Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli
الكاتب الليبي الدكتور فتحي الفاضلي

الأحد 8 يناير 2009

من ضحايا الارهاب : جبريل عـبدالرازق الدينالي

د. فتحي الفاضلي



لا تهمني حياتي.. فقد وهبتها لله..

كان الشاب جبريل الدينالي يسير، بعد انتهائه من صلاة العصر، وسط الزحام في احد شوارع مدينة بون، بالمانيا، وفجأة انهال عليه الرصاص من الخلف، فاخترق ظهره، وسقط مضرجا بدمائه، قابضا بيده على بيانات، تدعو الى تحرير ليبيا.

فمن هو جبريل الدينالي..

ولد جبريل عبد الرازق الدينالي، في عام 1954م، في قرية برسس، القريبة من مدينة بنغازي. التحق بالشرطة وعمل بادارة الهجرة والجوازات. وكان يساعد المواطنين الذين حرمهم النظام من اصدار وتجديد جوازات السفر، وعندما علم ان النظام يتربص به الدوائر، سافر الى المانيا بغرض العلاج ثم استقر هناك، كما ذكر مصدر اخر، انه هرب في احدى البواخر، الى المانيا الغربية (في ذلك الوقت) وحط به الرحال في مدينة بون.

كان جبريل الدينالي، نحيل الجسم، قويا في الحق، شجاعا، لا يهاب في الله لومة لائم. وكان متفائلا، صادقا، بشوشا، اجتماعيا، مرحا، يؤثر على نفسه، ولو كان به خصاصة. وكان يمقت اللجان الثورية، لما سببته من معاناة لليبيا والليبيين. وكان يؤمن بان معمر واللجان الثورية، هم اصل التخلف والبلاء.

وكان بجانب هذه الصفات الحميدة، يجيد نظم الشعر الشعبي، بل تعتبر قصيدته، "بشاير خلاصك يا بلادي هلت"، والتي اوردتها في نهاية هذا العرض، من اروع ما قيل من الشعر الشعبي، في مرحلة النضال الليبي المعاصر.

وفي المانيا بدأ نشاطه العلني ضد النظام، فاخذ يتردد على تجمعات الليبيين، من زوار وطلبة ومرافقين، ليشجعهم على مواجهة النظام واعوانه، كما كان يقوم بتوزيع المطبوعات التي تعدد جرائم النظام، وتكشف حقيقته، وتحرض على اسقاطه. وانضم جبريل الى الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا. ووطد، علاقته بوسائل الاعلام، والاحزاب، وهيئات حقوق الانسان الالمانية، ووظف هذه العلاقة في مطالبة وسائل الاعلام، بكشف ممارسات النظام الارهابية، وتسلطه على ابناء وطنه. وعندما اشتهر امره، واصبح من المعروفين، في اوساط الليبيين في المانيا، هُدد بالقتل من قبل اللجان الارهابية، والمكتب الشعبي، عندما كان يديره المهدي امبيرش. وكثفت هذه الجهات، من مضايقته، وتهديده، وملاحقته، دون ان يثنيه ذلك عن عزمه.

كما اتهمه المهدي امبيرش، امين المكتب الشعبي في ذلك الوقت، بالتجسس لصالح المانيا، وقال ان الالمان سوف يقتلونه بعد الاستغناء عن خدماته. واعتبر هذا الاتهام، تهديدا مبطنا، بل حكما مسبقا، على جبريل الدينالي بالقتل. ليس ذلك فحسب، بل وصدر في ليبيا، في نوفمبر من عام 1982م، حكما غيابيا بالاعدام، على جبريل الدينالي. ومن المؤكد ان هذا الحكم، قد صدر، بناء على التقارير، التي كان امين واعضاء المكتب الشعبي والصحي، يبعثان بها الى ليبيا.

ليس ذلك فحسب، بل اعتدي عليه، وعلى والدته (في نوفمبر 1982م)، شلة من اللجان الارهابية، تتألف من ثلاثة الى خمسة افراد، بالضرب امام المكتب الصحي (الليبي) ببون، حيث سحبوه الى داخل المكتب، بنية القضاء عليه، وكانت ترافقه، اثناء تلك الحادثة، السيدة الكريمة والدته، فاقتحمت المكتب، وانتزعت فلذة كبدها من بينهم بالقوة، بل وانهالت على احد اعضاء اللجان الثورية بالضرب على رأسه بالحجارة، وتدخلت الشرطة الالمانية في هذا الامر.

