Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli

Wednesday, 7 May, 2008

تاللهِ إن كِدت لتردين..

د. فتحي الفاضلي

لا يستطيع جبابرة الارض جميعا، ان يزيلوا ذرة من المسؤلية عن كاهل اتباعهم، مهما اغدق عليهم الاتباع من مظاهر التعظيم والمداهنة والتبجيل، بل لا يستطيع جبابرة الارض جميعا، ان يزيلوا مقدار ذرة من المسؤلية حتى عن انفسهم. والادهى والامر، انه ليس الجبابرة والطغاة والظالمون فقط، لا يغنون عن اتباعهم شيئاً، بل حتى الانبياء الكرام ايضا.

فهاهو الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، يحذر قريش، بل يحذر اقرب اقربائه، ومنهم ابنته فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) يحذرهم من مغبة الاعتماد على قرابته. وذلك كما جاء في الحديث الذي يرويه ابو هريرة رضي الله عنه، والذي قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انزل عليه "وانذر عشيرتك الاقربين" قال: يا معشر قريش اشتروا انفسكم من الله لا اغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا اغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله، لا اغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت رسول الله سليني بما شئت، لا اغني عنك من الله شيئاً.. رواه مسلم"

وهذا "نوح" عليه السلام يحاول انقاذ ابنه "ونادى نوح ربه، فقال رب ان ابني من اهلي، وان وعدك الحق، وانت احكم الحاكمين * قال يا نوح انه ليس من أهلك، انه عمل غير صالح، فلا تسألن ما ليس لك به علم، اني اعظك ان تكون من الجاهلين/ هود 45 -46"

وهذا ابراهيم عليه السلام يستغفر لوالده، ثم يتراجع عن ذلك "وما كان استغفار ابراهيم لابيه، الا عن موعدة وعدها اياه، فلما تبين له انه عدو لله، تبرأ منه، ان ابراهيم لاواه حليم / التوبة-114"

فاذا انطبق ذلك على الانبياء الكرام، وعلى حبيب الرحمن، وخليله، وخاتم النبيين رسولنا الامين سيد ولد آدم، فمن على هذه الارض افضل مكانة من نوح وابراهيم ومن الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، فنركع او نسجد بين يديه، او نستذل له انفسنا، او ننحني له اونطمع في رحمته، او نعتمد عليه في تحصيل ارزاقنا، او في حمايته، او نرتعد امامه، او نهابه، او نخشاه، او نقف بين يديه في طوابير، جامدين كاخشاب مسندة، او نطيعه فيما يأمر به، او ينهى عنه، او نغدق عليه من الالقاب ما لم نغدقه على رسولنا الكريم. من على هذه الارض؟ وما جاء الاسلام الا ليخرج العباد من عبادة العباد الى عبادة الله الواحد القدار.

فاذا كان الانبياء الكرام امثال "نوح" و"ابراهيم" و"محمد" صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين، وهم جميعاً احباب الله وصفوة خلقه، ومن ذوي العزم، لن يتحملوا المسؤلية عن اعز اقربائهم، فكيف يستطيع الظالمون والطغاة، ممن لا يملك هذه المكانة عند الله، ان يتحمل مثل هذه المسؤلية عن جنودهم واتباعهم.

كيف يستطيع الطغاة الظالمون الممقوتون من الله وعباده ان يشفعوا لاتباعهم او ان يمدوا لهم يد العون، اذا عجز احباب الله وصفوة خلقه عن ذلك.

ليس ذلك فحسب، بل ان من اهم سنن الرحمن سبحانه وتعالى فردية المحاسبة "يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها.. النمل/111" وقوله تعالى: "وكلهم آتيه يوم القيامة فردا.. مريم/95"، وقوله تعالى:"يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، والامر يومئذ لله.. الانفطار/19"

ومهما توطدت العلاقة بين الاتباع والمتبوعين من الطغاة والجنود، ومهما اتخذت جرائمهم شكلا جماعيا، من تخطيط واصدار للاوامر والتنفيذ، الا ان المحاسبة ستكون حتما فردية.

فطاعة ولي الامر، في ما لا يرضي الله، وطاعة السادة والكبراء، وواجب اتباع الاوامر وتنفيذها، والدساتير، والانظمة، واللوائح، وطاعة شيخ القبيلة، واحترام الدولة، والتقاليد، والاعراف، والمجاملة والمداهنة، وغيرها من مسميات، لن تنفع احد "ولقد جئتمونا فرادى، كما خلقناكم اول مرة، وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم، وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء، لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون.. الانعام/94".

