Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri

Thursday, 4 May, 2006

كثير من العـار وقـليـل من الإعـتبار

فرج الفاخري

   سيجرى إخضاع الأحداث الثلاثة التالية لتقييمات وأحكام مدلولي العار والإعتبار :
  · إحتفال الأخوان المسلمين بإطلاق سجنائهم.
  · الإحتفاء بعضوة اللجان الثورية، وإبنة أحد جلادي الشعب الليبي آمال سليمان محمود (العبيدي).
  · إصطحاب الأطفال القصّر، ومن لم يبلغ منهم الحلم، فى مسيرات وإعتصامات المعارضة الليبية.

هناك كثير من المواقف المشينة التى يرتكبها الإنسان فى حياته، والتى تندرج فى تصنيفها ضمن الأعمال التى تجلب لصاحبها العار.
وهناك صنفان من البشر، أحدهما يتعلم من أخطائه، ويعتبر من دروسها، إضافة لإعتباره من كل ما يحدث للآخرين من حوله، فيتعلم ـ من ثمة ـ ألا يُكرر أخطاء البارحة فى صبيحة يوم الغد.
والصنف الثاني، تجده على النقيض من سلفه، فهو لا يتعظ أو يعتبر بتجاربه السابقة، أو بتجارب الآخرين، ولا يُحسن ـ فوق ذلك ـ قرآءة الأحداث والمواقف بألوانها المختلفة، فيجلب لنفسه العار فى كثير من الأحيان من خلال سلوكه المشين والمستهجن من قبل الآخرين، بدون أدنى إكتراث ـ منه ـ أو مبالاة بما يرتكب، ودون تدبر فى إخضاع الأمر المعنى لقليل من الإعتبار.

*   *   *

هذا المقال سيتناول الحديث عن معياري العار والإعتبار، اللذان تحدد مدلولاتهما وأحكام قياساتهما المعنوية كنه بعض تصرفات وسلوكيات البشر بصنفيهما المذكورين. وستكون الحالة الليبية ـ وعلى وجه الخصوص سلوكيات بعض أفراد المعارضة الليبية ـ هى عينة التطبيق العملي فى نصوص الحديث الذى يحتويه هذا المقال، وذلك من خلال الأحداث الثلاثة التالية، التى سيتم تقييمها والحكم عليها بمقاييس هذين المعيارين.

1. إحتفال الأخوان المسلمين بإطلاق سجنائهم الست والثمانون فى أمسية مشهودة، فى الوقت الذى ـ كانت ولا زالت ـ تمتلىء فيه سجون النظام بالآف السجناء من أفراد الشعب الليبي غير الأخوان.
2. الإحتفاء بعضوة اللجان الثورية، وإبنة أحد جلادين الشعب الليبي آمال سليمان محمود (العبيدي) فى تظاهرة ثقافية فى لندن بترتيب وحضور لفيف من رموز المعارضة الليبية المرموقة.
3. إصطحاب الأطفال القصر، ومن لم يبلغ منهم الحلم، فى مسيرات وإعتصامات المعارضة الليبية، مم يبعث على الأسف والألم للإساءة البالغة التى تلحق بهؤلاء الأطفال المغلوبين على أمرهم.

*   *   *

مدخـل ..
العار فى حد ذاته ـ كمثل أشياء كثيرة فى هذه الحياة ـ يتدرج فى حدته، وفى شدة تأثيره على مرتكبه وحامل وصمته، وذلك بحسب إختلاف الثقافة السائدة من مجتمع لآخر. وأيضاً بحسب نوع السلوك المرتكب.
فهناك مظاهر سلوكية معيبة يختلف تقييمها بين أفراد المجتمعات المختلفة، وذلك بحسب الثقافة السائدة فيها، بينما هناك مظاهر سلوكية أخرى يسود الإتفاق بين أفراد البشرية جمعاء حول إنكارها ورفضها وإستهجانها.

وفيم يلي سأطرح ـ من باب التوضيح ـ نماذج وأمثلة من واقع الحياة لصنفي هذه المظاهر التى تختلف شعوب مجتمعات العالم حول تقييم المعيار الذى يتم تصنيفها بها، وتحديد الطائلة التى يتم وضعها تحتها. ثم أنتقل بعد ذلك إلى الحديث عن التطبيق العملي للأحداث الثلاثة المختارة فى هذا الشأن، والتى سيتم إخضاعها لمعياري العار والإعتبار.
ولعله جدير بالإهتمام هنا، أن أنوه إلى أن الأمثلة التى سيأتى على ذكرها فيم سيلي، ليست هى صلب الموضوع أو محط التركيز فى هذه المقالة، ووجودها لا يعدو عن كونها وسيلة لتوضيح مقدار ومدى إختلاف الأحكام البشرية فى تصنيف مظاهر سلوك أفرادها فى المجتمعات ذات الثقافات المختلفة.
وستكون أولى هذه المظاهر المختلف حول إنطباق مدلول العار عليها فى ثقافات المجتمعات المختلفة هى سلوك الممارسة الجنسية.

أ. الممارسة الجنسية :
إن ممارسة المرأة ـ على سبيل المثال ـ للجنس قبل الزواج، وخارج إطار الحياة الزوجية يُعد من وجهة نظر أفراد المجتمعات الشرقية والمحافظة عار، يؤدى فى أغلب الأحيان إلى فقدانها لحياتها.
ومن ناحية أُخرى، لا يصنف ذات الأمر، أي ممارسة الجنس، كعارٍ فى ذات المجتمعات إذا أرتكبه الرجل !. أي أن الرجل فى تلك المجتمعات ـ المحافظة ـ يستطيع أن يمارس الجنس خارج نطاق الحياة الزوجية، برغم تحريم الأديان السماوية لإرتكاب فاحشة الزنا من قبل الرجل أو المرأة ـ على حد سواء ـ والتى سنت لها فى تعاليمها عقاباً يناله مرتكب هذه الفاحشة من ربه يوم الحساب، بل أن بعضها حدد عقاب دنيوي يصل إلى حد القتل من خلال الرجم (الدين الإسلامي).
والملاحظ فى هذا الأمر أن تأثير العادات والتقاليد الراسخة فى تلك المجتمعات له التأثير الأكبر فى الإنحياز إلى ممالاة الرجل فى أمرٍ حرمه الله عليه مثلما حرمه على المرأة، ولم يسمح به إلاّ من خلال رابطة الزواج المقدسة.
ومن جانب آخر، فإن ممارسة الجنس ـ سواء للرجل أو المرأة ـ فى مجتمعات أُخرى، كالمجتمعات الأوروبية، لا يمثل أهمية تُذكر، وذلك لكونه يدخل فى نطاق حرية الفرد الشخصية التى تقننها ثقافتهم السائدة.
بمعنى، نجد أن ممارسة المرأة للجنس فى أي مرحلة من عمرها، أو تعدد ممارستها الجنسية مع أكثر من شريك، لا يندرج ضمن الأعمال المشينة التى تجلب لها العار، ولا يلاق مثل هذا الأمر أي ذرة من الإستهجان أو المبالاة من قبل أفراد مجتمعاتها، وذلك بسبب إعتبار السلوك الجنسي ـ فى ثقافتهم ـ أحد الممارسات الخاصة بالحرية الشخصية.

