Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli

الأثنين 14 يوليو 2008

       
       
       
       

كتاب ( البديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعـد "الثورة" ) (18)

د. فتحي الفاضلي

18- عـوائق المسيرة.. وشيء من النقد الذاتي

واجهت التنظيمات الليبية المعارضة، عوائق وازمات وصعوبات عديدة، عرقلت مسيرتها، واخرتها عن تحقيق اهدافها، وزادت من همومها وهموم منتسبيها. وقد تنوعت مصادر وطبيعة هذه العوائق والازمات، فشارك العالم العربي، وغير العربي، بعوائق عديدة، تحدثت عنها في الحلقة السابعة عشرة. وجاءت بعض هذه العوائق بسبب ممارسات التنظيمات نفسها (عوائق داخلية)، وتسبب النظام، من جانبه، في بروز ازمات وعوائق من نوع اخر. وستتحدث، في هذه الحلقة، عن الازمات والعوائق الداخلية، وعن تلك التي سببها النظام، وبشيء من الايجاز.

عـوائق داخليـة..
وتشمل هذه العوائق امورا عديدة منها: تباين واختلاف الاصول الفكرية والعقائدية للتنظيمات، وقصور التنظيمات في التعامل مع البعد القيادي نمواً وتطويراً، واهمال التنظيمات للدساتير والهياكل واللوائح الادارية الداخلية.

تبـايـن وتعدد..
سبب تباين الخلفيات الفكرية والعقائدية بين التنظيمات، اختلافا في نظرة هذه التنظيمات الى قضية ليبيا ومستقبلها، وبالتالي اختلافا في طبيعة الخطاب السياسي والثقافي، واختلافا واضحا في البرامج والاساليب والوسائل العملية، التي تبناها كل تنظيم على حدة.

كما ادى الاختلاف الفكري والعقائدى، وبطبيعة الحال، الى تعدد التنظيمات. لكن التعدد الذي لاحظناه خرج عن المألوف، لانه كان تعددا مبالغا فيه، تجاوز عدد المدارس والمذاهب العقائدية والفكرية والسياسية المتعارف عليها. خاصة وقد صاحب هذا التعدد، تقارب وتشابه وتماثل في ثوابت ومتغيرات ووسائل العديد من التنظيمات، مما يجعل تبرير هذا العدد من التنظيمات امرا غير يسير.

بل لا يتناسب هذا الكم مع امكانيات التنظيمات، البشرية والمادية، ولا يتناسب ايضاً مع حجم وطبيعة الخصم السياسي الذي تواجهه هذه التنظيمات. بل لا يستساغ هذا العدد من التنظيمات حتى في مرحلة سلام، وفي ظل دولة تقبل وتؤمن بالتعددية السياسية، فما بالك بمثل هذا الكم فى مرحلة "نضال" و"جهاد" و"كفاح"، تتطلب تكاتف وتعاضد وتعاون واتحاد الجميع، ضد نفس الخصم السياسي. واشير الى ذلك، دون المساس بنوايا واخلاص مؤسسي ومنتسبي تلك التنظيمات.

واصبح هذا الكم الهائل، عائقا رئيسيا، حال دون ترابط وتعاون التنظيمات، وحال بالتالي دون تحقيق اهدافها، بل اضعفها وشتتها وفتح باب التنافس السلبي بينها، حتى تطور هذا التنافس، في بعض الاحيان، الى صراع، على كل شيء تقريبا. كما خفف، هذا التنافس السلبي، من حدة التصادم، وصيغة الخطاب تجاه النظام. بل نقل هذا الصراع، خطاب المعارضة، في كثير من الاحيان، من خطاب "نضال" الى خطاب "حكم."

صراع فكري..
وتركزت اغلب النشاطات الاعلامية والثقافية، في اواخر الثمانينيات، حول الانتماء الفكري او الانتماء التنظيمي، حيث اخذ كل تنظيم يدعو الى اتخاذ فكره كبديل للنظام القائم. ودفع هذا الصراع الفكري، اغلب التنظيمات، الى الخوض بكثير من التفصيل، في مرحلة ما بعد سقوط النظام. حتى احتل هذا الجدل، حيزاً مبالغاً فيه، من جهود وطاقات المعارضة الليبية. فعقدت الندوات، ودارت الحوارات، وكتبت المقالات، حول خطة كل فصيل، في مرحلة ما بعد اسقاط او سقوط النظام، بل ومن التنظيمات من اصدر دستوراً، سيحكم به البلاد، بعد اسقاط النظام، ولا عيب في كل ذلك، ولكن، العيب ان يطغى هذا الامر على البرامج العملية للنضال.

