Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli

الثلاثاء 12 أغسطس 2008

       
       
       
       

كتاب ( البديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعـد "الثورة" ) (19)

د. فتحي الفاضلي

19ـ خطوط عريضة في مسيرة المعارضة الليبية.. وشيء من ايجابياتها

كل من يطالب بالتغيير في ليبيا، سلما أو حربا، فردا كان أو تنظيما، في الداخل أو الخارج، يعتبر معارضا للنظام القائم، مهما صغر أو كبر حجم التغيير، الذي يطالب به.

النظام في ليبيا، يحاول، ان يحصر مفهوم المعارضة الليبية، في شلة من العملاء، تعد على اصابع اليد الواحدة، صنعتها المخابرات الاجنبية، يتعطرون بافخر العطور، ويرتدون البدلات الفاخرة، ويركبون السيارات الفارهة، ويجتمعون دوريا، في اوروبا وامريكا، في فنادق الخمس نجوم، استعدادا للتوجه الى ليبيا، على ظهر دبابة امريكية، للاستيلاء على السلطة. وللزيادة في الطمس والتمويه، يصف عملاء النظام، المعارضين، بـ"الجلبيين"، نسبة الى "جلبي" العراق، الذي يفترض ان امريكا ستاتي به على ظهور دباباتها، لحكم العراق.

هذه هي الصورة الكاريكاتورية، التي يحاول النظام القائم، والمنافقون من اتباعه، ان يرسخوها عن المعارضة الليبية. وهذه هي نفس الصورة الكاريكاتورية، التي يرددها عملاء النظام، كالببغاوات، متناسيين ان "جلبي" ليبيا، قد وصل الى ليبيا، منذ 1 سبتمبر 1969م، اي قبل " جلبي" العراق بثلاثة عقود.

ليس ذلك فحسب.. بل اننا لا نرى اية دبابة امريكية تحمل فوقها معارضا، متوجهة به الى ليبيا، لاستلام السلطة، ولا نرى دبابات امريكية، ستغزو ليبيا، وتدمرها وتحرقها، كالعراق، ثم تتوج عملاءها من المعارضة الليبية، كحكام على ليبيا. لا احد منا يرى ذلك.

بل على العكس من كل ذلك، اننا نرى وفودا امريكية، على مختلف المستويات، تدخل الى ليبيا، على متن احدث وافخم الطائرات، يستقبلها السادة، بتقبيل الايدي والارجل، وتخرج، من الخيمة، محملة بعقود النفط الموقعة بيد الاخ القائد.

يغطي هذا الفصل، من كتاب البديل، خطوطا عريضة، نستنتجها من مسيرة المعارضة الليبية، أفرادا وتنظيمات، تلك المسيرة التي تؤكد، أن لمفهوم المعارضة، تعريفا وتصورا آخر، يخافه النظام ويتجنب الحديث عنه. كما يغطي هذا الفصل ايضا، شيئا من ايجابيات المعارضة الليبية، والتي لا يطيق النظام، ايضا، ان يتحدث عنها. فمن خلال تتبعنا لتاريخ المعارضة، وظروف نشأتها، ومسيرتها، يمكننا تحديد الخطوط العريضة التالية:

ان النظام اوجد، بسبب ممارساته وسياساته، دواعي واسباب، تأسيس واحياء، اغلب التنظيمات والقوى المعارضة. كما ان اغلب، التنظيمات، وليس بالضرورة اهمها، قد تأسس، في اوائل الثمانينيات، اي في الفترة التي بلغ فيها ارهاب النظام أوجه، مما يؤكد العلاقة الطردية، بين ممارسات النظام الارهابية، ودوافع معارضته. كما نلاحظ ايضا، تعدد التنظيمات، بشكل مبالغ فيه. ونرجح ان هذا التعدد، وهذا الكم، قد فرضته الضرورة الملحة، للتصدي، لحجم الارهاب، الذي مارسه النظام ضد مواطنيه في ليبيا.

