Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli

Sunday, 8 April, 2007

              

كتاب ( حرب تشاد.. الكارثة الكارثة ) (2)

د. فتحي الفاضلي

2- المقاومة.. وتأسيس "جبهة التحرير الوطني التشادي"

يتحدث هذا الفصل، عن الاتجاهات السياسية، التي كانت تدير دفة الصراع في تشاد. كما يتحدث عن المقاومة التشادية، وتأسيس "جبهة التحرير الوطني التشادي"، بالاضافة الى طبيعة العلاقة بينها وبين ليبيا، وكيفية وصول "تمبلباي" الى السلطة، وكيفية سقوطه، وبروز "حسين هبري" و"كوكوني واداي" على الساحة السياسية التشادية. كما سنتعرف، في هذا الفصل ايضا، على اهم الشخصيات، التي كان لها دور فعال، في الصراع التشادي-التشادي، والصراع الليبي-التشادي. يقدم هذا الفصل، اذا، خلفية عامة، عن الصراع بين الاطراف الثلاثة، ليبيا، وفصائل المقاومة، والحكومة التشادية. فلعنا، نلمس، من خلال ذلك، بعض الاسباب، التي ادت، الى ما آلت اليه، الحرب الليبية التشادية. لقد اسس التشاديون (قبل الاستقلال) تنظيمات عديدة، لايجاد بديل وطني تشادي، يحل محل فرنسا، وينتقل بالبلاد، من وضع الاحتلال، الى وضع الاستقلال. كما اسس التشاديون، ايضا، تنظيمات اخرى (قبل وبعد الاستقلال)، لمواجهة نظام "فرانسوا تمبلباي"، وإنهاء سيطرة الجنوب على الشمال. وسنتحدث فيما يلي، عن بعض تلك الاحزاب، والحركات، ودورها في تأسيس "جبهة التحرير الوطني التشادي"، والتي تُعرف اختصارا بـ "فرولينا".

الحزب التقدمي التشادي..

تأسس "الحزب التقدمي التشادي" عام1947م، على ايدي "جبريل فرانسيسكو لاسيتي"، بمساعدة بعض التشاديين، من بينهم "فرانسوا تمبلباي" نفسه، وهو من اوائل الاحزاب التي تأسست في تشاد. ويتبنى هذا الحزب، اتجاهات وطنية يسارية ماركسية.1 كما ان اغلب منتسبيه ينتمون الى نخب الجنوب، من غير المسلمين. ويتمتع هذا الحزب، بشعبية كبيرة جدا، بين التشاديين، خاصة بعد ان رفع شعار "حق تقرير المصير"، الذي تبناه، ايضا، اغلب ابناء تشاد. لذلك، احرز الحزب، انتصارا ساحقا، في انتخابات "المجلس المحلي التشادي"، التي جرت عام1957م، وحصل فيها الحزب على 32 مقعد، من اصل 65 (اي انه فاز بنسبة 49% من المقاعد)1. لذلك عُين، مؤسس الحزب، "جبريل لاسيتي"، عقب هذا الانتصار، رئيسا للحكومة، عندما كانت تشاد تحت الحكم الذاتي. 1 و 11 و 12.

ويعود "لاتسي" الى اصول غير تشادية، فقد ولد في مدينة "بورتو بيلو" في "بنما"، في شهر ابريل من عام 1919م، والتحق بالعمل مع ادارة المستعمرات الفرنسية، واوكلت اليه، مهمة الاشراف على مستعمرة تشاد.

