Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli
الكاتب الليبي د. فتحي الفاضلي

الإثنين 21 سبتمبر 2009

الحلقات (من 1 إلى 20)
الحلقة 21   الحلقة 22   الحلقة 23   الحلقة 24

كتاب ( البديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعـد "الثورة" ) (23)

د. فتحي الفاضلي

استمر الاسلام السياسي في ليبيا قوة، يصنع الاحداث، ويتفاعل معها، منذ الفتح، والى ما بعد سقوط الخلافة الاسلامية، وما تخلل ذلك من عهود وحركات، كالعهد "القره مانلي"، و"الحركة "السنوسية" على سبيل المثال. ولم تكن مسيرة الاسلام السياسي في ليبيا، مسيرة هينة لينة، بل كان يمر، ومن حين الى اخر، بازمات حادة، يعود بعدها ليصبح قوة من جديد، يمثل ضمير ليبيا وسر دفعها وتدافعها، ومقياس الخطاء والصواب فيها، ومعيار نصرها وهزيمتها.

استمر الاسلام كقوة سياسية، حتى منتصف القرن الماضي تقريباً، وبالتحديد حتى بداية عهد الادارة الانجليزية (1943م-1951م)، اي ان الاسلام السياسي، استطاع ان يحافظ على مكانته، حتى بعد سقوط الخلافة (1924م)، وبروز الدعوات القومية، كبديل للمشروع الاسلامي. والدليل على ذلك، استمرار الجهاد في ليبيا، تحت راية الاسلام، بعد سقوط الخلافة، وبعد ظهور الدعوات القومية، بفترة طويلة جداً.

وبينما كان الجهاد في ليبيا على اوجه، في الفترة من1911م الى1933م، كانت هناك جهود اخرى مكثفة، تبذل لفصل الامة العربية عن الدولة العثمانية، تحت راية العروبة. لكن ليبيا، بل ربما المغرب العربي بكامله، لم يتأثر سريعا بتلك الجهود، فقد استطاع اغلب اهالي المغرب العربي، ان يستوعبوا فكرة العروبة، الى حد ما، ويحتووها ويطوعوها، ويضعوها في خانتها الطبيعية تحت راية الاسلام. بل وحولوها الى عروبة مسالمة، تستمد قوتها من الاسلام نفسه، حتى اصبحت كلمة "عربي"، في اغلب المناطق، وفي عهود الاستعمار بالذات، مرادفة لكلمة "مسلم"، ومضادة لكلمة "كافر". فالعروبة في ليبيا لم تتنكر، بصفة عامة، للاسلام بل استندت عليه، واتخذته منبعاً وسنداً.

اما عروبة المشرق (اي عروبة الحوراني، وعفلق، والبعث، والاتحاد الاشتراكي، والناصرية)، والتي برزت منذ اوائل القرن الماضي، وبالتحديد منذ 1909م، وسميت بـ"اليقظة العربية"، فقد اختلفت كلياً عن عروبة المغرب العربي. لقد كانت عروبة المشرق العربي، عروبة ذات انياب حادة سامة، ارادوا غرسها في الاسلام، بهدف القضاء عليه كقوة سياسية من جهة، ولتحل محله، كبديل سياسي عقائدي من جهة اخرى.

ادخلت عروبة المشرق العرب، علماء ومفكرين ومثقفين وانظمة وجماهير، في عالم من التصادم لا اول له ولا اخر. فالطلاق بين العروبة والاسلام، والذي تدعو اليه عروبة المشرق، لم ترق للجميع، على اعتبار انها دعوة الى العودة الى ما قبل الرسالة. حيث رأت اغلب النخب، ورأت الجماهير معها، ان العروبة بتلك الصيغة الشرسة، تعتبر تراجعا بالامة خمسة عشر قرناً الى الوراء. بل تعتبر تراجعا تاريخيا، من امة صاحبة رسالة عالمية، الى امة صاحبة رسالة عرقية، مما سيقلل من مساهماتها الانسانية والحضارية والتاريخية، لذلك ولد المشروع العربي، مضاداً للمشروع الاسلامي.

ووصلت عروبة المشرق، بما تملكه من انياب، وما تحمله من تعقيدات، الى السلطة على ظهور الدبابات، في اكثر من بلد عربي. فتراجع الاسلام السياسي، منذ سطوع نجم عروبة المشرق. فاصبحت القومية، هي المحرك الرئيسي للاحداث السياسية، ومقياس الخطاء والصواب فيها، ومعيار نصرها وهزيمتها.

