Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli
الكاتب الليبي د. فتحي الفاضلي

الأحد 22 فبراير 2009

الحلقات (من 1 إلى 20)
الحلقة 21   الحلقة 22   الحلقة 23   الحلقة 24

كتاب ( البديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعـد "الثورة" ) (21)

د. فتحي الفاضلي

21- تصـحيح المسيرة.. نحو قفزة نوعية (1)

الرمز لا يفرض نفسه، ولا يٌنتخب، ولا يٌختار،
ولكنه افراز طبيعي، يخرج من اتون المحن التي تمر بها الامم.

يتحدث هذا الفصل من كتاب البديل، عن مفاهيم وقضايا، تحتاج الى وقفة ومراجعة وتصحيح، لكي تتواصل مسيرة المعارضة، قوية سليمة معافاة. لذلك يعتبر هذا الفصل، وقفة تقييمية، وشيء من النقد الذاتي، من اجل مستقبل افضل للمعارضة الليبية، ان شاء الله.

لقد تناولت المعارضة الليبية، وتعاملت، وتفاعلت، مع قضايا ومفاهيم عديدة، احتلت حيزا لا باس به، من مسيرتها اعلاميا وسياسيا وتنظيميا، وقد تناول البعض منا، هذه القضايا والمفاهيم، بصورة جانبت الصواب، فربما يكون في تصحيحها، خيرا لمشوار المعارضة بكاملها. وسنتحدث، فيما يلي، عن هذه القضايا والمفاهيم، باختصار شديد جدا.

قوالب جاهزة..

لابد ان تدرك جميع القوى السياسية الليبية، بما في ذلك القوى الاسلامية، ان الوسائل المناسبة للتعامل مع قضية ما، تختلف من مجتمع الى اخر، ومن بيئة الى اخرى، بالرغم من تشابه القضايا، في اغلب المجتمعات العربية والاسلامية.

كما ان استيراد قوالب نضالية جاهزة، يعتبر، في الغالب، تكرار لنكبات ومآسي سابقة، مرت بها شعوب عربية واسلامية اخرى. فليس من الحكمة، اذا، التعامل مع قضية ليبيا، بمنطلقات ووسائل وافكار، لا تناسب واقعنا الليبي، ولا تناسب بالتالي الخصم السياسي الذي نواجهه. اقول ذلك، دون التغاضي او التجاوز، عن ما يدور في العالم، من تغيرات وتفاعلات فكرية وسياسية واقتصادية.

موقع الجماهير في معادلة التغيير..

كما نلاحظ ان اغلب القوى السياسية الليبية المعارضة، افرادا وتنظيمات، قد اقحمت الجماهير في مشاريعها السياسية (نظريا)، وخاطبتها كاداة رئيسة من ادوات اسقاط النظام، حيث ورد في ادبيات ومطبوعات اغلب القوى المعارضة، ما يفهم منه - مباشرة او غير مباشرة- ضرورة اقحام الجماهير في خطتها لاسقاط النظام في ليبيا. وربما جانب هذا الامر الصواب، ورجح العاطفة، وابتعد، الى حد ما، عن الموضوعية. فالجماهير (غير المنظمة) لا تصلح، في الوطن العربي، كاداة لتغيير انظمة خلقت لقمع الجماهير.

لقد اُضطهد الاسلاميون (على سبيل المثال) في جميع انحاء العالم، بما في ذلك ليبيا، دون ان ترضى الجماهير عن ذلك، ولكن دون ان تقوى، نفس الجماهير، على ايقاف ذلك، بل ودون ان تقوى على الاحتجاج المثمر احيانا، وهي بالطبع غير ملامة على ذلك. كما لم تقو الجماهير في سوريا، على فعل شىء، ازاء النظام السوري، الذي قصف شعبه بطائرات جيشه، ولم تقو الجماهير في مصر، على ايقاف مذابح ومجازر عبد الناصر ضد الاسلاميين، ولم تغير مظاهرات 1967م، التي قامت عقب حرب يونيو، في جميع انحاء العالم العربي شيئاً.