كما نلاحظ، ايضا، ان جميع التنظيمات المعارضة، تأسست، او تم احياؤها، على ايدي أفراد، من القطاعين العسكري والمدني، ولدوا وتربوا وترعرعوا، ومارسوا العمل العسكري والثقافي والسياسي والاعلامي، داخل ليبيا. فمعارضة النظام، وجميع محاولات اسقاطه، قد بدأت (ولو كفكرة) من داخل ليبيا، ثم تبلورت هذه الافكار والرؤى، الى ما تبلورت اليه، من حركة تأسيس وإحياء للتنظيمات المشار اليها.

ليس ذلك فحسب، بل ان بعض التيارات والتنظيمات التي عارضت النظام، كانت قد تأسست داخل ليبيا، قبل مجيء النظام القائم، كالتوجهات الاسلامية، والقومية، على سبيل المثال.

ليس صحيحا، اذا، ان المعارضة الليبية، بدأت من الخارج، لا كفكرة، ولا كمبدأ، ولا حتى كوجهة نظر، فقد ولدت في ليبيا، وبسبب ماحدث في ليبيا، على ايدي النظام العسكري القائم.

يلاحظ ايضا، ان اغلب التنظيمات، قد اقحمت الشعب الليبي، ولو نظرياً، في خطة التغيير، واعتبرته أداة رئيسية، من أدوات إسقاط النظام، بينما اغلب التنظيمات هي، في حد ذاتها، تنظيمات نخبوية، بعيدة عن الجماهير، مما أوجد، في أحيان كثيرة، تناقضاً بين خطابها السياسي، وواقعها العملي. كما لم توضح، النتظيمات التي تنادي باسقاط النظام، الوسائل العملية، التي ستتبعها لتحقيق هذا الهدف، مما يجعل من خطابها، اما خطابا ناقصاً، واما خطابا نظرياً بحتا.

ومن الامور الرئيسية التي نلمسها، من مسيرة المعارضة، حتى الان، ان اغلب مؤسسي وقادة التنظيمات، واغلب اعداء النظام، بصفة عامة، غير محصورين في رجال العهد السابق (العهد الملكي)، كما يردد النظام. فاعداء النظام القائم، هم في الغالب، من اصحاب المواقع الحساسة المتقدمة، في النظام السابق، او الحالي، او في كليهما. بل إن أكثرهم، وأقواهم وأخطرهم على النظام، هم من رجال النظام نفسه.

فقد عارض هذا النظام، اغلب رجاله وقادته، من الذين انقلبوا على العهد الملكي، بل من بينهم بعض اعضاء "مجلس قيادة الثورة"، وهو المجلس الاعلى للانقلاب، والذي قاد البلاد لفترة لا باس بها، قبل ان يتحول أعضائه الى شيء "تاريخيا" ما. نذكر من اعضاء هذا المجلس، على سبيل المثال، لا الحصر، الرائد عمر المحيشي (عضو مجلس قيادة الثورة، ووزير التخطيط، والبحث العلمي في العهد الثوري)، وقد قام بمحاولة انقلاب، في اغسطس 1975م، على الانقلاب الذي شارك فيه. والرائد عبد المنعم الهوني (عضو مجلس قيادة الثورة، ومسؤول الامن، ووزير الخارجية في العهد الثوري، وهو حالياً ممثل ليبيا لدى الجامعة العربية)، وقد اسس وترأس "الهيئة الليبية للخلاص الوطني"، كما ترأس ايضا، "هيئة التنسيق للقوى الوطنية الديمقراطية الليبية"، المعارضة لنظام القذافي، ثم عاد الى البلاد، واصبح كما ذكرنا، ممثل ليبيا لدى الجامعة العربية. ونذكر ايضا، الرائد عبد السلام جلود، عضو مجلس قيادة الثورة، الذي كان يلقب، في فترة من الفترات، امتدت لسنوات عديدة، بالرجل الثاني في ليبيا، بالاضافة الى اعضاء آخرين، في مجلس قيادة الثورة.

