Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli

Sunday, 13 April, 2008

       
       
       
       

كتاب ( البديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعـد "الثورة" ) (17)

د. فتحي الفاضلي

17- الفصل الرابع.. عوائق المسيرة

لقد طغت رائحة النفط على رائحة الدم.. فالعالم ينظر الى ليبيا.. كبحيرة من زيت.. لكنه لا يرى الجثث التي تطفو فوقها.

لقد كنا سذجاً، عندما اعتقدنا ان العالم سيتعاطف معنا، عندما يدرك بشاعة النظام في ليبيا، لكن العالم كان يفكر فيما هو اهم من حقوق الانسان في ليبيا، فقد اصبح دولارا واحدا يدخل الى جيب من الجيوب، اكثر اهمية من جميع الارواح البريئة التي ازهقتها "الثورة" في ليبيا.

اين كانت اوروبا وامريكا والعالم العربي والاسلامي، عندما عُلق اولاد ليبيا على اعواد المشانق، وقد احضروا الى ساحات الاعدام بالضرب والركل والبصق والصفع، بينما تذرف امهاتهم، بل تذرف ليبيا الدموع، على فلذات اكبادها، واعراس الدم تُبث على الهواء، مباشرة، صوت، وصورة، جهاراً نهاراً. بل وتبث بجانب المآدبة الرئيسية، ممارسات اخرى، لا يرضى ان يمارسها المردة والفراعنة والجان، كالتأرجح بجثث الشهداء وسحبها وجرجرتها في الازقة والشوارع، والتمثيل بها والتجول ببعضها، في مدن وحارات ليبيا، بينما تتغنى حناجر الثوار، بقيم الثورة ومبادئها وانسانيتها وبراعة قادتها.

لقد واجهت قوى المعارضة الليبية، عوائق وازمات وصعوبات عديدة، عطلت مسيرتها واخرتها عن تحقيق اهدافها، وزادت من همومها وهموم منتسبيها. وقد تنوعت هذه العوائق والازمات، فجاء بعضها بسبب ممارسات قامت بها القوى المعارضة نفسها (عوائق داخلية)، وخلق النظام ازمات وعوائق مختلفة، بينما شارك العالم العربي، وغير العربي، بعوائق اخرى عطلت مسيرة القوى المعارضة، بل عطلت مسيرة ليبيا السياسية بكاملها. وسأتحدث في هذه الحلقة، وبشيء من الايجاز، عن اهم هذه العوائق.

عوائق اوجدها العالم..

لقد تجاهل العالم نشاط النظام العسكري في ليبيا، على مختلف المستويات، من حروب وارهاب واعدامات، وصاحب هذا التجاهل، تغير في مواقف الدول العربية وغير العربية تجاه النظام الليبي من عداوة شرسة الى صداقة حميمة.

فقد تعاملت الدول العربية والغربية مع النظام الليبي، تبعا لمصالحها الاقتصادية والسياسية، فلم تكن مواقف هذه الدول ومواقف النظام الليبي مواقف ثابتة تجاه بعضهم بعضا، فقد يصنف العالم النظام الليبي يوماً، كنظام عسكري فاشي تقوده طغمة ديكتاتورية ظالمة طاغية، ثم وبقدرة قادر، ترى نفس العالم يتعامل مع نفس النظام، كبحيرة من زيت، دون ان يلقي بالاً الى الجثث التي تطفو فوقها.

والغريب في الامر، ان هذه الدول، التي بدلت جلودها وغيرت من مواقفها، هي نفسها التي فتحت اراضيها، وبكرم حاتمي، امام التنظيمات الليبية، وضمنت لمنتسبيها حرية العمل السياسي وحرية الكلمة وحرية الحركة، بالاضافة الى ما تيسر من الدعم المادي والعسكري، ثم وبدون سابق انذار، غيرت هذه الدول من مواقفها، فحدت من حرية الافراد والتنظيمات، وقللت من العون المادي والمعنوي، وعرقلت، بل والغت، مشاريع سياسية وعسكرية، كانت تلك التنظيمات تعول عليها، ولو اعلامياً، في مقارعة النظام.