ولم تقدر انتفاضة الطلبة في ليبيا 1976م،على احداث تغييرات جذرية في النظام، وان حققت بعض الاهداف الهامة، ولم تستطع احزاب قومية ويسارية عديدة، في الوطن العربي، تغيير الانظمة، بالرغم من مقدراتها على اثارة الجماهير، وتحريكها واقحامها في معترك الشوارع سياسياً. كما نجحت احزاب يسارية، وقومية، في صناعة الاضطرابات، وتنظيم المظاهرات، والاضرابات، والاعتصامات، ولكن دون ان تسقط نظاما عربيا واحد. وهناك امثلة حية كثيرة على مثل هذه الحالات.

فتحريك الجماهير في مظاهرات عارمة، من حين الى اخر، لن يضع الجماهير في مصاف قوى التغيير، بل ستظل الجماهير في العالم العربي، عاملاً ثانويا، الا اذا توافرت شروط محددة، سنذكرها في هذا الكتاب في موقعها، ان شاء الله.

هذا من جانب، ومن جانب اخر، فان اغلب التنظيمات في الوطن العربي، لا تتذكر الجماهير الا ساعة الحاجة الى "حناجر" للصراخ. فالجماهير مغيبة، حتى اشعار اخر. واستخدام الجماهير، في مثل هذه الاهداف المحدودة، وفي توقيت خاص، امر فيه من احتقار للجماهير، ما فيه، حتى لو جاء هذا الامر بحسن نية.

لقد دأبت القوى السياسية المعارضة، في العالم العربي والاسلامي، بكافة مدارسها واطيافها، على تعبئة الجماهير "تعبئة" مؤقتة، بينما كان يجب ان تعمل القوى السياسية على "تثقيف" الجماهير، "ثقافة" دائمة. فالتعبئة امر مؤقت، مرتبط بحدث وزمن معينن، اما التثقيف، فسيؤدي الى بناء شخصية ذات هدف واضح، مرسوم محدد، ويؤدي ايضا، الى ترسيخ هوية، وخلق شخصية ذات مباديء ومفاهيم دائمة ثابتة، لكل زمان وحدث ومكان، وهذه المهمة (تثقيف الجماهير) هي، اليوم، من اهم مهام النخبة، او الصفوة، او الطبقة المنظمة، او الطبقة المثقفة، او التنظيمات، والاحزاب، والحركات، والجماعات، المتواجدة على الساحة الليبية، في الداخل او الخارج.

ويتكون التثقيف الذي اعنية، من عناصر عدة، اذا اكتملت في فرد، او مجتمع ما، فقد تتحكم الجماهير في بعض مفاتح او عناصر التغيير في ذلك المجتمع. واقوى الثقافات، ما احتوت على فكر، او عقيدة، او هدف مصيري، مركزي، يلتف حوله الناس.

اما الجماهير الفقيرة فكريا وعقائدياً، او الجماهير التي لا توحدها اهداف ومعايير محددة، فلا تصلح الا لما ارادت لها الانظمة، او الاحزاب المعارضة، اي مجرد اداة للصراخ او الهتاف او الهرولة في الشوارع، متى طلب منها ذلك، او متى دُفعت الى ذلك. واذا لم تكن الجماهير مثقفة منظمة واعية مسيسة، فلن يستفاد الا من حناجرها، في صناعة الاخبار الرئيسية، ثم تنتهي مهمتها وفائدتها، مع اخر صرخة في الشارع. ولا اشير هنا الى الاعتصامات والمظاهرات، التي تنظمها المعارضة الليبية، من حين لاخر، وبمختلف لجانها وافرادها وتنظيماتها، او التي تقوم بها لجان حقوق الانسان الليبية، فلتلك المظاهرات والاعتصامات، هدف محدد، واهمية خاصة، ومطالب معينة، لكنني اتحدث عن اقحام الجماهير كاداة لاسقاط الانظمة عمليا.