وكان "تمبلباي" واعوانه، ينوون ازاحة "لاتسي"، من المشهد السياسي التشادي، فاستغلوا اصوله، غير التشادية، وطالبوا بسحب الثقة منه، ومن حكومته، كما طالبوا بأن يتولى مواطن من "تشاد"، رئاسة الحزب، بدلاً منه. وبالفعل سُحبت الثقة من "لاتسي"، وعُين "تمبلباي" رئيسا لـ"الحزب التقدمي التشادي".12 واستطاع الحزب، في دورة الانتخابات الثانية، ان يحقق نجاحا، فاق النجاح الاول للحزب (تحصل على 57 مقعد، من اصل 85، اي فاز بنسبة 67%)1، واصبح "تمبلباي"، على ضوء هذا الانتصار، رئيسا للمجلس الوطني المحلي في 1959م، كما اصبح، فيما بعد، اول رئيس لتشاد. اما، "لاتسي" فقد اوكلت اليه، مهام عديدة، تتعلق ببعض الشؤؤن الاقتصادية والشؤون الخارجية. 9 و 12 كانت ازاحة "لاتسي" نهائيا، من على المسرح السياسي التشادي، مسألة وقت بالنسبة لـ"تمبلباي"، الذي كان ينظر الي "لاتسي"، كمنازع على السلطة. لذلك، أستغل "تمبلباي" سفر "لاتسي" الى خارج تشاد، وطالب الحكومة التشادية بمنعه، من ممارسة نشاطاته السياسية، بل واصدر قرارا، بفصله من الحزب، ومنعه من العودة الى "تشاد" نهائيا. فانتهت بذلك، نشاطات "لاتسي"، واختفى من الحياة السياسية التشادية بالكامل،12 ثم مات في فرنسا، في عام 2001م.

الاتحاد الديمقراطي التشادي..

تأسس "الاتحاد الديمقراطي التشادي"، في نوفمبر 1947م، على ايدي بعض الزعماء والسلاطين في تشاد. ويعتبر هذا الحزب، من الاحزاب المحافظة التي تاسست، لرعاية مصالح الفرنسيين في تشاد، بالاضافة الى مصالح بعض الزعماء التشاديين، من الذين سمحت لهم فرنسا بنفوذ محدود، مقابل خدمات ومهام عامة، يقدمها هؤلاء لفرنسا، كالمساعدة في جمع الضرائب، على سبيل المثال. كما ساهم الحزب، كذلك، في رعاية مصالح الاوربيين بصفة عامة. لذلك، كان للحزب علاقات جيدة، مع الاحزاب الاوربية المحافظة، التي تمثل المصالح الاوربية في تشاد.1 و 9 و 11 و 12 و 15.

تمتع "الاتحاد الديمقراطي التشادي"، باديء الامر، بشعبية لا باس بها نسبيا، ثم قلت شعبيته، مع حلول عام1953م، وخاصة بعدما عصفت به الانقسامات، وبرزت لمواجهته "الحركة الاجتماعية التشادية"، في نفس دوائر الانتخابات، التي يعمل بها. ليس ذلك فحسب، بل فضل التشاديون "الحزب التقدمي التشادي"، على "الاتحاد الديمقراطي التشادي"، على اساس ان الاول، يعتبر اكثر وطنية، واقرب الى طموحاتهم، من الاحزاب التي ترعى المصالح الفرنسية والمصالح الاوروبية.1 و 12.

الحركة الاجتماعية التشادية..

انبثقت "الحركة الاجتماعية التشادية" عن "الاتحاد الديمقراطي التشادي"، في عام 1953م، وهي حركة تمثل المصالح التجارية الفرنسية والاوربية، بجانب مصالح الزعامات التقليدية القديمة، فهي لذلك تشبه وتنافس "الاتحاد الديمقراطي التشادي"، والتي انبثقت منه اصلا، وتواجدت في نفس دائرته، وتبنت نفس افكاره تقريبا. وقد قلل، تواجد الحركة، كما ذكرنا، من شعبية "الاتحاد الديمقراطي التشادي"، وتفوقت عليه في احد الانتخابات الرئيسية. بل ويشير البعض، الى ان "الاتحاد الديمقراطي التشادي" تحول بالكامل الى "الحركة الاجتماعية التشادية"، التي انتهت هي الاخرى، عندما اصدر الرئيس "تمبلباي"، قرارا، بحل الاحزاب نهائيا، وذلك في عام 1962م. 1و 11 و 12.

الاتحاد الوطني التشادي..

