Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Faraj el-Fakhri
الكاتب الليبي فرج الفاخري

الاربعاء 4 مايو 2011

الحلقة الأولى الحلقة الثانية

لا يجب أن ننسى فضلهم على ليبيا (2)

فرج الفاخري

(2) عبد المنصف البوري

عندما هممت بالكتابة عن عبد المنصف البوري، تضرعت إلى الله أن يلهم قلمي، طلاقة الكتابة ـ القادرة ـ على وصف هذه الشخصية الوطنية الأصيلة، التى تُعد (فى نظري) من أنبل الشخصيات الإنسانية، لحظوتها بمكارم الصفات القويمة، التى حدد الله سماتها للنفس البشرية، فى شكلها النموذجي، عند خلقه للإنسان. 

ومرمى المعنى ـ فى هذا النطاق ـ أن الله قد حدد مقومات الصفات السلوكية المستقيمة التى يجب أن يتحلى بها الإنسان، فى صورته المثالية، بالصدق والنزاهة، والطيبة ونصاعة الضمير، والنبل والكرم، والمروءة والشهامة، والشجاعة والصبر، والحلم والتسامح، والإلتزام بهدى صراط الخير ومكافحة شتى أوجه الشر؛ وهذه كلها نجدها واضحة البيان فى شخصية عبد المنصف البوري

التحق عبد المنصف ـ أو منصف كما يطلق عليه أصحابه وأصدقائه المقربين وأفراد أسرته ـ بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، فى أواخر عقد الستينات من القرن الماضي، ليحصل على درجة البكالوريوس فى المجال السياسي، ثم الماجستير بمرتبة الإمتياز فى حقل العلاقات الدولية. 

عاد منصف من القاهرة ـ فى منتصف سبعينات القرن المنصرم ـ بتوق شديد، وهمة عالية لخدمة وطنه عبر الالتحاق بسلك التدريس الجامعي. كمحاضر بقسم العلوم السياسية بجامعة بنغازي.[1] وبطبيعة مبادئ الأخلاق الحميدة التى جُبِلت عليها نفسه السوية، أخلص ـ منصف ـ فى عمله، وتفانى فى تلقين طلابه العلم المفيد فى مجال تخصصه الذى برع فى مجاله وأتقنه. 

سافر منصف بعد بضعة سنوات إلى الولايات المتحدة الأميريكية لإكمال دراسته العليا فى مجال تخصصه، لكنه لم يطل به المقام على أرضها كثيراً، حتى وجد نفسه تنازعه بين إختيارين لا ثالث لهما؛ أولهما التضامن مع أفراد الجماعات الليبية الساعية لتأسيس تنظيمات معارضة تتبنى برامج نضالية تهدف لإسقاط النظام المستبد، المسيطر على مقاليد الأمور فى ليبيا. وثانيهما الإستمرار فى دراسته لنيل شهادة الدكتوراة، والرجوع إلى ليبيا لإداء واجبات المهمة النبيلة التى كرس نفسه لها، من خلال تدريس طلاب العلم ـ من أبناء وطنه ـ وتوعية عقولهم بالمعرفة المفيدة فى جامعة بنغازي

لم يحتر منصف كثيراً ـ بدافع من وطنيته الخالصة ـ فى إختيار أمر مشاركة ثلة من أبناء الوطن المخلصين لتأسيس الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا (إحدى التنظيمات الليبية المعارضة فى الخارج)، التى غطت هلامية حجمها المتمدد ـ فى أثناء فترة صعود نجمها إبان حقبة الثمانينات من القرن الماضي ـ على كافة التنظيمات الليبية الأخرى التى واكبتها فى الظهور؛ بعد أن ساعدتها على ذلك، المؤازرة والإمكانيات المادية التى أنهالت عليها من دول عربية وأجنبية وبعض أثرياء الجالية الليبية فى الخارج، لتتربع على قمة صدارة العمل النضالي الوطني. 

لم تعرف جهود منصف التى بذلها ـ لأجل الوطن ـ فى فترة انضوائه تحت لواء جبهة الإنقاذ، الكلل والسكينة والراحة والتراخي، ولم يتوقف عطاؤه الوطني السخي لحظة، ولم ينضب معين مساهماته المختلفة برهة، ولم تلين فى يومٍ عزيمته الفولاذية وشكيمته الحديدية وهلة. 

وبقدر ما كان يزداد حجم النشاطات والمهام المتفرقة، التى يتم تكليفه بها، بقدر ما كان أدائه لها يتم على أعلى مستوى من الإحساس بالمسئولية، وبتفان وإتقان وإخلاص، وبجلد وصبر ورضا تام؛ فيغيب عن أسرته (زوجته وأطفاله)، بالشهور الطويلة المتوالية، فى رحلات مكوكية بين بلاد وأقطار مختلفة (كالسودان والعراق والمغرب ومصر والجزائر وغيرها)، يعمل تارة بالإذاعة الموجهة للوطن، وفى أخرى بمجلة الإنقاذ ومنشوراتها، وفى مرات عديدة لأداء مهام أخرى متباينة. 

