Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli

Thursday, 25 May, 2008

ليبيا الخير.. عـنوان أخترته لوطني

د. فتحي الفاضلي

ليس كل ما يبدوا لنا مصادفة، هو في الواقع، مجرد مصادفة

ولدت في مدينة درنة التي اشتهرت بعذوبة مياهها، وكثرة حدائقها وبساتينها واشجارها، وكثرة ورودها وثمارها وزهورها، وخاصة الياسمين. ولازلت اذكر معالم ومواقع واماكن في هذه المدينة، شهدت مرحلة الطفولة البريئة، التي تحولت احداثها، مع الايام، الى ذكريات جميلة، لم ولن تُنس باذن الله.

اذكر من معالم درنة: "البياصة الحمراء"، و"سينما التاجوري"، و"الجامع العتيق" بقببه العديدة. واذكر ان إمام هذا المسجد كان يمرر على المصلين، في ذكرى ميلاد الرسول الكريم، قارورة زجاجية مغلقة، بها شعرة، يقول انها من شعرات الرسول الكريم، وكنا ننتظر دورنا بعد الصلاة بفارغ الصبر، لنقبل هذه القارورة، ولنتباهى بذلك بين اقراننا. واذكر كذلك مقهى "اجويدة"، ومحل "كريكش"، ونقطة البوليس (مركز الشرطة)، و"سوق الظلام"، و"مدرسة النور"، و"الوادي"، و"الملعب البلدي" و"سوق الخضرة"، وغيرها من معالم ومواقع واماكن، كانت تتميز بالمرح والحيوية والنشاط،. كما اذكر جيدا التنافس الشديد بين فريق الاتحاد، وفريق دارنس، الفريقان الوحيدان في المدينة، واذكر اننا كنا اثناء او عقب كل مبارة، نردد اغنية او اهزوجة تقول: "دارنس وبس.. والاتحاد نعس" او العكس، كما اذكر السيد "اغنيوة" الرجل الذي كان يبيع "المسير" في كوب صغير مع كسرة خبز، وكان ثمن هذه الوجبة الشعبية، قرشا ونصف، وكنا نتجمع وكل منا ممسكا بكوب "المسير" وكسرة الخبز، وننزوي في ركن من اركان "البياصة الحمراء" حيث كان السيد "اغنيوة" يبيع المسير، في "زير" كبير، مغطى بقطعة خشبية، وكنا نتحدث اثناء ذلك عن كل شيء، وخاصة عن المارة والرياضة وعن مشاريع المستقبل بعقلية طفولية بسيطة. ومن ذكريات مدينة "درنة" التي لا تُنسى: "الناعورة" التي كانت تطلق صوتا، وقت الغروب، كصوت "الانذار" يعلن عن وقت الافطار في كل يوم من ايام شهر رمضان الكريم، بل واذكر جيدا، اغنية كنا نرددها قبيل اذان المغرب، وفي شهر رمضان تقول: "اذن يا حميد الجربة... صيام ونرجو في الشربة"، كما لا يمكن ان ننسى السيد "عطية الفوال"، جارنا جزار الحي، والسيد "منصور الفحام"، وكان يبيع الفحم والكيروسين (القاز)، ودكان "الحاج عبيد"، ودكان "عميش"، و"السيد النحلي" الذي كنا نسكن في احد بيوته بالايجار، واذكر جيراننا الطيبين الاخرين جميعا حتى يومنا هذا. فاسأل الله سبحانه وتعالى ان يتغمدهم برحمته احياء وامواتا.

سجلت هذه المواقع والميادين والاسواق، مرح الطفولة، واللعب البريء، الذي كان يزيده حيوية، كرم اهل درنة، الذين غلب عليهم، بجانب ذلك، التماسك الاجتماعي والطيبة والمرح.