تأسس "الاتحاد الوطني التشادي"، عام 1958م، على ايدي نخبة من المسلمين، من بينهم الشيخ "محمد الباقلاني" و"ابراهيم اباتشا" و"ابا صديق" و"محمد ابا"، و"محمد طاهر صالح"، و"هدجرو سنوسي"، وذلك لمقاومة الاحتلال الفرنسي من جهة، ومقاومة الحكومة التشادية من جهة اخرى. وكان الشعار الذي انطلق به الحزب، وتحصل به على ارضية سياسية صلبة، يتلخص في التصويت لصالح "استقلال تشاد عن فرنسا استقلالا تاما"، وذلك ضد الشعار الذي كان ينادي بـ "انضمام تشاد الى الرابطة الفرنسية". ويمكن القول ان "الاتحاد الوطني التشادي" و"الاتحاد التقدمي التشادي"، نقيضان لبعضهما البعض، فالاول اسسته نخبة من المسلمين، اغلبهم من الشمال، من ذوي الاتجاه العروبي الاسلامي، بينما اسس الثاني نخبة من الجنوبيين، اغلبهم من غير المسلمين، ومن ذوي الاتجاه اليساري.1 و 11 و 12.

استمر "الاتحاد الوطني التشادي" في ممارسة نشاطاته السياسية علنا، الى ان الغى "تمبلباي" الاحزاب السياسية في عام 1962م، ومنع تأسيسها، ورسخ، بدلا من ذلك، نظام الحزب الواحد، عندها، اوقف "الاتحاد الوطني التشادي" نشاطاته العلنية، وتحول الى العمل السري، كما واصل اغلب قياداته العمل خارج تشاد، وكان لكل منهم دور بارز، في الصراع ضد الحكومة التشادية.

الحزب الوطني لابناء تشاد..

تأسس "الحزب الوطني لابناء تشاد"، في السودان، وهو حزب اسلامي، اسسه "احمد حسن موسى"، بالتعاون مع التشاديين، الذين كانوا يعيشون في المنفي في السودان. وكان "احمد حسن موسى"، وهو من الاسلامييين، قد هرب الى السودان، بسبب القمع الذي كانت تمارسه الحكومة التشادية على الشعب. ويهدف "الحزب الوطني لابناء تشاد"، الى طرد الفرنسيين، ومحاربة النظام، واقامة دولة اسلامية في تشاد، وقد لعب الحزب دورا رئيسيا، في تاسيس "جبهة التحرير الوطني التشادي" (فرولينا)، كما سياتي فيما بعد.11 و 12.

جبهة تحرير تشاد..

واسس "احمد حسن موسى"، ايضا، "جبهة تحرير تشاد"، وهي جبهة مسلحة، من المرجح انها تأسست كجناح عسكري يتبع "الاتحاد الوطني لابناء تشاد". وهي ليست "جبهة التحرير الوطني التشادي- فرولينا"، لكنها نواة رئيسية لها. وقد كثفت هذه الجبهة، من نشاطاتها، على الحدود السودانية- التشادية. وكانت انتفاضة "قويرا" (احدى مقاطعات تشاد)،التي انتفض فيها الشعب التشادي، عام 1965م، ضد الحكومة بصفة عامة، وضد جامعي الضرائب، بصفة خاصة، وما نتج عن ذلك من ضحايا، كانت (هذه الانتفاضة) احد الاسباب الرئيسية التي دفعت بـ"احمد حسن موسى"، الى تأسيس "جبهة تحرير تشاد".1 و 10 و 11 و 12.

وربما تعتبر "جبهة تحرير تشاد"، اول تنظيم مسلح معاصر، يتأسس في تشاد، لمواجهة "تمبلباي"، ومواجهة الاحتلال الفرنسي، في نفس الوقت. وعندما سقط "تمبلباي"، في عام 1975م، تصالح "احمد حسن موسى" مع "فيليكس مالوم"، الذي حل محل "تمبلباي"، لكنه قُتل (احمد حسن موسى) بعد ذلك، في عام 1979م، على يد "حسين هبري"، في احدى المدن التشادية. تجمع الريفيين التشاديين المستقل..

