Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli

الأحد 16 نوفمبر 2008

من ضحايا الارهاب : الأستاذ عامر الدغيس

د. فتحي الفاضلي


لك الله يا ليبيا..

هل حقا، وكما يدعي نظامنا الارهابي في ليبيا، ان الاستاذ عامر الدغيس، قد قام، في اليوم الثاني من اعتقاله، بالانتحار شنقا، بواسطة سلك هاتف. ثم لماذا (جدلا) يقوم مواطن في مكانة الاستاذ عامر بالانتحار.

وقبل ان نخوض في كل ذلك، دعونا اولا، نتعرف على الاستاذ عامر الدغيس.

فقد ولد الاستاذ عامر بمدينة طرابلس عام 1933م، وتحصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، عام 1959م، وعمل كمحرر للعقود، كما كان من أنجح المحامين في ليبيا.

ساهم في اوائل الخمسينات، في تأسيس النادي الليبي بالقاهرة، واشترك في تحرير مجلة "صوت ليبيا"، التي أصدرها النادي المذكور. وشارك في تأسيس وادارة وتوجيه "الاتحاد المهني للنقابات العمالية والحرفية"، والذي ضم 25 نقابة، انتسب اليها في ذلك الوقت، اكثر من 54 الف عضو عامل. كما كان للأستاذ عامر دورا رئيسيا، في توحيد "الحركة العمالية الليبية" عام 1960م، تحت مظلة "اتحاد عمال ليبيا". وعمل، بالاضافة الى ذلك، مستشارا ومحاضرا قانونيا بالاتحاد المهني، وكان يلقي المحاضرات للعمال، حول قوانين العمل، من أجل توعيتهم بحقوقهم وواجباتهم. وكان يفعل ذلك بدون مقابل، بل كان يساهم بماله وجهده ووقته.

ومن النشاطات الرئيسية التي قام بها، إعداد وطباعة وصياغة مذكرة، تطالب بتصنيع النفط الليبي، واستغلاله الاستغلال الامثل، من أجل ليبيا والليبيين، وقد وقع اكثر من 52 الف مواطن، على هذه المذكرة، والتي قدمت للسلطات في ذلك الوقت، وكانت من اهم الدراسات الجادة، التي تمت حول استخدام الثروة الوطنية.

ويعتبر المرحوم عامر، من مؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي في ليبيا، وقد انتخب عدة مرات، أميناً عاماً للحزب. القي القبض عليه في عام 1961م، أثناء الحملة التي شنها العهد الملكي، ضد حزب البعث في ليبيا، والتي تم فيها القبض على 158 عضواً، من اعضاء الحزب، اتهموا بمحاولة قلب نظام الحكم الملكي. كما شارك عام 1964م في اصدار صحيفة "الايام"، وشارك ايضا في احداث عام 1967م.

كان الاستاذ عامر يدعو إلى نظام ديمقراطي، يشارك في بنائه وتنفيذه، والدفاع عنه، جميع الليبيين، بغض النظر عن ميولهم، السياسية والعقائدية والتنظيمية، وكان يؤمن بالتعاون والتسامح، لذلك توطدت علاقاته بجميع فئات الشعب الليبي ومن جميع مناطق ليبيا.

وفي الرابع من سبتمبر من عام 1969م (اي بعد اربعة ايام من انقلاب سبتمبر) استدعاه النظام، وطلب منه التعاون معه في حكم البلاد، بل وطلب منه تشكيل اول حكومة في العهد العسكري، فرفض ذلك، بل رفض وبحزم، التعاون مع النظام، على جميع المستويات، وفي كافة المجالات.

اعتقل عام 1973م، لمدة اربعة اشهر، أثناء او بعد انطلاق حملة التجهيل (الثورة الثقافية). وبعد إطلاق سراحه، استدعاه النظام مرة اخرى، في ديسمبر1979م، وتم استجوابه حول علاقته باحدى الدول العربية، التي يفترض انها كانت تخطط لقلب نظام الحكم في ليبيا. ثم امر خليفة احنيش، بالقبض على الاستاذ عامر الدغيس مرة ثالثة، وذلك في 24 فبراير من عام 1980م، واقتيد إلى معسكر باب العزيزية، حيث بدأ معه تحقيقا، حول تهم عديدة، مصنوعة وجاهزة ومحفوظة في ارشيف الثورة، كمواقفه الوطنية، وعلاقاته بالمعارضة، ومحاولة تدبير انقلاب ضد "الثورة البيضاء."

وبعد ثلاثة ايام من التعذيب الشديد، اي في يوم الاربعاء 27 فبراير من عام 1980م، اسلم روحه الى بارئها، وسلم جثمانه الى ذويه، في صندوق محكم الاغلاق، وادعى النظام، أنه مات منتحراً. كما اشرف رجال الامن، على دفنه، دون فتح الصندوق، فقد منع اهله وذويه من رؤية الجثة، إلا الوجه. وشيعت جنازته، يوم الخميس 28 فبراير 1980م، في مدينة طرابلس ،اي بعد اربعة ايام فقط من تاريخ اعتقاله.

وشيعته جماهير ليبيا في طرابلس، وهي تهتف "الله اكبر"، في موكب جنائزي، لم تعرفه ليبيا من قبل. وقام الشهيد "محمد حمي" (رحمه الله) بتأبينه، كما نوهنا سابقا. وبكت ليبيا ابنا بارا مخلصا من ابنائها، لا ذنب له، الا حب ليبيا واهل ليبيا، وانكار ذاته ومصالحه ومصالح اسرته، في سبيل الوطن الذي احبه.

