Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli

Thursday, 12 June, 2008

ابدعـت يا مولاي..

د. فتحي الفاضلي

في احدى البقاع المنكوبة.. اصطف عن يمين مولانا الفقهاء.. وجلست عن يساره طائفة من الحكماء.. ووقفت خلفه شلة من الامناء.

ثم احيط الفقهاء والحكماء والامناء بحملة السيوف الهندية.. والسياط الاعجمية.. والعصي العربية.. كما تصدر المجلس.. شلة من اكلة عظام البشر.. وان انتموا الى فصيلة الضأن ظاهريا.

كان نصف الحضور يتفرس.. بشراسة.. في النصف الاخر.. كما كان النصف الاخر.. يتفرس دون هوادة.. بشراسة مضادة.. فظهر الجمع الكريم.. وكأنه في سباق لاختيار خيرة المتفرسين في المدينة.

وبرزت على الحائط.. خلف مولانا.. لوحة كبيرة.. مطرز عليها رسم لرمح مكسور.. ادعى صاحب الجند انه نقش لرمح "ربعي".. كُتب تحته بخط عثماني.. ممزوج بلمسات عباسية.. واخرى اندلسية.. ورابعة اموية.. "هذا من فضل ربي."

دخل الحاجب.. بعد ان تبرع تطوعا.. باكثر من نصف هامته.. ذلك.. بالرغم من انه اكتسبها دون ارادة منه.. ليس ذلك وحسب.. بل لم يجرؤ على استعادتها الا بعد ان نظر.. وبطرف خفي.. الى كبير الفقهاء.. كي يطمئن الى انه ادى نصاب الانحناء كما ينبغي.. فاستحسن الفقيه انحناءة الرجل.. واوما اليه باسترجاع هامته مؤقتاً.

كان الحاجب قد مارس.. قبل ذلك.. ما تيسر من السعال.. والاستنشاق.. والمضمضة.. والزفير.. وغير ذلك مما يتعلق بالمسارب.. والمنافذ.. والمخارج.. حتى تأكد لديه.. بما لا يدع مجالا للشك.. ان الحروف ستسلك في حضرة ولي الامر.. مسالكها الصحيحة.. وان نغماتها ستكون متناسقة.. ونبراتها متناغمة.. كي لا تزعج تلك الاصوات مولانا.

قال الحاجب بعد ذلك..

رجل بالباب يستجير بك يا مولاي.. يقول ان الناس في بلاده يرددون تاوهات بلال.. فقرر ولي امرهم مزج لحومهم بعظامهم.. ومزج جلودهم بدماءهم.. ثم مزج تلك العناصر ببعضها البعض.. كي لا يسمع لهم بعد اليوم همسا.

اطرق مولانا ساعة ثم قال: اجيروه.. ثم الى بلاده ردوه.

يقول.. يا مولاي.. انه كغيره.. همس.. ودون قصد.. بما همس به بلال.. فاصدر مولاه امرا بسحقه.. كما سُحق بميزان القسط غيره.

طلب مولانا.. اثر ذلك.. نبذة عن "امارة المتغلب".. وجواز استخدام "المقاصل".. ونبذة اخرى عن فنون "الجلد".. و"القطع".. و"الصلب."

اطرق مولانا بعد ذلك ساعة اخرى.. امتنع الحضور اثناءها.. عن ممارسة الشهيق.. والزفير.. فقد استغنوا.. عن ذلك.. بمخزون سابق.. اغناهم عن التنفس في حضرة ولي الامر.

رفع مولانا رأسه ثم قال وهو يبكي.. حتى اخضبت لحيته بالدمع: ردوه الى بلاده.. حتى نعلم.. اصادقا كان.. ام من الكاذبين.. فان قُتل فانه من الصادقين.. وان لم يقتل فانه من الكاذبين.

واستحسن الملأ فتوة السلطان.. وهلل حملة العصي والفقهاء.. وحملة السيوف والامناء.. وحملة السياط والحكماء.. وصاحوا جميعهم صيحة رجل واحد.. وقد تخضبت لحاهم بدموع الفرح.. واشرقت عيونهم ببريق الاعجاب:

ابدعت يا مولاي.. فاننا بذلك.. نبر بوعدنا.. ونحفظ عهدنا.. ويتبين صدقنا.

ثم.. وقبل ان يتنفس الصباح..
استبدل كبير الفقهاء بكبير اخر غيره..
وقطع جزء من هامة الحاجب غير يسير..
واصبح فقه الانحناء مقررا على الجميع منذ مراحل الحدب الاولى حتى ارذل العمر..
وخلع مولانا على اكلة عظام البشر جلودا من الضأن جديدة..
واستبدلت العصي بعصي اغلظ..
واضيف الى السياط سياط اجود..
وازيلت لوحة الرمح.. واستبدلت بعصاة لمولانا غير مكسورة..
وادرجت وظيفة كبير المتفرسين ضمن وظائف الدولة..
والحق حامل النطع بالديوان..
ثم.. وفي الامارة المجاورة..

اضيف الى قائمة الضحايا.. قربان اخر.. همس.. دون قصد.. بما همس به بلال.

د. فتحي الفاضلي
fathifadhli@yahoo.com
http://www.fathifadhli.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home