Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli
الكاتب الليبي د. فتحي الفاضلي

الإثنين 22 فبراير 2010

حركة مسجد القصر:
الجزء الثاني: يوم الزينة.. وبراءة الشهداء..

د. فتحي الفاضلي

لو اعدمنا كل من يتفق مع الشيخ البشتي وتلاميذه الكرام،
لوجب اعدام ثلاثة ارباع العالم الاسلامي على الاقل، بما في ذلك ملايين الليبيين.

اصدرت المحكمة الثورية الدائمة، احكامها في قضية "حركة مسجد القصر"، وذلك في التاسع من مايو من عام 1983م. وقد جاء منطوق الحكم، كالتالي: "حكمت المحكمة الثورية الدائمة، حضوريا، على كل من: اولا محمد رشيد منصور كعبار، بالاعدام شنقا حتى الموت. ثانيا: تصادق المحكمة الثورية الدائمة على حكم الاعدام، المنفذ من قبل اللجان الثورية، على كل من: محمد عبد السلام البشتي، وناجي مصباح الفرجاني (احد تلاميذ الشيخ)". وحسب منطوق هذا الحكم، فان الحكم باعدام الشيخ البشتي، قد تم ونفذ قبل محاكمته، كما يدل ايضا، على ان تنفيذ حكم الاعدام، قد تم على ايدي اللجان الثورية. هذا من جهة.

ومن جهة اخرى، ذكر سيف الاسلام، في عام 2008م، في تصريح مفاجيء، حول حركة مسجد القصر، جاء فيه ان الشيخ البشتي، قد قتل على ايدي احد رجال الامن، في احدى الغابات، وان قبره ما زال مجهولا. وحسب هذا التصريح، يكون الشيخ البشتي، قد قتل على ايدي احد رجال الامن.

هناك اذا تناقضا واضحا، بين ما جاء في منطوق المحكمة الثورية الدائمة، من ان اللجان الثورية هي التي قتلت الشيخ، وبين ما صرح به سيف الاسلام، من ان احد رجال الامن، هو الذي قام بقتل الشيخ البشتي. ويدفعنا، هذا التناقض، الى ضرورة اعادة قراءة ادلة ووثائق ومحاضر النظام، الخاصة بحركة مسجد القصر. تلك الوثائق والادلة التي استند عليها النظام في قتل مجموعة من المواطنيين الابرياء، من خيرة ابناء ليبيا. كما يدفعنا هذا التناقض، وبالطبع، الى محاولة الوقوف على سر هذا التناقض نفسه، والذي لا نحسبه اعتباطيا، خاصة وان جميع الوثائق والاشرطة قد نشرت وبثت، على مواقع النظام، وما زالت موجودة حتى كتابة هذا المقال.

وقد سبق وان تحدثنا، في الجزء الاول، من هذا العرض، تحت عنوان "من ضحايا الارهاب: شهداء السنة"، عن الشهداء لطفي امقيق، ومنير دوزان، وحافظ المدني، ورشيد كعبار، تلاميذ الشيخ البشتي، وهم شباب في عمر الورود، قتلهم نظامنا الاحمق، ظلما وخسة وعدوانا. كما تحدثنا قبل ذلك، عن الشيخ الشهيد محمد البشتي، ضمن سلسلة "اوسمة على صدر الوطن". وسنقوم في هذا الجزء باذن الله، بقراءة اخرى، في محاضر ووثاتق وادلة النظام الخاصة بحركة مسجد القصر. فلعلنا نقف على ما يبرر هذه الجرائم البشعة، التي اقترفها النظام في حق مواطنيين عزل ابرياء.

فعقب تصريح سيف الاسلام المذكور، نشر موقع "نداء القذافي"، محاضر التحقيق في هذه القضية، ومنطوق الحكم، الذي اصدرته المحكمة الثورية الدائمة، والشكوى التي تقدم بها السيد ابن الشيخ البشتي، ومقاطع من اشرطة مرئية، ظهر فيها الشيخ البشتي، والشهيد رشيد كعبار.

