Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli
الكاتب الليبي د. فتحي الفاضلي

السبت 21 مايو 2011

طرابلس والطاغوت : شيء من احزان طرابلس

 

طرابلس الحبيبة.. تعشق ان تكون مدينة للجميع

 

د. فتحي الفاضلي

 

طرابلس مدينة الحب والثقافة والامان، ومدينة الحضارة والجمال والسلام، حولها معمر الى ساحة تعج باحذية الجند، والمرتزقة، والبنادق، والخوذات، والحراب، وتعج، بالدبابات، والبوابات، والعصي، والمدرعات، وشوهها بالدم، وبمقرات الامن، والمشانق، والمخابرات، والسجون، والجثث، والمقابر، واقبية المعتقلات. 

 

فعل معمر القذافي ذلك، واهل طرابلس ابرياء من القذافي، واعوانه وجنده، واذياله الذين احتل بهم المدينة، منذ وصوله الى السلطة، فقد جلب لها الجهلة والسقطة والسفلة، من كل حدب وصوب، وسيطر بهم على المدينة، التي نبذتهم، ونبذت تصرفاتهم، وسلوكياتهم، وممارساتهم الارهابية البشعة، التي مارسوها، ضد الناس، باسم طرابلس.

 

لقد فجعت طرابلس في ائمتها، وشيوخها، ومثقفيها، وطلبتها، وشبابها، ونخبتها، وكتابها، وصحفييها، وفجعت في معالمها، ومساجدها، وجامعاتها، ودور العلم فيها، واهينت كرامة اعز، واشرف، وانبل ابنائها، وشنق خيرة شبابها، واكثرهم، كرامة وعزة نفس وتقوى. وساورد، في هذا العرض السريع، قطرة من بحر، مما عانته المدينة الحبيبة، طرابلس، كما عانت غيرها، من مدن وقرى ومناطق ليبيا، تحت هذا الطاغوت، المجنون.

 

فقد هاجم القذافي السنة النبوية الشريفة علنا، وللمرة الاولى، في اجتماع له، مع مجموعة من حفظة القرآن الكريم، في جامع مولاي محمد بطرابلس، في 3 يونيو من عام 1978م وهو الاجتماع الذي مدح فيه كمال اتاتورك، واعلن فيه وجوب العمل بكتابه، الاخضر، ونبذ السنة النبوية. واذكر جيدا، مدى غضب، واستياء اهالي طرابلس، شيبا وشبابا، نساء ورجالا، من هذا الهجوم الوقح، على النبي الكريم، واحاديثه الشريفة، وهذا الاستهتار، بقيم الدين الحنيف، الذي انطلق من مدينتهم، التي احبت الرسول الكريم، وارتبطت به، قلبا وروحا وقالبا.

 

وفي احد الايام، من عام 1979م، سمع اهالي طرابلس، دوي انفجار، هائل، عند الساعة الثالثة صباحا، سمعه جميع اهل طرابلس، وعند بزوغ الشمس، رأى الناس ما حز في نفوسهم، بل وفي نفوس الليبيين، الى يومنا هذا، فقد رأوا مسجد "سيدي احمودة"، الذي يقع في احد اطراف ميدان الشهداء، وقد سوي بالارض تماما.

 

واذا كان تدمير مسجد، يصلي فيه الناس، جريمة، فقيمة مسجد "سيدي احمودة"، الرمزية والتاريخية، وارتباطه بالوطن والوطنية، يجعل من جريمة هدمه، خيانة للشهداء والوطن. فمسجد "سيدي احمودة"، يعتبر رمزا، تكاد تبلغ قيمته المعنوية، والتاريخية، والنضالية، القيمة الرمزية العظيمة، لضريح شيخ الشهداء عمر المختار، بالنسبة لليبيا، بصفة عامة، وبالنسبة لبنغازي العاصية، بصفة خاصة. فسيدي احمودة، رجل صوفي عابد، من سكان مدينة طرابلس، كان له تأثير وطني كبير، على الناس، وكان يغرس في نفوسهم، روح اليقضة، والحذر، وحب الوطن، والحرص عليه، وحمايته، فقتلته مجموعة من يهود طرابلس، ذبحا، فدفنه الاهالي، وبنوا على قبره، او بجواره، مسجدا، عُرف باسمه، رحمه الله، (مسجد احمودة)، ثم انشئت مكتبة ضخمة، تابعة للمسجد. وهكذا حرم النظام، مدينة طرابلس، بل حرم ليبيا، من معلم نضالي وتاريخي، يذكرهم بالحرية وحب الوطن والنضال.    

 

ليس ذلك فحسب، بل امعانا في  طمس كل ما يمت، الى عزة وحرية وكرامة الشعب الليبي، بصلة، غير القذافي، اسم الميدان الذي يقع فيه، مسجد "سيدي احمودة"، من "ميدان الشهداء"  الى "الساحة الخضراء"، فطمس بذلك، معنى اخر، ارتبط ايضا، بالحرية والنضال والجهاد والكفاح. فقط، من اجل اشباع اهوائه، وامراضه، في تقليد غيره، من اصحاب الساحات، الحمراء، والزرقاء، والصفراء. ويا ليت الامر توقف على  ذلك، بل حول معمر القذافي، ميدان الشهداء، الى ساحة لثرثرته، واحتفالاته، واستعراضاته الجوفاء، بالدبابات والصواريخ، والمدرعات، والجنود الملثمين، بالخرق الخضراء، وبميليشياته، وميليشيات ابنائه، التي انقلبت، بعد كل تلك الاحتفالات، والاستعراضات - انقلبت- على الشعب الليبي ذبحا وسحلا وقتلا.  

