإجتماعي معهم. 

وهكذا كان، فقد حدث التفاعل بين أهالي البلاد القاطنين على أرض ليبيا، وبين ناشرين الدعوة الإسلامية من العرب، وأدى ذلك إلى تلون كيان المجتمع الليبي بطابع الحضارة الإسلامية فى ثوبها العربي. ولم تمض قرون قليلة حتى غطت الهجرات العربية أرض ليبيا، ليتحول المجتمع برمته إلى كيان مجتمع عربي إسلامي خالص، هذا على الرغم من أنه لم يتم ذوبان تراث أهالي البلاد الأصليين من البربر فى بوتقة كيان المجتمع الليبي بحلته العربية الجديدة (كلية)، حيث أحتفظ أفراده بمعظم عاداتهم وتقاليدهم، وأيضاً لغتهم القديمة، إلى جانب إتقانهم للغة العربية، وإعتنقاهم لعقيدة الإسلام، التى حملوها ـ بيقين المؤمن ـ فى صدورهم، وتشربوا تعاليمها وإرشاداتها السامية بكاملها فى ألبابهم. 

غير أن تمسك وإحتفاظ أهل البربر بتراث هويتهم الخاصة، لم يمنع أو يحول ـ فى الماضي والحاضر ـ من وجود التجانس والترابط بين أفراد جماعاتهم وبين أفراد الجماعات العربية النازحة لموطنهم، فقد ساد بينهم التآلف والمودة والسلام، وكونوا جميعهم نسيج كيان المجتمع الليبي، بتعايشهم سوياً على أرض ليبيا، التى أسسوا على حبات ترابها تاريخهم المشترك اللاحق لفتحها، وتفاهموا بلسان لغة مشتركة (العربية)، وجمعهم الإيمان بتعاليم دين واحد (الإسلام). 

ولم يعد من الممكن أن يفرق بينهم فى الأخوة والتكافل والتعاضد والولاء للأرض التى يعيشون على سطحها جميعاً، سوى فتح باب نعرات الجدل المفضي لخلاف التمييز العرقي والعنصري الكريه، الذى يضع مجتمع أفراد البربر ـ قبل غيرهم ـ تحت أحكام دائرة الأقلية المنفردة (بصوتها)، أمام صوت أهل الأغلبية فى المجتمع الليبي بكامل نسيجه. ولعله من المفيد هنا، توضيح هذه النقطة وتفسيرها بصورة أدق وأشمل، لأهميتها فى هذا المضمار. ولن نجد لنا ـ فى هذا الخصوص ـ مثالاً أو نموذجاً يمنحنا الإدراك الكامل بأبعادها التامة، من تناول نموذج دولة جنوب أفريقيا بالتحليل. 

* * * 

وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا 

عسانا أن نلاحظ (جميعاً)، بأن نموذج دولة جنوب أفريقيا، على عكس النموذج الليبي تماماً، من ناحية توزيع النسبة العددية لتركيبة سكان المجتمع فيه، لكنها مشابهة فى حالته للنموذج الليبي وغيره من بعض نماذج أُخرى فى عالمنا البشري، من حيث الإختلاف العرقي الذى يسود تركيبة مجتمعاتها. 

فى جنوب أفريقيا، نجد السود، هم الأغلبية، وهم ـ أيضاً ـ سكان البلاد الأصليين. والغزاة (البيض)، هم الأقلية، وهم المسيطرون على مقاليد أمورها، بعد أن حولوا كيان الدولة بأكمله إلى مجتمع طبقي يشابه فى شكله مجتمعات الحضارات القديمة التى أتى على ذكرها فيما سبق. 

وإذا عرفنا، أن فترة سيطرة الغزاة البيض، على أرض جنوب أفريقيا، منذ لحظة إستيلائهم على مقدراتها وحتى أفول نظام الأبارتيد اللعين، لا تزيد فى مداها عن ثلاثمئة سنة، وإن العقلية التى كانت تتحكم فى سلوك الغازي الأبيض، يتركز نطاقها الضيق فى حدود مفاهيم عنصرية تعتبر أبناء القشرة السوداء والملونين (بصفة عامة)، أدنى فى القيمة البشرية من أن يتم مساواتهم فى الحقوق والواجبات مع أصحاب البشرة البيضاء، وأنهم ـ فى عيون أولئك المعتلين بداء العنصرية البغيضة ـ مجرد عبيد، خلقوا لأجل خدمة أبناء الأقوام المنحدرة سلالاتها من أعراق بيضاء. 

