Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli
الكاتب الليبي د. فتحي الفاضلي

الأحد 27 سبتمبر 2009

سقط من خطاب العقيد.. سهوا..

د. فتحي الفاضلي

ان ليبيا، وليست افريقيا، في حاجة ماسة، الى مقعد دائم في مجلس الامن، لانقاذ نفسها من معمر

المتتبع (على مضض) لخطاب معمر في هيئة الامم، يظن ان القائد قد نسى انه من ليبيا، فقد تحدث عن كل شيء، الا عن الوطن، ومآسي الوطن، وفلذات اكباد الوطن. ربما لاننا لا نستحق قائدا امميا تاريخيا، فاقت القابه، القاب الانبياء والرسل مجتمعين. ليس ذلك فحسب، بل استنكر القائد على الجميع، ما ابدع هو في ممارسته.

وبالرغم من ان طغاة الارض جميعا، من رحل منهم، غير مأسوف عليه، ومن هو على وشك الرحيل، غير مأسوف عليه ايضا، يدركون، جميعهم، ان ذاكرة الشعوب، لا يسقط منها شيء، لكننا، سنورد ، بالرغم من ذلك، بعض ما سقط،، سهوا، من الذاكرة او من الخطاب.

فاحييك اخي القائد اولا، على اهتمامكم بموضوع اعدام صدام حسين في العيد، بالرغم من انك تركتنا في حيرة، لا ندري اغاضب بسبب الاعدام نفسه، ام لان الذين اعدموه كانوا ملثمين، كما نوهت في خطابك، ام لتوقيت الاعدام نفسه. وارجح ان سبب الغضب، ربما يعود الى توقيت الاعدام، فحسب تعليماتكم الثورية الدائمة، لابد ان يتم الشنق في شهر "رمضان" المبارك، وليس يوم العيد، كما شنقت، انت ورسلك الملثمين، فلذات اكباد الوطن.

وهكذا، تغضب، ايها القائد، لاعدام صدام، بينما اعدمت ما تيسر من افضل القادة الليبيين، في القطاعين المدني والعسكري. وتحتج لان الذي اعدم صدام كان ملثما. بينما اعدم لجانك الارهابية، من اعدموا من الليبيين، وهم ملثمين. وتغضب لان صدام اُعدم في يوم العيد، بينما اعدمت ابناء الوطن في شهر "رمضان" المبارك، شهر التوبة والرحمة والغفران. ليس ذلك فحسب، بل تغضب لاعدام صدام، بعد موته، بينما كنت تزود ايران، بالصواريخ التي قصفت قلب بغداد، عندما كان حيا يرزق. لذلك وجب التصحيح.

اما مطالبتكم بالتحقيق في سجن "ابو غريب"، ووصف ما وقع في ذلك السجن البشع، بالاحداث التي يندى لها جبين الانسانية. فانا على يقين اخي القائد انك كنت تقصد مذبحة "سجن ابوسليم"، وليس سجن "ابوغريب"، ولكن خانتك الذاكرة. بل ان الفارق يكمن في ان مذبحة ابوسليم، والتي لم يند لها جبينك، قد قامت بها كلابك المسعورة، ضد ابناء الوطن. وربما اعتبرتها، تبعا لفلسفتكم الاممية، من الامور الداخلية، التي لا علاقة لها بالانسانية والانسان.

وذكرتم ايها القائد "أن نظام الحكم لا يحق لأحد أن يتدخل فيه، فأن تعمل نظامك ديكتاتوريا أو ديمقراطيا أو إشتراكيا أو رأسماليا أو رجعيا أو تقدميا، فهذا مسؤولية المجتمع ذاته.. اي.. شأن داخلي". وضربت مثلا بيوليوس قيصر، الذي ادعيت ان روما سمحت له، بان يكون ديكتاتورا، لان الديكتاتورية، كانت مفيدة لهم في ذلك الوقت.

والصواب، بعد اذنكم بالطبع، ان صناعة مجتمعات الرعب، وصناعة الديكتاتورية، هي مسؤلية المخابرات واللجان الثورية والعصي والهروات، فتلك هي الاليات والادوات، التي صنعت انت بها، مجتمع الرعب والديكتاتورية في ليبيا. ولا تقع المسؤلية على المجتمعات، كما ذكرتم، من اجل ان تهرب انت ورجالك من المسؤلية. كما اود ان الفت انتباهكم، الى ان طلبة المدارس الاعدادية في ليبيا، يعلمون انك تريد، من وراء هذه الفقرة، ان ينظر العالم، الى ما يجري من ارهاب في ليبيا، كشأن داخلي يخصها وحدها.