*   *   *

ولا يعتبر إنتقاء موضوع ممارسة الجنس خارج نطاق تعاليم الدين أو التقاليد الإجتماعية المحافظة هو المثال الوحيد الذى يمكن إعتماده كمعيار يُحتكم إليه فى مسألة التدليل على صفة العار التى تلتصق وصمتها بمن يرتكب سلوك مشين ما، يخرج به عن جادة المبادىء الأخلاقية المتعارف عليها بين صنوف البشر فى العالم بأسره أو فى مجتمعات بشرية بعينها.
ولكن إختياره تم بناءاً على وضوحه التام فى التدليل على حدة المعنى المطلق لمدلول العار فى مجتمعات معينة، وإنعدام هذا المعنى فى مجتمعات أخرى تعيش تحت سقف ثقافة ذات قيم مختلفة.
بعبارة أُخرى، إن إنتقاء هذا المثال بالذات، قد جاء لكونه يمثل طرحاً بيناً على مدى إختلاف الثقافات الإنسانية فى تقييم تصرفات وسلوكيات الأجناس البشرية، ليس فى المسائل الهامشية فقط، بل فى مسائل حادة الأهمية بالدرجة التى تجعلها تنتمى لإحدى الغرائز الأساسية فى حياة الإنسان.
وهذا الإختلاف البين حول تقييم بعض مظاهر السلوك البشري فى الثقافات المختلفة لشعوب العالم المتفرقة، والذى يستقى روحه من نبع العقائد والتقاليد السائدة بنفس القدر الذى يستقيه من أجواء التغيرات ـ التاريخية ـ الإجتماعية فى حركة التطور والنشوء البشري.
هذا الإختلاف لا يقتصر على ظاهرة الجنس فحسب، بل يسرى على أمور كثيرة أخرى، كمقارعة الخمر، ولعب الميسر وغيره من السلوكيات الأخرى الدارجة تحت معيار الهوى النفسي.
ولكن إذا أبحرنا بعيداً عن هذه الظواهر السابقة وطرحنا عوضاً عنها مظاهر سلوكية قيمية أُخرى، فأن الأمر سيكون مختلفاً كلية فى نظر أفراد المجتمعات البشرية المتفرقة، حيث ستكون هذه المظاهر محل إجماع وإتفاق حولها وعليها من قبل كافة المجتمعات البشرية، بغض النظر ـ هنا ـ عن إختلاف ثقافاتها وعقائدها وتقاليدها، وذلك لأن هذه المظاهر المعنية لا تخضع ـ كسابقاتها المشار إليها أعلاه ـ لأهواء الثقافات البشرية المتنوعة والمختلفة فى هذا المضمار.
وإذا أمعنا النظر فى هذه المظاهر السلوكية التى تحويها لائحة مظاهر السلوك الإنساني، والتى تُعرف بإسم السلوك الأخلاقي، فإننا سنجدها تكاد أن تكون قاسماً مشتركاً فى الإتفاق حولها من قبل المجتمعات المتفرقة فى هذا العالم المترامى الأطراف. فهناك إجماع كلي فى كافة المجتمعات البشرية حول صفات ومدلولات كريهة وبغيضة يجلب إكتسائها على أصحابها عار تتراوح حدته بمقدار الموقف والحدث الذى تم ممارستها فيه.
ولعل بعض هذه المظاهر السلوكية أو الصفات الأخلاقية يتمثل فى الكذب، والنفاق، والسرقة، والنصب، والغش، والقتل العمد، والرشو والإرتشاء، والوشاية وغيرها العديد الآخر.
ولعل السبب فى الإتفاق البشري حول هذه الصفات الكريهة يكمن فى كونها خصال غير حميدة يعود ضررها على الآخرين من قبل مرتكبيها، وتخل بنظام الإلتزام الأخلاقي فى التعامل بين أفراد البشرية، الذى سنه ووضعه الإنسان من خلال تجاربه الحضارية المديدة التى تربو إلى ملايين السنين، ودعمته وعززت من مكانته الأديان والرسالات السماوية من خلال تعاليمها السمحة التى حثت على تجنب مظاهر السلوك الكريه والمنبوذ، والتشجيع على ممارسة العمل بالقيم الحميدة السامية كالصدق والأمانة وترسيخ مبادىء الحق وإرساء قواعد العدل .. إلخ.
وبكل الأسف، لا يعنى هذا الإتفاق البشري حول الخصال الكريهة الواجب تجنبها، أن هناك إلتزام بعدم ممارستها بين أفراد مجتمعاتها المختلفة بمدى إختلاف ثقافة كل منها على حدة، بل العكس من ذلك هو الصحيح، فهى شائعة بينهم بشكل مميت، وبمثل ذيوع ممارسة الجنس خارج نطاق الشرعية الزوجية.
وذلك بسبب الذرائع المختلفة التى يلجأ إليها كل أمرءٍ أو جماعة فى تبرير تصرفاتهم وسلوكياتهم المشينة، لأجل تحقيق المنافع الخاصة. حيث يتم ـ فى هذا الصدد ـ الإلتفاف حول المفاهيم التى تحدد معالم السلوك الكريه المعني، والقيام بتجريدها من محتواها لصالح الباطل الذى يعود بالنفع على الفرد أو الجماعة قيد النقاش.

*   *   *

ولتدليل على صحة ذلك سأسوق، فيم يلي، مثال ـ آخر ـ واقعي لإحدى هذه الصفات الكريهة المتفق بين أفراد المجتمعات المختلفة فى هذا العالم الشاسع على تجنبها، ورغم ذلك نجد ملايين البشر فى أنحاء العالم، وفى مجتمعاتها المختلفة يمارسونها، ثم يسوقون الذرائع المخجلة على صحتها.