وبينما سعى بعض أعضاء وقادة الجبهة لتحقيق مصالح وفوائد ذاتية، أمنت لهم سبل العيش الكريم، وجعلت بعضهم يحقق جانب من الثراء، بفضل كرم خزانة تنظيمهم المتضخمة بملايين دولارات الهبات والعطايا الدولية والشخصية، المفترض تخصيصها لتمويل النشاطات النضالية المناوئة لحكم النظام الفاسد. نجد منصف، على الجانب الآخر، قد عمل بوحي ضميره النزيه (لدرجة الإحتراق)، مقابل منحة شهرية زهيدة. 

شاءت الظروف أن تنحرف بعض قيادات الجبهة بمسار العمل النضالي عن البرنامج المرسوم، من خلال سوء التدبير والإنفراد بالقرار، مما تسبب فى مآسي جسيمة بين صفوف أتباعها بوجه خاص، ولحركة المعارضة الليبية بالخارج بوجه عام[2]، ليؤدى ذلك ـ فى محصلته النهائية ـ إلى خروج الكثير من أعضائها عن كيانها التنظيمي. 

أسس منصف وبضعة من الآخرين ـ الذين أنشقوا مثله عن تنظيم جبهة الإنقاذ ـ تنظيم الحركة الليبية للتغيير والإصلاح، فى فبراير 1994م، بعد يأسهم من إصلاح الإعوجاجات التى شابت هيكل كيان الجبهة. ومثلما قدم ـ منصف ـ أقصى درجات العطاء لنشاطات الجبهة النضالية، فإنه تفاني فى عطاءه للتنظيم الجديد من خلال تنقله بين مناحى المهام المتعددة، التى كان من بينها فى فترة معينة رئاسة تحرير مجلة شؤون ليبية

عندما توقف أصحاب المال عن تمويل التنظيم الوليد ـ بعد سنوات قليلة من تأسيسه ـ أنقطع عن منصف المرتب المتواضع الذى كان يتقاضه نظير تفرغه لتنفيذ الأعمال والأنشطة التى كان يُكلف بها فى هذا الشأن. ووجد نفسه يدخل معترك سوق العمل، الذى أجبرته طاحونتها الغاشمة على ممارسة مهن متدنية، لا تليق بمقامه ومكانته العلمية، ولكنها ـ رغم ذلك ـ تظل أعمال شريفة تسد رمق العيش العسير. 

عمل منصف مع آخرين لسنة كاملة من أجل لم شمل ـ شتات ـ المعارضة الليبية فى الخارج فى كيان المؤتمر الوطني، الذى عقد مجلسه الأول بلندن فى صيف سنة 2005م، وأنتهى لعدة مقررات، هدفت لتعزيز إستمرار النضال ضد الحكم الفاسد، وجاء أهمها فى إنشاء إذاعة موجهة لأفراد الشعب الليبي فى الداخل، تولى منصف أمر الإشراف عليها، وإعداد معظم موادها وبرامجها، لكنها توقفت بعد حين، بسبب توقف الدعم والتمويل. 

لو شاء للمرء أن يشبه البشر بأنواع معينة من الحيوانات ـ ذات الصفات السامية الجميلة ـ حتى يقرب المعنى الذى يريد نقله للناس فى وصف أحدهم. لكنت قد شبهت منصف، فى مرة، بالديناصور المهيب؛ وفى أُخرى بالجمل الصبور؛ وفى ثالثة بالأسد الباسل الجسور؛ وفى رابعة بالجواد العزيز النبيل الوقور؛ وفى خامسة بالتنين المحارب القوي. 

انهالت المصائب المؤلمة على منصف، وعلى رأسها مصيبة ـ فاجعة ـ الموت، التى حصدت من حوله ابنه الصغير يوسف، وأخويه عبد الرحمن وعمر، ووالدته ووالده، ثم أبنته رحاب، الشابة الطاهرة المشعة بروح الإيمان والتقوى. 

إن مصائب الفقر، والموت، والغربة، ورضوخ الوطن تحت أقدام الشيطان الرجسة وبراثن أعوانه النجسة، كانت كلها تطوف بمشاعرها المؤلمة فى نفس منصف وتعتصر جوانحه؛ لكنه بصبره ـ الذى لا ينفذ ـ كان يصرعها ويتغلب عليها. فلم تثنه أعاصيرها المحزنة لحظة عن الإستمرار فى مناكفة النظام الفاسد ومناوئته بكل ما تمتلكه نفسه، وتمكنه منه قدراته الذاتية. فلم تنقطع كتاباته الأصيلة عن فضح وتعرية أركان النظام الفاسد وسياساته الظالمة، ولم يتوان عن المشاركة فى الإعتصامات، وحضور الندوات والمؤتمرات الساعية لتقوية شوكة المعارضة وترشيد خططها وأعمالها النضالية. 

وهكذا، لو أطلقت العنان لقلمي للإستمرار فى الكتابة عن مآثر منصف وصفاته الخيرة، لربما أحتجت لأكثر من هذه المقالة المتواضعة؛ التى أتمنى ـ منها ـ أن تعطى فكرة مختصرة عن سيرته العطرة، وتذكرنا بأن لا ننسى فضله على ليبيا

يتبع ..

فرج الفاخري

farajelfakhri@live.com 

 ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] لقد نالني شرف العمل كمعيد بنفس القسم، بعد سنوات قليلة من إلتحاق منصف بكادر هيئة تدريسه.

[2] ليس هنا مجال الحديث عن هذا الشأن، الذى كتبت عنه بتوسع فى مقالات سابقة.

 


الحلقة الأولى الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home