ثم ان اهل ليبيا، ومن جانب اخر، لا يرون ان الديكتاتورية مفيدة لهم. بل صدقني، انهم يرون، وهم معذورين في ذلك، ان نهايتك مفيدة جدا لهم، بل ولغيرهم من الشعوب. ثم منذ متى، كان شعب روما مثلا، يحتذي به شعب مجاهد بطل مسلم عنيد صاحب رسالة سماوية، كالشعب الليبي. ان الليبيين، هم الذين يجب ان يكونوا قدوة لروما، وليس العكس. واسأل ان شئت، عمر المختار، والباروني، والمريض، وعبد النبي بالخير، والسويحلي، واحمد الشريف، والبشتي، واحواس، وعشرات غيرهم، ممن علموا الشعوب عشق الحرية والصمود.

ثم جزاك الله، ايها القائد، على المطالبة بفتح باب التحقيق، في الاغتيالات السياسية، خلال العقود الماضية، لشخصيات سياسية، مثل الزعيم الأفريقي باتريس لومومبا، والأمين العام السابق للأمم المتحدة، داغ هامر شولد، والرئيس الأمريكي السابق، جون كينيدي. وجميع الذين اغتيلوا، من غير الليبيين بالطبع.

وهنا سيدي القائد احيي فيك انسانيتك، واهتمامك بالمظلومين، الذين اُغتيلوا على ايدي اثمة، وهذا مرة اخرى، يدل على انسانيتكم، واهتمامكم، وحرصكم، على ارواح البشر، وحرصكم ايضا، على فلذات اكباد اؤلئك الضحايا، حتى لا يعيشوا كيتامى لا يُلقي لهم بالا.

ولذلك، انتهز هذه الفرصة، واضيف فقرة اخرى الى خطابكم، الاممي التاريخي، الخطير، واطالب بالتحقيق في الاغتيالات السياسية، التي تمت على ايديكم، وايدي كلابكم المسعورة، والتي طالت الشهداء محمد مصطفى رمضان، والشيخ البشتي، وامحمد احفاف، ومحمود نافع، والدغيس، والدينالي، وخربيش، والشيخ المبروك، وبالمرة اختطاف الاستاذ منصور الكيخيا، والدكتور عمرو النامي، وضحايا ابوسليم، وضحايا الايدز، والطائرة، وسامحني اخي القائد على الاطالة، فلو ذكرنا جميع ضحاياكم، لما زلت تتحدث على المنصة المسكينة، حتى يومنا هذا، وما زال صاحبكم، نائما حتى يومنا هذا. بل اكتفي هنا، ببعض النماذج، من ضحاياكم.

اما محاربتك للارهاب والحروب والنفاق، فامر لا يسعنا الا نقف ساعة ونصف "حدادا"، واعجابا بشجاعتكم. الذي ظهرت عبر المطالبة بهذا التحقيق. وعبر الاحصائية التي اوردتها عن الخمسة والستين حربا، التي قامت بعد تأسيس مجلس الامن، او هيئة الامم.

لكن الامر الذي اريد ان اؤكده لك اخي القائد، ان لك نصيب الضبع، في هذه الخمسة وستين حربا، فقد تجرأ ضباطك وقواتك المسلحة، بينما كنت تتامل في الكون، وتفكر في الحلول النهائية، لانهاء الشعب الليبي، تجرأ ضباطك، وشنوا حربا ضد مصر، واخرى ضد تشاد، وارسلوا قوات (دون علمك بالطبع) الى اوغندا ولبنان، وقصفوا ام درمان، وقاموا بعدة تفجيرات في مصر، ودربوا وساعدوا، ما لا يمكن حصره، من مواطني شتى الامم والملل والنحل، لالقاء الرعب في شعوب آمنة، كالشعب التونسي، عبر احداث قفصة مثلا، ناهيك عن توزيع السلاح، شرقا وغربا ويمينا وشمالا.