وكمظاهر لذلك، برزت صراعات ثقافية بين اليسار، والقومية، والفكر الاسلامي، والوطنية، وصلاحية هذه الاتجاهات، كبدائل لليبيا بعد سقوط العسكر، وغيرها من القضايا الفكرية الحساسة، كانتماء ليبيا الفكري والحضاري والتاريخي، وقد تمسكت بعض التنظيمات باهمية الانتماء العقائدي، او الحزبي، كأساس لكل لقاء وعمل، وقللت تنظيمات اخرى، من اهمية هذا الامر، ونادت بالانتماء الوطني، بدلا من الانتماء الحزبي، على اعتبار ان الانتماء الوطني يضم، تحت مظلته، مختلف الانتماءات الفكرية، وقدمت كل هذه الاتجاهات ما يبرر وجهة نظرها.

ظهرت هذه الصراعات الثقافية والصدامات الفكرية، وبوضوح، اثناء المؤتمرات والندوات وعلى صفحات المجلات، ومن خلال المقابلات مع ممثلي التنظيمات. وكان لهذا الصراع اثار سلبية في اغلب الاحيان، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين التنظيمات، بل وحتى بين الافراد. ولابأس، مرة اخرى، بمثل هذه الصراعات، لكن المبالغة فيها، وفي مرحلة النضال بالذات، قد تضر بالنضال نفسه.

اسـتـقـالات..
ترك بعض قيادي ومنتسبي التنظيمات تنظيماتهم، والتحقوا بمؤسسات النظام المخابراتية، بعد ان اكتسبوا شهرة واسعة فى عالم المعارضة، وبالرغم من ان هذه الحالات، كانت استثنائية طفيفة نادرة، الا انها اصابت الناس بغضب واحباط واستياء شديد.

كما استقالت شخصيات قيادية اخرى معارضة، من مواقع المسؤلية في تنظيماتها، لكن دون ان تعود الى ليبيا، ودون ان ترتمي في احضان النظام ايضاً، وكان مجرد تخلي مثل هذه الشخصيات عن تنظيماتها، كفيلا بايجاد شيء من التساؤل والاحباط، فقد كان تواجد مثل هذه الشخصيات، ضمن صفوف القوى السياسية الليبية المضادة للنظام، مشجعا للاخرين، بسبب ما تتمتع به هذه الشخصيات، من ثقة واحترام وتقدير بين الليبيين.

بين الشورى والفردية..
اُهملت، اغلب التنظيمات، لوائحها الادارية وهياكلها التنظيمية، وكان لهذا الجانب نصيب الاسد في خلق المشاكل وفي توسيع الهوة بين منتسبي التنظيم الواحد ،كما ساهم هذا الامر، نتيجة لكل ذلك، في عرقلة العديد من برامج ونشاطات، اغلب تلك التنظيمات.

لقد قللت طبيعة العمل السياسي المنظم وحساسية العمل العسكري، من ممارسة الشورى بين قيادات التنظيمات وقواعدها، بل وغيبتها في اغلب الاحوال. فانحصرت ممارسة النشاط السياسي في نسبة ضئيلة من مسؤولي التنظيمات، اخذت تمارس النشاطات السياسية اليومية وتتابع تطوراتها، وتتخذ بشأنها قرارات عديدة، دون الرجوع الى الدساتير والنظم واللوائح الداخلية الخاصة بالتنظيم، ودون العودة ايضا الى قواعد التنظيمات، وذلك حفاظا على سرية بعض القضايا والقرارات، وخطورة تسرب هذه الاسرار على امن التنظيمات والافراد. صاحب ذلك انعدام الثقافة التنظيمية، وانعدام الوعي السياسي والحركي، عند قطاع عريض من منتسبي التنظيمات وقواعدها (وخاصة فى بداية تأسيسها)، مما صرف نظر الكثير، من منتسبي هذه التنظيمات، عن ممارسة العمل السياسي والاداري، واكتفوا، بدلاً من ذلك، بالمساهمة اذا طلب منهم ذلك. وكان العمل الثقافي والاعلامي ايضا، محصورا (بسبب طبيعته) فيمن يملك الاستطاعة على ادائه، فكانت الشرائح العاملة فى هذا المجال، محدودة ايضا.