فجزء كبير من معركتنا اذاً، هي معركة ترسيخ الهوية، ورسم هدف مصيري، او اهداف مصيرية، يلتف حولها الناس، فتصبح الجماهير، ذات ارادة واحدة وهدف واحد، فتتحول الى اداة رئيسية فعالة من ادوات التغيير.

انحصار..

من الملاحظ ايضا، ان نشاطات اغلب التنظيمات والافراد، قد انحصرت في متابعة الاحداث والمستجدات في ليبيا، والتفاعل معها اعلامياً، اما بتناقلها او التعليق عليها او استنكارها، عبر بيانات او مناشير او مقالات غالباً ما تتمحور حول استنكار ممارسات النظام وتصرفاته، وهذا جهد مهم، طيب، مشكور، لكنه محدود لا يغطي القضية من جميع جوانبها، ولن يزحزح هذا المجهود النظام قيد انملة، بل قد ينحرف الاكتفاء باصدار البيانات السياسية، التي تدين النظام، من حين الى اخر، باهداف ومهام المعارضة، فتصبح مهام نظرية، تتلاشى معها فكرة اسقاط النظام او تغييره او مجرد التأثير فيه. لابد اذا، من احداث نقلة نوعية في هذا المضمار، اذا اردنا الخروج من هذا المازق، ومواصلة المشوار، بصورة سليمة. غـياب..

شكلت، الطبقة المثقفة، الاغلبية الساحقة من منتسبي التنظيمات السياسية، وهذه الطبقة، لا تعتبر نموذجا متكاملا، يمثل كافة قطاعات الشعب الليبي وانتماءاته المختلفة. فقد سبب غياب الفئات الاخرى، وبدون شك، في فقدان جوانب تنظيمية، واجتماعية، وسياسية عديدة، ياتي على قمتها، طبيعة الاهداف التي حددتها التنظيمات والقوى المعارضة لنفسها. لقد غابت اهداف وتصورات، غيابا نهائيا، وجانبت الواقعية اهداف وتصورات اخرى، بسبب غياب فئات وشرائح من المجتمع الليبي، ذات رؤى وتطلعات وطموحات واهداف وتصورات مختلفة، فعلى التنظيمات، ان ارادت مواصلة المسير، او ارادت تأسيس تنظيمات جديدة، مستندة على اسس وقواعد عملية وعلمية، في ليبيا او خارج ليبيا، ان تحرص على ان تمثل قواعدها ومنتسبيها وقياداتها، كافة قطاعات الجماهير التي تعمل بها ومن اجلها. وربما يكون تحويل المعارضة (في الداخل والخارج) الى تيار عام، احد الحلول للخروج من هذا المازق.

بين الفردية والمؤسسة..

لابد ان تكون المؤسسة المعارضة، معتبرة بجوهرها لا باشخاصها، سوى تمثلت هذه المؤسسة في هيئة او جبهة او جماعة او حزب، او غير ذلك من اشكال التجمعات. فالمؤسسة، متمثلة في الاهداف والمنطلقات المتفق عليها، لابد ان تكون هي السلطة العليا، حتى نضمن متابعة المتغيرات، ومحاسبة القادة، وتصحيح مسار التنظيمات والجماعات. ولن يتأتى ذلك الا باحترام المؤسسة، وتطويرها والمحافظة عليها.

وعندما تموت المؤسسة، او تجمد، او تغتال، او تكون مجرد لافتة ومظاهر جوفاء، سيموت معها كل شيء اخر، فلا نضال بدون احترام للتنظيم، ومنطلقاته واهدافه، وقوانينه ونظمه ولوائحه وودستوره وهياكله. ولا يزال امام الجماعات والحركات والاحزاب والتنظيمات، بمختلف انماطها، متسع من الوقت، لبناء مؤسساتها، ومتسع من الوقت لوقفة تقييمية جادة، من اجل انطلاقة عقلانية جديدة رائدة، تبني بعدها مؤسسات عصرية، تقود العمل بدل ان يقاد بافراد ومجاميع. فالنضال والكفاح والجهاد، امور لا تنحصر في زمان او مكان، خاصة اذا استند النضال والجهاد والكفاح، على قيم ومبادىء، لا تتغير بتغير الظروف والاحداث والوقائع والاهواء والمواقف.