ب. النـصب والغـش والخـداع :
لدي صديق عراقي فى بريطانيا، يمتهن الطب، حاز على كافة الشهادات العليا الممكن للمرء أن ينالها فى مجال تخصصه، والتى جعلت منه إخصائي بارع فى حقله، للدرجة التى تم بها إعتماده فى مركز مرموق يدر عليه مالاً جماً، وإحتراماً موقوراً.
وصديقي مهذب، وذو حياء يفضى به ـ فى بعض الأحيان ـ إلى خجل لا تضاهيه فيه أكثر الفتيات المراهقات خجلاً عندما تلتقى نظراتها بنظرات ابن الجيران النزقة.
وينم أدب صديقي وتهذيبه وتدينه وكياسته على تربية حميدة أنفقت أسرته الشيعية الغنية فيها جهداً يضفى عليها قدراً جسيماً من الزهو والفخر، تستحق معه التباهى ـ به ـ أمام مثيلاتها من عائلات بغداد، بل وكافة مناطق وأنحاء العراق المترامى الأطراف.
وصديقي متزوج من سيدة عراقية جميلة، من عائلة سنية، تحبه وتسهر على راحته، وتشبع نهم بطنه وشرهه بأصناف من الأكلات الشهية التى تتقن فن طبخها. وله منها بعض الأطفال الذين أنعم الله عليهم بهذين الأبوين اللذين يتفانيان فى تذليل سبل الراحة لهم، ويصقلان عودهم الغض بحب جارف وتنشأة حميدة.
إذن، صديقي غني، وذو أخلاق حميدة بينة، ومتعلم، ومثقف، ويتبوأ مركزاً مرموقاً يضعه فى مصاف أعلى درجات التميز الإجتماعي ـ الطبقي ـ فى بلاد الأنجليز، وهو سعيد فى حياته بحب زوجته وأبنائه له.
ومن هنا، ومن واقع سيرة حال هذا الصديق، يمكن القول أنه قد حقق ـ بدون أدنى ريب ـ ذلك الحلم الذى يطمح كل رجل فى هذه البسيطة الوصول إليه وتحقيقه.
وقد يظن القارىء بأن هذا الصديق ـ بحسب هذا الوصف المثالي لأخلاقه ونسقه فى الحياة ـ لن يُقدم فى يومٍ على إرتكاب خطأ أخلاقي يسقط به إلى غياهب مكاره العار ووصمته المشينة !.
وهذا ـ بكل أسف ـ ليس صحيح، فجميع الخصال والسمات والمزايا المادية التى إقتناها هذا الصديق لم تمنعه من الإنزلاق فى خطأ أخلاقي، غير سوي، كان السبب فى إثارة الجدل بيني وبينه، وأدى فى نهاية الأمر إلى حكمي عليه بأنه قد جلب لنفسه العار بسلوكه وتصرفه غير المحمود، الذى سأرويه للقرآء وأترك لهم الحكم عليه.
أشترى صديقي فى يوم جهازاً إلكترونياً من أحد المحلات التجارية، بالمدينة التى نقطنها فى بريطانيا، وأستخدم هذا الجهاز لفترة أسبوعين متتاليين، وكان معجباً به وبتقنياته المتطورة.
وكما يفعل ـ بعض ـ الأطفال فى سنين عمرهم المبكر، فقد عبث أطفال هذا الصديق بالجهاز المذكور، فأفسدوه.
وضع صديقي الجهاز ـ المعنى ـ فى صندوقه بعد أن قام بتنظيفه من ذرات الغبار العالقة به، وحمله إلى المتجر الذى أشتراه منه، وطلب من البائع أن يستبدله ـ له ـ بجهاز آخر، أو أن يرد له المبلغ الذى دفعه فيه، وأدعى أن المحل قد باعه جهازاً معطلاً !.
وأكد صديقي للبائع ـ ببراءة يحسده عليها أطفال العالم بأسره ـ أنه لم يستخدم الجهاز المشار إليه قط ! والمرة الوحيدة التى أراد فيها تشغيله كانت فى اليوم السابق، ليكتشف أنه لا يعمل ! وحصل صديقي على جهاز جديد آخر بغشه ونصبه وخداعه البائن.
وفى أول لقاء بيننا بعد هذا الحدث، روى لي هذا الصديق تفاصيله والفرحة تكاد تقفز من على محياه، معتبراً ما قام به نصراً وفوزاً جليلاً !.
وأندهش عندما وجدني أُقرعه على هذه الفعلة المفعمة بالغش والنصب والخداع، وأن تصرفه يعَدُ عار عليه وليس محل فخر وإعتزاز.
فرد صديقي فى سياق دفاعه عن تصرفه غير المحمود بالقول بأنهم فى العراق لديهم مثل شائع يبرر للمرء أن يتصرف بشتى الوسائل المتاحة لتحقيق منفعته الشخصية، ولو كان ذلك على حساب المبادىء الأخلاقية. والمثل الذى تذرع صديقي به فى عملية غشه ونصبه على أصحاب المحل التجاري هو: " مية قلبة، ولا غلبة " !.
بمعنى، أنه يحق للمرء أن ينقلب عن كلمته ومبادئه ووعوده التى قطعها، ويغير موقفه إزاء مختلف الأمور من أجل تحقيق المنفعة الذاتية، ويوضح المثل المنوه عنه بأن العدد ـ المجازي ـ فى إنقلاب المرء عن إلتزامه بمواقفه مع الآخرين قد يصل إلى مئة مرة، من أجل أن يتفادى أو يمنع الطرف الآخر أن يغلبه ـ ولو ـ لمرة واحدة.
انقطعت أواصر الصداقة بيني وبين هذا الصديق بعد إقدامه على فعل آخر غير أخلاقي مماثل لسابقه فأوجب ذلك إنتهاء هذه الصداقة، وقد حكمت على فعله الأول ـ والثاني الذى لا مجال هنا لذكره حتى لا أُطيل على القارىء ـ بأن ما فعله يُعَدُ عار عليه، بينما يرآه هو طبقاً لثقافة المثل المذكور (مية قلبة، ولا غلبة) نوع من المهارة والفطنة.