لقد ظهر الشيخ الجليل، محمد البشتي، في تلك الاشرطة المرئية، وهو يُستجوب، او يُحاكم من قبل اشخاص، يفترض انهم من العلماء، او من رجال الدين (كما تطلق عليهم الانظمة غالبا). وكان بعضهم يناقش الشيخ البشتي، وغيرهم يحاججونه، واخرون يناظرونه، ولكن بلهجة ملامة، وتقريع، وتسفيه. وكان واحد منهم، على الاقل، يخاطب الشيخ بلهجة، هي مزيج من شماتة وتشفي وسخرية.

ليس ذلك فحسب، بل كلما اخذ الحديث مجرى، يصب في صالح الشيخ وتلاميذه البررة، كان احد اذيال النظام، من الذين لا يظهرون في الشريط،، يسأل الشيخ، من وراء حجاب، اسئلة مختارة، مقصودة، وموجهة، تصب جميعها، في خانة الخيانة والتخوين. لقد ظهر الجمع، وكأنه في يوم الزينة. جموع يفترض ان تتصدي للطاغوت، رأيناها تساند الطاغوت ضد خيرة ابناء الوطن.

ولانه لا يمكن الاشارة الى الشيخ البشتي، دون الاشارة الى تلاميذه الكرام، فقد ظهر في الشريط،، ايضا، شهيدنا الشاب الكريم رشيد كعبار، وكان يُذكر الشيخ، ومن حين الى اخر، بجمل وكلمات واحداث، لا علاقة لها بالحوار القائم، او بالاسئلة المطروحة، موضوع النقاش في تلك اللحظة.

والنظام يريد ان يوهم الناس، ان هذه الجلسات، هي جلسات التحقيق، التي ادت نتائجه الى النطق بحكم الاعدام، ضد الشيخ وتلاميذه. وبذلك يوهم الناس ايضا، ان التحقيق قد جرى بشفافية، على الهواء، وفي اجواء من الحرية، يستطيع، من شاء، ان يقول، ما شاء، بما في ذلك الضحايا، دون قمع وارهاب وتعذيب واكراه. فها هي مجموعة من المواطنيين الليبيين، تحاور او تحاكم مجموعة اخرى، من المواطنيين المدنيين الليبييين. فالشعب اذا، يحكم نفسه، بنفسه. ليس ذلك فحسب، بل وليوهم الناس ايضا، ان علماء السلطان، الذين ضحكت عليهم اللجان الارهابية، وورطتهم في هذا الموقف المخزيء، هم الذين اصدروا قرار الاعدام. وبالتالي فان اللجان الارهابية، والنظام، ومعمر، ابرياء، من هذه الاحكام.

لكن الحقيقة، التي يدركها الجميع، هي ان جلسات الضرب، والحرق، والتعذيب، والتعليق بالسقف، والتهديد، وانتزاع الاقوال، التي يريدها معمر، ويريدها النظام، لم تتم، في تلك الجلسات المدنية، العلنية، التي سمح النظام ببثها، على الناس علنا، بل جرت تحت مظلة النظام ولجانه الارهابية، واجهزته الامنية، داخل المعتقلات، وبالذات داخل المثابة الثورية طرابلس المركز. وهي جلسات تحقيق، او بالاحرى، جلسات تعذيب مغلقة، لا يحضرها الا كلاب الدم، وضحاياهم من المواطنيين الليبيين. وهي كذلك جلسات ارهابية، لا يتوانى حتى الرضيع، عن الاعتراف، بانه جزء من مخطط، لقلب نظام الحكم، من هول ما تحويه من تعذيب.