 

وفي عام 1979م، ايضا، القى القذافي، من قلب هذا الميدان العظيم، ميدان الشهداء، خطابا، دعى فيه الى الاستيلاء،على ارزاق الناس، فشعر اهالي طرابلس، بالحرج، والاهانة، والغبن، ان ينعق منها، وفيها، هذا الطاغوت الاهوج، بهذا الحجم الهائل، من الظلم، الذي وقع على الشعب الليبي، باسره، وهي المدينة التي تعشق، ان تكون للجميع.  

 

وتحول قصر الملك، محمد ادريس السنوسي، رحمه الله، وهو معلم، من المعالم التاريخية الجميلة، في طرابلس، تحول، الى المقر الرئيسي، للاتحاد الاشتراكي، ثم المقر الرئيسي للجان الثورية، او بالاصح، اللجان الارهابية، والله اعلم الى ما تحول اليه بعد ذلك، وكانت هذه المؤسسات، تمثل، في وقتها، رمزا، للقمع والتنكيل والتدجيل، بل رمزا للطاغوت نفسه.

 

ولم تنتهي احزان طرابلس، عند هذا الحد، فقد ظهر في اوائل الانقلاب المشؤم، خيرة تجار طرابلس، واكثرهم مكانة وصدقا وامانة، من الذين خدموا الوطن، طوال حياتهم، ظهروا على شاشات التلفزيون، بينما شلة من كلاب الدم، يهينونهم، ويوبخونهم، ويصرخون في وجوههم، وينعتونهم، باحقر الاوصاف، والنعوت، والصفات، ويتهمونهم بالغش، والسرقة، والنصب، بينما عائلات هؤلاء الضحايا، بما في ذلك، زوجاتهم واولادهم وبناتهم، بل اهل ليبيا بكاملها، يشاهدون ذلك على الهواء مباشرة، والضحايا ابرياء، براءة الذئب من دم يوسف، مما نسب اليهم، من تهم زائفة مختلقة باطلة.

 

وفُجعت مدينة طرابلس، في نوفمبر من عام 1980م، بشلة من اذيال الطاغوت، وملائه وجنده، وقد اقتحموا، مسجد الشيخ البشتي (رحمه الله)، او مسجد القصر، كما كان يعرف، وارعبوا المصلين، وحاصروا الشارع، الذي يقع فيه المسجد، ودنسوا المسجد، بل دنسوا المدينة باكملها، واخرجوا الشيخ البشتي، وقد بلغ من العمر عتيا، مجرورا من لحيته، بالضرب والصفع واللكم، كما فعلوا نفس الشيء بالمصلين، صفعا وضربا وركلا، عشوائيا. ثم حاصروا منطقة المسجد، بكاملها، وارعبوا سكان المدينة، والقوا القبض، على كل من طالته ايديهم، من شباب، في عمر الورود، وقبضوا على العشرات، وحققوا، مع مئات العائلات، بما في ذلك النساء، والعجزة، والاطفال، على اعتبار انهم من تلاميذ الشيخ البشتي، او اتباعه، او مناصريه. ولم ينج من صلفهم، ورعونتهم، وظلمهم، ودنائتهم، شيخا، ولا طفلا، ولا ضعيفا، ولا كبيرا، ولا صغيرا. وعاشت المدينة في رعب، لا اول له، ولا اخر. ثم قتل الشيخ البشتي، فخسرته ليبيا باسرها. كما قتل بعض تلاميذه، منهم الشهداء الشباب، لطفي امقيق، ومنير دوزان، وقد قتلا تحت التعذيب.

 

واهينت دار الافتاء، في طرابلس، واهين الشيخ الطاهر الزاوي، مفتي ليبيا، الذي اختار، ان يكون مفتيا للوطن، لا مفتيا للسلطان، اهين على الهواء مباشرة، وقد بلغ من العمر، السادسة والثمانون عاما، فقد اختطف منه، احد اذيال النظام مكبر الصوت، وهو يفند على الهواء، مباشرة، اقوال وفتاوى وقرارات معمر القذافي، فيما يخص الاستيلاء على بيوت الناس وارزاقهم، وفيما يخص ايضا، شهر رمضان، ورؤية الهلال، وفتاوى، واراء عديدة اخرى، اراد القذافي، ان يفرضها على الناس، وان يلبسها لباسا شرعيا، مستغلا مكانة، وعلم الشيخ الطاهر الزاوي، الذي وقف له بالمرصاد.   

 

وفجعت المدينة، ايضا، في خيرة ابنائها، شنقا واغتيالا وقتلا، في الداخل والخارج، فجريمة اغتيال الاذاعي والكاتب محمد مصطفى رمضان، ابن ليبيا وابن طرابلس، لازالت عالقة في اذهان الليبيين، الى يومنا هذا، فقد اغتيل الرجل الطيب، أمام مسجد لندن، بينما جبينه مازال ساخنا، من اثر السجود، لقيوم السموات والارض.

 

وفجعت ليبيا، وفجعت طرابلس، في السيد عبد الجليل عارف، الذي اطلق عليه النار، احد كلاب الدم، في التاسع عشر، من ابريل من عام 1980م، بينما كان الضحية، جالسا بين بناته وزوجته، فسقط مضرجا بالدماء، بعد ان قفز، احد اعضاء اللجان الارهابية، فجاءة، وكالشيطان، امام طاولة، كان يجلس عليها، السيد عبد الجليل عارف، واسرته، وافرغ رصاصات مسدسه، في صدر ورأس الشهيد، فسقط على الارض، مضرجا بدمائه، تحت سمع وبصر زوجته وبناته.  