ونال خبر اغتيال الشهيد، اهتماما كبيرا، خاصة في اوساط الاعلام العربية، ونشرت العديد من الصحف العربية، خبر الاغتيال، بالاضافة إلى الاشادة بالدور البارز، الذي كان يلعبه الشهيد، على الساحة الوطنية والقومية. ونددت "لجنة الدفاع عن المعتقلين السياسيين والحريات العامة في ليبيا"، بعملية الاغتيال، عبر بيان اصدرته اللجنة المذكورة، واذيع من اذاعات احد الدول العربية. كما صلى صلاة الغائب على الاستاذ عامر، مئات من الليبيين ومن افراد الجالية العربية والاسلامية في لندن.

اما نظامنا، فقد لخص هذه الحادثة، بل لخص حياة وعطاء وتضحيات هذا المناضل، في هذه الاسطر الذي جاء فيها:

"في اليوم الثاني لاعتقاله، قام المعني (عامر الدغيس) بالانتحار شنقاً، بواسطة سلك هاتف، وترك وصيه بخط يده، كتب فيها "لكم الله يا أولادي". واضاف النظام، انه قد حققت النيابه في واقعة الانتحار، وسلم جثمانه لذويه، ودفن بمعرفتهم". وذكر النظام تاريخ الاعتقال (1980 ف) والتهمـة التي وجهت الى الشهيد (الانضمـام لـحزب البعث)، كما ذكر جهة التحقيق (مثابة طرابلس المركز) ورقم القضية (5). اضغط هنا للاطلاع على ادعاء النظام بخصوص قضية الاستاذ عامر الدغيس http://www.algathaficall.com/issue_5.html.

والنظام مدان حتى من خلال السطور التي نشرها بنفسه، فالشهيد الدغيس، وامثاله من الرجال، لا ينتحرون، بل يفضلون الحياة ليحترقوا (طبيعيا) من اجل الاخرين، ثم - وكما ذكرنا- لماذا يقوم سجين في وزن الاستاذ عامر الدغيس، بالانتحار!، وفي اليوم الثاني فقط من اعتقاله، اي ليس بعد شهور من التعذيب، فيقال، على سبيل المثال، انه انتحر، ليتخلص من جحيم العذاب الذي يصب عليه. ليس ذلك فحسب، بل ان انتحار سجين، وفي اليوم الثاني من اعتقاله، هو ادانة للنظام اصلا.

ثم متى كانت مقار اللجان الثورية، ومقرات الامن في ليبيا، بل وفي العالم العربي، توفر هواتف للمعتقلين، فيستخدموا اسلاكها للانتحار، وخاصة اصحاب التهم الضخمة، من حجم التهمة التي وجهت الى الاستاذ عامر الدغيس. ثم ما هي قانونية وشرعية التحقيق مع المواطنيين في مثابات اللجان الثورية، اين النيابة والدولة والقضاء.

ليس ذلك فحسب، بل وزيادة في التمويه، اضاف النظام ان "النيابة قد حققت في واقعة الانتحار"، لكن النظام لم ينشر نتائج هذا التحقيق الشبح. ثم، وحسب هذا الادعاء، فان دور النيابة، لم يأت إلا للتحقيق في واقعة الانتحار الكاذبة، مما يدل على فوضى قانونية وشرعية، لا اول لها، ولا اخر، تضع، هذه الفوضى، قادة النظام ورجاله واعوانه، تحت طائلة المسألة القانونية شخصياً، وبشتى انواعها.

اما الوصية التي تركها الاستاذ عامر الدغيس، والتي جاء فيها قوله، فقد ذكرها النظام للتمويه، وصرف النظر عن الجريمة الاصلية، ولاضافة طابع من المصداقية على روايته، ليقال ان النظام قد نقل وبصدق، كل كبيرة وصغيرة. ولا نستغرب ان يكتب رجل، في وزن ومكانة الاستاذ عامر، مثل هذه الوصية (لكم الله يا اولادي) وهو تحت التعذيب. بل لا نستغرب ان يكتب وصية تقول "لك الله يا ليبيا"، فقد عاش وعمل وناضل واستشهد من اجل ليبيا. لكننا نستغرب ان ينتحر، فابناء ليبيا الاحرار، من امثال الشهيد عامر الدغيس، يموتون من اجل الوطن، وهم واقفون.

لقد خسر الوطن باغتيال الاستاذ عامر الدغيس، رجلا مخلصا، وقيادة فذة، وطاقة هائلة، وحيوية لا تنضب. خسره الوطن، وهو في امس الحاجة الى امثاله. فرحم الله الاستاذ عامر الدغيس، رحمة واسعة، واسكنه فسيح جناته، وألهم اهله والوطن الصبر، والسلوان، وانا لله وانا اليه راجعون، ولا نامت اعين الجبناء.

د. فتحي الفاضلي
fathifadhli@yahoo.com
www.fathifadhli.com

________________________________________________

المصادر:
1. اليك عهد الرجال يا شهيدنا/الطليعة/العدد السادس/السنة الثانية/يناير-فبراير/1982م/ ص16-17.
2. من سجل الشهداء/ شباب ليبيا/ السنة الاولى/العدد الاول/ ابريل 1985م/ نشرة اعلامية تصدر عن انصار التنظيم الوطني الليبي بامريكا/ص5.
3. هؤلاء قتلهم القذافي/صوت ليبيا/ صوت الحركة الوطنية الديمقراطية الليبية/العدد 11/ السنة الثانية/ 2 جمادى الاخرة 1401هـ/ 7 ابريل 1981م/ ص 30.
4. استشهاد المناضل الوطني عامر الدغيس/ صوت ليبيا / العدد السادس/ السنة الاولى/ربيع الثاني 1400هـ/مارس1980م/ص9.
5. اصداء اغتيال عامر الدغيس / صوت ليبيا.
6. البديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعد "الثورة" / الكاتب/ فبراير 2002م / ص86.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home