لقد سجد اتباع الطواغيت لاسيادهم، اسدوا لهم النصيحة، ارشدوهم الى افضل الطرق لحماية انفسهم، مارسوا اخبث الوسائل للحفاظ على راحتهم، على حساب الامة والوطن، طبلوا وزمروا من اجلهم، مارسوا الكذب والدجل، اخفوا حقيقة اسيادهم، اضلوا الامة عن خيانة معبوديهم، فقدوا دينهم ودنياهم في سبيل ملوكهم وزعمائهم، ادخلوا الاحزان على بيوت المسلمين الامنة في مشارق الارض ومغاربها، شردوا العائلات، يتموا الاطفال، نصبوا المشانق، قتلوا الدعاة، زرعوا الرعب والفزع في قلوب الامنين من الناس، رفعوا لواء الظلم ونشروا، في الارض الفساد، ومع ذلك، سيتملص منهم اسيادهم دون تردد "اذ تبرأ الذين اُتبعوا من الذين اتبعوا ،ورأوا العذاب وتقطعت بهم الاسباب.. البقرة/166". اما التبع فلن يجدوا، بعد تملص اسيادهم منهم، الا القاء اللوم على اسيادهم (وقالوا ربنا إنا اطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا.. الاحزاب/67).

فعلى المسلم، قبل ان يجد نفسه في موضع يظلم فيه الناس، وحتى لا ينضم الى الظالمين، ويصبح من اتباعهم، عليه ان يتعرف على الدافع الذي قاده، او قد يقوده الى اتباع غيره وطاعته، في ظلم الناس واذاهم.

فاذا كان الدافع هو الخوف من وقوع ضرر ما، فليتذكر قوله تعالى "وان يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو، وان يردك بخير فلا راد لفضله، يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم.. يونس/107"

وان كان الدافع الى الاستسلام للناس وطاعتهم فيما لا يرضي الله، هو طلب النصرة والحماية، فليتذكر قوله تعالى "أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن.. الملك/ 20"

وان كان بسبب الخوف على الرزق والطمع في مال ودنيا وجمال، فليتذكر قوله تعالى: "وما من دابة في الارض الا على الله رزقها.. هود/6"، وقوله تعالى: "وفي السماء رزقكم وما توعدون.. الذاريات/22."

وان كانت ضرورة الاتباع الاعمى، قد جاءت نتيجة لعدم وضوح الرؤية او نتيجة للفتن، فليتذكر قول الحبيب صلى الله عليه وسلم "تركت فيكم امرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة رسوله.. رواه مالك" فليعرض ما يقابله من آراء او اعمال او احداث او مناهج او اوامر على الكتاب والسنة. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " لا يكن احدكم امعة: يقول انا مع الناس ان احسن الناس احسنت، وان اساءؤا اساءت، ولكن وطنوا انفسكم ان احسن الناس ان تحسنوا، وان اساءوا ان تجتنبوا اساءتهم.. رواه الترمذي".

وان كان الدافع هو طلب المكانة والعزة والجاه، فليتدبر قول الله سبحانه وتعالى "من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً.. فاطر/10"

وليتذكر الحديث الذي رواه ابو العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث قال: "كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: يا غلام اني اعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، اذا سألت فاسئل الله، واذا استعنت فاستعن بالله، واعلم ان الامة لو اجتمعت على ان ينفعوك بشيء لم ينفعوك الا بشيء قد كتبه الله لك، وان اجتمعوا على ان يضروك بشيء، لم يضروك الا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الاقلام وجفت الصحف."

يقول الشهيد سيد قطب: والمسلم الذي يدرك ان العزة لله ومن الله "لن يحني رأسه لمخلوق متجبر، ولا لعاصفة طاغية، ولا لوضع ولا لحكم، ولا لدولة ولا لمصلحة، ولا لقوة من قوى الارض جميعاً" (في ظلال القران، جزء 5، ص 2930).

وهاهي صورة مشرفة لاحد المؤمنين، تكالب عليه احدهم ليلا ونهارا، ليجعله من اتباعه، وليقنعه بالانضمام الى معسكر الظالمين، وكاد ان ينجح، لولا رحمة من الله اولاً، ثم الوعي والثبات اللذان تميز بهما صاحبنا ثانيا.

ولنترك هذا الحوار يروي لنا القصة، فقد جاء في كتابه الكريم: "فاقبل بعضهم على بعض يتساءلون، قال قائل منهم إني كان لي قرين، يقول أإنك لمن المصدقين، أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمدينون، قال هل أنتم مطلعون، فاطلع فرأه في سواء الجحيم، قال تَاللهِ إن كِدت لتردين، ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين.. الصافات / 50-57".

فليكن هذا المؤمن قدوتنا ولنستعن بالله وليكفنا قوله تعالى "وان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله، ان يتبعون الا الظن، وإن هم إلا يخرصون.. الانعام/116"، وقوله تعالى: "ثم جعلناك على شريعة من الامر، فاتبعها، ولا تتبع اهواء الذين لا يعلمون.. الجاثية/18"، وقوله "وان هذا صراطي مستقيماً، فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون.. الانعام /153"، والله من وراء القصد.

د. فتحي الفاضلي
fathifadhli@yahoo.com
ffadhli@yahoo.com



www.fathifadhli.com

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home