المؤسسة اذا، كهيئة او جماعة او حزب او جبهة او لجنة، تاتي اهميتها، قبل الافراد، واذا كان هناك من خيار، فالبقاء يجب ان يكون للمؤسسة، على حساب الافراد، لا للافراد، على حساب المؤسسة.

عقد وتعاقد..

يتبع ما سبق، عن المؤسسة، ضرورة الرجوع الى القواعد، بل الى جميع الكوادر، قبل اتخاذ قرارات حساسة تخص منطلقات ومبادىء واهداف المؤسسة، فهذا امرٌ لا خيار للقيادة فيه. لقد تأسست التنظيمات اصلا، استنادا على ثوابت ومبادىء وقيم، تم الاتفاق عليها، بين منتسبي وقيادات التنظيمات. لذلك، مثلت هذه الثوابت والمباديء والقيم "عقد" بين القاعدة والقيادة، فليس من حق القيادة، مهما بلغ اخلاصها، ان تحرف او تعدل او تغير او تتجاوز عن شيئا من ذلك، دون الرجوع الى الاطراف المتعاقدة. لكن من حق القيادة طرح ما تراه من تغييرات او تعديلات او اضافات، وللتنظيم بعد ذلك، ان يقبل او يرفض ما يراه. بذلك لا يموت التنظيم، ولا تقتله الفردية او المركزية.

ومهما كانت وجهة او طبيعة المنطلقات والمبادىء، فهي تمثل ثوابت التنظيم، وتمثل العهد الذي يلتف حوله الناس، داخل التجمع الواحد، فاذا غير او عدل او الغي او خولف، جل او بعض هذا العهد، او تم التصرف خارج نطاقه، كعقد تحالفات ومعاهدات او اصدار قرارات تخالف هذه الثوابت، فهذا الغاء للرابط الذي ربط الناس اصلاً. والتعامل السياسي، بوسائل تعارض او تنافي او تخالف المنطلقات والمباديء المتفق عليها، يدخل ضمن القضايا التي يجب ان يطلع عليها منتسبو التنظيم دون استثناء، ولا تدخل هذه الامور ضمن القضايا السرية، التي يجب تداولها على نطاق ضيق.

القائد.. والقائد الرمز..

تتفاعل امتنا تفاعلا ايجابيا مع الرمز، وتستجيب له، وتفضل ان تقاد به، خاصة في مراحل "الجهاد" و"النضال" و"الكفاح"، واثناء المحن التي تمر بها امة ما. بل ان الرموز جزء من تاريخنا وتراثنا وثقافتنا.

فالرمز يشد من ازر اتباعه واخوانه وشعبه.. يعيش بهم وبينهم.. ويبث الحماس فيهم.. ويرفع من معنوياتهم.. ويستنهض هممهم.. ويوقظ ضمائرهم.. ويشد من عزائمهم.. ويدفعهم الى الابداع والتفوق والانتاج.. وهو للجميع اب واخ وخادم.. فتراه محركا لقضاياهم.. يندفع للعمل والعطاء والانتاج.. قبل الجميع.. يضحي بالغالي والنفيس من اجلهم.. ثم تراه.. قبل كل ذلك.. على رأس الخطر.. كلما تطلب الامر ذلك... وللرمز.. فوق ذلك.. مقدرة عجيبة.. على تحريك الشعوب.. واحياء قضاياها.