ترك الوالد الكريم تغمده الله برحمته، واسكنه فسيح جناته، مدينة "درنة" الجميلة وترك اهلها الطيبين، وودعنا المياه العذبة والورد والياسمين، واتجهنا الى مدينة "بنغازي"، سعيا وراء لقمة العيش، فالعائلة الكريمة تتجه اينما يتجه الوالد الكريم رحمه الله. فكان عالم اخر من الحب والخير والنشاط ينتظرنا في مدينة بنغازي.

لم اكن ادري ان مدينة بنغازي كانت تستعد لاستقبالي استقبالا عنيفا، فقد بدأت اول يوم من اقامتي فيها بشجار مع احد جيراننا، الذي لم يرق له القادم الجديد، وكان نصيبي ونصيب جاري لكمات عديدة دشنت اول يوم لي في هذه المدينة العريقة.

وادركت منذ ذلك اليوم، وما بعده من الايام والسنين، ان تعلم فنون الدفاع عن النفس، قد اصبح "فرض عين" في مدينة بنغازي، خاصة وان اجواء "الصابري"، الحي الذي اقمنا فيه، كان محاصرا باجواء العنف من جميع جوانبه، فاما ضارب واما مضروب، ودخلت في حياتي مصطلحات جديدة، اذكر منها حتى يومنا هذا: "امسوط"، و"اطلق" و"سبق" و"روسية" و"خارب خراب" (دلالة على الجودة والاتقان والابداع)، و"ولد بلاد" و"فرخ البحر" و "دار الموتوري"، و"ياري"، و"اسلح"، وغيرها من مصطلحات ومسميات، لكل منها دلالتها واستخداماتها الخاصة.

كان نشاطنا يدور حول معالم عديدة من معالم مدينة بنغازي اذكر منها "الفندق البلدي" ،و"الملعب البلدي"، و"البركة"، و"سيدي حسين"، و"الصابري"، و"دكاكين حميد"، و"السلماني"، و"سوق احداش"، و"اللثامة"، و"الفويهات"، و"السيلس"، و"حي الوحيش"، و"سوق الجريد"، ومدرسة "شهداء يناير"، و"مدرسة التوريلي" (النهضة)، و"ضريح عمر المختار"، وشارع "عمرو بن العاص"، و"القبطارنية"، و"ميدان البلدية"، و"شارع عمر المختار"، واندية "التحدي" و"الاهلي" و"الهلال" و"الصابري"، و"جامع بالروين"، و"الفويهات"، و"معمل شفيق"، و"سوق التركة"، وغيرها من احياء وازقة وحوار، شهدت مرحلة الشباب بما تحمله من اندفاع وحيوية وطموح.

طغت كرة القدم على اغلب سنوات الشباب في مدينة بنغازي، فقد كنا نمارس هذه اللعبة، ليل نهار في كل مكان تقريبا، وفي كل فصل تقريبا، في الشوارع والازقة والملاعب والمدارس، وكلما اتيحت فرصة لذلك. وشكلنا فرقا عديدة، اذكر منها فريقنا الذي كان يسمى فريق "الجالي" (رحمه الله رحمة واسعة)، وفريق "حميد العالم"، كما كان لكل حي ومنطقة فريق او اكثر، وكان التنافس على اشده بين الفرق، وكنا نهتم بهذا الامر اهتماما شديدا، اخذ الكثير من وقتنا. ولم يخل الامر بالطبع من المشاجرات والمشاكل والاختلافات، عقب كل مبارة تقريبا، وكنا مع ذلك ننتظر المباريات القادمة بفارغ الصبر، ولم تكن كرة القدم هي اللعبة الوحيدة التي طغت على حياتنا، بل اضافت الالعاب الموسمية طعما جميلا للحياة في مدينة بنغازي، وخاصة موسم "البطش"، و"الطقيرة"، و"الزغادي" و"الليبرة"(في شهر رمضان غالبا). ولعل اجمل ايام مدينة بنغازي، تلك التي قضيتها في مدرسة "شهداء يناير"، اثناء الدراسة الثانوية.