وكان هذا الموقف، موقفا مخزيا، لاعضاء المكتب الشعبي، والمكتب الصحي، وموقفا لا ينساه الليبيون في المانيا، ولا ينساه الالمان، الذين شاهدوا الضباع الارهابية، وهي تهاجم سيدة عجوز وشاب نحيل جدا.

ومما زاد الطين طينا، ان ثلاثة من المعتدين، كانوا يحملون جوازات سفر ليبية دبلوماسية، وكانوا في نفس الوقت، يمارسون مهام، لا يمارسها الا الجبناء، من ترويع للسيدات والارامل والاطفال. وتذكرنا هذه الحادثة، بغزوة "يفرن"، التي هاجم فيها "شباب الغد"، سيدة ارملة مسنة وحيدة، بحجة ايصال رسالة ما.

وفي السادس من ابريل من عام 1985م، وبعد انتهاء جبريل الدينالي، من اداء صلاة العصر، كما ذكرنا سابقا، اطلق عليه عضو اللجان الثورية، الارهابي خليفة ميلاد، الرصاص من الخلف، فسقط مضرجا بدمائه، التي وهبها للوطن، كما اصيب في هذا الاعتداء، اثنين من المارة الالمان.

كان القاتل، خليفة ميلاد، قد دخل الى المانيا، بجواز سفر مزور، باسم "فتحي الترهوني". وادعى القاتل ان دوافع الجريمة لا تمت الى السياسة بصلة، بل تعود الى ثارات قديمة. لكن قاضي المحكمة، اكد، بناء على نتائج التحقيقات، ان دوافع الجريمة كانت سياسية بحتة، كما اكد التحقيق ان الجريمة، تعتبر جريمة قتل مع سبق الاصرار والترصد، وان معمر (رأس النظام الليبي) يقف وراء مثل هذه الجرائم، مباشرة او غير مباشرة، وان المسؤلين في المكتب الشعبي، والمكتب الصحي، المهدي امبيرش ومصطفى الزائدي، متورطون شخصيا في هذه الجريمة، تهديدا وتخطيطا واعدادا وتنفيذا، وذلك اثناء تنقلات الاخير بين المانيا والنمسا وليبيا.

اثارت هذه الجريمة الرأي العام الالماني، واحدثت ضجة اعلامية كبيرة، فخرج المئات من الالمان في مسيرة توجهت الى سفارة ليبيا في بون، احتجاجا واستياء واستنكارا. واستدعت المانيا سفيرها في ليبيا، ونقلت الصحف والاذاعات تفاصيل الجريمة وحيثياتها. واحتجت الاحزاب والصحافة الالمانية، واقام حزب الخضر، الذي وطد معه الشهيد علاقات طيبة، نصبا تذكاريا للشهيد في مكان استشهاده.

كما تناولت المعارضة الليبية، تفاصيل الجريمة ايضا، ونشرت عنها عشرات المقالات والتعليقات والبيانات، كما عبرت القوى المعارضة، عن غضبها عبر المطبوعات والوسائل الاعلامية المتاحة في ذلك الوقت. واطلق الاتحاد العام لطلبة ليبيا، اسم الشهيد، على مؤتمر الاتحاد السنوي الخامس، الذي عقد في الفترة من 16 الى 18 اغسطس 1985م، بعنوان "مؤتمر الشهيد جبريل الدينالي.. التحدي والاستجابة".

وبعد سبعة اشهر، وبالتحديد في الحادي عشر من نوفمبر من عام 1985م، اصدرت محكمة الجنايات في بون، حكمها على القاتل بالسجن المؤبد. وفي الاول من نوفمبر من عام 1991م، اي بعد ستة سنوات من جريمة القتل، القت المانيا القبض على ليبي اخر، بتهمة توفير السلاح الذي نفذت به الجريمة. مما يؤكد صحة التحقيقات وتورط النظام الليبي في هذه الجريمة.

