Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli

Saturday, 9 September, 2006

       
       
       
       

كتاب ( البديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعـد "الثورة" ) (3)

د. فتحي الفاضلي

الفصل الثاني : نشأة وتأسيس ومسيرة التنظيمات السياسية المعاصرة

تطرف

اختارت الثورة ان تقلب المجتمع الليبي رأسا على عقب، وان تستبدله بمجتمع جديد ذي ثقافة وعادات وتقاليد ورموز وقوى ومعايير اجتماعية ومالية وثقافية وسياسية جديدة، انطلاقا من ان السيطرة على مجتمع تصنعه "الثورة" بنفسها، على انقاض المجتمع القديم، ايسر وامن من السيطرة على مجتمع قديم، ذي قوى اجتماعية ومالية وثقافية وسياسية، قد تقلب "الثورة" ونظامها رأساً على عقب . وقاد النظام، بهذه السياسة المتطرفة، صراعات تصفوية عنيفة ضد القوى الاجتماعية والسياسية والمالية والثقافية، وقاد صراعاً تصفوياً، موازيا لسابقه، ضد النخب العسكرية التي لم يرق لها خيارات "الثورة" . ولم تكن هذا المنهجية المتطرفة، معلنة او متفقاً عليها، حتى بين قوى "الثورة" نفسها، فلم يعلم بها ولم يدرك خطورتها وجديتها بعض صناع "الثورة" انفسهم.

ولم تكن الساحتان، المدنية والعسكرية، ساحات هادئة، بل ميادين ساخنة، تعصف بهما تفاعلات واضطرابات سياسية عنيفة. فقد القي القبض، عند قيام "الثورة"، مباشرة على رجال العهد الملكي واودعوا السجون، فمات منهم من مات، وقتل من قتل، وعذب من عذب. وحوكم في اوائل 1972م، الصحفيون والمعلقون والاذاعيون(1) من المحسوبين على العهد الملكي . وصدر قانون تجريم الحزبية (30 مايو1972م) والذي يعتبر تاكيدا وتجديدا وترسيخا لقانون منع تاسيس وانشاء الاحزاب في ليبيا. تلى ذلك اعلان الثورة الثقافية (ابريل 1973م) والتي اعقبها اعتقال الكتاب والمثقفين والادباء من غير المحسوبين على العهد الملكي، ومحاكماتهم وسجنهم ولا زال بعضهم رهين المعتقلات حتى بعد مرور ثلاثة عقود ويزيد على قيام "الثورة".

ولم تقل الساحة العسكرية اضطرابا عن الساحة المدنية، فقد بدأت الانقلابات العسكرية ضد "الثورة" منذ ولادتها، واستمرت حتى قيام احدثها، في اكتوبر من عام 1993م. سارت صدامات النظام ضد القوى المدنية والعسكرية في خطوط متوازية، بل ومتزامنة في احيان كثيرة. وتمثل ضحايا القطاع المدني في النخب المثقفة والمتعلمة بمختلف انتماءاتهم الفكرية والفئوية بما في ذلك الشيوخ والعلماء والكتاب والادباء والصحفيين والشعراء واساتذة الجامعات والمدرسين وحملة الشهادات والطلبة بمختلف مراحلهم . وتمثل ضحايا القطاع العسكري في افضل ضباط وجنود ورجال القوات المسلحة الليبية.

واعتقد النظام ان اطفاء فتيلة الصراع، التي اشعلها بنفسه، سيكون امراً هينا سهلاًً ليناً. لكنه كان، ودون ان يدرك، او يبالي، يدفع بكافة القوى السياسية بمختلف افكارها ومذاهبها ومشاربها ودوافعها، الي احياء وتأسيس حركات وجماعات واحزاب وتنظيمات سياسية، تناهض وتقاوم وتعارض النظام، وتصنع بالتالي توازناً سياسياً لليبيا والليبيين . وبالفعل استطاعت شريحة من الشعب الليبي، في الداخل والخارج، نجت من قبضة النظام، ان تؤسس وتحيي فصائل وتنظيمات واحزاباً اطلق عليها اصطلاحا اسم "فصائل المعارضة".