ولذلك، وكما ذكرت، اعجبت جدا، بمطالبتكم بالتحقيق في حروب كوريا والسويس وفيتنام وبنما وغرينادا وقصف الصومال ويوغوسلافيا والعراق، واود، بعد اذنكم، ان اضيف ضرورة التحقيق ايضا، في حروب تشاد، وقصف ام درمان، والحرب مع مصر، وحروب اوغندا، واحداث قفصة، وارسال قوات ليبية الى لبنان، ومد جيش ايرلندا بالسلاح. كما اعتذر لكم، مرة اخرى، عن عدم اتمام القائمة، احتراما لوقتكم الثمين.

اما ما ذكرته من ان ممارسات الامم المتحدة، تطحن في شعوب العالم الثالث، وتطحن في كل الشعوب الصغيرة. فاود ان اضيف، ان اللجان الثورية، والمرتزقة، واعوانهم، واجهزتهم الارهابية، الذين صنعتهم بايديك، واممدتهم بالمال والحماية والسلاح، هم الذين يطحنون في الشعب الليبي، منذ اربعين عاما. وليس مجلس الامن او الامم المتحدة. لذلك وجب التنبيه والتصويب.

ولقد ادركت، بعد ان رفضتم التعامل مع محكمة العدل الدولية، وهذا، حسب تهديدكم، المرعب: "إن لم تقم المحكمة بالعدالة على الجميع"، ادركت فورا، ان السيد القائد، في زحمة قيادته للثورة العالمية، قد نسى، انه قد قبل التحكيم في قضية "اوزو"، التي راح ضحيتها اكثر من 8000 ليبي، من ابناء الوطن المنكوب، واضعاف اضعاف هذا الرقم، من الارامل واليتامى. وقد اقرت محكمة العدل ملكية "اوزو" لتشاد، وبلعها القائد، بعد كل هذه الدماء.

ولكن، بعد هذا الخطاب، سيمزق معمر، قرار المحكمة الدولية، كما مزق الميثاق، وستستعيد ليبيا "اوزو"، فور عودة القائد الى ليبيا. الا اذا كان تهديد القائد، يبدأ بتاريخ رجعي، اي "من اليوم وغادي.. واللي فات مات.. بما في ذلك موت ضحايا تشاد".

كما لا يمكنني ان اخفي اعجابي، ايها العقيد، باهتمامكم بالسلام العالمي، وذلك عبر سؤالكم التاريخي، الذي ورد في خطابكم: كيف نطمئن على السلام العالمي؟ وهنا لا يسعني وجميع الليبيين الا ان اقول لك: ان السؤال الذي طرحته ايها القائد، وجيه جدا، اما الاجابة فهي ابسط من السؤال نفسه، فاننا سنطمئن على السلام العالمي، عندما يتخلص العالم من الطغاة الديكتاتوريين الارهابيين امثالك، اينما وجدوا. صدقني سيدي القائد، ولنا في التاريخ عبرة. فكلما سقط طاغية، كلما حل في الارض الامن والامان والسلام. لذلك، ما عليك الا ان ترحل، وسيعم السلام الذي يزعجك غيابه. ارحل تطوعا، واترك الوطن بخيارك، قبل ان ياتي يوما، لا خيار لك فيه.

ثم انك ذكرت سيدي القائد: "ان مجلس الأمن لم يوفر لنا الأمن، منذ قيامه، بل وفر لنا الرعب والعقوبة". واحب ان اذكر نفسي، واذكركم ايضا، اذا سمحت لي بذلك، واقول لك ان ليبيا، تعتبر، ومنذ طلتكم البشعة، دولة بلا قانون. بل ان القوانين اليتيمة، التي وضعتموها، لم تات لليبيا والليبيين، الا بالارهاب والرعب العقوبات. واذكركم، مع الاعتذار ايضا، بقوانين حماية الثورة، وتجريم الحزبية، وقوانين العقوبات الدائم، ومحاكم الشعب، والشنق العلني، وغير العلني، ومقولتكم الانسانية الخالدة "اننا قد نقتل الابرياء، لارهاب غير الابرياء". وغير ذلك، من ادوات الرعب والارهاب، التي مارستموها قولا وعملا. فانتم سيدي مدرسة، للرعب والعقوبة والارهاب، لذلك فقط وجب التذكير.