*   *   *

هناك قصص كثيرة أُخرى من واقع الحياة يمكن روايتها فى هذا الصدد، تدور حول سلوكيات البشر التى تجلب العار لأصحابها فى شتى المجتمعات دون تفريق، رغم تبريرات أصحابها المخجلة إلى حد مميت، والتى لا يعيروا معها أهمية تُذكر لسلوكهم المنحرف، الذى يخرجهم عن نسق الإجماع الإنساني حول قواعد الأخلاق الحميدة، المنظمة للمعاملات البشرية فى عالم يسعى لتحقيق السمو الحضاري الذى يليق بمكانة العقل الإنساني.
إذن، وكما رأينا فيم سلف، أنه هناك أفعال ـ كالجنس والميسر والقمار وغيرها ـ لا تعدو ممارستها فى بعض المجتمعات عن كونها سلوكيات شخصية، لا ترق لمستوى تصنيفها كأخطاء، بينما نفس الأفعال من منظور بعض المجتمعات الآخرى ذات الثقافة الدينية المحافظة يتم تصنيفها كعارٍ لا لبس فيه، بالإضافة إلى كونها سلوك محرم دينياً.
ومن ناحية أُخرى، فقد رأينا ـ أيضاً ـ فيم سلف، بإنه ليس هناك إلتزام من قبل الأفراد بتجنب إرتكاب مظاهر السلوك المنبوذ، وإتباع قواعد السلوك القويم المتفق حوله فى كافة المجتمعات الإنسانية بمختلف ثقافتها ومعتقداتها، ولعل فى قصة الطبيب العراقي وتذرعه بثقافة المية قلبة ولا غلبة خير دليل على ذلك.

*   *   *

وقد حان الوقت بعد هذا التقديم الضروري للحديث عن لب موضوع هذا المقال وأساسه، وهو الأحداث الثلاثة التى أشرت لها فى البداية، والتى سأقوم بإخضاعها لمعياري العار والإعتبار كما سبق وأن نوهت.
وأرجو من القرآء عدم الإعتداد بتصنيفي لسلوكيات أصحاب هذه الأحداث والمشاركين فيها، والذى حددت ـ منذ البداية ـ معايير تصنيفها فى أمرين لا ثالث لهما، وهما: العار والإعتبار.
ومن هنا، فإنه يجب على القرآء ـ عوضاً عن إعتماد تصنيفاتي الخاصة ـ أن يقوموا بالحكم عليها بأنفسهم، أي أن يخضعوا سلوكيات أصحاب هذه الأحداث ـ كل على حدة ـ للمعايير الأخلاقية السائدة لديهم، ومن ثمة يقومون بتحديد نوع التصنيف الذى يرونه مناسباً فى حق أصحاب تلك الأحداث والمشاركين فى فاعلياتها.
بمعنى آخر، القيام بتحديد الطائلة التى يمكن أن يتم وضع صاحب السلوك تحتها ! هل يتم وضعه تحت طائلة العار ! أم تحت طائلة سوء التقدير للأمور الذى يمكن تأويله إلى عدم الإعتبار ! أو أن يرآه البعض مجرد سلوك طبيعي لا يمت لأي من التصنيفين السابقين بصلة.
فعلى القرآء ـ إذن ـ الموازنة بين التصنيفين المذكورين فى إطار الفعل المرصود، وإخضاعه لمقاييس ثقافتنا بشطريها الإجتماعي والديني.