والرمز يمثل ايضا الخط الفاصل، بين المسؤول المنتخب، والقائد الذي افرزه واقع او حدث او ظرف، فالرمز لا ينتخب ولا يختار، ولكنه افراز طبيعي. وهو يخرج غالبا من اتون المحن التي يمر بها شعب من الشعوب. فالرمز عنصر ايجابي، اذا كان قادرا على تمثيل قضايا امته من جهة، وقادرا على اداء المهام الخاصة بها من جهة اخرى، ثم الاجماع عليه معنويا، كرمز طبيعي، من جهة ثالثة، هنا يصبح القائد رمزا، وهنا يصبح الرمز ايجابيا، بل مطلوبا ومرغوبا، وهكدا كان عبد القادر الجزائرى، وعبد الكريم الخطابى، وعمر المختار، والقسام، واحمد الشريف، وغيرهم من رموز هذه الامة.

وليبيا، كغيرها من الشعوب الاسلامية، لم تجف منابع الرموز فيها، فكان من بينهم الشهيد الشيخ محمد البشتي رحمه الله، رمزا لمن لا يخشى فى الله لومة لائم، والشهيد صالح الفارسي، رمز للبذل والفداء والعطاء، والشهيد محمد امهذب حفاف، رمزا للثبات على المبادىء، والشهيد المبروك غيث، رمزاً للحكمة والصبر، والشهيد محمد مصطفى رمضان، رمزاً للكلمة الصادقة الصافية، والشهيد احمد احواس، رمز للقائد الصادق الذي سبق جنوده الى الشهادة، ومجموعة بدر، وشباب التيار الجهادي بصفة عامة، وشباب حركة الشهداء، بصفة خاصة، وجميعهم رموز لاحتقار الدنيا، ورموز للشجاعة والجسارة، التي فاقت تصورات البشر، وجميع هؤلاء، هم في النهاية، رموز للعالم الاسلامي المعاصر برمته لا لليبيا وحدها.

لكن القائد قد ينتخب، او قد يتم اختياره، او قد يفرض نفسه بالقوة، او بوسائل اخرى، كما يجري في ليبيا. لكن الرمز لا ينتخب، ولا يختار، ولا يفرض نفسه بالقوة. والقائد قابل للفشل والعجز والتراجع والنكوص والخيانة. اما الرمز فغير قابل لكل ذلك.

وعلى مستوى الدولة، بل وعلى مستوى التنظيمات والمؤسسات، لابد ان تتغير القيادة، اذا تجاوزت المباديء والدساتير واللوائح والهياكل التنظيمية، او اذا توقف نمو التنظيم وتطوره، وتطويره، وهُمشت القواعد، وغاب، او انعدم، الانتاج السياسي، فبقاء القيادة، في مثل هذه الحالة، يعتبر انتحارا سياسيا، وتصبح وقفة التقييم والمحاسبة والتغيير، واجبا وضرورة، بل هدفا لا يمكن مواصلة المسير الا بتحقيقه.

فالموسسة او التنظيم، جسم حي، يتفاعل مع وقائع وقضايا يومية، متحركة ومتغيرة ومتقلبة، ولا يتفاعل مع قضايا جامدة ميتة هامدة، فاذا تسمر التنظيم في موقعه، وتعامل مع الوقائع والاحداث بعقلية متحجرة، وسط واقع يموج بالمستجدات والمتغييرات، في الوسائل والاساليب والاستراتيجيات، فسيتحول هذا التنظيم، الى جسد ميت، يحاول ان ينافس اجساماً حية متحركة. والجمود، خطوة من خطوات الانتحار السياسي، خاصة بالنسبة للتنظيمات التى تنادي باسقاط النظام، وتسعى الى تقديم بديل سياسي عنه، فجمود القيادة فيها، يصبح مرضاً وسذاجة وغباء.