كما عارض النظام، وحاول الانقلاب عليه، مجموعة من الضباط اطلق عليهم لقب "الضباط الوحدويون الاحرار". وهم العمود الفقري للانقلاب. وعددا من ضباط القوات المسلحة، الذين تقلدوا مناصب عليا، في النظام العسكري، ثم عارضوه، وانقلبوا عليه، منهم على سبيل المثال، الرائد آدم الحواز (أول وزير للدفاع في عهد الثورة)، والمقدم موسى احمد (أول وزير للداخلية في العهد الثوري)، وقد اتهما، بالقيام بمحاولة انقلابية. و"حسن إشكال" الذراع الايمن للنظام لسنوات عديدة، بالاضافة الى قادة كتائب، وقطاعات عسكرية، ورجال امن، ومخابرات عديدين، وصلوا جميعهم الى مناصب حساسة جداً، في عهد الثورة، وعارضوا النظام وحاولوا القضاء عليه.

ومن امثلة القوى المدنية التي تصدت لهذا النظام، خيرة رجال ليبيا، بمختلف مدارسهم، ووسائلهم، ومواقفهم، كالشيخ الشهيد محمد البشتي، والشهيد احمد احواس، والشيخ الطاهر الزاوي، ومنصور الكيخيا (وكيل وزارة ومندوب ليبيا لدى الامم المتحدة)، والدكتور المغيب عمرو خليفة النامي، والشهداء محمد مهذب حفاف، وصالح الفارسي، والمرحوم الشيخ علي يحي معمر، والمرحوم محمد فرج حمي، والمرحوم عامر الدغيس، وغيرهم من خيرة رجال ليبيا، من الذين قضوا نحبهم، ومن الذين ما زالوا على قيد الحياة.

كما ان المعارضين من القطاع المدني، ليسوا محصورين في فئة معينة من الشعب الليبي، او في انتماء معين، فقد عارض هذا النظامَ، عمال، وموظفون، ومدرسون، و فنانون، وطلاب، وعسكريون، ومدنيون، ومثقفون، وعلماء، ومحامون، وائمة، وشيوخ، وفلاحون، وسياسيون، وسفراء، ووزراء، وامناء، ومهندسون، واطباء، واساتذة جامعات، وكتاب، ورجال اعمال، من خيرة اهل ليبيا، رجال، ونساء، شيب، وشباب، فقراء، واغنياء، من جميع الجهات، من الشرق والجنوب والغرب، ومن جميع القبائل، حتى من القبيلة التي ينتمي اليها رأس النظام (معمر)، بمختلف مناصبهم ومراتبهم وفئاتهم واتجاهاتهم وجهاتهم، عارضوا النظام، ووقفوا ضده، وحاولوا القضاء عليه.

فهل يعتبر كل هؤلاء خونة، وكلابا ضالة، وجواسيس، وعملاء، وفلول العهد الملكي، وهم من جاءوا بالثورة نفسها. هل جاءت الثورة، اذا، على اكتاف عملاء وخونة وجواسيس وطلاب سلطة، ام أن هناك امرا ما، دفعهم الى محاولة القضاء على هذا النظام!!!

اعداء النظام، اذا، ليسوا فقط من رجال العهد الملكي، وليسوا فقط من ذوي المناصب، أو الرتب البسيطة، في الدولة او الجيش، وليسوا من فئة واحدة، او مدرسة فكرية واحدة، او توجهات سياسية محدودة، وليسوا من خارج ليبيا فقط،، وليسوا من النخب فقط،، وليسوا من جهة او قبيلة واحدة، وليسوا من طلاب السلطة، فقد كان اغلب معارضي النظام، على قمة الهرم، العسكري والمدني، عندما صنعوا مواقفهم ضد النظام، وقاموا بمحاولاتهم، واعلنوا، بطريقة مباشرة، او غير مباشرة، عن معارضتهم له.