الجلسات التي شاهدنا بعضها، تمت، اذا، بعد ان شبع الضحايا من الضرب، والتعذيب، والترغيب، والوعد، والاكراه، والوعيد، على ايدي اللجان الارهابية، وعلى ايدي الجحافل، وجحافل الجحافل، والردع، وردع الردع، والمثابات المركزية، والمحلية، والمخابرات، والامن، والامن العام، والامن الخاص، وغيرها من مؤسسات معمر الانسانية. تماما كما حدث في معسكر السابع من ابريل، فبعد جلسات التعذيب، التي لا يطيقها الحجر، كان يؤتى بالضحايا، ويلقى عليهم اسئلة موجهة، على الشاشة المرئية، للاعتراف، وطلب العفو والمغفرة، ايهاما للناس، ان ما يرونه على الهواء، هو الجلسات الوحيدة، التي جرت مع المتهمين، وان مجرى التحقيق، قد سار بهدؤء وسلام، وانتهى باعتراف الجناة، طوعا، وبارادتهم، ودون اكراه. الامر الثاني وكما اشارت العديد من الاقلام الوطنية، ان الاجزاء التي بثت من الاشرطة، لم تكن فقط مختارة، بل كانت "مختارة"، و"مركبة"، في نفس الوقت، وبطريقة، تُظهر الضحايا، كمذنبين، او تلقي، على الاقل، الشكوك، حول ممارسات بعضهم.

كانت التهمة الرئيسية التي وجهتها اللجان الثورية الى الشهيد رشيد كعبار، هي: "الاشتراك والعمل في تنظيم سياسي، ضد سلطة الشعب، تحت ستار ديني، يدعى الحركة الوهابية، مدعوم من قبل اسرة آل سعود". (انظر محضر التحقيق).

وذلك بالاضافة الى باقة اخرى من التهم، لا اول لها ولا اخر، منها، على سبيل المثال: ان رشيد كعبار، متفق مع الشيخ البشتي في ارائه وافكاره، وان البشتي قد سيطر عليه بافكاره، واستطاع استقطابه، وانه كان مقتنعا، اقتناعا تاما، بكل ما يقوله البشتي، وانه يعمل ضد سلطة الشعب. وان رشيد كعبار قد اعترف بكل ذلك.

اما مجموعة التهم التي وجهت الى الشيخ البشتي، كما ورد في الوثائق، وسمعنا عبر الاشرطة المذكورة، فمنها ان الشيخ البشتي، يدعو الى اعادة الخلافة، وضرورة انضواء الدول الاسلامية تحت راية واحدة، وان الشيخ البشتي قد حضر مؤتمرا لاعداد الدعاة في مكة، وان الشيخ البشتي قد قال ما قال، وفعل ما فعل، بدافع الطمع، وانه كان يخطط لنشر المذهب الوهابي، والقيام بتفجيرات في اماكن متفرقة. بالاضافة الى تكفير الليبيين، وتسفيه احلامهم. بل وجه احدهم، اللوم الى الشيخ البشتي، لانه (افتراضا) راضي على اضفاء لقب جل جلاله لملك السعودية، مما يخالف رسالة التوحيد، ويخالف المذهب الوهابي. ولا ادري ما سيقوله ذلك "العالم"، اليوم، عن الالقاب التي يحملها، سيده القائد، بما في ذلك "ملك الملوك".

بل واضاف احدهم قائلا: "ان تسامحنا يزيد في القضية"، اي ان روح التسامح، هي التي جعلت الشيخ وتلاميذه يتمادون!!!. ولا ادرى ما الذي يقصده الرجل بـ"تسامحنا"، هل يقصد تسامح النظام، ام اللجان الثورية، ام تسامح الامن، بينما كل شيء في هذا الكون، يثبت انه لا وجود لهذا المصطلح في قواميسهم الارهابية. بل لا ادري ايضا، ما هو الامر، الذي تمادى فيه الشيخ وتلاميذه.

ليس ذلك فحسب بل سأل الجبان، الذي يتحدث من وراء حجاب، سأل الشيخ، قائلا: ما هو الدور الذي انيط بك (بالشيخ) في مؤتمراعداد الدعاة؟، وذلك في محاولة، دنيئة حقيرة لتهويل وتضخيم الحدث (المؤتمر)، وصبغه بروح المؤامرة، والتخطيط،،وتوزيع الادوار، بينما مثل هذه المؤتمرات، او الدورات، او ورش العمل، يقوم بتنظيمها اليوم، حتى المدارس والمعاهد والجامعات، بل وتنظمها بعض المساجد، في انحاء متفرقة، من العالم، وعلى مدار السنة تقريبا، وعلى ايدي الدعاة، في اغلب الدول الاسلامية، وهي نوع من النشاطات العلنية المدنية السلمية من اجل تدريب الائمة والدعاة.