وهكذا، ادى تهميش الهياكل الادارية، وتجاوز النظم والدساتير واللوائح الداخلية، الى تغييب الشورى، كما ادى الى استثناء، او تهميش، ارادي احيانا، وغير ارادي احيانا اخرى، لكتلة لا بأس بها من القواعد، عُزلوا، او انعزلوا، عن ممارسة العمل السياسي والثقافي والاعلامي والاداري.

وانتهى الامر بان طغت "المركزية" احيانا، و"الفردية" احيانا اخرى، على طبيعة اتخاذ القرارت، فاصبحت قرارات بعض التنظيمات، قرارات فوقية، تتخذها الاقلية، لتهبط الى القواعد، إما للتنفيذ، او لمجرد العلم.

تعارضت "الفردية" و"المركزية"، مع الهياكل واللوائح والنظم والدساتير، فتداخلت الاختصاصات، والادوار، وتكررت المهام مرات، وتعطلت مرات اخرى.

صاحب ذلك، وربما نتيجة لما سبق، عدم بروز قادة وكوادر جديدة مؤهلة لقيادة العمل، في مختلف المجالات، فالكوادر الجديدة لا تبرز ولا تنمو الا من خلال مؤسسات حية، لا من خلال مؤسسات طغت عليها الفردية والمركزية. والقيادات الجديدة هي دماء جديدة، وفكرة جديدة، ونظرة جديدة، وطاقة جديدة، تستطيع مواصلة المسير دون جهد (معنوي)، او عناء، خاصة اذا ما ارهقت، او فشلت، او عجزت القيادات السابقة، عن مواصلة المشوار. والقيادات الجديدة، من جهة اخرى، متحررة من العوائق التنظيمية والنفسية والشخصية، التي غالباً ما تكبل القيادات التاريخية، فتستطيع القيادات الجديدة، لذلك، ان تتفاعل بيسر مع مستجدات الواقع، وبمعادلات مناسبة، دون الوقوع في سلبيات الماضي، ودون الوقوع في مخالب الجمود، الذي دمر جماعات واحزابا، بل امما وحكومات. فتجديد القيادة، في الوقت المناسب، يعتبر تجديدا لروح التنظيم، وروح المؤسسة، بل ولروح الامم والشعوب والدول، فتلك سنن وقوانين تنطبق، دون تمييز، على التنظيمات، والتجمعات، والمجتمعات، كما تنطبق تماماً على الامم والملل والنحل.

ولا ينحصر، حديثنا السابق، على قيادات الصف الاول دون غيرها، بل يشمل مستويات قيادية مختلفة، وان احتلت قيادات الصف الاول قائمة النقد والنصح والتوجيه. كما لا ينحصر حديثنا عن الجانب السياسي فقط، بل يتناول قيادات وكوادر ومسؤولي الجوانب الثقافية والاعلامية والعسكرية والتعبوية.

جفت المنابع القيادية، كمحصلة لما سبق، وبدأت القوى السياسية الليبية، تدرك ذلك او بالاحرى تدفع ثمن ذلك، منذ اوائل التسعينيات وحتى يومنا هذا، وخاصة بعد ان ظل الافراد الذين اسسوا او شاركوا في تأسيس او في قيادة العمل السياسي، عند انطلاقة الصدام مع النظام، هم نفس الافراد الذين يقودون العمل، بعد ما يقارب من ربع قرن على تأسيس التنظيمات، وبنفس الوسائل والانماط والاساليب، واصبحت التنظيمات تدار بعقليات عاجزة عن التعامل مع الاحداث والوقائع، إما لعجز لا ذنب لها فيه، او لعجز كان لها نصيب الاسد فيه. ومما زاد الامر سوءا، ان صاحب ذلك جمود ملحوظ، ان لم تكن سلبية واضحة، في اغلب الاحيان، عند الكثير من كوادر وقواعد التنظيمات.