كما اشرتم ايها العقيد إلى "أن جعل الفيتو والمقاعد الدائمة لمن يملكون القوة، والقنابل الذرية والتكنولوجيا هو جور وإرهاب لا يمكن أن نعيش فيه بعد الآن"، وطالبتم بمقعد دائم لأفريقيا في مجلس الأمن، سواء صلح المجلس أم لا (ونعلم انك ذكرت هذه الجملة، حتى لا تناقض نفسك، اي تهاجم المجلس، ثم في نفس الوقت تريد مقعدا لافريقيا)، ولذلك قلت "سواء صلح المجلس ام لا". ولعلمك، فان ليبيا، وليست افريقيا، في حاجة ماسة الى مقعد دائم، في مجلس الامن، لانقاذ نفسها منك.

لقد نسيت اخي القائد، ممارسات النقض، وعشرات "الفيتو"، التي اصدرتها، في حق الوطن وابناء الوطن، في جميع المجالات، وخاصة فيما يتعلق، بالسجون والاحكام. فمن حُكم عليه بعشر سنوات، استبدلتها بالفيتو الثوري الدائم، الى مؤبد، ومن حكم عليه بالمؤبد، حولتها ايها القائد، الى اعدام، وهكذا دواليك. بل حتى من حكم عليه بالبراءة، لا يتم اطلاق سراحه، الا بمزاجك الثوري، وبسبب فيتو حضرتكم الدائم. اما من لم يصدر في حقهم، حكم اصلا، فقد اختصرتم، في حقهم، الطريق، وحصدتهم برشاشات اعوانك داخل السجون. والغريب في الامر، انك استخدمت هذا الفيتو، مرات ومرات ومرات، وفي القطاعين العسكري والمدني، دون ان يعطيك احد صلاحية ذلك، حتى بالكذب. كما انك لم تستخدم الفيتو، ولو لمرة واحدة، للتخفيف، بل استخدمته، دائما، وبكرم حاتمي، لمضاعفة العقوبة فقط.

كما احب ان اذكركم، بما ختمتم به كتابكم العالمي، من ان "الحكم للاقوى"، وهي حكمة انسانية بالغة، اقتبسها مجلس الامن، من افكاركم (قبل ان يصدر كتابكم بالطبع). وقرر ان يكون لهذه الدول (لانها قوية)، حق النقض. ولانكم طالبتم بالغاء حق النقض، وهو طلب، عادل تطالب به الجماهير، ونطالب به، منذ ان كنا في المدرسة الابتدائية، كما يطالب به اطفال غزة، منذ نصف قرن تقريبا، فنطلب منك ان تلغى انت ايضا، ما يسمى بالشرعية الثورية. فاذا كان الفيتو، سيف مسلط على الامم الضعيفة، فالشرعية الثورية، في ليبيا، سيف مسلط على رقاب الليبيين. ونحن في انتظار قراراتكم.

واود ان اهمس في اذنيك: باننا نعلم سر مدحكم لاوباما، وخاصة سر فرحتكم بالفقرة التي تتحدث عن "استحالة فرض الديمقراطية من الخارج". فقد اصابك الرعب، من هاجس التدخل الخارجي. فلا تخف، ايها القائد، فاغلب الليبيين، لا يريدون ان يكتب التاريخ عنهم، ان قوى خارجية، ازالت نظام الطاغوت في ليبيا. لانهم يريدون ان يتمتعوا بازالتك بايديهم، فارتع والعب، كما شئت، حتى حين. فعندنا صبر ايوب واكثر. الاشكالية الوحيدة، في هذا الامر، والتي تدركها واعونك جيدا، اننا قد لا نستطيع، ايقاف التدخل الخارجي، حتى لو ارادت القوى الوطنية ايقافه.

وكم سررت، ايها القائد، وفوجئت في نفس الوقت، عندما قلت "أتقدم بالتهنئة لإبننا الرئيس "أوباما". فلم اكن ادري، انك قادر على لفظ واستخدام كلمة "ابننا" الحنونة. لقد سمعناها من "بابا معمر" اول مرة، وفوجئنا بها حقا، فهي كلمة تقطر رحمة وانسانية وحنان. تخرج من فمك، وقد عودتنا كليبيين، على الفاظ لا تخرج الا من ضبع، كالخونة، والجيف، والكلاب الضالة، والعملاء، وسحق، ودوس، ومحق، واعدام، وشنق، وتوبة، وغيرها من الفاظكم الانسانية.