انشق بعض مؤسسي "الحركة الاجتماعية التشادية"، مرة اخرى، وشكلوا تنظيما، يحمل اسم "تجمع الريفيين التشاديين المستقل"، واستطاع هذا التجمع ان يتفوق، في انتخابات1957م، على "الحركة الاجتماعية التشادية"، التي انشق عنها اصلا.1

تلك كانت بعض النماذج من الحركات والاحزاب والجماعات، التي تأسست في تشاد، قبل وبعد الاستقلال. وكانت هناك، بجانب هذه الاحزاب، قوى اخرى، تعارض النظام، وتقاوم التواجد الفرنسي، وقد استندت، هذه القوى، على خلفيات اجتماعية وجهوية وقبلية وعرقية. وقد تمثلت هذه القوى، في شيوخ القبائل، وزعماء المناطق، والقضاة والسلاطين، واصحاب النفوذ، بالاضافة الى المعارضة العامة، التي كان الشعب التشادي، يمارسها، بكافة قطاعاته، ضد الحكومة العنصرية الظالمة.

ويبرز، كنموذج لهذه القوى، دردي التبو(وتعني قاضي التبو، او الاب الروحي للتبو)، الذي طلب من "تمبلباي"، تعيين ابنه "كوكوني واداي"، في الحكومة التشادية. وعندما رُفض طلبه، لجأ والد "كوكوني واداي"، في عهد الملك "محمد ادريس السنوسي" (رحمه الله)، الى ليبيا، يصحبه قرابة الالف من اتباعه، من بينهم ابنه،8 الذي سيلعب دورا رئيسيا، في الصراع التشادي-التشادي، والصراع الليبي-التشاديٍ. وقد عاد والد "واداي"، في اغسطس1975م، بعد الانقلاب الذي اطاح بـ"تمبلباي"، لكن ابنه لم يعد الا بعد ذلك بكثير.

حل الاحزاب..

وفي 1962م، حل تمبلباي، التنظيمات والاحزاب والحركات السياسية، ومنع تأسيس احزاب جديدة، وتبنى، نظام الحزب الواحد، فسمح لحزبه فقط (الحزب التقدمي التشادي) بمواصلة نشاطه السياسي. وقد اختلفت ردة فعل الاحزاب، والقوى السياسية، تجاه هذا القرار التعسفي، فاستجابت له بعض الاحزاب مباشرة، واوقفت نشاطها السياسي، بمجرد صدوره، وعارضته احزاب اخرى، اتجهت الى العمل السري، كـ"الاتحاد الوطني التشادي"، على سبيل المثال. وبصفة عامة، زاد هذا القرار، من حدة التوتر السياسي في البلاد.

وانطلقت، في ابريل 1963م، انتفاضات في "انجامينا" و"ام تيمان"، ومناطق اخرى من البلاد، واُعلنت حالة الطواريء، وحُل المجلس الوطني، والقي القبض على المعارضين، والخصوم السياسيين، ونُفي بعضهم، وقُتل غيرهم.11 كما أنشأ النظام محكمة خاصة، للتعامل مع هذه الاوضاع، عُُرفت بمحكمة "الجنايات الخاصة". وفي سبتمبر من عام 1963م، قبُض على بعض القادة المسلمين، فانطلقت، بسبب ذلك، انتفاضة كبيرة في "انجامينا"، تم قمعها بعنف شديد. كما امر احد ممثلي الحكومة، سكان مدينة من مدن الشمال، وهم من المسلمين، بالسير الى السجن عراة، وكانوا يتعرضون اثناء سيرهم، الى الاستهزاء والسخرية والاهانات، وكان قد تم القبض على البعض منهم، لمجرد انهم من الملتحين، اوممن يرتدون العمائم. 12

وازداد الامر سوء، عندما ضاعفت الدولة، في عام 1964م، من الضرائب، تحت باب "القرض الوطني"، كما فُرض على المواطنين، في الضواحي والارياف، دفع ضرائب مضاعفة، فوق ما تطلبه الحكومة. فانطلقت في مدينة "منقالم"، في مقاطعة "قويرا" في نوفمبر من عام 1965م، انتفاضة كبيرة، بسبب الارتفاع المستمر في الضرائب، وقُتل في هذه الاحداث، اكثر من خمسمائة مواطن تقريبا، منهم احد نواب "المجلس الوطني التشادي" المحلي، ومسؤلين اخرين، في الحكومة التشادية، وامتدت انتفاضة "منقالم"، الى مدن ومقاطعات اخرى، منها "البطحة" و"واداي" و"سالامات".8 و 11 و 12.