ولن نحيد عن الحقيقة، اذا قلنا ان جميع التنظيمات، تعرضت، ودون استثناء، لما سبق، مع شيء من التفاوت، بين تنظيم واخر. فقد ترك افراد، بسبب ذلك، تنظيماتهم، وانضموا الى غيرها، وترك اخرون العمل السياسي برمته، وتعرضت تنظيمات بكاملها، الى هزات لم تقو على مواصلة المسير بعدها، ووقفت تنظيمات اخرى حائرة، لا تدري اتتقدم ام تتاخر، ولم تستطع تنظيمات غيرها مواكبة الاحداث، فتحولت الى قوالب جامدة. كما انشقت تنظيمات على نفسها، وانحل غيرها وعجز اغلبها عن تطوير استراتيجياتها، وتحركاته، وتفاعلاتها على الساحة السياسية، اما لفقدان العقلية القيادية المتجددة المتابعة للاحداث، واما لفقدان عناصر التغيير الرئيسية فكراً واستراتيجية.

ومن العدل ان نذكر، في هذا الصدد، ان سرية بعض الجوانب والامور والقضايا السياسية والتنظيمية، وضرورة التعامل معها بسرية، وضمن دائرة مصغرة، كان امراً ضرورياً في احيان كثيرة، لكن هذا الامر امتد الى قضايا هامشية، والى جوانب غير حساسة، لا تمس امن الافراد والتنظيمات.

ولا شك، من جهة اخرى، ان من بين قيادات الاحزاب والجماعات والحركات، من عارض "الفردية" و"المركزية" وعاداهما، لكنه عجز عن تغيير ذلك. ولا شك ايضاً، انه قد تم تقدم بعض قيادي الصف الثاني، الى الصف الاول في مجالات عديدة، لكن تقدم هذا البعض، كان تقدماً غير طبيعي في اغلبه، لانه جاء إما سدا لفراغ، او تفاعلاً مع ظرف، او استجابة لحدث ما، ولم يأت نتيجة لتمرس الافراد، ونموهم وتطورهم، في معمعة النضال والكفاح والجهاد، داخل تنظيماتهم، وفي مختلف المجالات السياسية والعسكرية والثقافية والاعلامية.

والفارق كبير وحساس جداً، بين ان تتقدم قيادات الصف الثاني لقيادة العمل، نتيجة لنضجها السياسي، وبين ان تتقدم نتيجة لجفاف منابع الصف الاول، او نتيجة لعوامل غير طبيعية اخرى. فالكادر الذي يتقدم بعد تجربة وصقل في ميدان العمل والانتاج، يتحول الى قائد ناجح، قادر على اداء مهامه القيادية بكفاءة من جهة، ويصبح دليلاً على نجاح التنظيم في تطوير كوادره من جهة اخرى، خاصة اذا فشلت قيادات الصف الاول في تحقيق اهدافها ومواصلة مشوارها. اما التقدم لسد نقص في الافراد، او بسبب تغييب الهياكل التظيمية، او بسبب استقالات بعض قيادات الصف الاول، اوبسبب انشقاقات تنظيمية، او بسبب الشللية، او الجهوية، او غير ذلك من الاسباب غير الطبيعية، فيعتبر بروزا، اقرب الى الاجهاض منه الى الولادة.

ومن العدل ايضا، ان نذكر ان اغلب القيادات التي اسست التنظيمات، جديرة بالقيادة في ذلك الوقت، ليس بسبب اسبقيتها في تأسيس التنظيمات، بل لانها كانت تستحق ذلك، لاسباب سياسية او فكرية او اجتماعية، او بسبب الخبرة والتمرس في مجال العمل السياسي، او لغير ذلك من الاسباب والظروف التي توافرت في ذلك الوقت، اي انها كانت القيادة المناسبة، في الوقت المناسب، في الظرف المناسب، ولكن اغلبها عجز، بعد ذلك، عن التعامل مع القضية الليبية، لاسباب عديدة، اهمها، كما ذكنا، اهمال تطوير المؤسسات، مما ادى الى خلق حالة من العجز والجمود، مس اغلب الاحزاب والجماعات والجمعيات والحركات والمنظمات والهيئات. كما شهدت الساحة الليبية السياسية حديثا، تغيرات ايجابية محدودة، في هذا الامر، لكنها واضحة المعالم، قد نعود اليها لاحقا باذن الله.