وترى عروبة المشرق، ان تخلف الامة، الاقتصادي والعسكري والسياسي، يعود الى التجزئة والفقر، الناتجين عن غياب الوحدة وغياب الاشتراكية. وهذا هو جوهر الفكر القومي، فوحدة عربية ستحل القضايا السياسية والعسكرية، واشتراكية ستحل القضايا الاقتصادية والاجتماعية.

تبنت هذا الفكر قوى عديدة، منها حزب البعث العربي الاشتراكي، والناصريون، والقوميون العرب. واختلفت هذه القوى الثلاثة، فى قضايا عديدة، بعضها رئيسي، وبعضها الاخر فرعي. فالناصرية ضد الاحزاب وتسعى، اوبالاحرى سعت، الى ان يكون الفكر القومي تياراً جماهيرياً، تسنده الدولة، دون تأسيس حزب يمثل هذا التيار. بينما يؤمن غيرهم من القوميين - كالبعثيين على سبيل المثال- بالاحزاب. ويؤمن العروبيون، بالاضافة الى ذلك، بان التجزئة، هي التي اضاعت فلسطين، فيعطون للوحدة العربية اهمية خاصة فوق الاشتراكية. لكنهم اختلفوا في الاولويات، فالبعث يرى ان للاشتراكية اولوية خاصة، وليس للوحدة. كما يميل البعث، وفي مراحل مبكرة، الى العمل القطري، الشيء الذي لم يستسغه القوميون العرب، والذين تحولوا، بعد تجارب وانتكاسات عديدة، اهمها هزيمة 1967م، الى الماركسية اللينينية.

وبالرغم مما سبق من اختلافات فكرية وسياسية، سيطر التيار القومي على مصر وسوريا والعراق (سلطة وجماهير). فحملت خطابات عبد الناصر الحماسية، لهجة القوة والامل والصمود والتحدي والتهديد. وبشرت خطابات عبد الناصر ايضا، الناس، بانتصارات قادمة، يفترض انها ستنتهي بتحرير مؤكد للامة العربية، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وعسكرياً. واصبح التوجه القومي او الوحدوي او العربي، "تياراً" رئيسياً، اثر فى الانسان العربي بشكل او اخر. واصبح مقياساً يقاس به الانسان الوطني، وغير الوطني، ويعرف به المواطن المخلص لامته، والمواطن غير المخلص. وحلت، مع مرور الوقت وتدريجياً، معايير سياسية واقتصادية واجتماعية، مكان المعايير الاسلامية، واصبح الانتماء للعروبة والتفاعل معها هو الاتجاه الطبيعي، الذي يجب ان يسلكه المخلصون، واصبحت القومية العربية قوة مركزية، مسيطرة في العديد من الدول العربية، بدلا من الاسلام السياسي.

وظل الاسلام السياسي، بالرغم من ذلك، حيا في نفوس الناس، يحاول استرداد مكانته ببطء شديد، ليعلن مع اواسط السبعينيات، عودته كاحد البدائل السياسية، في اغلب اقطار العالم الاسلامي، ويعلن مع نهاية السبعينيات واوائل الثمانينيات، عودته كاحد البدائل السياسية المطروحة في ليبيا.

كان اليسار يتحسس هو الاخر، موقع قدم في الامة التي حررها الجهاد وقتلتها او حاولت الاستيلاء عليها قومية المشرق، وكان يريد هو ايضا، ان يحل محل الاسلام السياسي، كقوة مركزية، اى اراد ان يقوم بنفس الخطوة، التي سبقه اليها القوميون، او تسابقوا عليها معاً. لكن العوامل في ليبيا، كانت اكثر ملائمة لدعوة القومية، منها الى دعوة اليسار. فلم تكن في ليبيا طبقة بروليتاريا مسحوقة، تستغلها او تمتصها او تقودها طبقة من القياصرة. لذلك فشل، تفسير الصراع في ليبيا على مذبحة الاضطهاد، وعلى مذبحة التفاوت في الثروة، وتحولت مجموعة اليسار في ليبيا، مع الزمن الى نخبة تجتر اقوال "كاليجول" و"ناتاشا"، فكانت ثقافتهم بعيدة عن واقع الناس.