لعله ـ الآن ـ لن يغمض علينا معرفة السبب من وراء عدم نمو أي علاقة من الترابط تجمع النازحين الجدد (الغزاة)، وبين أصحاب البلاد الأصليين. وهو ما يتجلى لنا مكمنه فى آفة العنصرية، التى حملها الرجل الأبيض (الغازي) فى لب ضميره، ومارس فواحش حقدها الكريه على أهل البلاد من السود؛ ليؤدى حمى غبنها ـ فى نهاية الأمر ـ إلى عدم حدوث الإئتلاف والإندماج والتمازج والإنصهار الإجتماعي المطلوب، بين أبناء العرقين المتعايشين على تراب أرض تلك البلاد الواقعة فى أقصى جنوب القارة السوداء. 

وفى نهاية الجادة، التى طالت عليها معاناة أبناء الجلدة السوداء، وطال عليها زمن مقاساتهم للظلم والإستبداد والتفرقة فى الحقوق والواجبات، التى سامها لهم الرجل الأبيض، وهم الغالبية السكانية وأصحاب الأرض الأصليين، تم نبذ نظام الأبارتايد (العنصري) الكريه فى آخر عقد الثمانينات من القرن المنصرم، بفضل حملة الضغوطات الدولية الشديدة، التى مارسها أعضاء أسرة المجتمع الدولي على نظام حكم جوهسنبرغ. 

رضخت ـ إذن ـ الأقلية البيضاء المسيطرة على مقاليد الأمور فى البلاد على أعقاب الحملة الدولية، بنبذ نزعة العنصرية المقيتة من ضميرها الراكد. وسعت إلى التآلف مع الغالبية السوداء، ليتم تشكيل نواة دولتهم الجديدة، برئاسة مانديلا، زعيم حركة النضال فى البلاد؛ ليطوى السود، بعد ذلك، صفحة قاتمة من تاريخهم المؤلم، أستغرقت عدة قرون مفعمة بالكراهية والغبن والعداء لجنسهم بسبب اللون لا غير، والتى يقع جرم تبعتها ومسئوليتها ـ بالدرجة الأولى ـ على عاتق أفراد مجتمع الغزاة البيض. 

والقياس ـ فى هذا الخطب ـ يقول بمنطقه العادل، أن الحالة الليبية، لا تتفق مع نموذج جنوب أفريقيا إلاّ فى شكل التركيبة العرقية، حيث نجد ـ فى حالة جنوب أفريقيا ـ إنعدام التآلف والمودة والإندماج والإنسجام الإجتماعي بين طائفتيه، التى تسببت فيها النزعة العنصرية الكائنة فى ضمير الغزاة البيض. ومع ذلك نجدهم يجتمعون سوياً لطي صفحة الماضي، لأجل مصالحهم المشتركة التى تشدهم لمستقبل بلادهم. 

بينما سادت كافة العوامل الخيرة بين أصحاب الأرض الأصليين (من البربر) فى ليبيا، وبين أفراد النازحين إليها من قبائل العرب المتفرقة. وذلك بسبب طبيعة رسالة الحضارة الإسلامية ـ كما سبق الإشارة ـ التى حملها مبشريها معهم، فى مهمتهم النبيلة لنشرها بين الناس فى تلك البلاد التى تم لهم فتحها. 

وإذا لجئنا إلى محاولة سوق الأمثلة التى تبين نماذجها صورة الإختلاط العرقي السليم فى المجتمعات البشرية المختلفة، فإن إختيارنا يقع (بالطبع) على سويسرا كأفضل الأمثلة الواضحة فى هذا المنوال، حيث نجدها ـ بلاد ـ مرتكزة نواصي دولتها على رواسي إجتماعية متينة، تربط بشدة بين أبناء طوائف أعراقها المختلفة، فتسود بينهم أواصر الإنسجام والمودة المتوطدة، ويجمعهم حب الإنتماء لبلادهم، وصدق الولاء لأرضها. 