 

واغتيل الشهيد محمد سالم عاشور فحيمة، ابن ليبيا، وابن سوق الجمعة، في اليونان، في 1987م، خسة وغدرا وخيانة، بل طورد الشهيد، حتى بعد موته، فقد حاول الطاغوت، تشويه قبر الشهيد، والعبث به، وطمس معالمه، بعد سنوات من اغتياله.

 

وفجعت مدينة طرابلس، في ابن بار لها، احب وطنه ليبيا، واحب المدينة واحبته، فجعت في  الشهيد عامر الدغيس، الذي طوق بيته، في طرابلس، في ساعات متأخرة من الليل، فارعبوا الاهالي، ببنادقهم، وسياراتهم، ورشاشاتهم، واقتيد الاستاذ عامر، إلى معسكر باب العزيزية، حيث اجرى معه تحقيقا، حول تهم عديدة، ملفقة وجاهزة ومحفوظة في ارشيف "الثورة"، كمواقفه الوطنية، وعلاقاته بالمعارضة، ومحاولة تدبير انقلاب ضد "الثورة البيضاء." وبعد ثلاثة ايام من التعذيب الشديد، وبالتحديد في يوم الاربعاء الموافق للسابع والعشرين من شهر فبراير من عام 1980م، اسلم روحه الى بارئها، وسلم جثمانه الى ذويه، في صندوق محكم الاغلاق، وادعى النظام، أنه مات منتحراً. واشرف رجال الامن، على دفنه، دون فتح الصندوق، فقد منع اهله، وذويه، من رؤية الجثة، إلا الوجه.

 

وفي اليوم التالي لاستشهاده، شيعته جماهير ليبيا في طرابلس، وهي تهتف "الله اكبر"، في موكب جنائزي، لم تعرفه ليبيا من قبل. وقام الشهيد "محمد حمي" (رحمه الله)،  ابن  بنغازي البار، بتأبينه، علنا في وسط مدينة طرابلس، في موقف يعتبر، في ذلك الوقت، من المواقف البطولية، النادرة، فتأبين رجل، في وزن الشهيد الدغيس، في ذلك الوقت، يعتبر، من اعلى مستويات التحدي، للنظام الطاغوتي، في ليبيا،. وهكذا، بكت ليبيا وبكت طرابلس، ابنا بارا مخلصا من ابنائها، لا ذنب له، الا انه احب ليبيا، واهل ليبيا، وانكر ذاته، وانكر مصالحه، ومصالح اسرته، في سبيل الوطن الذي احبه.

 

واُختطف سالم الرتيمي، رجل الاعمال، الذي تعرفه طرابلس جيدا، وقتل داخل السفارة، الليبية، في روما، خنقا ثم طعنا، ونُقلت جثته الطاهرة. في احد ايام شهر مارس، من عام 1980م، في صندوق سيارته الخلفي، الى احدى الغابات، وتُركت هناك. ثم عثر البوليس الايطالي على الضحية، مقتولا، واثار الطعن والخنق، واضحتين على الجثة، التي تٌركت في حقيبة السيارة الخلفية، وقتا طويلا.

 

وفجعت طرابلس، في الشهيد المحامي، محمود نافع، بعد ان اطلق عليه احد اعضاء اللجان الارهابية، النار في مكتبه، فسقط مضرجا، في دمائه، ويعتبر الشهيد من اوئل فرسان الكلمة، الصادقة، ضد طاغوت ليبيا. فهو صاحب المقولة الشهيرة الذي تضمنها كتابه، "حقوق الانسان والحريات الاساسية في ديكتاتورية القذافي"، والذي قال فيها: "اذا كانت هناك ثمة حرية يتكلم عنها القذافي، فهي حريته المطلقة، في اهدار حقوق المواطن الليبي، وانتهاك حرياته الاساسية، والسياسية". وتكمن اهمية هذ الكلمة في انها جاءت مبكرة جدا، اي اثناء السبعينيات، وثبتت الاحداث يوميا، وطيلة اربعة عقود، صحة هذه المقولة.

 

وتعرض خيرة مثقفي المدينة، وكتابها، ونخبتها، واساتذة جامعاتها، ومدرسيها، وصحفييها، وعلمائها، وائمتها، الى اسواء انواع، القمع والتصفية والتنكيل. فطورد منهم من طورد، وعُذب من عُذب، وقُتل من قُتل، واُعدم منهم من اُعدم، ومات منهم، في المنفى القسري، من مات، ومات منهم في السجن من مات، وتشهد سجون، ومعتقلات، ومعسكرات، طرابلس على كل ذلك.

 

اما في القطاع العسكري، فقد فقدت مدينة طرابلس، العشرات، من خيرة شبابها، في القوات المسلحة، قتلا وشنقا وتعذيبا، من جميع القطاعات، البحرية، والمشاة، والطيران، وغيرها من القطاعات العسكرية، الاخرى. 

 

اما المعاهد والمدارس والجامعات، ودور العلم، بصفة عامة، فحدث ولا حرج، فقد اُغلقت المعاهد الدينية، في المدينة، بما في ذلك، معهد مالك ابن انس، الشهير. واقتحمت شلة من اللجان الثورية، كليات التربية، والهندسة، والصيدلة، والزراعة، والعلوم اكثر من مرة، طيلة سنوات 1973 و 1975، و1976م، 1977م، ثم في 1982م، وسنوات اخرى، كثيرة، بينها وبعدها. وكان اعوان النظام المسلحين، يطلقون، النار، في ساحات وردهات الكليات،  ليبثوا  الرعب، بين الطلبة، وهيئة التدريس. كما اقتحم جند النظام، القسم الداخلي، اكثر من مرة، واعتقلوا، العشرات من الطلبة، وخصصوا غرف دائمة، للضرب، والتعذيب، والتحقيق. وطُرد عشرات الطلبة، من مقاعدهم الدراسية، واصبحت، جل هذه الممارسات،عادات،  يمارسها النظام، من حين الى اخر، وكلما احس، بما قد يقلق مضجعه.