وحتى المواضيع، التي كان يتحدث عنها الشيخ البشتي، دخلت ضمن قائمة الاتهامات. فقد كان من ضمن الاسئلة التي طُرحت على الشهيد الشاب الكريم رشيد كعبار، في محضر التحقيق، سؤال يقول: اذكر لنا المواضيع التي كان الشيخ البشتي يرددها بالمسجد، وفي لقاءته والدروس؟. فعدد لهم الشهيد المواضيع التالية: محاربة اعداء السنة، العقيد عميل، تجييش البنات حرام، تدريب الشباب والطلبة خطأ (الشيخ يقصد "اثنا الدراسة" لكن محضر التحقيق لم يذكر فقرة "اثناء الدراسة")، حث الحاضرين على الزواج المبكر، زيارة القبور والتمسح بها شرك بالله، دعوة الحاضرين، الى توصيل ما يفهمونه، من الدروس (دروس الشيخ)، الى اصدقائهم واقاربهم، مصافحة النساء، تغيير العملة، وتحريم اخذ اموال الناس، مهاجمة سلطة الشعب والكتاب الاخضر، اللجان الثورية عساكر سوسة، لا يتبعون الدين.

ولا ادري، من؟ من الليبيين، لا يتفق مع نظرة الشيخ وتلاميذه، بخصوص هذه القضايا. بل لقد اثبتت الايام، صحة ما ذهب اليه الشيخ البشتي، في جميع هذه المواضيع. فالليبيين،بما في ذلك اعوان النظام، يدركون سخافة الكتاب الاخضر، وسطحيته، ويدركون ان اللجان الثورية، اداة قمع، وارهاب، وتفريق بين الناس. فلو اعدمنا كل من يردد، ما ردده الشيخ البشتي، لوجب اعدام الملايين من الليبيين، بل مئات الملايين من العالم الاسلامي.

وهكذا اعد النظام الارعن، خليط من التهم، لا يناسب بعضها البعض، فمن الدعوة الى اعادة الخلافة، الى استخدام زجاجات المولوتوف في عمليات تفجيرية، الى نشر المذهب الوهابي، الى اخراج الروس من ليبيا، الى مشاركة في مؤتمر للدعاة، والى غير ذلك، من تهم لا يربط بينها رابط،، ولا يمكن لجماعة او حركة، ان تتبنى هذا الخليط، غيرالمتجانس من الاهداف، والمنطلقات، فما بالك بحركة، محدودة العدد والعدة والامكانيات.

بل كيف تحتاج، حركة تنوي محاربة سلطة الشعب، واسقاطها، او بالاحرى، تنوي اسقاط نظام عسكري، ديكتاتوري، يتحكم في بلايين البلايين، من واردات النفط،، كيف تحتاج، هذه الحركة، الى شخص واحد (يوغسلافي كان او غير ذلك)، لتزويدها بزجاجات فارغة، او تعليمها كيفية صناعة قنبلة المولوتوف، بينما يفترض، ان هذه الحركة، مدعومة باحدى اغنى دول العالم نفطيا (السعودية). وكيف سيتم، اسقاط، النظام بزجاجات المولوتوف، ولماذا لا يزود النظام السعودي، الحركة بما تحتاجه، من اسلحة، وادوات، واجهزة متقدمة، بدلا من زجاجات الببسي الفارغة. بالطبع لن نحتاج هنا الى علامة استفهام واحدة.

فهذه التهم الركيكة، تدل على ركاكة صاحبها، الذي قام بصياغتها، وعلى الاستهتار بعقول الليبيين، بل بعقول البشر. ليس ذلك فحسب، بل تدل، على نية مبيتة، لارضا الهتهم، الذي يعكفون عليه. فثلاثة ارباع هذه التهم، محض افتراء، ودجل، وتلفيق. اما الربع الاخر، فلا يمكن، باية حال، ادراجه تحت باب التهم اصلا.