ووصل الامر الى احقر مرتبة من مراتب التعامل بين البشر، بل حتى بين الحيوانات، فقامت العديد من الدول العربية وغير العربية، بتسليم مهاجرين ليبيين الى النظام الليبي بالرغم مما عرف عن هذا النظام من شراسة. حدث ذلك بعد ان ضمن لاولئك الضحايا حق اللجوء السياسي، وضُمنت لهم حرية الحركة والسفر والتنقل والعمل، في دول كانت تنظر الى النظام الليبي نظرة المزارعين الى الجراد، ونظرة العابدين الى الشياطين، بل كانت هذه الانظمة تلعن النظام الليبي ليلاً ونهارا، سراً وعلانية، على مدار العام، دون تنفس او توقف. وقد سلمت هذه الدول، مجموعة كبيرة من الليبيين اللاجئين لديهم والفارين بدينهم ودنياهم، بل ومن هؤلاء الليبيين من استقر وتزوج من مسلمات من تلك الاقطار، بل ورزقوا بذرية، دون ان يشفع لهم ذلك، بالرغم من علم هذه الانظمة المسبق، بعنف وارهاب وقسوة النظام الليبي.

ومن الاطناب ان نقول انه لا العرف العربي الجاهلي ولا المعاصر، يسمحان بتسليم المستجير الى عدوه، فحتى "ابو لهب" اعلن في فترة من فترات حياته، استعداده لاجارة الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن ملوك وقادة ورؤساء الدول العربية الرجعي والتقدمي والحر والعبد منهم على السواء، سلموا مسلمين الى غريمهم وخصمهم وعدوهم، والذي يدرك، اولئك القادة والامراء والملوك - قبل غيرهم- عنفه وقسوته، فاصبحوا بذلك شركاء فى جرائم النظام ضد الليبيين.

ليس ذلك فحسب، بل لم ينج نظام او ملك او امير او وزير او رئيس من تسلط النظام الليبي، الذي نعتهم باحقر النعوت، كخنازير الزيت والعملاء والذيول والخونة والحشاشين والجبناء، الى غير ذلك من صفات ونعوت، فاقت ما جاء في الشعر الجاهلي من قدح وهجاء وذم، ومع ذلك اشترك نفس القادة والملوك والزعماء مـن الشرق والغــرب في ذبح هذا الشعب وذبح غيره من الشعوب العربية.

ضحايا..

اما المجتمع الدولي فقد واجه ممارسات النظام ضد الليبيين، ببرود شديد، وبغضب مصطنع، بالرغم من ان النظام الليبي، لم يبذل جهدا، ولو طفيفاً، في اخفاء نواياه الارهابية ضد الليبيين، بل كان حريصاً على ابراز ذلك، كمظهر من مظاهر هيبة النظام، فكان يهدد علناً بمطاردة الليبيين واغتيالهم اينما وجدوا. ليس ذلك فحسب، بل عُقدت اجتماعات ونظمت مؤتمرات علنية، داخل وخارج ليبيا، توافد اليها اعوان النظام واعلنوا منها، جهاراً نهاراً، تصميمهم على استمرار العنف ضد الليبيين في الخارج. كما كانت تهديدات النظام تُعلـن وتوزع مكتوبة بواسطة موظفين رسميين فى مكاتب وسفارات ومؤسسات ليبيا في كثير من دول العالم.

بل كلما انطلق تهديد لحقه تصديق، فقد اغتيل المهاجرون الليبيون فى الشوارع، واغتيلوا في متاجرهم، واغتيل اخرون فى بيوتهم، ومقرات سكناهم، واغتيل غيرهم امام المساجد، فسقط الليبييون برصاص الليبيين فى شوارع بون وبرلين واثينا وقبرص ومانشستر وباريس واسبانيا وروما ولندن.

وصبغت شوارع وارصفة اوروبا بدماء المهاجرين المدنيين المسالمين الابرياء، من عمال وتجار وطلبة ومثقفين، ممن تركوا بلادهم هرباً من اضطهاد النظام الليبي وبحثاً عن ملجأ يلجئون اليه، فساقتهم اقدامهم الى دول يفترض انها تأسست وفق مبادىء العدالة وسيادة القانون والمساواة، لكنهم اغتيلوا في اشهر مدن وعواصم العالم وتحت سمع وبصر اجهزتها الامنية.