والشيء الوحيد الذي استطاع اليسار ان يجنيه في ليبيا، هو استهواء بعض الطلبة والمثقفين والمتعلمين، عن طريق اختيار اليسار لالفاظ سياسية واجتماعية ووطنية ونضالية، وصياغتها بطريقة غير مألوفة. بالاضافة الى ما رافق ذلك، من حداثة استهوت ،وكما ذكرت، الشباب في المدارس والمعاهد والجامعات، والنوادي، والمحافل العامة والخاصة. ولم يكسب، خطاب اليسار، موقع قدم جماهيري واسع، لانه كلما حانت ساعة التعامل مع الواقع، اصطدم اهل اليسار، وخطاب اليسار، بواقع اجتماعي وثقافي وديني لا يفقهه الذين اسسوا الفكر اليساري، واول ملامح هذا الواقع، هو بساطة الاسلام، وتوافقه مع انسانية الانسان.

وصحيح انه وجدت في ليبيا، طبقة من الاغنياء، وطبقات اخرى من الفقراء، لكن هذا التفاوت في الثروة، لم يستند على نظرية او فكرة او عقيدة، ولم يخطط او يرتب له، بل وجد إما لاسباب مشروعة قانونية، او لاسباب قبلية او جهوية، او لسوء تخطيط، او حتى بسبب سرقات ووساطة ومحسوبية احيانا. لكن هذا التفاوت، لم يكن بسبب نظرية بورجوازية راسمالية مقننة كراسمالية "آدم سمث"، على سبيل المثال، حتى نواجهها بنظرية مضادة، او بعقيدة مضادة، او بتحرك فكري مضاد.

ولان علاج ظاهرة التفاوت غير المشروع في الثروة، بل وعلاج اية ظاهرة، يرتبط بمسبباتها، فقد اخطأ اليسار في مخاطبة او استغلال او استخدام، هذه الظاهرة، ثقافيا وسياسيا، واخطأ النظام العسكري، في ليبيا، في بداية الانقلاب، فيها تنفيذيا. وهكذا فشل اليسار في انتزاع موقع قدم رئيسي في ليبيا، بينما استطاع المد القومي، ان يكسب موقع قدم لا باس به.

ساند النظام في ليبيا التيار القومي، في بداية الانقلاب، وما بعد ذلك بسنوات. وذلك بسبب ايمان واخلاص قطاع عريض من القوات المسلحة الليبية، وقطاع عريض من المدنيين المؤمنين بالقومية بصفة عامة، والوحدة العربية بصفة خاصة. وقد اكتسبت العناصر الوحدوية في ليبيا، مدنيين كانوا او عسكريين، ايمانهم بالوحدة، وانتمائهم الى العروبة، تحت تاثير الحقبة الناصرية. فقد استطاع الصوت الناصري، كما ذكرنا، ان يكسب خلال الفترة الملكية في ليبيا (1951م-1969م)، تعاطف العسكريين والمدنيين، على اعتبار ان قضايا الامة العربية، ومنها بالطبع قضية فلسطين، لم تكن من اولويات العهد الملكي، كما كان يدعي عبد الناصر.

وكان اعضاء مجلس قيادة الثورة الليبي، وبدون استثناء تقريبا، والضباط الوحدويون الاحرار، ومجموعة كبيرة من ضباط القوات المسلحة الليبية، ونخبة من اساتذة ومثقفي ودبلوماسي ليبيا، من بينهم اساتذة جامعات ومحاميين ومدرسين وموظفين - كانوا- من بين من تأثر او تعاطف مع هذا التيار. كما ان هذه المجاميع (مدنيين وعسكريين)، هم من بين الذين قاموا بانقلاب سبتمبر، او اشتركوا في صناعته، او ساندوه بعد قيامه. وكان ابو بكر يونس، عضو مجلس قيادة الثورة (على سبيل المثال)، وكما يروى، عضواً من اعضاء حزب البعث العربي الاشتراكي، لفترة. ثم تركه لامور ربما كانت تتعلق بانقلاب 1969م.

لكل ذلك، جاءت مساندة القوات المسلحة اللامحدودة للانقلاب. فقد نادى الانقلاب بالقومية، على اساس ان القومية، هي الفكر او التيار الذي سيعيد كرامة الامة، وعلى اساس ان اقل واجبات القوات المسلحة، في اي بلد عربي، هو اعادة الكرامة التي اهدرتها الانظمة "الرجعية". ولذلك (ايضا) جاءت شعارات النظام الحالي، ذات صوت قومي وحدوي، تمثل -هذا الصوت- في الشعارات الثلاثة الشهيرة "حرية، اشتراكية، وحدة".