امكانيات..
كان للعائق المادي والبشري، دور حساس في زيادة هموم ومعاناة التنظيمات، فلم تستطع التنظيمات، بسبب محدودية امكانياتها البشرية والمالية، وبالتالي امكانياتها العسكرية والاعلامية، مجاراة المتغيرات داخل او خارج ليبيا، ولم تستطع ايضاً استغلال الوقائع والاحداث بالسرعة والوسيلة المناسبتين، فما ان تتكيف التنظيمات مع متغيرات سياسية وعسكرية واجتماعية ما، حتى تتبدل وتتغيرالاوضاع كلمح البصر.

ادى ذلك الى بطء الانجازات في المجالات العسكرية والسياسية والاعلامية، وادى بالتالي الى غياب التصادم المباشر، والمتواصل مع النظام. كما اوجد هذا الامر، فترات من الملل والجمود، ادت الى حالات جادة من الاحباط وخيبة الامل والياس. بل ادت، قلة الامكانيات وندرتها، الى اتجاه التنظيمات، بحكم حاجتها الى دعم دولي مادي ومعنوي، وكذلك من اجل الضغط سياسياً على النظام الليبي، الى التعامل مع دول عربية وغير عربية، على مختلف مستويات التعامل.

فئات محدودة..
لقد تشكلت اغلب التنظيمات، التي تأسست في الخارج، من فئات محدودة من شرائح الشعب الليبي، تمثلت في الفئات المتعلمة من طلبة او مثقفين او سياسيين، لذلك لم تمثل نموذجاً متكاملاً يشمل اغلب قطاعات وفئات الشعب الليبي، بالرغم من انها عبرت بصدق عن طموحاته واماله وتطلعاته. اثر ذلك، وبطبيعة الحال، في طبيعة الاهداف التي حددتها التنظيمات لنفسها، فغابت من القائمة اهداف هامة، وجانبت الواقعية اهداف اخرى. وذلك بسبب غياب شرائح ذات تطلعات، تختلف عن تطلعات القطاعات والفئات التي اسست التنظيمات. بل كان ايجاد برامج نضالية تناسب الطبقة الواعية او المثقفة، امراً في حاجة الى قيادة واعية ناضجة حكيمة مدربة مجربة، لان هذه الفئة، كانت فئة صعبة التكاليف، كثيرة المحاسبة.

عـوائـق مـن النظـام..
احدث النظام ربكة بين صفوف المعارضة، افرادا وتنظيمات، عندما خفف في يوليو من عام 1987م، من حدة لهجته تجاه الليبيين، خاصة وقد صاحب ذلك خطوات عملية، من بينها اطلاق سراح بعض السجناء، والسماح لكتلة من الليببين في الخارج، بالعودة دون مساءلة، مع تسهيل نسبي لاجراءات السفر الى الخارج، وذلك بعد سنوات من الصراع بين النظام وخصومه. فعاد بسبب ذلك، قطاع عريض من الليبيين الى ليبيا، مما ادى الى جفاف المنابع البشرية، وتوقف النمو الافقي، لاغلب التنظيمات السياسية في الخارج.