*   *   *

1. حـفلة الأخـوان ..
لقد فرحت كثيراً بإطلاق بعض سجناء الرأي فى الثاني من شهر مارس المنصرم، والذين لم يتجاوز عددهم عن مئة وخمس وثلاثون شخص.
فرحت لنيلهم حريتهم التى صادرها منهم نظام الحكم الفاسد فى ليبيا، بعد أن سرق من أعمارهم وإنسانيتهم سنوات طويلة، قضوها ظلماً فى غياهب أقبية سجونه الكريهة.
فرحت لمن أُفرج عنه من أشخاص سجنوا ظلماً وبهتاناً، فلم يرتكبوا هؤلاء الأبرياء جرماً يستحقون عليه السجن، فجريمتهم التى عاقبهم عليها هذا النظام المستبد لم تعدو عن إنتقادهم لسياساته الرعناء.
لكني فى نفس الوقت حزنت كثيراً على أقرآنهم الذين لم يشملهم هذا الإفراج، وتمنيت فى لحظتها أن يكون الإفراج شامل لكافة السجناء الذين يعدون بالآلآف، والذين يوجد بينهم من مر على سجنه عقود كاملة عانى ـ ولايزال يعانى ـ فيها من ويلات الظلم والقهر المقيت.
ولكم أُقدر ـ فى هذا الصدد ـ سعادة أهالى وأسر المفرج عنهم وفرحتهم العارمة بإطلاق سراح بنيهم الذين حرموا منهم سنوات طويلة بدون ذنب أو جريمة.
فقد كان لابد لهم من أن يحتفلوا بخروجهم من السجن الكريه، ومن الطبيعي ـ أيضاً ـ أن تعبر نساؤهم عن فرحتهن بإطلاق الزغاريد، وتوزيع الحلوى والمشروبات، فالفرحة كبيرة، والسعادة غامرة لا تسعها القلوب.
وإلى هذا الحد فأن الأمور تجرى فى أعنتها الطبيعية، ولا يوجد فى الأمر خروج عن المألوف، فهناك سجناء أبرياء أُفرج عنهم بعد طول وقت، حُرم فيه ذويهم منهم، وحرموا هم من ذويهم ومن متاع الحياة.
لكن جماعة الأخوان المسلمين الليبية أبت أن تقتصر الأمر وتبقيه فى إطاره الطبيعي. حيث أقامت لمناسبة الإفراج عن سجنائها فى مدينة مانشستر حفلة دعت لها لفيف من أقطاب المعارضة وبعض من أفراد الجالية الليبية المقيمة فى بريطانيا !.
ولبى الكثير من أعضاء المعارضة الليبية الدعوة إلى ذلك الإحتفال، وشاركوا أعضاء الأخوان فرحتهم بالإفراج عن سجنائهم. وقد أحزنني الأمر عندما سمعت عن هذا الحفل وتفاصيله. حزنت، ولم أستطع أن أكبح عنان نفسي عن الغضب لمثل هذه الحدث الذى أظنه ضرباً من العار على الذين فكروا فى إقامته، وعدم إعتبار من قبل الذين شاركوا فيه ولبوا دعوته.
والأسباب تكمن فى أن كيان جماعة الأخوان المسلمين، التى تُعد واحدة من أقدم الكيانات الحزبية السياسية المنظمة ـ والنشطة ـ فى تاريخ المنطقة العربية المعاصر، والتى لها إعتبارها وفكرها المتميز، ولها تاريخها العتيد فى مسرح العراك السياسي العربي، مم يفرض عليها ـ تباعاً ـ مسئولية جسيمة إزاء مظاهر سلوكها العلني.
بمعنى، أن سلوكها وتصرفاتها العلنية، التى تأخذ لها مكاناً فى ساحة الأحداث العامة، لابد لها من أن تكون محسوبة بدقة وبقياس محكوم، وذلك حتى لا تسيء لنفسها ولأعضائها، وتعرض ـ من ثمة ـ نفسها للمحاسبة من قبل الآخرين، وتمنح الأطراف الآخرى حق لومها عندما تخرج عن القواعد المألوفة، أو تتسبب فى الإساءة إلى جموع الليبيين وأصحاب المبادىء الراسخة فى إطار النضال الوطني.
وبعبارة أُخرى، إن الحفلة المنوه عنها قد أحدثت جرحاً فى نفوس ألآف السجناء الذين لا يزالوا يقبعون فى زنزانات سجون القذافى، وأحدثت جرحاً آخراً غائراً، وألماً مبرحاً فى نفوس أسرهم الذين لم ينالهم الحظ الذى أصاب عائلات المفرج عنهم.
فهذه الحفلة كانت سلوكاً معيباً بالنسبة لضحايا آخرين للنظام الفاسد، والذين قام أعضاء الأخوان بإختزال ألآمهم ومعاناتهم فى إقتصار النصر المحقق على إخراج سجنائهم، ومن بعد ذلك الطوفان، فسارعوا بالإحتفال المذكور، وكأن سجون القذافى قد خلت من سجناء الرأي الآخرين، أو أنه لم يكن فيها سجناء سوى أعضاء الأخوان المفرج عنهم.
وأنا ـ هنا ـ لا أنكر حق أسر وأهالى السجناء فى الإحتفال بالإفراج عن بنيهم، بكل الصور التى تُعبر بها سعادتهم عن مثل هذا الحدث المفرح بالنسبة لهم، لكني ـ فى نفس الوقت ـ أستهجن بشدة أن يفعل ذلك فصيل أو كيان بوزن جماعة الأخوان المسلمين.
والسبب وراء ذلك، يكمن فى أن جماعة الأخوان ـ فرع ليبيا ـ كتنظيم عتيد له وزنه الإجتماعي والسياسي، يفرض عليه مسئوليات جسام تجاه أبناء وطنه، ومن ثمة لابد له والحال كذلك أن يراعى مشاعر سجناء الرأي الآخرين الذين لم ينلوا حريتهم، ويراعون ـ فى نفس الوقت ـ مشاعر أسرهم وذويهم، ثم بعد ذلك يراعون مشاعر أفراد الشعب الليبي الذين ـ أكاد أُجزم بأنهم ـ لم يستحسنوا مثل هذا الأمر.
وجدير بالذكر هنا، إن تعبير أعضاء الجماعة عن مشاعرهم المؤازرة للسجناء الذين لم يُفرج عنهم، فى أثناء الحفلة المعنية، لا يعفيهم من اللوم.
بمعنى، إن إستعمال إسكتش تمثيلي، أو كلمات ودودة للإشارة إلى المؤازرة الوجدانية تجاه بقية سجناء الرأي فى ليبيا، أو الإبتهال بأمنيات خطابية ـ فى ذلك الحفل ـ للإفراج عن بقية السجناء المذكورين؛ هو ضرب من أصناف السذاجة، لأن التفكير فى إقامة الحفل العلني فى هذا الشأن قد أوقع السلوك الخاطىء الذى لن تداريه تلك الديباجات المنمقة.
وقد ذكرني موقف جماعة الأخوان فى تلك الحفلة وما جرى فيها من محاولة التعبير عن الحزن وممارسة الفرح فى نفس الوقت، بموقف مخرج فيلم تايتنك (السفينة التى غرقت فى بداية القرن الماضي)، حيث قال هذا المخرج ويدعى جميس كامرون فى كلمته التى أعقبت تسلمه جائزة الأوسكار للإخراج عن الفيلم المذكور، والتى وجهها لجمهور الحاضرين لذلك الإحتفال المهيب:
ـ " دعونا نقف دقيقة حداد على ضحايا تايتنك ".
وكان الموقف مؤثر لجميع الحاضرين للحفل ولأولئك الذين شاهدوه عبر شاشات التليفزيون فى شتى أنحاء العالم، فقد إستطاع كامرون أن يستدر عاطفتهم جميعاً بحديثه حول ضحايا تلك الكارثة والذى توجه بطلبه منهم الوقوف والصمت حداداً لمدة دقيقة على ضحايا تلك الكارثة الرهيبة.
ولكن المشهد إنقلب إلى سخرية الجميع ـ بعد ذلك ـ من هذا المخرج الشهير، لأنه ما كادت دقيقة الحداد تنتهى حتى صرخ فى جمهور الحاضرين، وعلى محياه إبتسامة تكاد تتحول إلى ضحكة مجلجلة، وهلل ملوحاً بكلتا يديه إلى أعلى فى تعبير عن الفرح والسرور:
ـ " دعونا نحتفل حتى تشرق الشمس ".

ياليت جماعة الأخوان قد نحوا إلى التدبر بقليل من الإعتبار فى هذا الشأن، لكانوا قد عفوا أنفسهم من طِّائلةُ اللوم.