 

وتظاهر طلبة الجامعة، في طرابلس، في عام 1973م، ضد قرارات النظام الجائر، وطالبوا، باطلاق سراح المساجين، وضمان حرية الرأي، واستقلالية اتحاد الطلبة، وخرجوا من كليات الزراعة والهندسة والتربية والعلوم، في مظاهرة، الى ميدان الجزائر، فحاصرتهم قوات الصاعقة، وطوقت الميدان، من كل جانب، واغلقت مداخله، وكان رجال الصاعقة الملثمين، يعتقلون الطلبة، ويرمونهم في باصات، تحملهم الى اماكن، لا يعلمها الا الله. 

 

ليس ذلك فحسب، فمهما نست طرابلس، واهل طرابلس، فلن ينسوا شهر ابريل، من عام 1983م، وقد جُرجر الطالب الشاب محمد امهذب احفاف، الى حبل المشنقة، في وسط ساحة كلية الهندسة، بطرابلس، وقد اقتيد بالضرب والصفع والركل. وكان الطلبة، قد جمعوا، من كافة الكليات، بل ربما جُمع معهم، بعض طلبة المدارس الثانوية، دون ان يدروا، ما ينتظرهم من طقوس. واذا بهم يشاهدون ما يشيب له الولدان، فقد لُف حبل المشنقة، حول رقبة الشاب، محمد امهذب احفاف، والجموع، ينظرون الى هذا المشهد المرعب، ثم اخذ بعض من كلاب الدم، يتأرجحون في جثته الطاهرة، وهم يصرخون، ويغنون، وينعقون، باهازيج القائد،  ويمارسون، الطقوس الثورية، المتخلفة، حول جثة الضحية.

 

وتعرضت الطالبات، اللائي اظهرن امتعاضا، او اطلقن صرخة احتجاج، او صرخة رعب، ورهبة، وخوف، او اغمى عليهن، من هول المشهد، تعرضن، الى الضرب، والصفع، والتهديد.  

 

وتكرر نفس المشهد الدموي، في 1984م، فشنق كل من: حافظ حسين المدني الفقهي، ورشيد منصور كعبار، في ساحات كليات الزراعة والصيدلة، في طرابلس، بنفس الطريقة، وهم من خيرة وافضل وانبل شباب ليبيا، وشباب طرابلس، علما وادبا وتقوى، اقتيدوا، الى المشانق، وشُنقوا، على مرأى، من جموع الطلبة، والطالبات، ومارسوا معهم، نفس الطقوس المعهودة من تأرجح، واهازيج، واشعار.  

 

وفي اوائل السبعينيات، قُتل احد الطلبة، في معسكر التكبالي بطرابلس، من جراء قسوة وعنف التدريبات، التي كان الطلبة يتلقونها، تحت اسم "التدريب العسكري العام"، والذي كان الغرض الحقيقي منه، ارهاب واهانة الطلبة، من جهة، وشق الصف، بين القوات المسلحة، والقطاع الطلابي، من جهة اخرى، وتشتيت اذهان الطلبة، واهدار طاقاتهم، ومواهبهم، وابداعاتهم، في ما لا طائل من وراءه، من جهة ثالثة. وكان بعض الموالين للنظام، ، يتباهون في تلك الفترة، ويتنافسون، ايهم اشد على الليبيين، قمعا. وقد تلقى القطاع الطلابي، والاهالي، في طرابلس، خبر موت زميلهم، تحت "التذنيب"، بحزن واسى وغضب شديد.

 

ولم يسلم القطاع الرياضي، من ممارسات الطاغوت الارهابية، وممارسات زبانيته، فقد قتل لاعب نادي الاتحاد، والمنتخب الليبي، اللاعب المبدع بشير الرياني، رحمه الله، احد نجوم كرة القدم في ليبيا، والذي احبته جماهير الكرة في طرابلس، بل جماهير الكرة في ليبيا، باكملها، قتل، السيد بشير الرياني، على ايدي الساعدي، احد ابناء معمر، ولاسباب تافهة جدا.

 

اما رواية القتل، فتشبه روايات الرعب، التي يشاهدها العالم، عبر الافلام، ويشاهدها الليبيون على ارض الواقع. فقد طلب الساعدي، حسب ما تواترت الاخبار، من  الضحية، السيد بشير الرياني، ان يجثي على ركبتيه، وان يرفع رأسه الى اعلى، ثم اخذ الساعدي بضرب الضحية، بمطرقة، على فمه، حتى هشم اسنانه، ثم واصل الساعدي، الضرب بالمطرقة، على رأس الضحية، ثم انتهى المشهد، باطلاق عيارات نارية، على السيد بشير، حتى فارق الحياة. ورميت بعد ذلك جثة الضحية، على شاطيء البحر، كما جاء في احدى الروايات،  او في احدى ساحات المدينة.

 

ومن المرجح، ان تفاصيل هذه الجريمة، قد تسربت، عن طريق احد العاملين في المصيف،  الذي جرت فيه الجريمة (ربما المصيف البلدي). وقيل ان الضحية، ربما شعر، عندما تم استدعائه، بان امر ما، يدبر له بليل، من قبل الساعدي، فاعلم زوجته، بوجهته.