تكونت الشريحة التي اسست او أحيت تلك التنظيمات، من خمس فئات رئيسية شملت: الطلبة والمثقفين والدبلوماسيين والعسكريين ورجال الاعمال (التجار والمهنيين واصحاب الاعمال الحرة).

تمثلت فئة الطلبة، فى الدفعات التى اوفدت الى الدراسة فى الخارج فى الفترة من اوائل السبعينيات الى اوائل الثمانينيات، بالاضافة الى مجموعة اخرى من الطلبه، كانوا يدرسون (فى نفس الفترة) على حسابهم الخاص. وقد اختلفت وجهات نظر واهتمامات وانتماءات الطلبة الثقافية والفكرية والسياسية، واختلفت، بجانب ذلك، حجم ممارساتهم ومشاركاتهم في العمل الفكري والسياسي والثقافي بصفة عامة، فمنهم من لم يلق لمثل تلك النشاطات بالا، ومنهم من تمرس فى مجال الصراع السياسي والثقافي والفكري اثناء سنوات الدراسة الجامعية والثانوية، وخاصة من خلال النشاطات التي كان ينظمها اتحاد الطلبة في ليبيا، ومنهم من لم ينتم (ولو فكريا) الى حركات او احزاب او جماعات، حتى قبل ايفاده للدراسة، ومنهم من انتمى بعد ذلك، وكثير منهم لم ينتم (فكريا او تنظيميا) الى اي من التنظيمات لا قبل ولا بعد الايفاد. وجميعهم، اشتركوا، برغم اختلافاتهم التنظيمية، في معارضة النظام ورفض ممارساته، لاسباب عديدة، احتل قمتها، القمع الذي مارسه النظام ضد القطاع الطلابي بداية من عام 1973م . وسنتطرق الى ذلك بشىء من التفصيل في وقته باذن الله.

وفر الطلبة باعدادهم الكبيرة (نسبياً) القواعد البشرية اللازمة لتأسيس التنظيمات الليبية المعاصرة، كما ساهموا فى تخطيط وتنفيذ البرامج السياسية والثقافية والفكرية والعسكرية، بل وقام الطلبة (بالا ضافة الى ما سبق) بضم وتجنيد قطاع كبير من الليبيين فى الخارج (من غير القطاع الطلابي) الى صفوف التنظيمات السياسية. ويكون القطاع الطلابي قد وفر بذلك القوى البشرية التي ساهمت، بامكانياتها، في جميع المجالات الفكرية والثقافية والعلمية والسياسية والفنية والعسكرية.

اما فئة المثقفين فقد ضمت نخبة من المفكرين والادباء والكتاب والصحفيين والشعراء، برز بعضهم (في مجاله) قبيل العهد الملكي، وامتدت نشاطاتهم الى السنوات الاولى من الانقلاب، وبرز غيرهم اثناء العهد الملكي، ومارسوا نشاطاتهم الثقافية (داخل ليبيا) اثناء العهد الملكي بكامله، بالاضافة الى فترة من العهد العسكري، واصلوا بعدها نشاطاتهم الثقافية خارج ليبيا. وافرزت المحنة طبقة ثالثة من المثقفين، برز بعضهم داخل ليبيا وبرز غيرهم في المهجر، وكانت محنة الوطن ومحنة الغربة، وما صاحب ذلك من الآم ومعاناة، من اهم عوامل بروز نخب المهجر.