المعارضة اذا، تيار شمل الجميع. فليبيا جميعها تقريبا، وبدون استثناء، لا ترغب في بقاء هذا النظام الفاشستي. وحتى القلة القليلة، التي تؤيد النظام، لاي سبب كان، تطالب بالتغيير الجذري للنظام، ولو من داخل النظام. اي تطالب بانقلاب النظام على نفسه، انقلابا حقيقيا، يخاطب ويعالج حاجة الشعب، ومطالبه، لا انقلابا يخاطب ويعالج حاجة النظام، كما نرى هذه الايام.

ونلاحظ ايضا، من خلال نشأة ومسيرة المعارضة الليبية، حتى الان، ان القوى المعارضة للنظام، قد اختلفت وتنوعت في جوانب عديدة اهمها:

التنوع في الجانب الفكري والعقدي، فقد مثلت التنظيمات الليبية المعارضة، مختلف المذاهب والافكار والمشارب، وانقسمت، حسب توجهاتها العامة، الى مجموعات رئيسية شملت: المجموعة الاسلامية، كـ "الجماعة الاسلامية المقاتلة-ليبيا"، و"حزب التحرير"، و"الحركة الاسلامية الليبية"، و"حركة الشهداء". والمجموعة القومية: ومنها "البعثيين"، و"الناصريين"، ودعاة العروبة بصفة عامة، وتعتبر "الحركة الوطنية الليبية" نموذجاً لهذا التيار. والمجموعة الوطنية: وتمثلها، اغلب التنظيمات. والمجموعة الملكية والدستورية: ويمثلها "مكتب الامير". ومجموعة اليسار: وتمثلها "الجبهة الوطنية الليبية الديمقراطية"، وبعض الشخصيات المستقلة، من المنتمين الى القوميين العرب (فكرياً على الاقل).

كما ان جميع التنظيمات والهيئات، التي تأسست بعد صدور هذا الكتاب، تعتبر ذات توجهات وطنية. ويمكن القول، انه بالرغم من أن جميع التنظيمات، لم تكن عقائدية، لكن جميعها تعتبر تنظيمات وطنية.

وتنوعت ايضا الصفات والواجهات والمسميات التنظيمية، فمنها "الحزب"، و"الحركة"، و"التجمع"، و"الجبهة"، و"المنظمة"، و"الجماعة"، و"الهيئة" و"المكتب"، كما تنوعت طبيعة التنظيمات فمنها التنظيم "العسكري"، ومنها التنظيم "المدني"، ومنها خليط بين هذا وذاك.

واختلفت التنظيمات كذلك، في اسباب ومنطلقات التأسيس، فقد استند بعضها، على اسس عقائدية، واستند غيرها، على اسس ودوافع اخرى. وجاء بعضها، كرد فعل على ممارسات النظام، بينما تأسس غيرها، لغايات واهداف، لا علاقة لها بالنظام القائم وممارساته، كالتنظيمات والجماعات، التي استندت على اصول عقائدية او فكريةً.

ونتيحة لكل لذلك، اختلفت التنظيمات حول مبدأ إنهاء، او استمرار التنظيم، بعد رحيل النظام، ولهذا الامر علاقة باسباب ودواعي التأسيس نفسها. وكان اكثرها استمرارية وثباتا على مقاومة النظام، ما تأسس منها على مباديء وثوابت ما.

ادى كل ذلك التنوع، الى الاختلاف، في اساليب العمل، ووسائله، فتبنت، بعض التنظيمات، العمل المسلح، وتبنى غيرها، الوسائل والاساليب السلمية (فكرية وسياسية واعلامية). وقبل بعضها، مبدأ المصالحة مع النظام، ورفضه البعض الاخر، ونتج عن هذا الامر، اختلاف التنظيمات حول مبدأ استخدام القوة او عدم استخدامها.