فقد اخترقت اربع عشرة رصاصة جسد يوسف خريبيش فى ميدان كافور بايطاليا اصابته فى جميع انحاء جسده قبل ان تنتبه الشرطة الايطالية!!! وعُذب الطالب عبد المنعم الزاوي باثينا، ووضعت قطعة قماش في فمه، واطلقت عليه رصاصتان في كتفه، واثار التمثيل ظاهرة على وجهه، وخنق زميله عطية الفرطاس بسلك معدنى قبل ان يموت مخلفا مجزرة بشرية بشعة تواضعت امامها مجازر العصور الوسطى، واغتيل صالح الشطيطى في اثينا، وعبد الجليل عارف فى روما، ومزقت ثماني رصاصات جسد محمد افحيمة بمطعم باثينا، بعد ان غدر به الغادرون وجروه الى المطعم الذى قتل فيه والعالم واقف يتفرج، وسمم اطفال ليبيون في مدينة مانشستر، واحتجز طلبة في سفارة ليبيا فى بون وعذبوا داخلها مع علم مخابرات المانيا ورجال امنها، وسحب اعوان النظام، بكل اطمئنان وبدون مبالاة، الشهيد محمد مصطفى رمضان من امام المسجد بلندن برغم شهرته ومكانته فى اوساط العرب والعجم، واطلقوا عليه اربع رصاصات اخترقت جسده، بينما جبينه لازال ساخنا من اثر السجود لقيوم السماوات والارض، وسقط احمد البراني فى مكتبه فى قبرص، واغتيل الشيخ المبروك غيث اثناء ادائه لفريضة الحج، واخترقت رصاصتان جسد الطالب جبريل الدينالي، فسقط في احد اكبر شوارع بون، وقتل محمد الخمسي فى غرفة باحد فنادق روما، وسقط المحامي محمود نافع مضرجا بدمائه فى مكتبه بلندن، واغتيل سالم الرتيمي فى روما، بالاضافة الى عشرات المحاولات الاخرى في دول عربية، واخرى غير عربية، لكن دون ان يحرك المجتمع الدولي ساكنا.

اغتيلوا جميعهم فشهد العالم المتمدن اغتيالهم بعد ان استمع الى التهديد باغتيالهم.

ومرة اخرى، لم تكن مخططات النظام فى هذا الصدد سرية، فلم تؤخذ الاجهزة الامنية في العالم بغتة، بل اثبت النظام للعالم ولاكثر من عشرين مرة، انه جاد في تهديداته، فتكرار الحادثة المرة.. بعد المرة.. بعد المرة.. دون ان تقف هذه الدول هنيهات وتتدارس وتقيم ما يحدث، ثم تحاول ان تفعل شيئاً تجاهه، خاصة وان التهديد والوعيد المباشر كان يسبق كل محاولة، مما بعث في النفوس استغرابا ممزوجا بالشك، فالنظام لا يرى فائدة من جريمة لا يدرك خصومه انها من تخطيطه وتنفيذه، لان فائدتها، كعبرة او تهديد او ارهاب للخصم، ستضيع حسب اعتقاد النظام، فالنظام يحرص (كجزء من استراتيجياته) ان يعلم القاصي والداني، انه المسؤول عن اغتيال الليبيين في الخارج.

ولكن لم تحرك عواصم العالم المتمدن ساكناً، ولم تتخذ مواقف جادة لمنع النظام من مواصلة جرائمه، ولم تتخذ مواقف يضطر النظام بعدها الى تغيير سياساته بهذا الصدد، وكان فى مقدور هذه الدول ان تفعل ذلك منذ حادثة الاغتيال الاولى.

بل ازداد النظام مع الزمن سوءاً، فقد اطلق الرصاص في ابريل1986م، على مجموعة من الليبيين تظاهروا ضد النظام امام السفارة الليبية في لندن، فسقط العديد منهم جرحى، وتناقل العالم الحدث بالتفصيل صوت وصورة. ومع ذلك.. استمرت العقود التجارية مع ليبيا حية ترزق وتُرزق، فبريطانيا التي لم يتوقف النظام في ليبيا في فترة من الفترات عن امداد عدوها، الجيش الايرلندي، ماديا ومعنويا، لم يتوقف التعامل التجاري بينها وبين ليبيا، ولم تتوقف شركات وبنوك ومؤسسات مالية، من مختلف انحاء العالم، عن مد النظام بما يزيد من ثباته وبقائه.