اختلفت اتجاهات وانتماءات منتسبي هذه الفئة ايضا، فكان منها الوطنيون والقوميون والاسلاميون واليساريون، كل بمفهومه الخاص للوطنية والقومية والاسلامية واليسارية. كما كان منهم المنضمون لاحزاب وجماعات وحركات وجمعيات سياسية، ومنهم المستقلون، ومنهم من لا انتماء فكري ولا انتماء تنظيمي له، فعالج منتسبوا هذه الفئة قضية ليبيا، كل حسب امكانياته ووجهته وتوجهاته. كما عالجوا قضية ليبيا، من جوانبها التاريخية والسياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وعمل كل منهم على تأصيل الصراع ضد النظام، كل حسب منهجيته وفكره ورؤيته وانتمائه الفكري والسياسي.

وكان لمنتسبي فئة المثقفين، مساهمات رئيسية في توجيه التنظيمات السياسية الليبية المعاصرة، وفي تثبيت مجموعة من القيم والمباديء والمنطلقات، التي تأسست على ضوئها تلك التنظيمات، وتحددت على اساسها طبيعة انطلاقتها الاولى في التعامل مع النظام، وفي رسم ملامح البديل السياسي القادم لليبيا . كما لعبت هذه الفئة، دورا رئيسيا، في خلق اجواء من الصراعات والحوارات الفكرية والثقافية والسياسية والادبية. ثم لعبت كذلك دورا مركزيا في ترشيد الاجيال الجديدة وتوجيهها نحو تأصيل الصراع، والعودة بها الى اصول تضرب جذورها في اعماق تاريخ وتراث هذا الشعب. كما كان لهذه الفئة، بالاضافة لما سبق، دور رئيسي في تأسيس العمل الاعلامي مادة واسلوبا وتنفيذا.

عرض منتسبو هذه الفئة اراءهم وافكارهم وتوجهاتهم ومناهجهم، على صفحات العديد من المطبوعات والادبيات الليبية والعربية والدولية، بمختلف انواعها ومصادرها واتجاهاتها، من كتب وصحف ومجلات ونشرات وبيانات واشرطة مرئية ومسموعة، ومواقع الكترونية، وعن طريق الندوات واللقاءات والدورات والمحاضرات، وبالطبع عبر المجلات والمنشورات والادبيات التي تصدرها التنظيمات نفسها.

اما فئة الدبلوماسيين فقد شملت نخبة من دبلوماسيين قدامى (رؤساء وزراء ووزراء وسفراء من العهد الملكي)، بالاضافة الى نخبة اخرى من دبلوماسيين معاصرين، كانوا ملتحقين بالسلك الدبلوماسي للنظام العسكري ساعة تأسيسهم او ساعة انضمامهم الى التنظيمات، بالاضافة الى مجموعة اخرى من موظفين كانوا تابعين لوزارة الخارجية. ولا يغيب عن بالنا، مرة اخرى، ان الكثير من منتسبي هذة الفئة، يحملون هم ايضا، خلفيات فكرية وثقافية وسياسية مختلفة. لعبت هذة الفئة دورا رئيسيا، في اضافة الاساليب والتقاليد السياسية المتعارف عليها في الاوساط الدبلوماسية، الى عالم التنظيمات والاحزاب والجماعات الجديدة. فصبغت هذه الفئة خطاب المعارضة بطابع دبلوماسي رسمي يستوعبه المجتمع السياسي الدولي، بمختلف قنواته الدبلوماسية. كما استفادت التنظيمات من العلاقات السياسية الطيبة، التي كونتها هذة الفئة، اثناء ممارساتها لاعمالها الدبلوماسية، في مكاتب وزارة الخارجية وفي سفارات ليبيا وردهات هيئة الامم.

اما فئة العسكريين فقد شملت نخبة من عسكريين قدامى، من العهدين العسكري والملكي، متقاعدين او مسرحين او ممن ترك الخدمة العسكرية، بالاضافة الى عسكريين معاصرين، كانوا ملتحقين بصفوف القوات المسلحة الليبية لحظة مشاركتهم او انضمامهم او تأسيسهم لبعض التنظيمات . ترك بعض اعضاء هذه الفئة ليبيا طوعا، وفر بعضهم منها كرهاً، بسبب اشتراكهم، او بسبب اتهامهم بالاشتراك في محاولات انقلابية للاطاحة بالنظام في ليبيا.