*   *   *

2. الإحـتفاء بعـضوة اللجان الثورية ..
هناك مغالطة فادحة يقع فى مغبتها بعض أعضاء المعارضة من الذين يتعاملون بطريق أو بآخر مع بعض الرموز الموالية لنظام الحكم، أي أعضاء لجانه الثورية وبعض عناصر تكنوقراطه، وبعض من ثلل المثقفين وأساتذة التعليم الجامعي الذين أختاروا طريق ممالاة النظام والولاء له، والعمل على ترسيخه.
والمعنيون هنا ـ ربما ـ لم يستوعبوا بعد أن قضيتنا لا تقف عند حد محاسبة القذافى وحده عن مسئولية ما آل إليه حال البلاد من خراب وفساد، ومن إهدار لثرواتها، وتعميق التخلف المخيف فيها، وإشاعة الرعب بين مواطنيها بقمع شرس طاحن، وتعطيل قدرات الإبداع والعمل لدى القادرين من أبنائها، وجرها إلى آخر مصاف الدول المتخلفة فى عالم يتطور بسرعة مذهلة، بينما تفقد فيه بلادنا كل يوم ـ بفعل نظامها الفاسد ـ معظم إمكانياتها وفرصها الذهبية لمواكبته.
والمعنى هنا، إن القذافى لم يكن له أن يحكم ـ ولو ـ ليوم واحد لولا وجود الجوقة الفاسدة التى تساعده وتؤازره على الإستمرار، بعد أن إثرت تحقيق مصالحها الذاتية فى نهب ثروة البلاد.
هذه الجوقة الفاسدة هى التى دعمت القذافى، وسهلت عليه الإستمرار فى حكم البلاد لست وثلاثون سنة وينيف، فهى أداته التى يعتمد عليها فى السيطرة على الحكم وفى تجميع مقاليده بين يديه، ولولا وجودها لما كان للقذافى ونظامه وجوداً.
وهذه الجوقة هى الأداة التى يعتمد عليها ـ القذافى ـ فى يومياته لتسيير نظامه المستبد، على كافة الأوجه والمناحى فى إطار الدولة الداخلي وعلى مستوى تعاملاتها الخارجية.
ومن هنا، لا يمكن أن يُعقل التعامل مع هؤلاء المأجورين، الذين يساندون النظام وينفذون خططه وسياساته الرعناء، تحت ذريعة تبادل الآراء حول الشئون الفكرية والثقافية، فى محاولة غير شريفة لتصويرهم وكأنهم لا شأن لهم بالنظام وأفعاله.
بمعنى، إن هؤلاء الطفيليين ـ هم ـ جزء من تركيبة النظام التى لا يمكن فصلهم عنها، ومن ثمة فأن التعامل معهم تحت قواعد ذرائعية شاذة، تحاول أن تجيز وتبيح هذا التعامل لكونه أمراً ثقافياً لا يمت للسياسة بصلة، أو بحجة التعرف على وجهات نظرهم، هو قمة الهراء، بل يتعداه إلى كونه محاولة ماكرة للضحك على العقول، وتمرير وضع غير سوى.
وهذا الأمر ـ فى مطلقه ـ يُعد تزييف وتلاعب بالمدلولات والحقائق، لأنه ببساطة ليس لهؤلاء الأمعات وجهات نظر مستقلة عن إستراتيجية النظام التى يعملون لأجل تنفيذها ونفاذها، كما أنه ليس هناك فصل بين عقول هؤلاء وفكر صاحب النظام، فهم ـ برواية أُخرى ـ أداته العاملة على تثبيت حكمه الفاسد.
ولابد لنا ـ والحال كذلك ـ من نلفظ ونرفض إعطاء منصة بيننا لأي فرد منهم يعمل ـ فى هذا الخصوص ـ على تثبيت النظام وإستمراريته فى الحكم، من خلال مواقعهم المختلفة، التى تتراوح ما بين المناحى الثقافية والعلمية إلى قمم أجهزة المخابرات وأقطاب اللجان الثورية.
فلا يمكن لنا أن نكون بمثل هذه السذاجة التى نرى بها الكاتب والأديب والمحاضر والطبيب وغيرهم ممن يعملون بإخلاص المرتزق لمال سيده فى مساندته ومساعدته على تثبيت حكم نظامه الفاسد وإستمراريته، على أنه كيان منفصل عنه.
ولا يمكن لنا ـ بكل المعايير ـ أن نخطىء فى رؤية هؤلاء المأجورين كتروس فى ماكنة النظام التى لا تتحرك أو تدور آلاتها إلاّ بوجودهم.
فهذه النماذج السيئة هى أداة النظام الضاربة على كافة المستويات، فمنهم ـ على سبيل المثال ـ أجنحة مختصة بإستخدام القمع والتصفيات الجسدية، ومنهم أجنحة مهمتها قاصرة على الكتابة والخطابة للترويج لتراهات صاحب النظام، وهكذا.
فهم ـ إذن ـ كما سلف القول، مسئولين عن ما حل بليبيا خلال الست وثلاثون السنة الماضية بنفس قدر مسئولية رأس النظام الذى خطط وألقى الأوامر.
ومن هنا، ليس هناك مبرراً واحداً يمكن لأعضاء المعارضة الليبية فى الخارج التذرع به لشبك أيديهم فى أيدى هؤلاء المأجورين، الذين يعملون على تثبيت حكم الطاغية وتنفيذ سياساته الرعناء.

*   *   *

وفى هذا السياق أتت إبنة أحد جلادي الشعب الليبي لإلقاء محاضرة حول المرأة فى لندن، وكان جمهورها إلى جانب بعض أعضاء مكتب علاقات النظام فى بريطانيا، لفيف مميز من المعارضين الليبيين الآشاوس.
وقيل أن إبنة الجلاد عضوة فى اللجان الثورية، وقيل أيضاً أنها عضوة فاعلة ومخلصة لنظام الحكم، وكيف لا يكن ذلك، وقد رأينا أبناء جوقة النظام بما فيهم أبناء صاحب النظام ذاته وقد ورثوا مواقع الطليعة فى تركيبة النظام الفاسد فى ليبيا.
يقول الله ـ تعالى ـ لنا: " ولا تزر وازرة وزر أخرى "، والمعنى فى هذه الآية الكريمة أن لا نحاسب شخص برىء على تبعات أفعال رديئة إرتكبها شخص آخر، لمجرد وجود صلة بينهما. فكل شخص فى هذا الصدد مسئول عن أفعاله التى أقترفتها يداه، وهذا كلام حق صادر من منبع الحق ـ ذاته ـ سبحانه وتعالى.
ولا يجب علينا ـ إذن ـ أن نحاسب إبنة الجلاد على أفعال أبيها، إذا ثبتت براءتها من إنتمائها إلى اللجان الثورية، ومن ممارسة القمع والتحريض، أو العمل على خدمة النظام.
ولكن بحسب روايات البعض المؤكدة، فإن إبنة سليمان محمود ـ التى ألقت المحاضرة المنوه عنها ـ هى عضوة فاعلة فى اللجان الثورية، مقتفية بذلك أثر وخطى أبيها، بالدرجة التى إستدعتها فى يومٍ للتحريض على شنق الأبرياء من أبناء الشعب الليبي المعارضين للنظام فى الميادين العامة، والرواية على عهدة الراوي.
وكان أحرى بأؤلئك المعارضين تجنب الخوض معها فى أي شأن حتى يثبت العكس، فإذا ثبت إنها قادمة من تلقاء نفسها لتنوير العقول الليبية المهاجرة والمعارضة لنظام الحكم من على الأرض البريطانية فى شئون المرأة أو غيره ! وهذا مبعث شك كبير ! فهنا يترك الأمر برمته لكل أمرءٍ على حدة لإتخاذ قراره بالحضور لتلك المحاضرة من عدمه.
وإذا كانت الحقيقة تفصح ـ كما رآها الكثير ـ بأن هذه المخلوقة منتمية لحزب اللجان الثورية الدموي، الذى سام أفراد الشعب الليبي ويلات القهر والظلم المبين، فيصبح ـ هنا ـ عاراً كبيراً على كل من حضر تلك الندوة.
ولا يبرىء من ذلك أو يستثنى سوى أؤلئك الذين لم يكن لديهم علماً ومعرفة بشخصية إبنة سليمان محمود الحقيقية، وبالغرض الذى أتت من أجله. ويلام حينئذ ذلك الذى جلبها لقاعة الكوفة، ومهد للندوة وسوقها إلى معشر المعارضين الذين لبوا نداء الحضور.