وهكذا اصبح النظام الليبي، في بداية الانقلاب، نظاماً قوميا، ينادي منذ 1969م، بالحرية والاشتراكية والوحدة، واصبح اصحاب التوجه القومي، غير الحزبي، من المرضي عنهم في ظل "الثورة". واصبح الخطاب القومي في ليبيا، وبمساندة الدولة، خطاباً مقبولاً، شريطة ان لا يتم هذا الخطاب، عبر قنوات حزبية او تنظيمية، بل كان مقبولا كتيار عام فقط.

وليس من الغريب ان يتبنى النظام العسكري هذا الاتجاه، بسبب ما ذكرناه من عوامل دفعته الى ذلك، لكن الغريب هو ان يتبناه بعد هزيمة1967م (او حرب الايام الستة، كما يطلق عليها)، اى بعد ان تأكد مفكرو ومؤسسو الفكر القومي، بل بعد ان اكدوا، ان التجربة القومية ربما قضت على نفسها بحرب يونيو 1967م. فبعد ان انقشع غبار1967م، ظهر ان الاشياء لم تكن على حقيقتها، بل ظهر ان الحقائق كانت مرعبة ومخيفة وبشعة، وان الهوة بين الخطاب الحماسي العروبي، وحقائق الامور، هوة سحيقة، لا مجال لسدها الا بفكر يختلف تماما. فقد ادرك العالم العربي بعد فوات الاوان، ان صيحات القومية العربية المشرقية الحماسية، كانت مجرد رؤى وافكار وطموحات، بل اهواء لا علاقة لها بالواقع.

ولم تكن الهزيمة العسكرية هي وحدها، الدليل الوحيد على هذا الفشل، فقد اغرقت اليات القومية العربية، المواطن العربي، في شعارات لا تطعم خبزا ولا تحمي ارضا، ولا تصون عرضا، بل كانت مجرد صرخات عاطفية جوفاء فارغة، والفاظ تثير النفوس والعواطف، وتملؤها حماسا اجوف، يفتر مع نهاية كل خطاب، لتنقشع ساحة الواقع، فتكشف عن فراغ مخيف، وهوة سحيقة، كما ذكرنا، بين الكلمات والواقع. والاحرى بالتيار الاسلامي اليوم، والتيارات الوطنية ان تدرك ذلك، وان لا تقع في نفس الخطاء.

ودخلت الامة العربية، من جراء العنف، الذي تبنته الانظمة القومية، في فتن لا اول لها ولا اخر، راح ضحيتها انظمة وافراد وعلماء وشيوخ واحزاب وجماعات، وضاعت في خضم هذا الصراع، دماء واموال واعراض، ودمرت مؤسسات ونقابات وجماعات وجمعيات، واحتلت اراضي عربية بل ودمرت دول باكملها. وصاحب كل ذلك سيل من الهزائم العسكرية والمعنوية، وسيل من المآسي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي لا اول لها ولا اخر.

ليس ذلك فحسب، بل ان العروبة الشرسة، اي عروبة المشرق، جلبت معها ادوات القهر النفسي والجسدي، اينما حط بها الرحال، فكان الانسان العربي، بما في ذلك الانسان الليبي، اول ضحية من ضحايا "اليقظة العربية"، وذلك بعد ان ديست كرامته، وفقد امنه، وحريته، وحقوقه، وامانه، وفقد فوق كل ذلك مكانته كصاحب رسالة عالمية.

اضف الى كل ذلك، الفشل الصناعي، والزراعي والتقني، والفقر المدقع، والتجزئة، واحتلال فلسطين. وانما انفردت هزيمة 1967م، كدليل رئيسي على الفشل، لانها كالجرس، الذي عُلق والى الابد، في رقبة التيار القومي. لقد كان مردود هذه الهزيمة السلبي، على درجة، لم يعد معها، تبرير اسبابها ومسبباتها ودواعيها، من المهام اليسيرة.

والمهم هنا، بل الغريب، ان النظام الليبي قد تبنى نفس الشعارات، حتى بعد هزيمة 1967م، وحتى بعد ان دمرت هذه الشعارات سوريا والعراق ومصر، بل وبعد ان عاصر رجال النظام الليبي التجربة القومية، ولاحظوا الاحباطات التي مرت بها. لذلك ربما نفسر اقبال النظام الليبي على القومية والتيار القومي، بعد كل هذه الاحباطات، انه كان (اي هذا الاقبال على القومية) من اجل امتصاص قوى هذا التيار، ريثما يتم احتواؤه او القضاء عليه، او تجنب شره، او تطبيعه، على اقل تقدير، خاصة وان مساندي هذا التيار، كانوا منتشرين داخل القوات المسلحة الليبية، وداخل القطاع المدني، بصورة مكثفة، وهذا ما اثبتته العقود الاربعة الماضية.