وهاجرت، عقب قرار حل الاحزاب، وما نتج عنه من قمع وتوتر وارهاب، شخصيات قيادية تشادية عديدة، بنية مواصلة النضال ضد الحكومة من الخارج. وكانت "ليبيا" و"السودان" و"نيجيريا" و"غانا" و"افريقيا الوسطى" و"الجزائر"، من اهم الاقطار التي هاجرو اليها. وكان هؤلاء القادة، يكثفون من نشاطاتهم، وسط الجاليات التشادية المتواجدة في تلك الاقطار، وخاصة التجمعات الطلابية، وذلك بنية ضمهم الى صفوف المقاومة. وربما بدأت ارهاصات تأسيس "جبهة التحرير الوطني التشادي" (فرولينا)، في تلك الفترة.9

جبهة التحرير الوطني التشادي (فرولينا)..

وفي خضم هذه الفوضى، وخضم هذا التوتر السياسي، وخضم هذا القمع، اتحد، حزبي "الاتحاد الوطني التشادي"، بقيادة "ابراهيم اباتشا"، و"الاتحاد الوطني لابناء تشاد"، في جبهة واحدة، هي "جبهة التحرير الوطني التشادي" (فرولينا)، واختير "ابراهيم اباشا"، اول امين لهذه الجبهة، وقد تم ذلك، في مؤتمر انعقد في مدينة "نيالا"، في السودان، في الفترة من 19 الى 22 يونيو، من عام 1966م، وقد عُرف هذا المؤتمر، بـمؤتمر "نيالا".

وقد تشكلت قيادة فرولينا، بجانب الامين العام (ابراهيم اباتشا)، من مجلس عام، يضم ثلاثين عضوا، منهم خمسة عشر عضوا، يمثلون "الاتحاد الوطني لابناء تشاد"، وخمسة عشر عضوا، يمثلون "الاتحاد الوطني التشادي"، وعُُرف هذا المجلس بـ" مجلس الثورة الوطني".1 و 10و 11و 12و 15.

وسرعان ما أسست الجبهة، مكاتب لها في "سبها"، في عهد الملك "محمد ادريس السنوسي" (رحمه الله)، كما باشرت في ضم التشاديين المقيمين في ليبيا، وخاصة طلبة الجامعة الاسلامية في البيضاء، بالاضافة الى التشاديين من جميع الفئات الاخرى.9

وكان الثقل الاسلامي، في بداية تأسيس الجبهة، كبيرا جدا. بل ان اصوات كثيرة، تؤكد ان بداية الجبهة كانت بداية اسلامية جهادية. وورد في احد المراجع، بالاضافة الى ذلك، ان الشيخ "محمد الباقلاني" هو الذي ترائس مؤتمر " نيالا". ومما لا شك فيه ان الغالبية العظمى من مؤسسي الجبهة، كانوا من الاسلاميين، او من العرب الذين يطمحون الى اعادة السيطرة العربية والاسلامية على تشاد، او بصيغة اخرى، تحرير الشمال المسلم من سيطرة الجنوب، وقد اتخذت الجبهة، او احد فصائلها، نشيدا لها، اسلاميا، يقول:

بقرآني وإيماني . وتكبيرات إخواني..
أهز الكافر الجاني.. وأحمي منه أوطاني..

عواطفنا براكين.. تثور وما لها حين..
ويذكي عزمنا الدين.. إلى العلياء والشان..

لنا بمحمد (صلى الله عليه وسلم) مثل..
وبالأصحاب نتصل..
سنفعل مثلما فعلوا.. ببدر يوم فرقان..

بمكة لي أشقاء.. وفي بغداد أبناء..
وفي دلهي أحباء.. وجند الله أعواني..

هو الإسلام رافعنا.. وللأمجاد دافعنا..
غذا تدوي مدافعنا.. تدك معاقل الجاني..

من المحراب ننطلق.. بغير الله لا نثق..
أسودا حين نستبق.. إلى الهيجا بميدان..

سنرغم من يقاتلنا.. معاقلنا..
تُشاد لنا.. تِشاد لنا.. تشاد لنا.. وتمبل (تمبلباي) خاسر جاني..