وربما كان من اللياقة، بل من الافضل، سيدي القائد، طالما انكم قادرون، على استخدام، مثل هذه الالفاظ،، ان تستخدموا كلمة "ابننا" مع الليبيين: بدلا من ان تقتلهم، فتقول على سبيل المثال ابننا فتحي الجهمي، وابننا الشيخ البشتي، وابننا محمد مصطفى رمضان، وابننا الدكتور عمرو النامي، ومنصور الكيخيا، واحفاف، واولادنا في ابوسليم، وابنائنا يتامى الثورة، واولادنا ضحايا تشاد، والايدز. صدقنى انك لن تتعرض لعقوبة مجلس الامن لو استعملت هذه اللفظة الانسانية مع ابناء الوطن.

واود ايضا، ان اشكركم على تشبيه الامم المتحدة، او الجمعية العمومية، بـ "الهايد بارك"، فقد كنت ابحث منذ زمن، عن شيء اشبه به سلطة الشعب، واشبه به مؤتمراتكم الشعبية. فلم اجد اقرب من التشبيه، الذي ذكرته انت في خطابك لقادة الامم قائلاً: "أنتم ديكور لا قيمة لكم، كأنكم في حديقة هايد بارك، تلقون خطاباً وتذهبون". وهكذا حالنا سيدي القائد، فالشعب الليبي، ايضا، يتحدث في المؤتمرات الشعبية، بما تملي عليه لجانك، ثم تقرر، انت وزبانيتك، ما تريدون.

اننا نتحدث، في المؤتمرات لشعبية، عن ثمن البيض مرة، وعن الفساد الاداري، مرة اخرى، وجمع التبرعات لاحتفالات ثورتكم، مرة ثالثة، وامور اخرى، قد يخوض فيها حتى طلبة المدارس. وبعد ان تنفض المؤتمرات، تتخذ انت من القرارات المصيرية، ذات الوزن الثقيل، ومما سار، ومازال يسير بنا، من تهلكة الى تهلكة اخرى. فالشعب الليبي يتحدث تماما، كمن يتحدثون في "الهايد بارك".

الفارق الوحيد سيدي القائد، ان المتحدث في الهايد بارك، لا يلتفت الى يمينه او يساره، خوفا من كلابك الارهابية المسعورة، ولا ينقي كلماته، ولا يهتف، ولا يذكركم، بما طال من الالقاب، ولا يختم كلامه، قائلا: الفاتح ابدا، والكفاح الثوري مستمر، ليضمن عودته الى اولاده واسرته. كما ان الحضور الى مؤتمراتكم، يتم غالبا اما بالتهديد او بالتفنيص او بالترهيب، اما "الهايد بارك"، فيذهب اليها من يشاء، متى يشاء.

ولا يسعني ان اترك هذه الفرصة، دون ان اخبركم، سيدي القائد، واذكركم ان خطاب هذا العصر، يختلف عن الخطاب السياسي، الذي، جاء بعد حقبة الاستعمار. تلك الحقبة، التي غلب عليها الخطاب الثوري، وغلب عليها مصطلحات المقاومة، والتحرير، والرفض، والقادة الثوار، واضطهاد الشعوب، فانت مازلت تعيش في حوادث الثلاثينات والاربعينات والستينات، وما زالت اصوات عبد الناصر، تطن في اذنيك، ومازلت ممن تستهويهم، ثورات اليسار، وكتاب ماوتسي تونغ الاحمر، وتيتو، وحركة عدم الانحياز، والخطوط الحمراء، وتشي جيفارا، وحرب فيتنام. ما "اقدمك" يا اخ القائد.

ومع احترامي وتقديري، لكل تلك الحقبة، وخطابها، ورجالها، واحداثها، وابطالها. فاننا اليوم نعيش عصرا جديدا، ومشاكل جديدة، تواجه العالم، وخطاب مختلف، لم تستوعبه، حضرتك، فاستنجدت، بحقبة انتهت.