فكل ما ورد في هذه التهم، مصطلحات هلامية، لاتدل على فعل ملموس، يجرم صاحبه، بل لا تكفي حتى الى جره الى التحقيق. فما هي الاشكالية، على سبيل المثال، في رفض التجنيد، او التدريب اثناء الدراسة، فقد رفض هذا الامر كل عاقل في ليبيا، من الطلبة، والموظفين، والمدرسين، واساتذة الجامعة، والتربويين، فلماذا تصبح هذه القضايا، جريمة عندما يتناولها الشيخ البشتي!!. بل ما هي المشكلة في الدعوة الى الزواج المبكر، او نقد الكتاب الاخضر، او سلطة الشعب، او اللجان الثورية.

بل ماذا يعني مصطلح "التأمر على سلطة الشعب"، بينما يدرك الليبيون، اليوم، ان "سلطة الشعب" هو مجرد مصطلح هلامي، يستخدم لتمييع الية اتخاذ القرار، وتغطية الفشل، والهروب، والتملص من المسؤلية، ومن المحاسبة، وتمرير ما يريده السيد، دون سؤال او مماطلة او مسائلة. فلو كانت محاربة هذه المهزلة، التي تسمى سلطة الشعب، والتي ادت بالوطن والشعب، الى ما ادت اليه، تهمة يعتقل صاحبها، لوجب اعتقال الشعب الليبي بكامله اليوم. وحتى لو وجدنا لهذه التهمة معنى (اي التأمر على سلطة الشعب)، وقام الشيخ بمحاربتها، لاعتبرنا الشيخ وتلاميذه اصحاب نظرة ثاقبة، ودراية، بمصلحة البلاد، انطلاقا مما سببته "سلطة الشعب" من عبث وتاخر وفساد.

ثم، ومن جهة اخرى، اين هي "الحركة الوهابية" اليوم، والتي اتهم الشيخ وتلاميذه، بالانتماء اليها. ولماذا كلمة "ستار" التي وردت في صياغة التهمة (محاربة سلطة الشعب، تحت ستار ديني، يدعى الحركة الوهابية). لماذا لا يكون الشيخ البشتي، وتلاميذه الكرام، صادقون في انتمائهم الى الحركة الوهابية، او الى غيرها من الحركات. اتفقنا معهم او لم نتفق. فهل كل من يعارض معمر، هو انسان لا مباديء له، ولا يؤمن بما يرفعه من شعارات، بل يتستر خلفها. وهل الشيوعي، او البعثي او الاسلامي او المستقل، غير صادقين في انتمائتهم، ام ان كل من حارب السيد الالهة، هو كاذب ومخادع ومتستر ودجال، يظهر ما لا يبطن، الا السيد معمر، فهو صادق في كل شيء، ولا يتستر خلف سلطة الشعب، وخلف كتابه الاخضر، وخلف ارائه، ليحقق اهدافه واهداف اسياده.

ان من يريد ان يتستر، في ليبيا، بشيء ما، ليخدع النظام الليبي، لا يتستر بحركة اسلامية. وليبيا، من اقصاها الى اقصاها، واهل ليبيا، صغيرهم وكبيرهم، يدركون ذلك. وهذه اولى السقطات الرئيسية لهذه التهم الملفقة. كيف تتستر مجموعة بحركة سلفية لمحاربة، نظام ارهابي فاشي قمعي، لا يطيق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ولا سنته ولا احاديثه؟. الحقيقة، اذا، ان هذ الحركة والمنتسبين اليها، يؤمنون بما يقولون ويفعلون.