والقيادة المقصودة هنا، هي القيادة القادرة على التعامل مع الواقع، والقادرة على صناعة الاحداث، وعلى التاثير الايجابي في المجتمع المراد تغييره، او التاثير عليه. والقيادة المقصودة هنا، هي ايضاً، قيادة المؤسسات، لا قيادة الافراد او اللجان، فنمط القيادة التقليدية، لم تعد في هذا العصر ذات تاثير فعال. اي ان مجموعة "التكنوقراط" او "الفنيين" او "التنفيذيين"، التي يقودها مسؤول او لجنة او مجلس، ليست التركيبة التي تناسب القرن الواحد والعشرين، بل يناسب هذا العصر، مؤسسات متخصصة مستقلة في هياكلها وخططها وابحاثها ومهامها وانتاجها، ولا بأس ان تتبع في نفس الوقت، حزبا او جماعة او فكراً او حركة او منهجا معيناً. واعداء التيار الاسلامي، على سبيل المثال، وان ظهروا احياناً بمظهر التعجل والتهور المصطنع، الا انهم مستندون في تحركاتهم وقراراتهم وبرامجهم وخطابهم، على دراسات وابحاث دقيقة، تشرف عليها مؤسسات محلية وعالمية متخصصة، تعمل وسط الجماهير، التي تقودها تلك الانظمة.

طمس..

دأب النظام على طمس تاريخ ليبيا الثقافي والسياسي، وحصره في فترتي العهدين الملكي والعسكري، ليكسب بذلك مادة سياسية اعلامية وقودها اخطاء العهد الماضي، وليضرب ايضاً حصاراً ثقافياً، حول قرون عديدة من تاريخ ليبيا الاسلامي، الغني بالمشاركة السياسية والحضارية في شتى مجالات الحياة، فيبرر النظام بذلك انقلابه على النظام السابق من جهة، ويقدم نفسه كبديل طبيعي للعهد الملكي من جهة ثانية، ويطمس تاريخ ليبيا الاسلامي من جهة ثالثة.

ولقد تميز العهد الملكي بايجابيات لا حصر لها، وخاصة فيما يتعلق بالامن، وحقوق الانسان، والامان، وما يتعلق بالمحافظة على الشعائر الدينية، وحرية الصحافة، وحرية السفر، والصحة، والتعليم، والنشاطات الثقافية، والاقتصادية. وللعهد السابق، بالرغم من ذلك، اخطاء عديدة ايضاً، وله اعداؤه ومنتقدوه ومعارضوه، لاسباب بعضها تاريخي يعود الى بيعة الملك ادريس (رحمه الله)، اميراً للبلاد، وتواجد القواعد العسكرية الامريكية، وحالة الجيش، وقلة امكانياته وضعفه، وعدم مشاركة، العهد الملكي، فى القضايا العربية بصورة مكثفة.

والحكمة تتطلب التركيز على ايجابيات العهد الملكي، وتحديد سلبياته، بموضوعية، بعيداً عن العاطفة، وبعيداً عن التجني ايضا، وذلك من اجل استخراج ما هو صالح منها ونبذ ما هو سلبي. وعلى كل حال، فان اخطاء العهد الملكي لا تجعل من العهد العسكري، بديلاً مقبولاً، لذلك لابد ان نحصر في حواراتنا الثقافية هذا الامر، وان لا يكون ديدننا المقارنة بين العهدين.

ولابد للقوى الثقافية والسياسية في ليبيا، كي تحطم هذا الحصار الثقافي، الذي يحاول العهد العسكري، ان يحصرنا فيه، ان تركز على دور ليبيا التاريخي والحضاري بالكامل، وان تتحدث عن الجذور التاريخية للبلاد، وان تدرك دائماً ان ليبيا، وكغيرها من الشعوب الاسلامية، ذات تاريخ عريق، لا يعود الى ثلاثة عقود فقط، بل الى قرون عديدة، زاخرة بالعطاء والمشاركة، فى صناعة الحضارة والمدنية، وزاخرة بالمساهمة فى صناعة التاريخ الانساني بصفة عامة، فنكون، اذا فعلنا ذلك، قد اعطينا لصراعنا مع النظام الحالي، بعداً يناسب الصراع العالمي، الذي تخوضه الامم والشعوب الاسلامية، حاليا في ترسيخ، بل في فرض هويتها الاسلامية، ونخرج بذلك من الحيز الضيق الذي حشر النظام فيه تاريخ ليبيا، في سنين معدودة، ادراكاً منه، ان تاريخ الامم، هو احد اهم مصادر قوتها.