لقد كان الليبيون فى الخارج، المنضمين الى تنظيمات منهم، وغير المنضيمن، مصدرا للدعم المادي والمعنوي، فهم الفئة التي كانت تساهم في اعداد وتنفيذ البرامج الثقافية والسياسية والاعلامية. وكان لاغلب الليبيين في الخارج، طلبة وغير طلبة، امكانيات تقنية وابداعات ثقافية هائلة، ساهمت فى الرفع من مستوى التنظيمات ثقافيا وسياسيا واعلاميا، بل واعتبر مجرد تواجدهم في الخارج، دليلاً على طبيعة النظام الدموية تجاه مواطنيه. لكن انفتاح 1987م، وان كان انفتاحاً مبتورا، الا انه فتح في تلك الفترة، الطريق امام عودة قطاع عريض من الليبيين الى ليبيا، كما جدد الامل في العودة عند الاف اخرين، مما خفف من حدة الصدام مع النظام في تلك الفترة، اعلاميا على الاقل. واظن ان قرار انفتاح 1987م (والذي اطلق عليه النظام "اصبح الصبح")، وما صاحبه من هامش محدود جدا من الحريات، كان اول ضربة جادة تتلقاها التنظيمات السياسية الليبية في الخارج. وعقب بداية انفراج ازمة لوكربي، كرر النظام نفس دعوة 1987م مرة اخرى. ثم تطور الامر الى حجم اكبر حديثا بعد ان احتلت دعوة "الاصلاح" حيزا كبيرا في معادلة الصراع مع النظام القائم.

تقـلـب..
استقبلت العديد من الدول، بعض فصائل وتنظيمات المعارضة، واصبحت هذه الدول، قواعد مفتوحة لهذه التنظيمات. لكن هذه الدول تحولت، وبقدرة قادر، الى قواعد مفتوحة للنظام الليبي ايضا. وتعود سرعة هذه التغيرات، الى عدم تبني النظام في ليبيا لمباديء ثابتة ينطلق منها في تعامله السياسي مع الاخرين. بل كان لكل موقف للنظام مبدأ، فتراه يتقلب في سياساته من نقيض الى اخر، قبل ان يرتد الى اي منا طرفه. ينطبق هذا، وبالطبع، على جميع الدول والانظمة العربية وغير العربية، بدون استثناء. وكانت استجابة التنظيمات المعارضة، لهذه المتغيرات والمستجدات السياسية بطيئة جداً، وبما لا يناسب سرعة المتغيرات السياسية. فكان النظام سباقاً الى كسب ود الانظمة، والتي استطاعت هي الاخرى، والى حد ما، الاستفادة من الصراع القائم بين النظام وبين خصومه السياسيين، فالسياسة لا تستند على قيم او مبادىء او اصول، لذلك تحدث هذه المتغيرات بصورة سريعة ومفاجئة ودورية، لا تملك القوى السياسية المعارضة، الامكانيات المادية والسياسية والاعلامية، التي تؤهلها لمجاراتها.

فوضى..
اضاف غياب الملامح الواضحة للنظام في ليبيا، عوائق اخرى امام القوى المضادة للنظام، فالنظام يختفي خلف هالة مصطنعة من الفوضى، حتى يبدو للعيان انه نظام فوضوي غير واضح الملامح، لكنه في الواقع نظام متمرس متمكن، كغيره من الانظمة العربية، فخلف ستار الفوضى، تختفي مؤسسات تقليدية، امنية وغير امنية، تمارس واجباتها كأي مؤسسة تقليدية، في دولة ما من دول العالم. فالظواهر الفوضوية التي اشتهر بها النظام في ليبيا، عن غيره من الانظمة، لا تظهر حقيقة النظام. لكن هذه الفوضى شكلت عائقا رئيسيا امام القوى المضادة للنظام. وربما يفسر ذلك تمسك معمر بها، ومحاولة تقنينها، واضافة ديباجة منظمة حولها، كاعلان سلطة الشعب، والوثيقة الخضراء، والبيان الاول، والكتاب الاخضر، وكل هذه لا تساوي عند النظام شيئا. فهي مجرد "وسائل". وللاسف فان بعض المفكرين والمحللين والمثقفين والكتاب الليبيين، في الداخل والخارج، يتعامل مع هذه الامور كنظريات، ووثائق، واعلانات، وهي، مرة اخرى، وفي واقع الامر، مجرد "وسائل" لن يتخلى عنها النظام، الا اذا وجد "وسائل" غيرها تمكنه من الاستمرار في احكام قبضته على ليبيا.