اما تهمة التخطيط لضرب مصالح الروس، في ليبيا، والانتقام من الشيوعيين، فقد كان حديث المجالس، في جميع انحاء ليبيا، في ذلك الوقت تقريبا. فالليبيون (من غير المنتمين الى اليسار)، لا يطيقون الروس اصلا. لقد كان الليبيون، يراقبون الروس ويشاهدونهم، وهم يسرقون خيرات بلادنا، ويتمتعون بها، دون ان يقدموا شيء للبلاد. ليس ذلك فحسب، بل جاءوا وجلبوا معهم افكار ووسائل واساليب، لا علاقة لها بثقافتنا، وهويتنا، وديننا، وعاداتنا، وتقاليدنا. وجلبوا معهم، ما جلبوا، من شعارات القمع، والسحل، والمحق.

كمقولة "ان قتل الثلث من اجل الثلثين يجوز" و "لابد ان تحطم الثورة اعدائها"، و"الطبقات الكادحة" و"الطبقة المقهورة" و"لابد ان نحطم المجتمع البرجوازي"، وذلك "من اجل بناء مجتمع العدل والخير والحرية"، وغير ذلك من مصطلحات لينيين، وتروتسكي، وستالين، وماو، والخمير الحمر، والتي دمرت الاتحاد السوفياتي نفسه. اضف الى كل ذلك، ما تثيره هذه المباديء، والمصطلحات، والمقولات الدموية، والشعارات، من الاحقاد والكراهية والطبقية، بين افراد الوطن الواحد. ان الاسرة الواحدة في ليبيا، تجد من بينها العامل، والموظف، والطبيب، والتاجر، وربة البيت، فلا احقاد ولا كراهية ولا طبقية.

اضف الى كل ذلك، ان الاتحاد السوفياتي (في ذلك الوقت)، كان يدعم النظام القمعي المكروه، من قبل الليبيين، مما زاد من كراهية الشباب الليبي للروس. وحتى الاسلحة الروسية، التي اكل عليها الدهر وشرب، لم تنفع ولمرة واحدة، لا العرب ولا المسلمين، الا في قمع الشعوب. انظروا على سبيل المثال، حرب الايام الستة، او حرب عام 1967م، وفشل الخردة الروسية، في الانذار والهجوم والدفاع، بل انظروا الى فشل الاسلحة الروسية، وخاصة الدبابات الثقيلة، في حرب تشاد، وهزيمة السلاح الروسي، امام سيارات التيوتا المدنية.

هناك اذا اكثر من سبب لبغض الروس في ليبيا، فمن دعمهم للنظام الذي شنق ابناء الوطن، الى الاسلحة الفاشلة، التي ادت الى هزيمة العرب، في جميع حروبهم، وقبض الروس ثمنها بلايين البلايين، من دماء الشعوب، الى تصدير افكار لا تمت الى ثقافتنا بصلة. الى مشاهدة الليبيين للروس، وهم يتمتعون بشواطئنا، وشمسنا، وبلادنا، وهوائنا، بينما نشاهد في نفس الوقت، ابناء الوطن، على اعواد المشانق، محاطين بكلاب مكلوبة، تزبد وترغد وتهدد، وتتغنى بالقصائد، والاهازيج، ابتهاجا بقتل ابناء الوطن. كان كل ذلك يحز في نفوسنا، وكنا نتمنى زوال النظام، وكل من يسانده، بما في ذلك بالطبع الروس.

لكل هذه الاسباب كان الليبيون، وليس فقط الشيخ البشتي، وتلاميذه الكرام، يتمنون زوال الروس من ليبيا، بل كان الحديث عن ضرورة مضايقتهم، وايذائهم، وطردهم من ليبيا، حديث المجالس. فليس عجبا اذا، ان يردد الشيخ البشتي وتلاميذه، ما يردده الناس في جميع انحاء ليبيا.