ولا تجزع، ايها القائد، فباب البطولة، ما زال مفتوحا على مصراعيه، لكن مفاتيح هذا الباب قد تغيرت. وانت لم تستوعبها بعد. ودخول التاريخ ما زال مفتوحا ايضا، ولكن بطرق مختلفة، قادرة على التعامل مع مشاكل هذا العصر، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية. فلكل عصر قضاياه، ومشاكله، ومعاناته، ولكل عصر خطابه، ووسائله، وادواته، حتى لو تشابهت القضايا. وانت تريد ان تصبح بطلا ثائرا، عبر تعاملك مع قضايا هذا العصر، بخطاب الستينات.

واخيرا.. سيدي القائد..

لقد اوردت، في خطابك، مجموعة من التحديات والازمات التي يمر بها العالم، فاسمح لي مشكورا، ان اضيفك الى قائمة هذه الازمات. لاننا وبكل صراحة، نعتبرك احد مصائب الوطن وهمومه، ونعتبرك كابوسا ثقيلا، جاثم على صدورنا، ونعتبرك رجلا، عبثيا لا يهمك الا ان تبقى في السلطة، وان توظف ليبيا، بما حوت من حجر وبشر وشجر، في صناعة فراقيع اعلامية، تندرج تحت باب "خالف تعرف".

وتظن ان هذه الفراقيع الاعلامية، قد تصنع منك بطلا، متناسيا ان البطولة والقيادة وصناعة المواقف ودخول التاريخ، امور تولد كلها طبيعيا، ولا تاتي عن طريق التمثيل، والتظاهر، والتقليد، والبطولة والقيادة لا تشترى بالمال وعقود النفط، وباستغلال قضايا الشعوب، كالهنود الحمر، وقضايا السود، والفقراء في العالم. فانت ممن يستغلون قضايا الشعوب، اعلاميا، وتستغل، فقرهم، من اجل ان تصنع من نفسك بطلا، وفي هذا احتقار واضح للشعوب وقضاياها. لن تستسيغه تلك الشعوب اذا ادركت ذلك. بل لن تغفره.

ان الانضمام الى القادة العالميين، والانضمام الى قادة التاريخ، لا تتم باستغلال قضايا الشعوب، ولا بالتمثيل، والتقليد الاعمى، كتمزيق الميثاق، تقليدا للنحاس باشا، عندما مزق معاهدة 1936م بين مصر وبريطانيا، او تقليدا لخروتشوف عندما ضرب منصة الامم المتحدة بحذائه. ولا يتم دخول التاريخ، بنصب الخيام، والتدخين في مؤتمرات القمة العربية، وتأليف كتاب ملون على غرار، الكتاب الاحمر والازرق والابيض، والتلاسن مع قادة و ملوك ورؤساء الدول، واخراج المسدسات في المؤتمرات، وارتداء الازياء الغريبة، والقفازات (حتى لا تصافح العملاء)، ووضع صور الرؤساء على جلاببيك، وصياحك عند الكعبة "الفاتح الفاتح"، وغضبتك المصطنعة لان الرسول حطم، "هبل" الذي اعتبرته انت تراث انساني، ما كان للرسول الكريم ان يحطمه، ودعواتك الغريبة، الى جعل مكة، مكان مباح للزوار، والسياحة، ومخالفتك لوقائع ومفاهيم كثيرة، اجمع عليها البشر، من جميع الملل والنحل، كل هذه التصرفات، لم ولن تصنع منك بطلا، بل صنعت منك مهرجا.

ان دخول التاريخ كاحد ابطال الامم، امر لا يُشترى ولا يوهب، انما امر يستحقه من يستحق، عن صدق وجدارة. وهو امر لا يقرره الناس، بل يات طبيعيا. وحتى اغلب الابطال ورجال التاريخ، ماتوا، دون ان يعلموا اصلا انهم من الابطال. فلا تتعب نفسك، فقد اتعبتنا معك، واول مشاكلك انك لا تقرا ولا تسمع ولاترى. "... فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" (الحج 46).

واسأله سبحانه وتعالى ان يحفظ بلادنا من عبث العابثين، وان يرزقها قادة، يكون همهم الاول والاخير، الوطن واهل الوطن، لا ان يكون همهم الاول والاخير، تحقيق طموحاتهم واحلامهم الصبيانية العبثية، على حساب دماء واموال ومقدرات، وطننا الحنون ليبيا، وما ذلك على الله ببعيد . والله ولي التوفيق.

د. فتحي الفاضلي
ffadhli@yahoo.com
www.fathifadhli.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home