وقدم العسكريون خبراتهم الهامة والحساسة في مجالي التدريب العسكري والامن. وساهم البعض منهم في تأسيس قطاعات او جناحات عسكرية تتبع تنظيمات معينة. واحتلت البرامج العسكرية حيزا واسعا من عالم المعارضة، بفضل هذه الفئة، التي جعلت الجانب العسكري امرا واردا في برامج التنظيمات الليبية المعاصرة. ناهيك عن علاقات منتسبي هذه الفئة، واتصالاتهم ونشاطاتهم مع العسكريين داخل ليبيا وخارجها مما وفر، في احيان كثيرة، دعماً هاما للعمل العسكري ضد النظام القائم.

اما المجموعة الخامسة فقد تمثلت في نخبة من رجال الاعمال والتجار والمهنيين والصناعيين، وقد تمثل دورها، وبطبيعة انتمائها، في توفير احتياجات المعارضة الليبية المادية كل حسب جهده وحماسه وامكانياته.

ولم يكن الانتماء الفئوي هو الانتماء الوحيد الذي تميز به منتسبو تلك الفئات او المجاميع التي ذكرناها، فقد انتمى بعضهم الى اكثر من فئة كالشهيد "احمد احواس" رحمه الله، والذي جمع بين انتمائه العسكري (رائد في القوات المسلحة) ووظيفته السياسية (قائم بالاعمال في عدة سفارات) واتجاهه الفكري (ذو انتماء اسلامي).

تفاعلت الفئات الخمسة السابقة وكونت، بداية منذ اواسط السبعينيات، التنظيمات الليبية المعاصرة . وانعكس اختلاف الاصول الفكرية، والخلفية السياسية، والثقافية، لدى مؤسسي ومنتسبي هذه المجاميع، على اختلاف منطلقات ومبادىء واهداف واتجاهات التنظيمات من جهة، وعلى اعدادها من جهة اخرى . فتأسست تنظيمات عقائدية اسلامية وقومية ويسارية، وتشكلت فصائل وطنية على اساس وطني غير عقائدي، وتشكلت فصائل اخرى، استمدت دواعي واسس تكوينها من طبيعة النظام الليبي السابق (المجموعات الملكية)، وتشكلت تنظيمات اخرى ذات طابع خاص (تنظيمات عسكرية وفدائية)، واخرى ذات مهام تخصصية محددة، كاتحاد الطلبة، ولجان وروابط ومنظمات حقوق الانسان، والجمعيات والروابط الاجتماعية، وهيئات الاغاثة والتكافل الاجتماعي، وجمعت تنظيمات اخرى بعضاً من هذا، وشيئاً من ذاك.

وسنبدأ صفحاتنا القادمة، باذن الله، بالحديث عن نشأة وتاريخ ومسيرة التنظيمات الليبية السياسية المعاصرة، كل على حدة . فالى اللقاء مع الحلقة القادمة تحت عنوان "مسيرة التأسيس وتنظيمات السبعينيات"، والله ولي التوفيق.

د. فتحي الفاضلي
ffadhli@yahoo.com
www.fathifadhli.com
________________________

(1) تم في 7 يناير 1972م محاكمة 16صحفيا و12معلقا اذاعيا امام"محكمة الشعب". وقد اغلقت وصودرت (قبل هذه المحكمة) 15 صحيفة وحوكم رؤسا تحريرها. بالاضافة الى مجموعة من اكفأ المذيعين في ليبيا بتهمة التواطؤ مع العهد الملكي وعدم مهاجمته والتصدي له. وقد حوكم رؤساء تحرير صحيفة الامة والحرية والحقيقة والرائد والرقيب والريبورتاج والزمان والشعلة وطرابلس الغرب والطليعة والعمل والعلم والفجر وليبيا الحديثة.


       
       
       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home