واندلعت المعارك، بمجرد تأسيس الجبهة، وانتشرت المقاومة، في طول البلاد وعرضها، وحققت "فرولينا" انتصارات عسكرية ارهقت الحكومة التشادية، التي فقدت سيطرتها على مناطق عديدة من البلاد. بل سيطرت فرولينا على بعض المدن الرئيسية، في بعض الاوقات. ثم قُتل"ابراهيم اباتشا"، الامين العام لفرولينا، في احدى المعارك، في فبراير من عام 1968م. واستمرت المقاومة، بالرغم من ذلك، فاضطر، "تمبلباي" في 1969م، الى الاستنجاد بفرنسا، لايقاف تقدم فرولينا. خاصة بعد ما انتشرت المقاومة المسلحة، ضد نظامه، في شمال البلاد ووسطها وجنوبها. وقبلت فرنسا بالتدخل، لصد فرولينا، مقابل شروط عديدة، من ضمنها، ادخال بعض الاصلاحات في الجيش التشادي، ومشاركة الشماليين في الحكومة، واطلاق سراح بعض االمساجين السياسيين، بالاضافة الى بعض الشروط العامة الاخرى. 3 و 8 و 9 و11 و 12.

قبل "تمبلباي" بهذه الشروط، بل ونفذ بعضها، وبعد ان هدأت الاوضاع، وسيطرت الحكومة التشادية على البلاد من جديد، وانسحبت القوات الفرنسية، تراجعت الحكومة، بعد ذلك، عن وعودها، وعادت الى سابق عهدها القمعي، بحجة ان البعض كان يدبر انقلابا، ضد الحكومة التشادية، بالتعاون مع ليبيا.

استلم "ابا صديق" امانة الفرولينات، بعد "ابراهيم اباتشا"، وذلك في عام 1970م، وقد ولد "ابا صديق"، في مستعمرة اوبانغي- شاري (افريقيا الوسطى اليوم)، وانضم الى "الحزب التقدمي التشادي"، وتركه في عام 1958م، ليشترك في تأسيس "الاتحاد الوطني التشادي"، ثم عاد وانضم الى الحزب التقدمي مرة اخرى. وبعد استقلال تشاد، في1960م، اصبح وزيرا للتعليم، في حكومة "تمبلباي"، ولكن عنصرية "تمبلباي"، ضد المسلمين، دفعته الى الانضمام الى صفوف فرولينا.15

اعترفت ليبيا بـ "ابا صديق"، كأمين عام للفرولينا، وزودته بالمساعدات الاقتصادية والعسكرية، ووفرت له جميع التسهيلات التي يحتاج اليها. وسمحت له باتخاذ ليبيا، مركزا لقيادة الفرولينات. فاكتسبت ليبيا، بذلك، اهمية رئيسية، بالنسبة للصراع التشادي-التشادي، وبدأت تلعب دورا استرتيجيا في هذا الصراع، فاق الدور الذي كانت تلعبه دول الجوار في ذلك الوقت. وكرد فعل على ذلك، دعمت الحكومة التشادية، في 1972م، اول محاولة انقلابية ضد النظام الليبي القائم، وهي المحاولة التي عُرفت بمحاولة "فزان". فتضاعف، الدعم الليبي للفرولينات، بسبب ذلك، وفتحت ليبيا، اراضيها، ووضعت امكانياتها، في متناول المقاومة التشادية، بقيادة "ابا صديق"، بل وبدأت ليبيا، منذ ذلك التاريخ في احتلال شريط "اوزو" على خلفية هذه التطورات.15

صاحب هذه التطورات، زيادة في الاضطرابات في تشاد، فقد قام الطلبة، في 1972م، باضراب عام في انجامينا، كما اعُتقل في يونيو 1972م، مجموعة من التشاديين، تلقوا تدريبات عسكرية في ليبيا، كانوا يحملون اسلحة ومتفجرات. وتعرضت تشاد، في ذلك الوقت، الى جفاف شديد، ادى الى مجاعة عامة، نتج عمها صعوبات اقتصادية و سياسية واجتماعية.11

سقوط تمبلباي..