اما الشهيد.. فقد نال ما اراد.. فجبريل كان يردد.. كلما حذره الاصدقاء.. قولته المشهورة "لا تهمني حياتي.. فقد وهبتها لله".

رحم الله الشهيد رحمة واسعة، واسكنه فسيح جناته، وجزاه الله خيرا على ما قدمه للوطن، ونسأله سبحانه وتعالى ان يتغمده برحمته، وان يلهم اهله ووالدته الكريمة، ان كانت على قيد الحياة، الصبر والسلوان.

ونقول لام الشهيد.. ان ابن الوطن.. جبريل.. قد اختار ان يقف في صف الضحايا.. والمظلومين.. والضعفاء.. فوهب حياته لله.. والوطن.. فهنيئا لجبريل.. ووالدته.. والوطن.. وسيأتي.. باذن الله.. يوما.. تقتص فيه ليبيا.. والليبيون.. من هؤلاء الجبناء.. وما ذلك على الله ببعيد.

قصيدة : بشاير خلاصك يا بلادي هلت

يقول الشهيد جبريل الدينالي  في رائعته "بشاير خلاصك يا بلادي هلت":

 

بشاير خلاصك يا بلادي هلت     وغمة الظلم ان شاء الله اجلت

 

يا بلادي لاحت                      وغمة الظلم ان شاء الله ازاحت

                                       قرر شبابك والقلوب ارتاحت

                                       عزم الجهاد وع الصلاح اندلت

 

يا بلادي ضده                       ثوري بلا تظنين حكم الردة

                                       يسدك صغا شعبك خلاص تكدى

                                       وكانت عصارى ما لغازي دلت

 

يا بلدي سدك                         الخائن طغا ما به كتابه ودك

                                       لمي ارجالك وأسحقي من هدك

                                       را مي كبيرة غير قولة ولت    

 

يا بلادي خانك                      طاغي حكم وبظلمه بسط عدوانك

                                        لكن ضنا لنقاذ علوا شأنك

                                       نهار الملاقى كي طرابا طلت

 

يا بلادي سيري                     دربه ضنا لجواد ليش تحيري

                                       دورة احواس ان شاء الله اتديري

                                       وتشيلي غمامة على القلوب تولت

 

يا بلادي لاحت                      عمت ارجاك وفي ربوعك فاحت

                                       وراية الظلم ان راد ربي طاحت

                                       وراية العدل ان شاء الله تعلت

 

بشاير خلاصك يا بلادي هلت    وغمت الظلم ان شاء الله اجلت.


د. فتحي الفاضلي
ffadhli@yahoo.com
www.fathifadhli.com

________________________________________________

المصادر:
1. حكم المؤبد على قاتل الدينالي/الشروق الاسلامي/ربيع الاول 1406هـ/ديسمبر1985م/ العدد8/المجلد الاول/ ص12.
2. شهداء في طريق الجهاد/ الانقاذ/ العدد 35/ ذو القعدة 1411هـ- يونية 1991م/ص 30-31.
3. المانيا الغربية.. عمليات تعذيب/ الانقاذ/ العدد 44/ ذو الحجة 1414 هـ/ مايو 1994م/ ص 71-72.
4. حديث عن المناضل الراحل جبريل الدينالي/ محمد بن حميدة/ امسية الشهداء والراحلين في المهجر/غرفة ليبيا المستقبل/ الاربعاء 30 يناير 2008م.
5. مصطفى الزائدي.. وجريمته في المانيا/ محمد بن حميدة/ ليبيا المستقبل.
6. اخبار ليبيا/ نشرة دورية اعلامية تعني بشؤن ليبيا.
7. شهداء على طريق الانقاذ / الانقاذ / العدد 41/ السنة العاشرة/ يونية 1992م / ذو الحجة 1412 هـ/ ص76.
8. الحكم على قاتل الشهيد الدينالي/ الانقاذ/ العدد 16-17/ رجب 1406- مارس 1986م/ ص 79.
9. خطوط جديدة في عملية اغتيال جبريل الدينالي/ الانقاذ العدد 40/ رمضان 1412 هـ/ مارس 1992م / ص77.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home