تنافس وصراع..

ورأينا، عبر تتبعنا لمسيرة المعارضة، ان الصراع الفكري بين التنظيمات، قد احتد، نتيجة لتعدد وتنوع اتجاهاتها الفكرية والثقافية والسياسية، وهذا امر متوقع ومحمود، في ظل دولة مستقرة سياسياً، وتسمح في نفس الوقت، بالتعددية السياسية. لكنه لا يصلح بهذا الحجم، في مرحلة نضال وجهاد وكفاح. وفي الوقت الذي لا يتطرق الى احد منا شك، في اهمية الصراع الفكري ، حتى في مرحلة النضال، لكن الصراع الفكري والثقافي يمثل جزءاً من الصراع العام، ولا يمثل الصراع بكامله، فتغليب كفة الصراع الفكري والثقافي بين التنظيمات، على كفة الصراع الانتاجي العملي، ضد النظام القائم، قد يؤدي الى الفشل والعجز. او قد يكون، على اقل تقدير، دليلاً عليهما، فالمبالغة في هذا الجانب، على حساب البرامج النضالية، امراً غير محمود.

اعلام..

ويسعى النظام، وكما ادركنا، الى خلق جيل منعزل عن ماضيه، وبالتالي عن امجاده، واصالته وعراقته، ويسعى في نفس الوقت، الى اضعاف الانتماء بين افراد الشعب الليبي، عبر خلق فوضى ثقافية واعلامية، تحصر الناس في حيز ثقافي ضيق، محشو بالخزعبلات، والترهات، كتوزيع الثروة، والقفازات، والكميونات والغاء اسم فلان وعلان، والنياق، والخيمة، والملابس المطرزة، وغير ذلك من قضايا واحداث وقرارات، لا علاقة لها بامور الدولة الاساسية، كالاقتصاد، وحقوق الانسان، والحريات العامة، واحداث المنطقة، وتاثيرها على الشعب الليبي، والممارسات التي تجذب ليبيا، كل يوم عشرات السنين، الى الوراء، وحرمان الناس، من تكوين واكتساب نظرة شمولية، عن الاحداث والوقائع التي تمر بها ليبيا، ودورها بين دول العالم، والتقدم العلمي في ليبيا، والاختراعات، والنوادي العلمية، والصحة، والعلوم، والثقافة، والتعليم، ودور الانسان في ليبيا، في مجال الطب، والهندسة، والعلوم، لذلك يجب ان تعمل القوى السياسية والثقافية الليبية، على ابراز هذه القضايا، وان تعمل على ان يكون اعلامها اكثر عمقاً، فتبحث عن مرامي النظام، واهدافه الاستراتيجية البعيدة المدى، وتضادها خطاباً بما يعاكسها، وان لا تكتفي القوى الثقافية والسياسية، بترديد ما يفعله او ما يقرره النظام، ثم تقوم باستنكاره او التعليق عليه او السخرية منه، او الاكتفاء بتغطيته كخبر من الاخبار، بل يجب ان يضاد اعلام الرفض، الاهداف الجوهرية للنظام، فاعلام كهذا، سوف يفيد ويبني ليبيا، سواء قبل به النظام، او لم يقبل به، وسواء بقى النظام، او لم يبق.

والى اللقاء.. مع الحلقة الثانية والعشرين.. باذن الله.. ومواصلة الحديث عن تصحيح المسيرة.. ونحو قفزة نوعية (2)، والله من وراء القصد.

د. فتحي الفاضلي
ffadhli@yahoo.com
www.fathifadhli.com


الحلقات (من 1 إلى 20)
الحلقة 21   الحلقة 22   الحلقة 23   الحلقة 24

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home