اضطرت الحكومة التشادية، تحت ضغط هذه الاوضاع، الى تغيير سياساتها، عبر التقرب الى الدول العربية، لتسحب البساط من تحت اقدام فرولينا، وتحصل، في نفس الوقت، على مساعدات مادية، تساعدها على الخروج من ازماتها، التي سببتها المقاومة من جهة، وسببها الجفاف والقحط والحالة الاقتصادية المزرية، التي كانت البلاد تعاني منها، من جهة اخرى. ولتحقيق ذلك، قطع "تمبلباي" علاقاته مع الاسرائيليين، وانسحب من منظمة كانت تضم مجموعة من الدول المتحدثة بالفرنسية، وحارب الثقافة الفرنسية، على اساس انها ثقافة المستعمر الدخيل، وغير "الحزب التقدمي التشادي"، واطلق عليه اسم "الحركة الوطنية للثورة الثقافية والاجتماعية"، وقاد بناء على ذلك، حركة تغييرية تهدف الى "افرقة تشاد"، وهي الحركة التي غير على ضؤها، الاسماء الفرنسية لبعض مناطق ومدن تشاد، من بينها العاصمة (فورت لامي) والتي اصبح اسمها "انجامينا"، بل وغير اسمه من "فرانسوا تمبلباي" الى "ناقرتا تمبلباي". 11 و12.

ادت هذه التحولات السياسية والثقافية والاجتماعية، الى شيء من التقارب بين النظام التشادي، وبعض الدول العربية، من ضمنها ليبيا، والتي بلغ التقارب بينها وبين تشاد، اوجه في عام 1973م. فقد اوقفت ليبيا، في ذلك الوقت، اذاعة فرولينا، الموجهة من ليبيا الى تشاد، وطًُرد اغلب قادة واعضاء فرولينا من ليبيا. كما توج هذا التقارب، بزيارة "تمبلباي" الى ليبيا، وتوقيع اتفاقية تعاون اقتصادي بين البلدين، مع الاعلان عن تأسيس مصرف مشترك بين البلدين، واستثمار ملايين الدولارات في تشاد. وتم، فوق كل ذلك، توقيع اتفاقية، بين ليبيا وتشاد، اعتبرت منطقة الحدود، بموجبها، منطقة تضامن وتعاون بين البلدين.9

وقد نوه الشهيد "محمد مصطفى رمضان" الى هذه التحولات، ونوه كذلك الى الاجراءات التي اتخذتها ليبيا، تجاه فرولينا، كما نوه كذلك، الى زيارة تمبلباي الى ليبيا، وذلك في الرسالة الثانية، من مجموعة الرسائل، التي كان الشهيد يرسلها الى معمر، ينصحه فيها، بشأن العديد من القضايا الحساسة، التي عجز معمر عن التعامل معها بالصورة الصحيحة، والتي كان الوطن الاسلامي والعربي، يمر بها، في ذلك الوقت. يقول الشهيد، في رسالنه الرائعة الثانية، حول هذا الامر:

"لست افهم ان تندفعوا في تأييد حركة الثورة الاسلامية في تشاد، ضد حكم الاقلية المسيحية فيها، ثم توقفون دعمكم فجأة، وبلا مقدمات، وتطردون المجاهدين التشاديين من ليبيا، وتغلقون الاذاعة الموجهة الى تشاد، دون ان يحدث تغيير في نظام "فرانسوا تمبلباي". بل يزورك "فرانسوا" نفسه في ليبيا، وسط مظاهر من الحماس والترحاب".5

وكان من نتيجة التقارب بين ليبيا و الحكومة التشادية، ان قل الدعم المالي والعسكري، الذي كانت ليبيا تقدمه الى "فرولينا"، التي شحت مواردها، وتعرضت، من جراء ذلك، الى صعوبات ومتاعب عديدة، اثرت تاثيرا واضحا، على نشاطها ضد الحكومة التشادية. كما نقل "ابا صديق"، نتيجة لهذا التقارب، قيادة "جبهة التحرير الوطني التشادي" من ليبيا الى الجزائر. وبذلك يكون "تمبلباي"، قد نجح، والى حد ما، في سعيه، لضرب الفرولينات، والحصول على المساعدات التي يحتاجها، عبر سياسة التقارب، مع الدول العربية، بصفة عامة، واغلب دول الجوار بصفة خاصة.11 و 12.