ولم تتجرأ دولة واحدة، عربية او غير عربية، على قطع علاقاتها التجارية مع ليبيا، بل كان ميزان التعامل التجاري يرتفع مع كل قطرة دم تنزف، ويتصاعد مع كل روح تزهق وتختفي آهاتها خلف ضجيج المدنية الاوربية، او خلف ضجيج "الثورة" التي جاءت لتحيي الانسان العربي وتبعثه من جديد.

وحتى اوروبا التى اغرقت العالم ليل نهار ودون توقف، بسيل من الدموع على حقوق الانسان وحرية الانسان، اخرسها، بقدرة قادر، الدينار الليبي، مما يؤكد للمرة المليون، ان قطرة بترول واحدة، اثمن عند هذه الدول من بلايين القطرات من دماء البشر، ويؤكد ايضا ان القيم التي ينادي بها العالم، هي قيم هشة لم ولن تتماسك امام المصالح المادية. وتدل فوق كل ذلك، بل وتؤكد على تدني قيمة المسلمين في اعين غير المسلمين.

ولم ينته الامر بعد..

فبعد كل مذبحة، كانت طبول النصر المظفر تدق، وكانت الاغاني الحماسية الثورية تنطلق، معلنة بهجة الثوار باغتيال مهاجر ليبي اخر.

وكانت اغلب تلك الجرائم تنتهي بالقبض على الجناة، ثم اطلاق سراحهم اثر تدفق الاموال الى الشركات والمؤسسات الخاصة والعامة، والتى اصبحت جسراً يربط النظام الليبي بمواقع القرار فى البلدان التي استباحها الذهب الليبي.

وتغاضت صحف العالم "الحر" عن هذه الاغتيالات، بل جاء في بعضها مقولة مشهورة تقول "مالنا وللعرب.. دعوهم يقتل بعضهم البعض"، وذلك عقب اغتيال الشهيد جبريل الدينالي في بون، كما غاب حتى الاستنكار المعنوي الجاد، وغابت المقاطعة المادية الجادة، من قبل المؤسسات العربية والعالمية، واكتفى اغلبها بمجرد الحاق الضحايا الى قوائم الموتى، بل غابت حتى اقلام المفكرين والكتاب العرب وغير العرب المسلمين منهم وغير المسلمين الا النادر منهم، فلم يعطوا لتلك الاحداث ما تستحقه من تحليل ودراسة واستنكار ونقد جاد، حتى شككنا اننا لسنا ممن يصنفهم العالم المتمدن المتحضر من فصيلة الانسان الذى تدافع مؤسسات حقوق الانسان عنه. وصحيح ان هناك مواقف وقفتها بعض الدول والمؤسسات والجمعيات واللجان والافراد ووالمنظمات، ضد ممارسات النظام وصل اعلاها الى قطع العلاقات السياسية (لا الاقتصادية) مع النظام مؤقتا، ووصل بعضها الى القبض على الجناة وسجنهم فترات متفاوتة، ثم اطلاق سراح اغلبهم او هربهم او تهريبهم او مقايضتهم برجال امن ومخابرات وجواسيس يتبعون الدول التي نفذ فيها النظام جرائمه. كما ارسلت بعض منظمات حقوق الانسان العربية وغير العربية والكثير من المثقفين والادباء والكتاب، مسلمين وغير مسلمين، باحتجاجاتهم واستنكاراتهم الشديدة لممارسات النظام، لكن لم تكن كل هذه المجهودات كافية لانها لم تكن متواصلة اولا، ولم تكن عامة ثانيا، حيث مس الاهتمام حالات دون اخرى، كما لم تكن مكثفة ثالثاً.

وهكذا..

كان على ضحية ما من ضحايا هذا الشعب المسكين ان يسقط مضرجا بدمائه فى شارع ما من شوارع المهجر ليزداد ضخ النفط ويزداد معه تدفق الاموال الى اوروبا.

ولم يمثل ضعف مواقف العالم تجاه ممارسات النظام ضد الليبيين في الخارج الجانب الوحيد الذي ساهم به المجتمع الدولي فى مضاعفة مأساة ليبيا، بل لم تتوقف دول العالم المعاصر المتمدن المتحضر عن مد النظام بكافة الخدمات والتسهيلات "الانسانية"، بما في ذلك تدريب رجال مخابراته وفق ابشع نظريات التعذيب، وتصدير احدث اجهزة التعذيب، وتطبيق احدث وسائل القهر والاضطهاد النفسي والمعنوي ضد الليبيين.