ويحضرني فى هذا السياق، تلك النبؤة التى يفصح فحواها عن أن العالم الذى يضم كافة صنوف البشر وأجناسهم المختلفة، سيتوحد فى يومٍ ما ! تحت رآية الإندماج والإنصهار والتمازج والإنسجام الإجتماعي، وذلك عندما يصل أفراده للسمو الفكري الذي يليق بمقام عقولهم التى ميزهم الله بها عن بقية كائناته. 

ولعل هذه النبؤة (الحلم)، تكون سهلة المنال، إذا سعى كل فرد فى هذا العالم الفسيح، إلى الأرتقاء بمدراكات عقله الفكرية النيرة، فيتخلى عن شوفانيته الوضيعة التى تؤثره ـ مرآتها المضللة ـ على شخص الآخر، المختلف عنه فى اللون والعرق والدين أو غيره، والتى تدفعه بحقدها الدفين إلى كراهيته والعمل على طمسه والخلاص منه بكافة الوسائل المتاحة. 

والخلاصة هنا، أنه على أهالي البلاد الأصليين من أفراد جماعات البربر فى ليبيا، أن يقتنعوا بأن صوتهم المنفرد لا قيمة له، بدون أصوات أخوانهم الذين شاركوهم العيش على تلك الأرض ـ الممنوحة فى الأصل من الله للبشر جميعاً ـ التى جعلهم فيها، شعوب وقبائل ليتعارفوا ويتجانسوا؛ وهذه هى السنة التى أرادها الله أن تسود فى الحياة. ومن ناحية أُخرى، فإن عمر الأرض التى نعيش على سطحها، يمتد لملايين السنين المديدة، تغيرت تضاريسها ـ عبرها ـ كما تغيرت تركيبات أجناسها، فمن يا ترى كان يعيش على أرض ليبيا قبل التاريخ المعروف، والذى لا يزيد عن بضعة آلاف من السنين القليلة ؟. 

والمعنى المراد فى هذا الصدد، أنه يجب على المرء إلقاء نظرة واحدة ـ لكنها يجب أن تكون عادلة ـ على بلاد أمريكا وكندا ونيوزلندا وأستراليا وغيرها، وعليه أن يطرح السؤال التالي: هل سكان تلك البلاد (الأصليين)، الذين كانوا يسيطرون على أرضها منذ خمسة قرون خلت، لازالوا يفعلون ذلك اليوم، أما أنهم تمازجوا مع النسيج الجديد الذى خلقته هجرات الإكتشافات الجغرافية القادمة من أرض العالم القديم ؟. والجواب معروف لأصحاب الألباب المستنيرة. 

إنها نعمة من الله أن الإسلام قد قام فى أساسه على السلام، ولم يكن مثل فكر أصحاب الحضارات القديمة والجديدة، القائمة على العنصرية البغيضة والطبقية الكريهة، التى ولدت سفك دماء الأبرياء، وسبي النساء، وهتك الأعراض، ونهب الأموال والثروات، والأمثلة على ذلك كثيرة، نجدها فيما تقوم به إسرائيل فى أرض فلسطين، وماقام به الرجل الأبيض فى أراضي بلاد العالم الجديد، التى غزاها من خلال هجمات شرسة، كانت تسعى لإبادة سكانها من شعوب الهنود الحمر، وغيرهم من أصحاب البلاد الأصلية الأخرى؛ وعلينا فى هذا الخضم، أن لا ننسى ما يجرى تحت أعيننا من ظلم وإضطهاد القوى المتحكمة فى مصير العالم لبعض بلاد العالم الثالث المستهدفة ـ فى عصرنا الحالي ـ وبلاد المسلمين على رأس قائمتها !. 