 

ومهما تعددت الروايات او اختلفت التفاصيل، واختلفت حيثياتها، الا ان حقيقة الجريمة (اي مقتل السيد بشير الرياني)، وتورط الساعدي فيها، امران مؤكدان. وهكذا، فقدت ليبيا، ابنا من ابنائها، ذهب ضحية هذا النظام، الارعن الاهوج، وضحية اهواء وامراض القائمين عليه.

 

ولف الحزن، مدينة طرابلس، عندما، اطلق الحرس الخاص للساعدي القذافي، النار على جماهير المدنيين العزل، من مشجعي الكرة، اثناء او عقب احدى المباريات، بين فريقي الاهلي والاتحاد، والتي جرت في مدينة طرابلس، فعندما هُزم الساعدي، في تلك المباراة، انطلق الجمهور، يهتف، ويعبر عن سخطه، لسوء اداء الساعدي، الذي كان السبب في الهزيمة، حسب ما رأى الجمهور، فامر الساعدي، عندئذ، حرسه المدججين بالسلاح، والذي كانوا برفقته، باطلاق النار عشوائيا، على الجماهير، فقُتل العديد منهم، وجرح الكثير، لمجرد انهم تفاعلوا، كمشجعين، مع وقائع وسير المباراة. وهكذا، تحولت المباراة الى مذبحة، سقط فيها القتلى والجرحى، ولف المدينة الرعب، التي توشحت، في ذلك اليوم، وما تلاه، من ايام بل اسابيع وسنوات، بالسواد، ولفترة طويلة بسبب تلك المذبحة. 

 

ولفت الاحزان مدينة طرابلس، عندما اختفت احدى فتيات طرابلس، من السيدات الكريمات العفيفات الفاضلات، بينما كانت تجهز وتستعد لعرسها، وكانت تقوم باعداد برنامجا او شريطا مصورا، يضم بعض ذكرياتها، ارادت ان تعرضه في حفلة عرسها، كجزء من برنامج الفرح. لكنها اختطفت، قبل اسبوع واحد، من موعد الفرح، واختفت الى يومنا هذا.

 

 وبعد فترة طويلة، تسربت اخبار، من داخل احد السجون، عن طريق احدى السجانات، تقول ان الفتاة التي جن جنون ذويها، بحثا عنها، موجودة في ذلك السجن، وانها متهمة بمحاولة تفجير احدى المباني، او المنشأت، او الاشخاص، بعد ان ارتدت حزاما ناسفا، كانت تنوي ان تفجر به نفسها. وعلى القاريء الكريم، محاولة استنتاج، حقيقة ما حدث لهذه السيدة الكريمة، التي كانت تعد لعرسها، مع زميلاتها، فقررت، هكذا، وبدون مقدمات -وحسب رواية النظام الطاغوتي- ان ترتدي بدلا من ذلك، حزاما ناسفا، قبل اسبوع واحد، من فرحها، لتنسف به ما تنسف، مما ادعى النظام. ليس ذلك فحسب، بل من يصدق، ان يتركها النظام، على قيد الحياة، لو كان اقل من معشار هذه التهم، صحيحة.     

 

واستولت عائلة القذافي، على سوق الثلاثاء، بطرابلس باكمله، وتحول الى سوق واحد،  تمتلكه عائشة القذافي، وكانت الاف العائلات، تسترزق من تجارتها، في هذا السوق. فقد تلقى اصحاب المتاجر، والاعمال، وبعض السكان، القريبين من سوق الثلاثاء، انذارا، باخلاء متاجرهم، والتخلي عنها، قسرا، مقابل تعويضات، رمزية، تافهة. وهكذا، هُدم سوق الثلاثاء، وتحول، كما ذكرنا، الى سوق واحد، تمتلكه عائشة القذافي، ارضا وتجارة. وكان امر الاخلاء امرا، قسريا، اي ان موافقة المواطن على الاخلاء، او على قيمة التعويض، او على عدم موافقته، لا تهم. فقرار الهدم، تحت مقولة، "ازلة  لغرض التطوير"، جاهز للتنفيذ، استلم المواطن التعويض، او لم يستلمه، ويعتبر سوق الثلاثاء، من جهة اخرى، معلم، من معالم طرابلس، وجزء من تاريخها. وهكذا خسر الناس، مصدرا رئيسيا من مصادر ارزاقهم، وخسرت طرابلس، سوقا شعبيا، التصق بها اجتماعيا، واقتصاديا، وتاريخيا.

 

وعقب عملية مايو 1984م، وضع كلاب الدم، جثث شهداء مايو، وهم: خالد علي يحيى امعمر، وعبد الناصر عبد الله الدحرة، ومجدي الشويهدي، وسالم ابراهيم القلالي، ومصطفى الجالي ابو غرارة، ومحمد ونيس الرعيض، وجمال محمود السباعي، ويحي علي يحي امعمر، ومحمد هاشم الحضيري، وعبد الله الماطوني، وسالم طاهر الماني، وضعوهم في سيارة، من سيارات القمامة، وطافت بجثث الشهداء الابرار، في شوارع المدينة، وارغموا الاهالي، على النظر، الى الجثث، التي فُُُرمت فرما، امعانا في ارهاب الناس، وكان كلاب الدم، يهتفون، كالمجانين، بطقوس الثورة، وبحياة القائد، وابدية الفاتح، ثم طرحوا، بقايا الجثث في الساحة، وتركت لفترة طويلة، شماتة في الشهداء الابرار. ثم ارعبوا السكان، بحملات بحث وتفتيش، عمن اسموهم، بالارهابيين، فاقتحموا بيوت الناس، وارعبوا الاهالي، واعتقلوا، وعذبوا، وحققوا، مع المئات، وعاشت طرابلس، كما عاشت ليبيا، ايام رعب لن تنساها طرابلس، لعدة اجيال.   