بل ابرقت دول عربية واخرى اوروبية، تحذر النظام الليبي من محاولات انقلابية ضد النظام، دون ان تعبأ بمصير اصحاب المحاولة واتباعهم، مع علم تلك الدول بان نظام ليبيا لا يعرف للرحمة في هذه الامور معنى ولا سبيلا، فتكون تلك الدول، العربية والاوربية، قد نجحت بذلك في رصد اجتماعات على درجة عالية من السرية، ابلغت النظام بمضمونها، بينما عجزت، نفس الدول، عن رصد ومنع جرائم قتل صرح النظام مسبقا عن عزمه القيام بها علنا.

غارات..

ولم تتوقف المعاناة، بل انطلقت فى 14 ابريل من عام 1986م، اكثر من70 طائرة امريكية عند الساعة الثانية صباحا تقريباً، من قواعد جوية في اسبانيا وبريطانيا والبحر الابيض المتوسط، فاغارت على مدينتي بنغازي وطرابلس، وارعبت الناس، وقتلت المدنيين الابرياء من شيب واطفال وشباب، وشيوخ وعجزة ورجال.

وكان من بين هذه الطائرات ثلاث عشرة قاذفة من نوعF-111(على الاقل)، انطلقت من قواعد عسكرية في بريطانيا، تصاحبها طائرات تشويش. وقامت هذه الحملة بقصف عدة اهداف (اغلبها اهداف مدنية) في مدينة طرابلس. كما انطلق في نفس الوقت، ومن حاملات طائرات في البحر الابيض المتوسط، عدد اخر من الطائرات، قصفت اهداف مدنية اخرى في مدينة بنغازي. وراح عشرات الابرياء ضحية هذه القرصنة الجوية البشعة، والتي يشمئز منها حتى ضباع الغاب.

وبُررت هذه الجريمة الدولية بحجة منع الارهاب مرة ومنع الاسلحة الكيماوية مرة ثانية والتخويف او الردع مرة ثالثة وخطوط الطول والعرض مرة رابعة. واستمع العالم الى هذه التبريرات، بل وقبلها، ناسياً او متناسياً ان الغارة على مدنيين ابرياء اكبر جرما من كل هذه المبررات والادعاءات مجتمعة. ولم يتدخل لاتحاد السوفييتي في هذا الامر، وقد كان (قبل ان يتفكك) قوة عظمى في ذلك الوقت، وكان ذا صداقة حميمة مع ليبيا، وكان الاتحاد السوفياتي يمتص خيرات ليبيا منذ اوائل السبعينيات ليلاً نهارا، حتى عشية الغارة بل وما بعدها.

لوكربي..

ولم تنته معاناة الشعب الليبي بعد، ففي ديسمبر 1988من عام، وعند الساعة السابعة مساء، اقلعت طائرة من طراز بوينغ 747-121، تابعة لشركة الـ Pan American، في رحلة تحمل الرقمPA 103، متجهة من مطار هيثرو بلندن الى مطار جون كندي بنيويورك، وعلى متنها 243 راكبا. وعند الساعة السابعة وثلاثة دقائق انفجرت قنبلة في الطائرة، وتناثرت قطع الطائرة فوق قرية لوكربي، باسكتلندا، فمات جميع ركابها، بالاضافة الى احد عشر مواطناً من اهالي قرية لوكربي.

وفي الساعة التاسعة الا ربع، من صباح يوم 19 سبتمبر 1989م، اقلعت طائرة من طراز DC-10، في رحلة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية(UTA) تحمل الرقم 772، وقد اقلعت من برازافيل (الكونغو) متجهة الى باريس ثم توقفت في انجامينا (تشاد) لفترة قصيرة، وواصلت رحلتها بعد ذلك الى الشمال، عبر الصحراء، وبعد حوالي 45 دقيقة (اي عند الساعة الواحدة تقريبا)، انفجرت قنبلة زرعت في الطائرة، وانتشرت شظايا الطائرة على مساحة 640 كيلومتر مربع في صحراء النيجر، وقتل جميع ركاب الطائرة والبالغ عددهم171 راكبا، ووجد ان القنبلة وضعت في الطائرة عندما كانت في برازافيل.