ما هو اذا سبب فتح ملف الشيخ البشتي من جديد، وما هي التهمة الاصلية اذا؟

اما الاسباب الحقيقية، لاعادة فتح ملف هذه القضية، فمن بينها، تهيئة الاجواء امام التوريث، والتبشير ببداية مرحلة الاصلاح، واعطاء مكانة لاعضاء التوريث، وامتصاص هذه القضية الحساسة، واختطافها من ايدي المعارضة، بالاضافة الى تبرير الجريمة، والتخلص من تبعاتها. ليس ذلك فحسب، بل ان فتح هذا الملف، وغيره من الملفات الحساسة، يحمل في طياته نوع من التهديد المبطن، لبعض، وليس لكل، اعضاء الحرس القديم، من رجال الارهاب، واللجان الثورية، وبعض رجال الامن. ولعلها خطوة متقدمة، للتخلص من بعض الرؤوس، التي اينعت، وحان قطافها، بل "خمجت" حتى كادت ان تتساقط بنفسها. لانها لم تفهم، بعد انه تم الاستغناء، على خدماتها.

اما التهمة المركزية الحقيقية، والتي ادت الى ضرب، حركة مسجد القصر، فتتلخص في ان هذه الحركة، قد شكلت هجوما مكثفا مضادا ناجحا، ضد هجمة النظام على السنة النبوية الشريفة، ومكانتها في التشريع الاسلامي. والنظام لا يستطيع ان يجعل من هذه التهمة (الدفاع عن السنة النبوية) في وثائقه وادلته ومحاضره، تهمة مركزية، بل تجاهل ذلك زيادة في التمويه.

التهم التي قُتل بسببها، خيرة شباب ليبيا، والتي قتل بسببها الشيخ البشتي، اذا، ساقطة اصلا، وباطلة وملفقة منطقيا وواقعا وعمليا. فدمائهم اذا، في رقبة معمر، ونظامه، ورقاب اللجان الارهابية، ولابد من القصاص، لانهم قتلوا ظلما وعدوانا. بل قتلو الاسباب يتفق فيها معهم، الملايين من الليبيين، ومئات الملايين من المسلمين.

هم اذا ابطال، بل شهداء، وليسوا خونة وعملاء، ولابد ان يوثق هذا الامر، وان ينشر في جميع ربوع ليبيا، بين الاجيال الجديدة. بل لابد ان ينشر هذا الامر، في جميع انحاء العالم الاسلامي. ولابد ان توثق وقائع واحداث مسجد القصر، وتحفظ كغيرها من القضايا. فهؤلاء الابطال، الشهداء، شهداء السنة، ملك للامة الاسلامية، بكاملها، وليسوا ملكا لليبيا فقط. وليبيا تفخر بهم، وتنظر اليهم، كهبة من الله، سبحانه وتعالى، ولابد ان يوثق ويسجل في التاريخ، ان معمر وتلاميذه ونظامه، قاموا بقتل فتية من الليبيين، وشباب في عمر الورود، لانهم دافعوا عن سنة الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم. فئة قليلة، لكنها ارعبت بايمانها، النظام، وتصدت لترهاته، وطعنته في صميم كبره، وتصلفه، وغروره. بل، وكشف، هؤلاء الفتية كذبه، وزيفه، وتزييفه، واحتقاره لديننا، وعقائدنا، وتراثنا، وتقاليدنا، وثقافتنا. قتلهم النظام.. فقط.. لانهم دافعوا عن الرسول الكريم، وعن سنته الشريفة.

ولعلني اختم هذا العرض، بكلمات من رصاص، اطلقها الشيخ الشهيد البشتي، من على منبر مسجد القصر، في قلب مدينة طرابلس، ووسط عشرات المثابات الثورية، ومراكز الامن والمعسكرات، والمخابرات، اطلق الشيخ الجليل، هذه الكلمات، فحفرت في ضمير الوطن، الى الابد باذن الله، كلمات، ما زال صداها يدوي، حتى الان، وكانها قيلت بالامس، كلمات احيت، وستحيي باذن الله، اجيالا اخرى، قادمة. يقول الشيخ الجليل، مخاطبا النظام، ورجاله، ومخابراته:

"انني اعلم انكم معنا، تستمعون الى ما اقول، فارجو كتابة ذلك عني: ان السنة تعتبر اصل من اصول التشريع، وان منكرها كافر، وانني لا اخافكم، ولا أهابكم، ولا اخشى في الله لومة لائم، وانني اتحداكم، من على هذا المنبر، جميعكم، وبدون استثناء."