 

وشنق الشهيد عثمان علي زرتي، على خلفية احداث مايو، في سوق الجمعة، علنا، وتدلى المجرمون، من اللجان الثورية، في جثته، وهم يهتفون، بحياة الفاتح، والثورة، والقائد. وهُدم بيت الشهيد، تحت سمع وبصر زوجته واولاده، بل يقال ان زوجته، لم تغادر المنزل، الا عندما بدأ، الهدم فعليا، طمعا في ان يتراجع المجرمون، عن هدم مأواها، ومأوى، اطفالها، بعد ان فقدت زوجها الشهيد. وقد كانت السيدة الفاضلة، تحاول ان تثني عزمهم، عن هدم بيتها، لكن هيهات.  

 

كما حوصرت طرابلس، بمؤسسات الرعب، وتحول معسكر باب العزيزية، في طرابلس، الى مقر دائم، لقيادة الطاغوت، واصبح هذا المقر، مركزا للخطف، والمؤامرات، والقتل. وحول النظام الطاغوتي المدينة، الى منطقة عسكرية، فأحاطها بالمعسكرات، وبمقرات الامن، والسجون، ومكاتب المخابرات، والمعتقلات، كبوسليم والحصان الاسود، وغيرها من مؤسسات القمع والتعذيب والتنكيل، التي زرعها في مدينة طرابلس، وكان اهل المدينة، يشاهدون الطاغوت، على مضض، وهو يعبث بمدينتهم، دون رحمة. 

 

وتسببت ممارسات القذافي، الارهابية، وجرائمه، وغدره بالبشر، في كل مكان في العالم، في قصف مدينتي، بنغازي، وطرابلس، في عهد الرئيس "ريغان". كما تسببت، تصرفاته، وغدره بالشعب الليبي، في هذه الايام، وانقلاب ميليشياته، وكتائبه الارهابية، على الليبيين، بالاضافة الى استجلاب المرتزقة، او القتلة، الاجانب لذبح الليبيين، بدلا من حمايتهم، واستخدام الطيارين الاجانب، في قتل الليبي، تسببت هذه التصرفات، الرعناء، في تدخل المجتمع الدولي، وتدخل الناتو، الذي اضطر الى قصف مقرات القذافي، العسكرية والامنية، وقصف مراكز اتصالاته، ومعسكراته، ومخازن الذخيرة، التي وضعها بين الاحياء المدنية، في طرابلس، ولك اخي القاريء، ان تتخيل، ما يعانيه، اهل طرابلس، من جراء ذلك.  

 

اما اكثر ما كان يؤلم اهل طرابلس، فوجود سجن ابوسليم بها، وكراهية ان يلتصق هذا المعتقل الكريه، بمدينتهم، خاصة وقد اشتهر هذا المعتقل البشع، بالمذبحة، التي راح ضحيتها 1200 شاب، من خيرة ابناء ليبيا. بل واصر القذافي، ان يلتصق اسم طرابلس، بالسجون، والمعتقلات، والتحقيقات، وباغلب اجهزته وقواته وادوات تعذيبه، ومكاتب مخابراته. وكان في امكانه ان يختار مدينة اخرى، كمدينته سرت، على سبيل المثال، ولكن اختياره طرابلس، لتضم ابوسليم، والحصان الاسود، وكافة مؤسساته الاستخبارتية، والقمعية، والامنية، ومراكز الاتصالات، واللجان الثورية، ليس لان طرابلس هي العاصمة، بل لحاجة في نفس فرعون، فاختيار طرابلس، لمثل هذه الامور، كان من اهم وسائله الخبيثة، لاحداث فتنة بين الليبيين، مناطق، ومدن، وقرى، وجهات. فطرابلس، واهل طرابلس، ابرياء من القذافي، ومن اجهزته، ومقراته، ومعتقلاته، وممارساته.

 

طرابلس وثورة 17 فبراير..

 

خرج المتظاهرون، في عدة مناطق، في طرابلس، بالالاف، وخاصة، في الايام الاولى، للثورة، وهم يهتفون، "بالروح بالدم نفديك يا بنغازي"، فجن جنون القذافي.    

 

كما ارتدى المرتزقة، وافراد الكتائب الامنية، في طرابلس، في الايام الاولى لثورة السابع عشر من فبراير، العظيمة، ملابسا تميزهم عن الجماهير، حتى لا يهاجموا بعضهم البعض، من جهة، وحتى يلقون الرعب في الناس، بكثرتهم، من جهة اخرى. كما ارتدى بعضهم الاخر، ملابس الدعم المركزي، امعانا في التمويه. كما تجمع المرتزقة، في مباني معينة، في انتظار البدء، في  انجاز مجازرهم، كمصنع التبغ، على سبيل المثال. وتمركز القناصة، على اسطح اعلى المباني، كمصرف الامة، والسرايا الحمراء، على سبيل المثال.  