واعلن في 6 ابريل1990م (اي بعد ثلاث سنوات ونصف من سقوط الطائرة الامريكية)، اول اتهام يُحمل ليبيا مسؤولية الحادثتين، وفرض في 15 ابريل 1992م، بناء على قرار مجلس الامن رقم 748 لعام 1992م، حصار جوي وعسكري وسياسي ضد ليبيا، ريثما تقوم ليبيا بتسليم ليبيين اتهموا بتفجير الطائرتين، وقد صوت عشرة من اعضاء مجلس الامن (في ذلك الوقت) وامتنع خمسة عن التصويت. واستمر الحصار الجوي لمدة سبع سنوات، امتدت من 15 ابريل 1992م الى 5 ابريل 1999م، ومنع بناء على هذا القرار، الطيران الليبي من مزاولة نشاطاته، ومن القيام برحلات خارج ليبيا، ومنعت جميع الخطوط الجوية في العالم، من تنظيم رحلات من والى ليبيا، واصبحت ليبيا، وبكل اختصار، دولة لا تدخلها ولا تخرج منها الطائرات، وهي على مشارف القرن الحادي والعشرين، وقد وافق العالم اجمع (العربي وغير العربي) على هذا القرار المجحف، وكان من بين هؤلاء المصوتين، من يمثل بلداناً ادعت العروبة مرة وادعت افريقيتها مرة اخرى. وعانى الشعب الليبي من نتائج هذا الحصار ما عانى، من نقص في جميع متطلبات الحياة، من بينها حتى بعض الادوية الضرورية والحساسة لمعالجة اخطر واخبث الامراض، ناهيك عن مشاق السفر وخاصة للعجزة والمسنيين، بل وخاصة عندما كانوا ينوون السفر للعلاج او الحج.

وهكذا، عوقب شعب بأكمله، لمدة سبع سنوات، ذاق خلالها الاما ومعاناة واهانات وضنكا واضطهادا، قبل حتى ان تثبت الجريمة على احد، ويكون الشعب الليبي قد عوقب بذلك من قبل العالم العادل الديمقراطي المتمدن المتحضر، بحصار زاد من آلامه ومعاناته دون ذنب اقترفه.

ثم صدر الحكم في قضية الطائرة الفرنسية يوم11 مارس من عام 1999م (بعد تسع سنوات واربعة اشهر من سقوطها)، وحكمت محكمة فرنسا غيابياً بالسجن المؤبد علي ستة من الليبيين، يتقلدون مناصب حساسة جداً في ليبيا، وفي 31 يناير من عام 2001م صدر الحكم في قضية لوكربي (بعد اثنا عشر عاماً وشهر تقريبا من سقوطها)، وفرضت على ليبيا دفع تعويضات خيالية، كما حكمت المحكمة ببراءة احد المتهمين، بينما حكمت بالمؤبد على الاخر، مما يعتبر اشارة من الغرب ممثلاً في امريكا وبريطانيا، بان ملف القضية لم يغلق بعد (وربما لن يغلق الى الابد)، وقد يفتح متى ما شاء الغرب ذلك. كما قد تعتبر نتيجة الحكم، اشارة من الغرب، او بالاحرى ضغوط من الغرب على ليبيا، من اجل ان تتنازل عن المطالبة بحقوقها ومن اجل ان تنسى او تتناسى خسائرها التي لحقتها من جراء هذا الحصار الظالم، بما في ذلك التنازل عن خسائر الليبيين، ونسيان معاناتهم، وعدم مطالبتهم بالتعويض، بسبب ما تكبدت ليبيا وتكبد الشعب الليبي من خسائر مادية ومعنوية من جراء الحصار. وسيعاني الشعب الليبي، وما زال الشعب الليبي يعاني من تداعيات هذه القضية، بل وسيعاني منها، ما بقي هذا النظام.

وبهذا تكون الامم المتحدة، متمثلة فى مجلس الامن، قد ساهمت بهذا الحصار، المضحك المبكي فى مأساة "الشعب الضحية"، عبر قرارات اصدرها مجموعة من الاغبياء، من ذوي العقول الفارغة والاوداج المنتفشة والكروش المنتفخة، ممن يرتدون البذلات الفاخرة، وممن تعبق من حولهم الروائح والعطور المتنوعة، ويتمرغون، ليلا ونهارا، على صالونات وثيرة، دون ان يعبأوا بالام ومعاناة الناس.