اشتهر اهل بنغازي بسلوك اجتماعي خاص، فالمرء يحس ان علاقة حميمة تربطه مع كل من يحدثه او يقابله لدقائق معدودة، وكأنه على صلة به منذ سنين عديدة.

ويبدو انه من اقدار بنغازي ان تكون المدينة التي تقول "لا" دائما وبصوت عال، فقد شهدت المدينة اعنف الصدامات مع السلطات والانظمة والاجهزة الحكومية عبر مختلف العهود، فما زلت اذكر كيف حاصرت الشرطة مدرسة "التوريلي" الابتدائية (ربما في 1964م)، وامرت اعضاء الادارة والمدرسين والطلبة مغادرة المدرسة فورا، والتوجه الى بيوتهم، كما اذكر جيدا مظاهرات1967م العنيفة، والتي شهدها شارع "عمرو بن العاص" (نفس الشارع الذي شهد انتفاضة 17 فبراير)، تفاعلا مع حرب الايام الستة والتي عرفت بـ "حرب حزيران"، كما شهدت اول خطاب لمعمر في 16 سبتمبر 1969م، امام ضريح عمر المختار، واذكر كيف اخذ عشرات الضباط والجنود، بعد انتهاء ذلك الخطاب، يطلقون الرصاص من رشاشاتهم في الهواء، لفترة زمنية طويلة، دون توقف، محدثين دويا متواصلا هائلا، ولم ادرك، في ذلك الوقت، مغزى هذا الامر، ثم ادركنا، ان هذا الاستعراض العنيف، ما هو الا تدشين لحكم البطش والقمع والارهاب، ثم، شهدت المدينة، في اوقات لاحقة، مظاهرات وتصادمات، عام 1976م بين الطلبة العزل ودبابات ومدرعات النظام العسكري، كما شهدت شوارع المدينة وحاراتها، حديثا، الاصطدامات الدموية بين حركة الشهداء والجماعة المقاتلة من جهة، وقوات النظام من جهة اخرى، ثم شهدت المدينة انتفاضة 17 فبراير، في شارع "عمرو بن العاص" ايضا. وهكذا، يبدو، مرة اخرى، ان من اقدار مدينة بنغازي ان تكون المدينة التي تقول "لا" دائما وبصوت عال. لذلك لا تستطيع ان تترك مدينة بنغازي دون ان ينغرس في ضميرك حب الوطن، وحب الناس، بل وينغرس في ضميرك الاحساس بالتقصير تجاه الوطن بكامله.

انتقلنا الى مدينة "طرابلس" العريقة، لنفس الاسباب، اي اننا كنا نتجه اينما يتجه الوالد الكريم، وهناك كان ينتظرنا عالم اخر من الحب والخير والنشاط،، وتغيرت اسماء الشوارع والميادين والاحياء، وحل محلها اسماء لم تنسلخ معانيها ودلالاتها عن الوطن وتاريخ الوطن. فدارت الحياة في مدينة طرابلس حول عدة اماكن اذكر منها: شارع "عمر المختار" وميدان "الرشيد" وميدان "الجزائر"، وكليات "العلوم" و"الزراعة" و"الهندسة"، و"ملعب 11 يونيو"، و"سوق الحوت"، و"المدينة القديمة"، و"سوق الترك"، و"السرايا الحمراء"، و"شارع الشط"، و"بن غشير"، و"المدرسة المركزية (الابتدائية)، و"ميدان الشهداء"،و"المدينة القديمة"،وجامع "بورقيبة"، وجامع "القصر"، وشارع "الزاوية"،و"شارع السيدي"،و"حي الاندلس"، وشارع "الاستقلال"، وشارع "24 ديسمبر"، وشارع "ميزران"، واحياء "الظهرة"، و"بالخير"،و"الفرناج"، وغيرها من المناطق والميادين والاحياء.