 

ثم انتشر الالاف، من المرتزقة، وكتائب الامن، في احياء طرابلس، واخذوا يجولون في شوارع المدينة، ويطلقون النار، على الحجر والبشر والشجر، وقاموا بمذابح يشيب لها الولدان. ناهيك عن المدرعات، التي كانت تجوب شوارع المدينة، وتقصف مناطقها، وتقصف معها البشر، عشوائيا، بالقذائف المدفعية، دون تمييز، وكان ذلك مصحوبا، بالقصف الجوي، لبعض المناطق، بالمقاتلات، والمروحيات (الهليكوبتر). وانتشرت بوابات التفتيش، والحواجز، في اغلب مفترق الطرق، وقطعت الاتصالات، عن المدينة، بنية عزلها عن العالم.

 

وهكذا امتلئت المدينة برجال الامن، والمرتزقة، وكتائب، ومليشيات القذافي، المجانين القتلة، الذين كانوا يهرولون، في الشوارع، يحملون العصي والبنادق والرشاشات، بل وكان بعضهم، يحمل السيوف والخناجر والسواطير، وهم يطاردون المدنيين العزل، ضربا، وطعنا، وارهابا، وتقتيلا. وشوهدت سيارات، يقودها كلاب الدم، تدهس البشر، في شوارع المدينة. وتواترت الاخبار، عن استخدام بعض اذيال النظام، لحامض "الاشدو"، لتشويه الناس، وقد اكد هذه الاحداث، اطباء وممرضين في المستشفيات، وفي غرف الطواريء، بالذات.

 

وقد تعرضت، اغلب مناطق واحياء وشوارع وميادين طرابلس، الى هذه الموجة من الرعب والمجازر والمذابح والارهاب، بما في ذلك فشلوم، وعرادة، وسوق الجمعة، وتاجوراء، والنوفليين، وزاوية الدهماني، ومشماشة، وقرجي، وحي الاندلس، وغوط الشعال، والظهرة، والصريم، وبن عاشور، وسيدي خليفة، وقرقارش، والهضبة الخضراء، وباب عكارة، والهاني، والسياحية، ورأس حسن، وسيدي المصري وباب بن غشير، والدريبي، والفرناج، وميدان الجزائر، وميدان الشهداء، وميزران، وشارع عمر المختار، وشارع الجمهورية، وشارع الاستقلال، وزنقة بودينة، وطريق السور، وغيرها من شوارع وضواحي، واحياء وميادين طرابلس.   

 

وكان الغدر، بالمتظاهرين، من الاساليب القذرة، التي مارسها النظام المنهار، ففي تاجوراء على سبيل المثال، شجع رجال الامن المتظاهرين، على الخروج، ووفروا لهم الحماية، ورافقوهم، مسافة لا باس بها، وعندما وصلت الجماهير، الى مكان قريب، من قاعدة "امعيتيقة" الجوية، امطروهم، من عدة جهات، بوابل من القذائف، والرصاص، فقتل من قتل، واعتقل من اعتقل.

 

وحوصر المتظاهرون، اثناء احدى التظاهرات، بين مجموعة من القناصة، تمركزت فوق احد الكباري، وبين كتائب الامن، من الجهة المقابلة للكوبري، وكانوا يطلقون النار، على المتظاهرين، الذين تجمعوا، من سوق الجمعة وفشلوم وعرادة، وحوصروا، بعد ذلك، بين نيران الكتائب والقناصة.  

 

كما تمركزت، بعض ميليشيات القذافي، وتمركز معها المرتزقة، امام ابواب المساجد، واخذوا يطلقون النار، على الناس، عقب صلوات الجمعة، لارهابهم، وتفريقهم، ومنعهم من الوصول الى الميادين الرئيسية، كميدان الجزائر، او ميدان الشهداء.

 

ولم يفت اعضاء اللجان الثورية، فرصة المساهمة، في هذه المجازر، فاقتحموا المستشفيات، وغرف الطواري، وقتلوا الجرحى، واخذوا الجثث معهم، للتخلص منها، على اعتبار انها ادلة على جرائمهم.   

 

كما كانت جثث الضحايا، من المدنيين، تُقطع، وتُشوه، وتُمزق، وتُرمى في الشوارع، لارهاب الناس، حتى لا يشاركون في الانتفاضة. واصبحت مشاهد الامعاء والاطراف والرؤوس البشرية، المرمية في الشوارع، ومشاهد الجثث المقطعة، والمحروقة، من المشاهد المألوفة، في بعض شوارع المدينة. وكان من بين الضحايا، اطفال صغار، ورضع، فلم ينج منهم  طفل، ولا فتاة، ولا شاب، ولا كهل، ولا سيدة، ولا مسن، ولارضيع. وقد قتل طفلا، بلغ من العمر، احدى عشر عاما، في احدى المظاهرات، بين يدي والده، وامام ناظريه، امعانا في قهر الوالد. 

 

وعندما تركوا الجثث لفترة في الشوارع، من اجل ارهاب الناس، اخذوا، بعد ذلك، يسحبون الجثث، والاطراف، وينقلوها في سيارت، الى اماكن مجهولة، للتخلص منها، حرقا او اغراقا او دفنا، كونها تمثل دليلا، على جرائم النظام، الذي كان لا يتوقع ان يرى احد، هذه الممارسات البشعة. لكن تغلب هذه الممارسات، وثقت، صوت وصورة، ورأها العالم باجمعه، تقريبا، خاصة الرؤؤس المهشمة، وسحب الجثث، والمقابر، والجثث المحروقة، والاعدامات الجماعية. 