وعودة لنموذج دولة جنوب أفريقيا، الذى لم تدفع ـ فيه ـ قرون الظلم والجور التى عاشها أهل البلاد الأصليين، إلى مناصبة مثيلها السلوكي تجاه الغزاة البيض، بل نجدهم يسعون للتسامح والسلام، حين لاحت لهم بوادره فى آفاق سماء مجتمعهم المشبع حتى قمة أطرافه بالظلم والإضطهاد. حيث قاموا بإسقاط كافة أوجه العداوة والبغض التى ضجر بها تاريخهم مع أصحاب نظام الأبارتيد من الغزاة البيض؛ وتناسوا كافة ما عانته أجيالهم السابقة والحاضرة من ضيم كراهيتهم وحقدهم العنصري؛ وسارعوا لإسقاط مشاعر العداء والكره من خلجات أنفسهم المكلومة، وأشتركوا مع ظالميهم ـ تحت رآية واحدة ـ فى تشييد نظام حكم مختلط الأعراق، تنصب أهدافه فى العمل على تحقيق مصالحهم المشتركة التى تشدهم لمستقبل بلادهم وأجياله القادمة. 

والعبرة هنا، أنه لا يجب أن تنتأ فى مجتمعنا الليبي، تلك الأصوات المنادية بالتفرقة والتمييز، ليس على أساس المستوى العرقي فحسب، بل على المستوى الجهوي والقبلي أيضاً. والحكمة ـ هنا ـ تقتضي، أن يتكاثف جميع أفراد المجتمع الليبي بأطيافهم المختلفة لأجل مصلحة وطنهم، الذى ترتكز أهم أولوياته فى الإطاحة بأركان النظام الفاسد، الذى نجح فى غرس سموم الفرقة بينهم، وفلح ـ وهو الأدهى ـ فى نشر الفساد الإجتماعي والسياسي بين نفوس أفراده، وأقتلع جذور القيم النبيلة السامية التى تأسس قوامها بخبرة الناس وتجاربهم وعقيدتهم التى توارثوها عبر قرون زمنية طويلة. 

يتبع .. 

فرج الفاخري

farajelfakhri@live.com

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] لعل أصدق مثال فى هذا الخصوص، نجده متجلياً بوضوح فى نموذج المجتمع العربي إبان فترة بزوغ الدولة الإسلامية، الذى حلت بين نفوس أفراده ـ بتأثير العامل الديني ـ سمات الود والتحاب والتآلف والرحمة، عوضاً عن مشاعر القسوة والجفاء والكره والتناحر التى كانت سائدة بينهم خلال فترة العصر الجاهلي المندثر. والعكس فى ذلك نجده واضحاً فى كيان المجتمع الليبي، الذى أنسلخت عنه الكثير من سماته الإجتماعية الحميدة التى أكتسبها عبر العصور السالفة لحكم النظام الفاسد، الذى عمل ـ من خلال سياساته المغرضة ـ عبر أربعة عقود زمنية مقيتة، إلى غرس سمات الفساد الكريهة التى شكلت بقباحتها كيان المجتمع وتغلغلت فى نفوس معظم أفراده.

[2] فى مدينة دمياط المصرية، يكاد يرى المرء بين كل ورشتي نجارة، ورشة أخرى تنافسهما، فى صناعة منتوجات الأثات الذى يتم تسويقه وبيعه فى مدن مصر الأخرى، بل ويتم تصدير كثير من إنتاجه للخارج. وفى ألمانيا توجد مدينة، يتخصص أهلها فى صناعة ساعات الحائط الخشبية التقليدية (Cuckoo Clocks)، التى يطل من كوة صغيرة تعلو عقاربها، دمية عصفور صغير يغرد بصوصوة جميلة، كلما مر من الوقت ساعة أو نصفها.

[3] حتى عقد الستينات من القرن السابق، كان المجتمع الليبي متسم بخاصية تربية المواشي وزراعة القمح والشعير، وما أن تم إكتشاف البترول وإستخراجه من باطن الأرض، حتى تحول لمجتمع أحادي التخصص فى سلعة واحدة وهى البترول، الذى ليس لأفراده فضل فى إنتاجه أو خلقه فى المقام الأول.

[4] لعل البرازيل والأرجنتين، يعطيان صورة واضحة لأصطباغ مجتمعيهما بالإحتراف الرياضي لكثير من أفراده فى مجال لعب كرة القدم.

 


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home