*   *   *

والخطأ الفادح فى هذا الشأن، لا يقتصر ـ فقط ـ على حضور لفيف من أعضاء المعارضة الليبية لمحاضرة إبنة سليمان محمود التى ألقتها بقاعة الكوفة بلندن، بل فى التبريرات التى صدرت عن البعض من خلال وصفهم لهذا الحدث بأنه لا يعدو كونه حواراً ثقافياً بين العقول، بعيد عن السياسة وعن معارضة النظام !.
وهنا تكمن المغالطة الكبرى التى يعجب صاحب العقل والمنطق على إنبعاثها من تفكير أؤلئك المعارضين الذين يتذرعون ويروجون لها من خلال هذه التفسيرات البيزنطية.
بمعنى، إن أعضاء جوقة النظام ـ وكما أشرت فى بداية حديثي عن هذا الموضوع ـ مهما أختلفت مواقعهم فى إدارة دفة الحكم فى ليبيا، فهم مسئولون مسئولية مباشرة على مساعدتهم الدوؤبة فى دعم هذا النظام للإستمرار فى حكم ليبيا، فهؤلاء المرتزقة ـ من خلال مواقعهم المختلفة ـ يعملون بسعى حثيث على تمكين هذا النظام الفاسد من تشديد قبضته الحديدية على البلاد، وعلى وإطالة أمد حكمه عليها.
وقضيتنا هنا ليست مجزئة أو محدودة فى الرؤوس الكبرى التى ترسم السياسات وتصدر الأوامر، بل تمتد ـ وبشدة ـ إلى أؤلئك الذين ينفذونها ويحمون النظام بالترويج لخطابه الظالم.
فلم يكن للقذافى ودائرته المقربة المحدودة فى أعلى سلم السلطة أن تستمر بدون فيالق الإنتهازيين والمنافقين من جموع المأجورين من أعضاء اللجان الثورية التى تتولى قمع أفراد الشعب الليبي، وتروج لخطاب النظام الفاسد.
وعلى سبيل المثال، حينما يتسلل شخصُ ـ محسوب على المعارضة ـ خلسة لمقابلة رجب بودبوس، عند قدومه لإلقاء محاضرة بمدينة مانشستر، ويقضى معه وقتاً طيباً يتجاذبان فيه أطراف الحديث. فأن السؤال الحائر، والباحث عن جواب شافى، سيطرح نفسه بصورة قاتلة:
ما هى الفائدة التى ستعود على القضية الليبية من وراء محاورة مرتزق أفنى معظم سنوات عمره فى خدمة النظام بأعنف الوسائل القهرية والأساليب التحريضية ؟.
فهل نتوقع ـ فى هذا الصدد ـ من هذا الشخص (المعارض ؟!) أن يقنع دبوس، فى ذلك اللقاء المخجل، بالإنضمام إلى صفوف المعارضة ! أو أن يقنعه بشجب سياسات سيده القذافى ونظامه الفاسد ؟.
فكيف برب العباد ـ يتم ـ إقناع اللص بحماية البيت الذى سرقه ؟ فدبوس هو أحد أدوات النظام، وأحد عناصره التى كانت سبب فى مأسآة الشعب الليبي، وفى العمل على إستمرارها، فهو جزء من النظام، وكذلك معظم الأسماء البارزة فى حزب اللجان الثورية، والتى تنتمى إليها إبنة سليمان محمود، التى صفق لها ثلة من المعارضين الليبيين فى لندن.
إن قضيتنا، أو مأسآتنا التى نعانيها كشعب ليبي، تكمن فى وجود نماذج من أمثلة دبوس وإبنة سليمان محمود، الذين يلبسون قناع الثقافة والعلم، ليذبحوا على قربانه أبناء ليبيا الأحرار.
ومأسآتنا الأكبر تكمن فى وجود نماذج لا تمانع أن تماليهم وتداهنهم وتتودد إليهم، وكأنه تكريمُُ لهم على تفانيهم فى قتلنا وقهرنا ونهب ثروتنا.