رحم الله شيخنا الجليل، ورحم الله ابناء الوطن، شباب مسجد القصر، وجزاهم الله عنا، وعن بلادنا، كل خير، والهم اهلهم، والوطن، الصبر، والسلوان. ونسأله جميعا، سبحانه وتعالى ان يقتص من الظالمين، اعداء البلاد والدين والعباد. والله المستعان على امره.

للاطلاع على الجزء الاول من هذا العرض: شهداء السنة

للاطلاع على ( أوسمة على صدر الوطن.. : 1. الشيخ الجليل: محمد عبد السلام البشتي )

د. فتحي الفاضلي
fathifadhli@yahoo.com
www.fathifadhli.com

_________________________

المراجع:
1. مشاعل على الطريق.. في الذكرى الرابعة لاستشهاد لطفي امقيق/ موقعة باسم: م. الشويهدي (ربما اسم مستعار)/ المناضل/ صوت وحدة الشهيد لطفي امقيق/ العدد الرابع/ نوفمبر- ديسمبر 1984م / ص 10-11.
2. مشاعل على الطريق.. استشهاد الشاب منير دوزان / المناضل/ صوت وحدة الشهيد لطفي امقيق/ الاتحاد العام لطلبة ليبيا / العدد الاول/ السنة الاولى/ ص 18-19.
3. تعريف بالشهيد لطفي امقيق/ المناضل/ صوت وحدة الشهيد لطفي امقيق/ الاتحاد العام لطلبة ليبيا/ العدد الاول/ السنة الاولى/ ص 4-5.
4. الشيخ والمسجد وجرائم الطغاة / افتتاحية "المسلم" / العددان السادس والسابع /السنة الاولى/ ربيع الثاني/ جمادى الاولى 1401هـ / ص 3-7.
5. البشتي.. مجاهداً محتسباً / "المسلم"/ شوال 1401هـ / ص 10-12.
6. من قضايا الوطن.. الشهيد رشيد كعبار ومدرسة الشيخ البشتي/شهداء ليبيا/ العدد 12/ السنة الرابعة/ ذو القعدة 1404/ اغسطس 1984م/ص 21.
7. سجل الشهداء والضحايا/ "الانقاذ"/ العدد 37/السنة العاشرة/ عدد خاص عن حقوق الانسان في ليبيا/ ربيع الاول 1412هـ/ سبتمبر 1991م/ ص 89 وص 94.
8. جذور الصراع في ليبيا / فتحي الفاضلي/ فبراير 1992م/ ص132-133.
9. كي لا ننسى.. الشيخ محمد البشتي في ذكراه/ فتح الله المجبري/ المسلم/ العدد 22/ السنة السادسة/ جمادى الاولى 1406/ فبراير 1986م/ص20.
10. مؤسسة سيف والاشرطة المدبلجة لتبرير قتل المعارضين السياسيين/ الاستاذ جمعة القماطي/ موقع ليبيا المستقبل/ الجزء الاول/ 1/9/2008م.
11. مؤسسة سيف والاشرطة المدبلجة لتبرير قتل المعارضين السياسيين/ الاستاذ جمعة القماطي/ موقع ليبيا المستقبل/ الجزء الثاني/ 1/9/2008م.
12. القصة الكاملة لحركة الضباط الوحدوين الاحرار في سبتمبر 1969م/ خفايا واسرار/ اخبار ليبيا -31 اغسطس 2006.
13. بعض الحقائق التاريخية عن المجاهد الهادي كعبار/ مختار محمد كعبار/ 26 يونيو 2007/ موقع تبستي.
14. دور اللجان الثورية في تصفية الحركة الطلابية في الداخل/ محمد علي/ موقع جيل ليبيا /30 مايو 2009م.
15. القائمة السوداء في التعليم/ ناديا ابراهيم/ موقع ليبيا المستقبل/7 -4- 2009م.
16. لماذا اعدم رشيد كعبار وحافظ المدني الفقهي/ منتدى ليبيا الحرة/ بوشكارة.
17. موقع نداء القذافي.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home