ثم توج كل ذلك بمسرحية العودة الى المجتمع الدولي، وتطبيع النظام، ومص اخر قطرة من دماء الشعب الليبي، قهراً وقسراً. ذلك التطبيع الذي بدأ بمسرحية "الدمار الشامل" ومسرحية "الحكمة" و"الحنكة" و"السلامة"، وما كل ذلك الا تغطية للفشل الامريكي الواضح في العراق. لقد وجدت امريكا في ليبيا دمية تغطي بها الادارة الامريكية فشلها في العراق وفشلها في الحرب على الارهاب، تلك الحرب التي اعلنتها امريكا على كل شيء الا على الارهاب.

وهكذا ايضاً، توج العالم المتمدن مشاركته فى مأساة ليبيا والليبيين، بالموافقة على حصار جوي، شمل اهم حاجات المواطن الليبي، لكنه لم يشمل حاجات العالم الاخر من نفط ومعاملات مالية مع العرب والغرب. فيكون الشعب الليبي قد دفع من جراء هذا الحصار، فاتورة اخرى من فواتير النظام الليبي، وفاتورة اخرى من فواتير هذا العالم الظالم.

وعلى كل حال، فقد تسبب بروز قضية الطائرة الفرنسية (1988م) وقضية لوكربي (1989م)، واتهام ليبيا باسقاطهما، فى اضافة بعد جديد الى معادلة الصراع بين النظام في ليبيا، وبين القوى والتنظيمات السياسية المضادة له، فقد خلقت القضيتان، حالة سياسية معقدة جداً، واضافت صعوبات عديدة امام التنظيمات المضادة للنظام. فمحاربة النظام الذي وقفت ضده امريكا وبريطانيا (افتراضا) ،هو عمل لا يمكن ان يكسب تعاطف الشعب الليبي، بل يعتبر، في وجهة نظر المواطن الليبي المخلص، تعاطفاً مع القوى المضادة للشعب.

ضحايا الايدز..

ثم زادت قضية "اطفال الايدز" (اكبر جريمة في تاريخ الانسانية)، من مأساة هذا الشعب المسكين، فقد تعاطف العالم مع المتهمين في هذه القضية، وانطلقت اصوات الرحمة تطالب بالافراج عنهم من جميع انحاء العالم تقريبا، حتى تم الافراج عنهم، بينما لازال ضحايا الايدز، فلذات اكباد ليبيا، يموتون في اليوم الف مرة، حتى يومنا هذا.

ولا ندري لماذا غابت صرخات الرحمة عندما كانت تماسيح "عيدي امين"، تلتهم الليبيين، الذين رماهم اخوتنا الافارقة، وجبة لتماسيح اوغندا، واين كانت هذه الصرخات عندما تم تشويه من وقع منهم في اسرالقوات الاوغندية "الصديقة"، التي جدعت انوفهم وقطعت اذانهم. ثم وكما تقول ارحم واخف والين الروايات، ان اولئك الليبيين البؤساء بعد ان شُوهوا وسُلموا الى النظام الليبي، شُحنوا في طائرات تابعة للقوات المسلحة الليبية، ورُمي بهم من الجو في قلب الصحراء، او في اعماق البحار، حتى لا يراهم الناس، وحتى لا يتمكنوا من سرد ما راؤه من تسيب وعبث واهمال واهوال، وحتى لا يكونوا وثيقة بشرية ضد النظام الليبي.

واين كانت هذه الصرخات، التي اطلقها العالم "الرحيم"، من اجل الفريق الطبي البلغاري، اين كانت، عندما سُحب الشيخ "محمود البشتي" من مسجده، بينما ضباع الثورة تنهال عليه ضرباً، وقد بلغ من العمر عتياُ.

اين كانت همسات الانسانية عندما ابتلعت رمال تشاد الاف الضحايا من شباب ليبيا عبثاً وتسيباً واستهتاراً بارواح البشر، بل اين كانت الامم المتحدة عندما انكر النظام الليبي الاسرى الليبيين في تشاد، وكأنهم قطع اثاث قديم مستخدم، اُستهلك فلم يعد للنظام حاجة به، فقتل البعض منهم، وهلك البعض، وتشرد البعض، وقطعت من وراء هذا الامر ارحام، وفرق بين ازواج وزوجات، وتيتم من تيتم من الاطفال، وترمل من ترمل من نساء ليبيا، وضاع من ضاع، وتغرب من تغرب.