*   *   *

والخلاصة هنا، أن الإلتفاف حول هذه العناصر الفاسدة، والتى تجشم الشعب الليبي ويلات الظلم الذى أحاقوه به، يُعد فى حد ذاته عار على كل من يركب موجته تحت ذرائع مخجلة بصورة مميتة.
وأنا هنا، لا أوجه ـ بالطبع ـ أصابع الإتهام بالخيانة لبعض الأشخاص الذين حضروا الأمسية المعنية، فهم ليسوا موضوع نزاع حول وطنيتهم المشهودة، ولا أتخذ من مثل هذا الموقف، كما فعل الآخرون، فرصة لمهاجمتهم، ولكني ـ هنا ـ أنبه فقط إلى الوباء الذى بدأ يستشرى وينخر فى كتلة المعارضة الليبية فى الخارج من خلال مخطط سوقه النظام لهم، ونجح فى قطع شوط طويل فيه.
ومن ناحية أُخرى، فإن تخوين البعض من أعضاء المعارضة الليبية الذين حضروا الندوة المعنية، تحت طائلة الذرائع المختلفة التى تستروا بها، أمراً يخرج بالمرء عن حدود الموضوعية والتفكير السوى، لكننى ـ فى نفس الوقت ـ لا أستطع أن أمنع نفسي من توجيه اللوم لهم على الإنزلاق لمثل هذا الأمر المهين.
ومن جانب آخر، أعذر كل من حضر تلك الأمسية، وهو لا يعلم كنه المحاضرِة، وإنتمائها لحزب اللجان الثورية الدموي، أو بتاريخ أبيها غير المشرف فى حق الشعب الليبي.
كما تجدر الإشارة هنا، إلى الإعتقاد بأن الكثير ممن حضروا أمسية ذلك اليوم، أنما فعلوا ذلك من واقع جاذبية موضوع الندوة، وكثيرون منهم لم يكن يعرفون شيئاً عن إبنة سليمان محمود.
وإذا كان هناك من بين الحاضرين من يعرف شخصيتها الحقيقية، وأصر على الحضور دون تحويل تلك الندوة لإدانة لها وللنظام الذى تعمل على الترويج له، فهم ـ إذن ـ أحد ثلاثة: متواطئون، أو منافقون، أو خانهم عقلهم فى إسداء النصيحة السديدة لهم بتدبير قليل من الإعتبار.

*   *   *

3. إصطحاب الأطفال إلى مسيرات وإعـتصامات المعـارضة ..
ترددت كثيراً فى التطرق لمثل هذا الموضوع البالغ الحساسية، حتى لا يغضب مني البعض من الذين يمارسونه.
والدافع من وراء توجيه نظر الجميع إلى إجتناب ممارسة مثل هذا السلوك غير الحميد، هو الحرص على صورتنا الحضارية أمام الغير، خاصة أننا نناضل من أجل قضية وطنية عادلة.
لأنه ـ وحسب علمي المحدود ـ ليس هناك أية جماعة أو جماعات متحضرة، تتبنى الأساليب المتمدينة فى التعبير عن قضيتها تستخدم الأطفال القصر ومن لم يبلغ منهم الحلم فى أعتصاماتها أو مسيراتها، عدا قلة من المنتمين إلى مناطق العالم النامي.
ويُعد إستخدام هؤلاء الأطفال كإحدى أدوات التعبير السياسي عن مبادىء قضية معينة كالقضية الليبية نوع من عدم الإعتبار لإحتياجات الطفل والعناية به، والتى قطعاً ليس من بينها تذنيبه أمام مبانى مكاتب علاقات النظام لساعات فى صخب الهتافات وتقلبات الجو المجنون.
لأن متطلبات الأطفال ـ ببساطة ـ فى هذه المرحلة البريئة من عمرهم لا تدخل فى إطار إهتماماتها سوى أربعة أشياء أساسية، وهى الطعام والحنان واللعب والنوم، ولوكان للطفل رأياً فيم يرغب ويريد لرفض ـ قطعاً ـ إرغامه على المشاركة فى تلك المسيرات والإعتصامات الوطنية التى يشغف أباؤهم بها فى تعبير عن حبهم للوطن.
ومن ناحية أخرى، إذا تغاضينا عن راحة الطفل ورغباته، وأرغمناه ـ كما نحن فاعلون ـ على إصطحابه لتلك المظاهرات، فأننا لا نستطع ـ حتى لو رغبنا ـ أن نتجاهل أو نغفل عن الحقيقة الدامغة بأن هناك خطورة بالغة على حياتهم من تلك الإعتصامات والمظاهرات فى ساحات العراك السياسي.
بمعنى، إن بعض الإعتصامات والمسيرات السابقة للمعارضة الليبية أمام أبنية مكاتب علاقات النظام بالبلاد الآخرى، قد إنحرفت عن مسارها المرسوم لها، بسبب إستخدام عناصر النظام ـ المفاجىء ـ للعنف كوسيلة لتفريق المعتصمين.
وعلى سبيل المثال، لقد أطلق عناصر اللجان الثورية الرصاص من داخل مكتب علاقات النظام فى لندن سنة 1984م على أفراد المعارضة الليبية الذين كانوا يتظاهرون سلمياً أمام المبنى المذكور، لينتهى الأمر بإصابة عدد من المعارضين ومقتل الشرطية البريطانية إيفون فلتشر.
وشبيه بذلك، ماحدث فى القاهرة سنة 1976م عندما تعرض أفراد المعارضة الليبية أثناء إعتصامهم فى مكتب علاقات النظام الفاسد فى مصر فى سنة 1976م لوابل من الرصاص أطلقه عليهم سفير النظام، بعد فشل عناصر مخابرات النظام واللجان الثورية من فض إعتصام المعارضين وتفريقهم عن طريق رشقهم بالحجارة.
وأيضاً، لا ننسى ما حدث السنة الماضية لمظاهرة المعارضة الليبية التى أخذت لها مكاناً أمام مبنى علاقات النظام ببريطانيا، والتى قام فيها أعضاء اللجان الثورية ـ المتواجدين فى بريطانيا تحت غطاء الدراسة ـ برشق المتظاهرين بالحجارة.
ومن هنا، علينا أن نتخيل الموقف عندما تنطلق رصاصات عناصر النظام الفاسد، أو حجارتهم وتصيب طفلاً رضيعاً فترديه قتيلاً أو تصيبه بعاهة أو ضرر. ما هى الصورة التى ستنقلها وسائل الإعلام فى بلاد ترى مصاحبة الأطفال فى مثل هذه الشئون إنحراف سلوكي مشين ويقع تحت طائلة Child Abuse.
لذلك أتوجه بالرجاء لكل الأخوة أن يجنحوا إلى قليلٍ من الإعتبار، ويتوقفون عن إصطحاب الأطفال معهم فى مظاهراتهم، ويتركوهم فى دفء أحضان أمهاتهم، وبين ألعابهم ولعبهم، فذلك هو ما يحبه الأطفال ويؤثرونه، وليتذكر كل منا هذا التساؤل: ألم نكن فى يومٍ أطفال نكره زج الكبار لنا فى شئونهم ؟!.

فرج الفاخري
faraj25@hotmail.co.uk


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home