فكان استخدام القوة، جزء رئيسياً من سياسات بعض التنظيمات (ولو نظرياً)، وامراً استثنائياً عند غيرها، ومستبعداً عند اخرى. وتعتبر "الجماعة الاسلامية المقاتلة"، و"حركة الشهداء"، و"الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا"، امثلة على التنظيمات الداعية الى اسقاط النظام بالقوة المسلحة. واختلفت التنظيمات التي تدعو الى استخدام القوة، في وسائلها واساليبها التنفيذية لهذا المبدأ. كما تبنت تنظيمات اخرى، العمل المسلح، لكنها لم تقم باي نشاط يذكر، في هذا المضمار. اما المجموعة الملكية، فلم يكن استخدام القوة المسلحة، جزء من منهجيتها، فهي ضد هذا التوجه بصفة عامة.

شيء من ايجابيات المعارضة..

تلك كانت بعض الخطوط العريضة التي يمكن ان نستمدها من مسيرة المعارضة الليبية. وللمعارضة الليبية، ايجابيات عديدة هامة، دأب النظام واعوانه، على طمسها، بنفس الاساليب والوسائل الساذجة، التي اراد ان يشوه بها القوى الليبية المعارضة.

فقد مثلت التنظيمات السياسية، نقيضاُ فكرياً وثقافياً وسياسياً واجتماعياً للنظام، واظهرت ان لليبيا وجها حضاريا، يختلف عن وجه الارهاب البشع.

كما ان مجرد تأسيس هذه التنظيمات، أو احيائها، هو دليل على ان للجماهير في ليبيا، فكرا وانتماء وتوجهات ورغبات، تختلف عما يريده النظام. وهذه التنظيمات هي ايضا، دليل عملي ملموس، على ان النظام، الذي جاء ليغير العالم، والذي اعتبر نفسه مدرسة، قد عجز عن اقناع مواطنيه بوجهة نظره. فهذه الاحزاب والجماعات والحركات، وهذه الشخصيات، التي عارضت، ولا زال اغلبها يعارض النظام، في الداخل والخارج، هي الصوت الاخر لليبيا والليبيين، وهو صوت لم تفرضه البندقية او الدبابة على الناس، بل اختار ذلك من اختار، بعيداً عن افواه وحراب البنادق، واصوات جنازير الدبابات، وصيحات الفوضى والغوغائية، فهو خيار عند الاغلبية حر صادق.

كما كشفت التنظيمات السياسية، في الداخل والخارج، المدنية منها والعسكرية، ما اراد النظام ان يخفيه، من ممارسات وقرارات وتجاوزات، في الجانب الانساني والاجتماعي والاقتصادي والعسكري والسياسي، فهذه التنظيمات، هي عيون رصدت، ولا زال اغلبها يرصد، النظام وممارساته، وتكشفها للعالم. فالجماهير في ليبيا ،قد تعجز، بسبب ظروفها الامنية، عن ايصال حقائق ودقائق الامور الى العالم، لانها مكبلة بقيود النظام ورجال امنه ومخابراته.

لقد تحدثت القوى المضادة للنظام، في الداخل والخارج، المنضم منهم الى احزاب وحركات وجماعات وتجمعات، وغير المنضم، الى اي من ذلك، عن تجاوزات النظام القائم، وهاجمت الظالمين، وكشفت النقاب عن ممارسات غير انسانية ضد الليبيين، لم يمارسها ضدهم حتى اعداؤهم، من الامم الاخرى، غير المسلمة. فنجحت هذه القوى، في كشف الظلم، وفي تمثيل قضايا المظلومين من الشعب الليبي، اعلامياً على اقل تقدير. كما نجحت في توثيق احداث ووقائع حساسة، من تاريخ ليبيا، بما في ذلك توثيق ممارسات النظام، وجرائمه وارهابه، ثانية بثانية، ودقيقة بدقيقة، وحدثا بحدث، ومناسبة بمناسبة.