هوة..
توفر خارج ليبيا، هامش كبير من الحريات، شمل حرية تاسيس التنظيمات، وحرية التجمع والحركة والتنقل والاتصال، وحرية اصدار المطبوعات، وغير ذلك من حريات لم تتوفر في ليبيا. ونتج عن ذلك سلبيات عديدة جداً، كانتشار التنظيمات في رقعة واسعة من العالم، وبُعدها عن مجريات الامور فى ليبيا، وصعوبة تجميع المعلومات عما يجرى داخل البلاد، بصورة متواصلة، وعدم شمولية هذه المعلومات، وبطء ارسالها وتداولها، (اذا توفرت)، وصعوبة وصولها من داخل ليبيا، بصورة سريعة ساعة الحاجة اليها. فهناك وباختصار، صعوبة في الحصول على المعلومات الحساسة من ليبيا، وصعوبة في ايصال معلومات اخرى الى ليبيا، وصعوبة بالتالي في استعمالها، او استخدامها، بصورة سهلة سريعة، مما ادى الى بطء تفاعل التنظيمات، مع المستجدات في ليبيا، بصورة سريعة ومكثفة ومناسبة، وادت كذلك الى صعوبة استيعاب التنظيمات لعوامل صناعة القرار في ليبيا، ولمواطن التأثير فيه، بل واثر ذلك في صناعة القرار الصائب، داخل التنظيمات نفسها.

كما قلل اتساع الهوة بين الداخل والخارج، اتصالا وتوقيتا، من درجة التاثير الفكري والثقافي والاعلامي، الذي كان من المتوقع ان تصنعه التنظيمات بين الجماهير في ليبيا، فغاب بذلك الجسر الثقافي والاعلامي، الذى كان من المؤمل ان يُبنى بين الداخل والخارج، فى جميع المجالات الثقافية والاعلامية والعسكرية والسياسية، مما ادى الى بطء تفاعل الجماهير في ليبيا، مع فكر وثقافة ونشاط المعارضة. وربما كسرت الفضائيات والمواقع الالكترونية، جزء لا باس به من هذا الحاجز، لكن الامر لازال في حاجة الى تطوير يواكب الوقائع والاحداث بصورة اكثر جدية واكثر بالتالي تاثيرا.

كما ادى انتشار التنظيمات على امتداد رقعة واسعة من العالم، الى صعوبة التحرك والتجمع، بصورة مستمرة، سريعة وميسرة، فنتج عن ذلك فراغ سياسي، من فترة الى اخرى، تاثر به، سلبيا، اعضاء التنظيمات وقياداتها وقواعدها.

كما افسد هامش الحرية، فى الخارج، سرية العمل الى حد ما، فحرية الصحافة، وحرية الكلمة، وحرية التعبير، والاحساس بالامن، وسهولة التنقل، من بلد الى اخر، تعتبر من العوامل التي خففت الحس الامني لدى الاغلبية العظمى من منتسبي التنظيمات. وبالرغم من ضحالة المعلومات، التي قد يتداولها منتسبو التنظيمات، وضحالة اهميتها فى الخارج، الا ان هذه المعلومات، قد تكون، مهما بلغت ضحالتها، ذات اهمية كبيرة، خاصة في الداخل.

الجيل الثاني والثالث..
كما نتج عن تواجد الليبيين في المهجر، معاناة اضافية، محورها الصراع من اجل تربية الجيل الثاني والثالث، من ابناء المهاجرين في ديار الغربة. وما يشمل ذلك من تربية وتعليم، وتوفير للقمة العيش، والحياة الكريمة بصفة عامة. فقد كتب على تلك الاجيال ان تترعرع فى بلاد الغرب، بكل عوامل التدمير فيها، مما زاد من هموم المهاجرين، المنتسب لتنظيم منهم وغير المنتسب. تلك هي اهم العوائق التي واجهت المعارضة الليبية في الخارج.

والى اللقاء.. مع الحلقة.. التاسعة عشرة.. والحديث عن.. خطوط عريضة في مسيرة المعارضة الليبية.. وشيء من ايجابياتها، والله ولي التوفيق.

اضغط هنا للاطلاع على سلسلة البديل السياسي.

د. فتحي الفاضلي
ffadhli@yahoo.com
www.fathifadhli.com


       
       
       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home