وكغيره من الانظمة العروبية، تبنى النظام الليبي مبدأ العنف، فاشتهر بالارهاب والاعدامات والاغتيالات، السرية والعلنية ضد الليبيين، واشتهر بنشاطاته العسكرية ضد الدول الافريقية، كحرب اوغندا وتشاد وحربه مع مصر واحداث قفصة، وتصديره للسلاح يميناً ويساراً. وكانت كل هذه الممارسات، مجرد حبال كان يلفها العالم الصناعي حول رقبة النظام، الذي مارس منذ مجيئه، هواية لف الحبال حول رقاب الليبيين. فقد كان العالم الصناعي وغير الصناعي، ينظر الى ليبيا طوال العقود الماضية، على انها بحيرة من زيت، وكانت اطماع العالم في ليبيا والصراع على نفطها، وراء قضية لوكربي، التي لم يكن ضحيتها الا اهالي ليبيا.

لقد هيئت ممارسات النظام الارهابية، نفوس وعقول وقلوب الناس، في العالم العربي والغربي، لقبول اية تهمة توجه الى ليبيا، قامت ليبيا بها او لم تقم. وادرك النظام، بعد فوات الاوان، انه كان يلف الحبل حول عنقه، طوال العقود الثلاثة الماضية، فوسع (كمحاولة للخروج من ازمته) من دائرة تعامله الاقتصادي والسياسي بينه وبين العالم، عرباً وغير عرب، بما في ذلك بالطبع، دول البحر المتوسط. ساعده وشجعه على ذلك، تشابك المصالح الاقتصادية، والتنافس بين اوروبا وامريكا، وخاصة بين فرنسا وامريكا، حول المصالح في ليبيا وافريقيا، وادراك العديد من الانظمة، ان استقرار النظام الليبي، بات امراً ضرورياً، طالما انه يحقق مصالحها الاقتصادية.

وزاد بروز التيار الاسلامي وخاصة التيار الجهادي، من هذا التوجه. فبروز التيار الجهادي، وبالذات من اواخر الثمانينات الى اواسط التسعينات، على ارض نفطية، زاد من الحاجة الى ضرورة المحافظة على هذا النظام، او على اقل تقدير ضرورة استبداله بنظام اخر، يحقق نفس المصالح الاقتصادية، مع استبعاد او امتصاص او استيعاب، القوى الاسلامية بكافة مشاربها واطيافها. وربما زادت محاولة اغتيال معمر في صيف 1998م، من تخوفات المجتمع الصناعي، والمجتمع العربي ايضاً، فقد كادت هذه المحاولة ان تؤدي بحياته، مما وضع الغرب (واتباعه من العرب) امام فراغ هائل، في حالة نجاح محاولة اغتيال اخرى لرأس النظام، على يد قوى اسلامية، مما قد يؤدي الى سقوط ليبيا، في ايد لا سيطرة للغرب عليها.

فالغرب لا يشعر بالارتياح، تجاه الانظمة او الافكار او الاحزاب او الجماعات، التي تستند على اية عقيدة، فما بالك بالعقيدة الاسلامية، وما تحمله من قوة واستمرارية وطموح. فالفكر العقائدي يحمل في طياته عناصر القوة والانتشار والاستمرارية، اي العناصر الرئيسية لبناء قوى مستقلة، قد تنافس الغرب او قد تصنع، على اقل تقدير، قوة ليس من السهولة التعامل معها، لانها ستتخذ قرارتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، بناء على مبادىء وتعاليم وثوابت، لا تستطيع التنازل عنها. فالعالم الصناعي، يفضل، بدلا من ذلك، التعامل مع دول وحكومات وانظمة علمانية، محلية، تسمح بتعددية سياسية، محدودة، لا تاثير لها خارج الدوائر القطرية، اى تعددية لا تتجاوز مهامها، المحافظة على الاستقرار السياسي للنظام، والمحافظة على مصالح الغرب، حتى لو كان الغرب، يدرك ان هذه التعددية هي في الواقع تعددية زائفة.