كما كانت المشاركة السياسية ضد النظام، فرصة تاريخية للجهاد والعطاء، بالجهد والوقت والكلمة والمال. فقضية ليبيا محنة، لا يزال التمحيص والفرز والاختبار يتم فيها، وقد سقط في الطريق من سقط، ووقف وقفة رجل فيها، من وقف، واستشهد في سبيل دينه ووطنه، من استشهد، وخذل فيها من خذل، وانضم الى القوة والمال، من انضم، حتى على حساب دماء ابناء شعبه، بل على حساب دماء ابناء مدينته وريفه وقريته، فهي، مرة اخرى، مرحلة تمحيص وفرز واختبار واختيار.

بل ان هذه القوى المضادة، افراداً وجماعات، في ليبيا او خارج ليبيا، مدنية كانت او عسكرية، قد تسببت في افشال اهداف استراتيجية للنظام، من بينها هدف افراغ المجتمع، من جميع القوى الثقافية والسياسية والاجتماعية الليبية، التي تمثل تقاليد وعادات واعراف المجتمع الليبي القديم، والتي استمدها ابناء ليبيا، من اصول ديننا الحنيف، فقد رسختها هذه المقاومة بطريقة مباشرة مرة، وبطريقة غير مباشرة مرة اخرى. فمن اهداف النظام الاستراتيجية، افراغ المجتمع، من رجاله ونسائه، في المجالات الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية والعسكرية، حتى لا يمثل، رموز ليبيا، من الرجال والنساء، نواة لإعادة المجتمع القديم، الذي يناقض حتماً المجتمع "الثوري" أو بالأحرى الفوضوي. فقضت القوى المضادة للنظام، على هذا الهدف، وافشلت استراتيجيات النظام، فيما يخص هذا الامر، وحفظت التاريخ السياسي، والتراث، والتقاليد الليبية، بالاضافة إلى الحفاظ على مجموعة الرؤى الفكرية والسياسية، القديمة والمعاصرة.

ثم ان تأسيس هذه التنظيمات، من احزاب وحركات وهيئات وجماعات، هو ايضاً فرصة لاظهار ابداعات المبدعين من الليبيين، في الداخل والخارج، في المجالات الثقافية والاعلامية والسياسية، كاصدار الكتب والمجلات، والبيانات، والتدريب على الصدام العسكري، كحرب العصابات، وتنظيم الجيوش، وتاسيس التنظيمات، والدخول في المحك السياسي، ورسم الاهداف، والمشاركة في قضايا حقوق الانسان، وتمثيلها، وممارسة حرية الكلمة، وتنظيم الاجتماعات، والمظاهرات، والندوات، والمؤتمرات، وقيادة الافراد، وتوجيه الناس، ومحاولة التأثير الفكري والسياسي، وممارسة النشاطات التنظيمية، والجهاد، والقتال، والنضال.

وهذه التجربة المستمرة، هي، فوق ما سبق، وعاء يُعرف منه محصلة الفكر السياسي لليبيا المعاصرة، ويعرف منه، رؤى واتجاهات القوى السياسية المعاصرة، فهي مدرسة حية ستستفيد منها ليبيا، بدون شك، حاضرا أو مستقبلاً. وان لم تحقق (حتى الان) هدف اسقاط النظام او تغييره، تغييرا جذريا.

هذه، مرة اخرى، هي بعض الخطوط العريضة، لايجابيات المعارضة، وايجابيات التنظيمات السياسية الليبية المعاصرة، وهي ايجابيات هامة جدا، ولها اهمية تاريخية وسياسية، قد لا ندركها في يومنا هذا. وهي ايضاً، صفحة جديدة من صفحات الجهاد، في تاريخ الشعب الليبي، وجولة جديدة من جولات الصراع في ليبيا، من اجل احقاق العدل، وترسيخ الامن والامان، لهذا الشعب الطيب.

والى اللقاء.. مع الحلقة العشرين.. باذن الله.. والحديث عن "ملامح البديل في ليبيا"، والله ولي التوفيق.

د. فتحي الفاضلي
fathifadhli@yahoo.com
www.fathifadhli.com


       
       
       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home