 

وكان الاهالي يُحصدون، في شوارع تاجوراء، برصاص، الكتائب والمرتزقة، وشوهدت جثث عشرات الشهداء، في شوارع تاجوراء، بالاضافة الى القصف المتواصل بالرشاشات، وبالمدافع المضادة للطائرات (14.5مم). ولن تنس ليبيا، بل لن ينس العالم، منظر السيد الكريم، الذي فقد زوجته، بعد ان اصابوها بطلقة خارقة حارقة، امام باب بيتها، في تاجوراء، او في شرفة بيتها، فقط، لانها ارادت، ان تسحب ابنها، او ابنتها الصغيرة، الى داخل البيت، خوفا من الرصاص، الذي كان ينهمر، على المنطقة. وقد رأينا الرجل، الذي فقد زوجته، وقد غُطت ملابسه بدماء زوجته، صوتا وصورة. ولم يكتف المجرمون، بكل ذلك، بل نبشوا القبور، واختطفوا جثث الشهداء، امام ذويهم.  

 

وفي خضم هذه الاحداث والوقائع، اكدت روايات عديدة لشهود عيان، باْن طائرات من طراز "ليوشن" الروسية الصنع، تحمل مرتزقة، هبطت في قاعدة امعيتيقة، بطرابلس، اثناء احداث الايام الاولى، للانتفاضة. كما اكدت مصادر اخرى، ان طيارين ليبيين، وغيرهم من تونس، رفضوا، حمل مرتزقة، من قاعدة امعيتيقة الجوية، الى بنغازي. كما اكد شهود عيان، بان طائرات جزائرية، هبطت في نفس الايام، في قاعدة امعيتيقة، وقد شاهدها المئات من ابناء طرابلس.

 

رواية شاهد عيان..

 

طلبت من احد الاصدقاء، الذين حط بهم الرحال، على الحدود الليبية التونسية، نبذة عن احداث الايام الاولى للثورة، في طرابلس،  فارسل الي بهذه الفقرات، التي  ساوردها، مع تعديلات طفيفة جدا، يقول الصديق:

 

استجابت منطقة " فشلوم" الى الثورة، سريعا، وخرجت للتظاهر، يوم 17 فبراير. وكانت "فشلوم" هي شرارة انطلاقة المظاهرات، في طرابلس، وضواحيها، وخاصة، في اليوم الثاني، بداية من تاجورا، الى عرادة، فسوق الجمعه، وزواية الدهمانى، وميزران، وابى مشماشه، وقرجى، وحي الاندلس، وغوط الشعال، وجنزور.

 

واستطاعت مجموعات من شباب فشلوم، والظهرة، وزاوية الدهمانى، وميدان الجزائر، وشارع الصريم، من الوصول الى ميدان الشهداء، والاستيلاء عليه لمدة ساعة ونصف، لكن،  سرعان ما اتت سيارات محملة بالمسلحين، راحت تقصف بعشوائيه، كل من وُجد فى الميدان، ووقعت معارك، كر وفر، في شارع الاستقلال، وميدان الجزائر، وسقط فى هذة الاحداث، اكثر من خمسين شهيدا، من غير الجرحى، الذين قبض عليهم، عند وصولهم، الى المستشفيات، لتلقى الاسعافات، وتم نقلهم، الى اماكن مجهولة، كما تواتر خبر استخدامهم، كدروع بشرية.

 

ثم هدأت طرابلس، لمدة يومين تقريبا، استانفت بعدها انتفاضتها، يوم الجمعه، الموافق للخامس والعشرين من شهر فبراير، حيث انطلقت المظاهرات، من معظم مساجد طرابلس،  بعد الصلاة، تحي الشهداء، وتنادى بسقوط النظام، وكان هذا اليوم هو الاكثر دمويه.  

 

وخرجت تاجوراء بالالاف، وانضمت اليها جماهير عرادة، وسوق الجمعه، وحاصرتها قوات القمع، فى طريق 11 يونيو، وامعنت فى التقتيل، وسقط العشرات من الشهداء، كما سقط الكثير، في مناطق الظهره، وميدان الجزائر، وميزران، وابومشماشة، والصريم، وحي الاندلس، وسقط الكثير، من ابناء  جنزور.

 

ولم يستخدم النظام، خراطيم المياه، او الشرطة، او العصى،او اية ادوات اخرى، لتفريق المتظاهرين، بل استخدم المدافع الرشاشة، التي كانت تحصد الناس، عشوائيا، وكانت قوة دوي القذائف، والرصاص، لاتصدق. كما قام النظام، بعدها، بشن حمله ارهابية، تمثلت فى اعتقال المئات، من الشباب، الذين حُشروا، عراة، في حجرات صغيرة، وارغموا، على الهتاف، بشعارات، النظام المنهار، وكان ذلك، مصحوبا، بالضرب المتواصل الشديد. انتهى وصف الصديق الشاهد العيان.

 

وهكذا، مرة اخرى، حول الطاغوت، طرابلس، مدينة الحب والثقافة والامان، ومدينة الحضارة والجمال والسلام، الى ساحة تعج باحذية الجند، والمرتزقة، والبنادق، والخوذات، والحراب، وتعج بالدبابات، والبوابات، والعصي، والمدرعات. وشوهها بالدم، وبمقرات الامن، والمشانق، والمخابرات، والسجون، والجثث، والمقابر، واقبية المعتقلات. 

 

لكن، حتما، ستنتصر ليبيا، وحتما ستنتصر طرابلس، على الطاغوت، وزبانيته، ومليشياته، وعملائه، ومرتزقته، وما ذلك على الله ببعيد، فطرابلس، كانت دائما تخرج، من كل محنة، في التاريخ، منتصرة، فالى نصر قريب، باذن الله. والله ولي التوفيق.

 

د. فتحي الفاضلي
fathifadhli@yahoo.com
www.fathifadhli.com

____________________

ــ  اضغط هنا لزيارة موقعي على الفيس بوك : ليبيا ارض الشهداء 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home