ولم يستمر ربيع "تمبلباي"، ففي الفترة من يونيو1973م الى مارس 1975م، اعتقل "تمبلباي" بعض اعضاء "الحزب التقدمي التشادي"، والقى القبض على الجنرال "فيليكس مالوم"، واُعتقل ضباط، بتهمة التخطيط للقيام بانقلاب عسكري، كما استمر، خلال نفس الفترة، في اغتيال خصومه في الداخل والخارج. 11 و 12.

وفي الثالث عشر، من ابريل1975م، قام الجيش التشادي، بانقلاب عسكري، اطاح بحكومة "تمبلباي"، الذي قُتل في هذا الانقلاب. وحُكمت تشاد، بعد الانقلاب، بمجلس عسكري، سُمي بـ"المجلس العسكري الاعلى"، ترئسه، "فيليكس معلوم"، الذي اصبح ايضا، رئيسا لتشاد. وكان الغاء "الحركة الوطنية للثورة الثقافية والاجتماعية"، ودعوة المقاومة الى الصلح، من اوائل القرارات، التي اتخذها "فيليكس مالوم".

والى اللقاء.. مع الفصل الثالث.. باذن الله.. والحديث عن الانشقاقات.. والتصادمات.. بين فصائل المقاومة التشادية.. ودور ليبيا في هذا الامر.. ووصول "واداي" و "هبري" الى السلطة.. والله.. ولي التوفبق.

د. فتحي الفاضلي
ffadhli@yahoo.com
________________________________________________

المراجع :
1- المجتمع التشادي بين النزعة الفردية والعمل الجماعي/ احمد محمد نور ضيف الله/ منتديات تشاد/ www.11c11.com/vb1
2- دارفور: حول جذور الازمة وأسبابها ومآلاتها/ أحمد ضحية/ الحوار المتمدن/ العدد 1186 / 5 مارس2001
3- المسلم / العدد 24/ السنة السابعة/ جمادي الثانية/ رجب 1407 هـ/ فبراير-مارس 1987م/ المناورة الفاشلة والنهاية المحتومة/ اعداد مفتاح خليفة/ ص 7-10.
4- قصة التدخلات والهزائم الليبية في تشاد / مؤسسة الامن العالمي الامريكية/ الكسندرا- فيرجينيا/14 مارس 2006م.
5- الشهيد محمد رمضان.. من القاتل.. ولماذا؟ الطبعة الاولى 1400هـ/ 1980م. ص14.
6- تشاد وازمة الاندماج الوطني.. وشبح الحرب الاهلية / بدر حسين الشافعي/ المجتمع.
7- تشاد تركة حسين هبري.. منظمة العفو الدولية .. ملخص وثيقة رقم: AFR 2001/004/20 ؟ 16 اكتوبر 2001م.
8- تاريخ العالم الاسلامي الحديث والمعاصر/1492- 1980م/الجزء الثاني/ قارة افريقيا/ اعداد د. اسماعيل احمد ياغي ومحمود شاكر/ الطبعة الثانية/ 1419هـ- 1998م/ ص192-202.

9- Geoff Simons (1993). Libya the Struggle for Survival. New York: St. Martin Press. pp 268-277. 10- Major David H. Henderson (1984). Conflict in Chad, 1975 to present.. A central African Tragedy. CSC 1984/ Subject area: Strtegic Issues.
11- Chad, a Country Study/Federal Research Division, Library of Congress; edited by Thomas Collelo.
12- Virginia Thompson & Richard Adloff. (1981) Conflict in Chad. Institute of International Studies, University of California, Berkeley; no. 45. Research Series, University of California, Berkeley.
13- John Wright (1989). Libya, Chad and the Central Sahara. Barnes and Nobel books, Ottowa, New Jersey.
14- Kenneth M. Pollack (2002). Arabs at War, Military Effectiveness, 1948-1991. Lincoln: University of Nebraska Press
15- Frolinat – Wikipedia, the free encyclopedia.
16- Africa Watch Chad: Fuelling the flames/ Richard Cornwell Published in African Security Review Vol 8 No 5, 1999


              

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home