عصرنا هذا، اذا، هو عصر الحكومات المحلية المستقرة، تمشيا مع استراتيجيات السيطرة من جهة، وتمشياً مع متطلبات النظام العالمي الجديد او (العولمة)، التي تهدف الى تحويل الدول والامم والشعوب، الى قطط لا مخالب لها. بل تعمل على تحويلها الى مجرد اسواق وتجمعات بشرية استهلاكية، تنتمي الى منظومة اقتصادية عالمية، تحميها هياكل سياسية محلية هشة، تستند على تعددية مقصوصة الاجنحة، صممت لتحقق الاستقرار المحلي للانظمة، ولتحمي المصالح الاقتصادية للعالم الصناعي.

فنحن اليوم نعيش حقبة، طغت عليها محلية الانظمة سياسيا، وعالميتها اقتصاديا، ويشمل ذلك وبالطبع، النظام الليبي نفسه، تمشيا مع ما سردناه من نمط تحويل الانظمة الى دويلات محلية مسجونة سياسيا داخل حدودها، ولا خيار لها، الا ان تتكيف بارادتها او بغير ارادتها، مع هذا الوضع، وان تقبع في صناديقها، معنوياً وحسيا.

اختار الغرب، اذا، تحت هاجس سقوط، او اسقاط النظام، على ايد غريبة، ان يوفر اجواء من الانفراج للنظام الليبي، وخوفا من انفجار لا يحمد عقباه، بسبب عوامل عديدة منها، تداعيات قضية لوكربي، وما سببته من ضغوط سياسية واجتماعية على الشعب الليبي. فخفف الغرب من تصلبه تجاه النظام الليبي، الذي قبل هو الاخر، ما لا يمكن قبوله، من شروط، ثمناً لذلك الانفراج. بما في ذلك بالطبع، تسليم الليبيين الذين اتهما باسقاط الطائرة، والقضاء على التيار الجهادي، واستيعاب او امتصاص التيارات الاسلامية الاخرى، وقص بعض الاجنحة من دعاة العنف والارهاب داخل النظام نفسه، من اعضاء اللجان الثورية، وتحويل ليبيا الى دولة مدنية، كغيرها من الدول، عبر الدعوة الى الاصلاح الداخلي، والحديث عن مؤسسات المجتمع المدني، وتطبيع او امتصاص او استيعاب المعارضة الليبية، او الانفتاح عليها، والتخفيف من سيطرة المؤسسات المخابراتية والامنية في الدخل، وغلق بعض الملفات الحساسة في الداخل، والتخلي عن مساندة الارهاب، والتخلي عن برامج الاسلحة الكيماوية والنووية، وتبادل المعلومات في هذا الصدد، بالاضافة الى عقود النفط، والمحافظة على المصالح الغربية في المنطقة، ودعم وحماية مصالح وطموحات واستراتيجيات الغرب في افريقيا. وكل ذلك مقابل تبرئة النظام، والبقاء عليه، وعدم ملاحقة قادته ورؤسائه، مع دعم او قبول التوريث القسري، او التغاضي عنه على اقل تقدير. وربما نجح النظام، في اغلب التزاماته، الا ان بعض الملفات الحساسة، لم تغلق بعد، بل اظنها غير قابلة لذلك. كما ان تحويل ليبيا من دولة مخابراتية، الى دولة مدنية طبيعية قانونية، ما زال امر متعثرا جدا. بل لا اظنه قد بدأ اصلا. وهكذا تحول النظام عبر العقود الثلاثة الماضية، من نظام قومي وحدوي اشتراكي صاحب رسالة عروبية تمتد "من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر" الى نظام عسكري محلي اقليمي براغماتي، ولم يعد، او لم يعد يدعي على الاقل، انه نظام ينتمي الى منظومة ما، او يهتم بافكار او قيم ما، ولم يعد بالتالي صاحب رسالة، بل تحول الى تاجر كبير يصدر ويورد ويضارب، ولكن متى سمح له الغرب بذلك. تلك كانت مسيرة ليبيا السياسية باختصار شديد، وتلك كانت مسيرة النظام في ليبيا. فكيف كانت مسيرة المقاومة والرفض والمعارضة؟

فالى اللقاء.. مع الحلقة الرابعة والعشرين.. باذن الله.. والحديث عن مسيرة المعارضة والرفض والمقاومة. والله ولي التوفيق.

د. فتحي الفاضلي
ffadhli@yahoo.com
www.fathifadhli.com

________________________________________________

المراجع:
حركة القوميين العرب/ باسل الكبيسي/ تعريب نادرة الخضيري الكبيسي/المؤسسة الابحاث العربية ش.م.م / الطبعة الرابعة/ 1985م.


الحلقات (من 1 إلى 20)
الحلقة 21   الحلقة 22   الحلقة 23   الحلقة 24

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home