كانت طرابلس عامرة بالحيوية والحياة، وكانت مدينة جميلة جدا، زاد من جمالها بساطة وبشاشة وطيبة اهلها، وكانت اجمل الاوقات في طرابلس، فترة ما بعد صلاة العصر، حيث كنا نجوب مع الاصدقاء شوارعها واحياءها يوميا تقريبا، نمر في اليوم الواحد على اكثر من ميدان من ميادينها الجميلة، وعلى اكثر من مقهى، واكثر من كشك للصحف والجرائد والمجلات، وكنا لا نمل من ذلك. وكان الطلبة يتوافدون على "الجامعة الليبية.. طرابلس"، من جميع انحاء ليبيا، من المدن والدواخل والقرى والارياف، من الشرق والجنوب والغرب، فتعرفت على اغلب عادات وتقاليد واعراف ولهجات ابناء وطني، من مختلف مناطق ليبيا.

ومن مرح الطفولة في مدينة درنة، واندفاع الشباب في مدينة بنغازي، الى الحياة الجامعية في طرابلس، وما فيها من تفاعلات ثقافية وسياسية، اختلط فيها الامل والطموح، ونما فيها الاحساس بالمسؤلية تجاه الوطن. وكانت سنوات كلية العلوم من اجمل سنوات العمر في طرابلس، الى ان نغص النظام الارهابي تلك السنوات الجميلة برعونته وجهله وتخلفه.

ولم تتوقف رحلتي مع الوطن عند المدن التي استقر فيها الوالد الكريم رحمه الله، بل حباني لله سبحانه وتعالى بزيارة مدن وقرى اخرى عديدة، اما ضمن تكاليف العمل، او الدراسة، او في اطار الزيارة للاقرباء والاحبة والاصدقاء، اذكر من هذه المدن والقرى، التي حباني الله بزيارتها والتعرف على اهلها وكرم وطيبة اهلها:"الزاوية" و"يفرن" و"تازمرايت" و"غريان" و"جنزور" و"طبرق" و"المرج" و"البيضاء" و"اجدابيا" و"جالو" و"اوجلة" و"سبها" و"براك" و"السرير" و"غات" و"العوينات" و"ترهونة"، و"بركت" و"اوباري" و"الخمس" و"قصر خيار" و"سيلين" و"شقران" وقرية "الافاضل"(الاصل)، و"مصراتة" و"زليطن"، وغيرها من مدن وقرى وطن الخير.

وعبر رحلة العمر مع الوطن..

رأيت.. كلما انتقلت من مدينة الى اخرى.. ومن قرية الى اخرى.. ومن جهة الى جهة.. اختلافا.. وتنوعا.. وتغيرا.. في كل شيء.. تقريبا.. في العادات.. في الاعراف.. في التقاليد.. في اللهجات.. في المظاهر.. في الملابس.. في الاطعمة.. وانواعها.. ومذاقها.. ونكهتها.. في معايير واشياء اخرى كثيرة..

لكن شيئا واحدا.. لم يتغير في وطني..

كان الخير في وطني ينتصر دائما.. وكان يطغى على الشر.. ويفرض نفسه.. في كل مدينة وقرية وريف. كان الخير.. في ليبيا.. ينتصر.. دائما.. اينما اتجهنا.. بالرغم من ضجيج الشر.. وصخبه.. ونعيقه.

ولان الخير كان.. دائما.. يسود بلادي.. واهل بلادي.. اينما حط الرحال بنا.. لذلك اسميت وطني.. "ليبيا الخير".. وستظل الى الابد.. باذن الله.. ليبيا الخير.. بكل قراها واحيائها ومدنها وصحرائها وسهولها وسواحلها وجبالها.. مهما حاول المرجفون المتخلفون المتعصبون.. الذين تمكنت من قلوبهم الجاهلية.. ان يوقعوا بيننا وبين حب الوطن.. فليبيا وطن يحبنا.. ونحبه.. وسنظل نحبه.. واهله جميعا.. بكل ترابه ولهجاته.. وجهاته.. والى الابد.. باذن الله.

د. فتحي الفاضلي
fathifadhli@yahoo.com
ffadhli@yahoo.com



www.fathifadhli.com

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home