اين العالم من مجزرة "ابوسليم" الكارثة التي راح ضحيتها اكثر من الف ليبي، الرجل منهم بامة، اطلق عليهم النظام النار داخل السجن غدراً، لانهم ازعجوا قيلولة الجلاد.

اين العالم.. وقد غض البصر عن ابناء ليبيا المحشورين في سجون لا ترضى ان تقضي فيها الخنازير حاجتها، بينما يتمتع الناس، من جميع الملل والنحل الاخرى، بارض وماء وهواء وسماء وبحار وثروات بلادنا.

اين العالم العربي والغربي، وقد تجاهل الطمس المبرمج للشخصية الليبية، كمقدمة لطمس هذا الشعب، عبر احلال ثقافات وعادات وتقاليد غريبة عن ليبيا والليبيين، بل عبر احلال وتوطين اقوام اخرين لا ينتمون الى الليبيين والعرب والمسلمين، ولا ينتمون الى الوطن، بصلة. فيفقد شعبنا خصوصيته ويُعزل ويذوب في شعوب اخرى، وتتحول ليبيا الى عازل معنوي، وثقافي يفصل مشرق العالم العربي، عن مغربه، فتتمزق المنطقة اكثر مما هي ممزقة اصلاً، خدمة لاستراتيجيات بعيدة المدى، وخدمة لقوى لا تمت الينا بصلة، بل تمقت الليبيين والمسلمين والعرب.

اين العالم الاسلامي، وقد تناسى او نسى، المس بذات الله سبحانه وتعالى، والسخرية والتلاعب بالقرآن الكريم، والفظه، والتجرؤ على خير البشر، قائدنا الاوحد والى الابد، محمد صلى الله عليه وسلم، والاستهزاء بسنته واحاديثه النبوية الشريفة، والاستهتار بالصحابة الكرام والائمة والعلماء والشعائر الاسلامية وانتهاك حرمات المساجد ومحاربة هذا الدين، الذي جاء ليخرج العالم من ظلمات الظلم والقسوة الى انوار العدل والرحمة.

اين العالم العربي، وقد تجاهل اخوة يوسف، حلفاء التاريخ والجغرافيا من الاصدقاء والجيران، تجاهلوا، فوق كل ما سبق، العبث باموال الليبيين، ودمار البلاد، والتسيب الاداري، والاعلام الممل، وتاخر الرواتب، والحالة المزرية للقطاع الصحي والتعليمي، والقطاعات الاخرى، التي تئن تحت وطأة العبث. ليس ذلك فحسب.. بل فتحوا للدم مسالك اخرى، بدلاً من ان يمدوا ايديهم ليوقفوا النزيف الذي يكاد ان يقضي على ليبيا والليبيين.

هذه هي مواقف العالم من قضية ليبيا واهل ليبيا، فمن تغاض الدول العربية وغير العربية، عن اراقة دماء الليبيين فوق اراضيها، الى دعم النظام بالتعامل التجاري والامني، الى الوشاية بمن تسول له نفسه اسقاط النظام، الى الغارات، الى الحصار، الى تسليم الليبيين الفارين من النظام، الى ماساة الايدز، وموقف العالم منها، الى التضييق العام على القوى المعارضة، فجزى الله العالم على ما قدمه لضحايا ليبيا، بل وما قدمه لليبيين في محنتهم المعاصرة.

ولاننا اولادك يا ليبيا.. فنحن لا ننظر اليك كبحيرة من زيت.. بل ننظر اليك كوطن.. كدين.. كتاريخ.. كسجل للشهداء.. كام حنون.. فلا حاجة لنا بدموع الشرق.. ولاحاجة لنا بدموع الغرب.

والى اللقاء.. مع الحلقة الثامنة عشرة.. باذن الله.. وبقية الفصل الرابع.. والحديث عن العوائق الداخلية.. او.. النقد الذاتي.. والله المستعان على امره.

اضغط هنا للاطلاع على باقي اجزاء "البديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعد الثورة".

د. فتحي الفاضلي
ffadhli@yahoo.com
www.fathifadhli.com


       
       
       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home