Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli

الأحد 7 ديسمبر 2008

مذبحتا "تدمر" و"ابوسليم" .. خيانة عُظمى.. للوطن والانسان والقيم

د. فتحي الفاضلي

ان الذين يدعون محاربة الإرهاب.. حاربوا كل شيء.. إلا الإرهاب.

جميع الدلائل تشير الى ان مذبحتي "تدمر" و"ابو سليم"، جرائم مقصودة، مع سبق الاصرار والترصد، وانهما نتاج لعقلية دموية إرهابية مريضة واحدة. وان النظامين، الليبي والسوري، كانا ينتظران حجة ما، لتنفيذ المجزرتين. وان التشابه الرهيب، بين القضيتين، في جميع جوانبهما، يدل على ان هاتين المجزرتين، قد تم تنفيذهما عبر برنامج معد، وخطوات مدروسة واحدة.

فقد صدر الحكم بالاعدام، على سجناء معتقل "ابو سليم"، قبل المجزرة بسنوات، اي منذ ان طلب معمر، من المؤتمرات الشعبية، اصدار قانون "الزندقة"، على اعتبار ان الحركات الاسلامية، ضرب من الزندقة، فهي، بالتالي، تهدد الاسلام والامة العربية معا. بل اضاف قائلا في نفس الخطاب: "ان من يعتنقها، يجب أن يُستباح دمَه". ليس ذلك فحسب، بل واضاف: ان على الليبيين، ان ينسوا ابناءهم داخل معتقلات النظام، لانهم كمن اصيب بمرض الايدز، او السرطان، فيجب، بالتالي، سحقهم.

ان هذا التصريح في حد ذاته، يعتبر حكما مسبقا بالاعدام، ونية مبيتة لقتل المعتقلين عمدا، واشارة من معمر، الى الاجهزة الامنية والجهات المعنية بالتنفيذ، في الوقت المناسب.

كما صدر حكم الاعدام في سوريا، على سجناء معتقل "تدمر"، منذ صدور قانون "التطهير الوطني"، والذي يدل هو الاخر، على نية القتل العمد، وينص على ملاحقة وتطهير "كل منحرف عن المسار، ممن يعتنق مباديء هدامة تمس الفكر القومي". وكان قد اُعلن عن قانون "التطهير الوطني"، عبر خطاب القاه "رفعت الاسد" (قائد سرايا الدفاع الوطني السوري)، والتي تعرف بـ "سرايا الدفاع عن الثورة والوطن"، والتي نفذت مجزرة "تدمر"، كما سيأتي لاحقا. وقد اقترح رفعت الاسد، حسب مشروع التطهير، انشاء معسكرات تدريبية، بغرض تخضير الصحراء، ويدعي الى هذه المعسكرات، كل من تحكم عليه "المحاكم الشعبية"، ليتم تطهيره. والمحاكم الشعبية، هي المحاكم التي تمتلك سلطة القانون (اي قانون التطهير الوطني). وبدلا من "الزندقة"، استخدم النظام السوري، في ذلك الوقت، مصطلح "الهرطقة"، كصفة تطلق على الحركات الاسلامية، والفكر الاسلامي، بصفة عامة.

اما الاسباب المعلنة والمباشرة، للمذبحتين،، فيفترض ان السجناء في المعتقلين، او اتباعهم، قد قاموا بممارسات، ادت الى استباحة دمائهم، وتصفيتهم تصفية جسدية. فالسبب المعلن لمذبحة "تدمر" هو محاولة "الاخوان المسلمين" اغتيال "حافظ الاسد". بينما السبب المعلن لمجزرة "ابوسليم"، هوتمرد مجموعة من نزلاء المعتقل، بسبب الظروف المعيشية العامة داخل السجن.

وحتى لو صح، ان الاخوان المسلمين، حاولوا اغتيال "حافظ الاسد"، فما ذنب الالاف الذين قُتلوا غدرا وصبرا، بسبب هذه المحاولة، وهم مصفدين في الاغلال، على بعد 250 كيلومترا من العاصمة "دمشق"، داخل المعتقل، محاطين بالحرس المدجج بالسلاح. ليس ذلك فحسب، بل لم يسمع، اغلب الذين قتلوا، بالمحاولة المزعومة اصلا.

وحتى لو صح، ان مجموعة من سجناء ابوسليم، تمردوا، احتجاجا على سوء المعاملة، والتي كانت فعلا، معاملة لا ترضاها حتى الخنازير. من التعذيب اليومي، الى الاهمال الصحي المتعمد، الى الامور المعيشية، الى فقدان ابسط الحقوق التي يتمتع بها حتى الحيوانات. اذا صح انهم تمردوا، بسبب تلك المعاملة، فما ذنب الالاف، الذين قُتلوا في معتقل "ابوسليم"، غدرا وصبرا، بسبب هذا التمرد، وهم لم يشاركوا فيه، وربما لم يوافقوا عليه اصلا. ليس ذلك فحسب، بل حتى المجموعة التي تمردت، تراجعت عن تمردها، وقبلت بالمفاوضات السلمية. فلماذا القتل اذا.

كما جرى تنفيذ المجزرتين، في نفس الشهر من السنة، بل وفي نفس الايام من ذلك الشهر تقريبا، فقد جرت مذبحة تدمر، في 27 يونيو 1980م، وجرت مذبحة ابوسليم في 28 و 29 يونيو 1996م، ولا اظن ان هذا التوقيت اعتباطيا، وربما له علاقة بفترة الصيف، وخلو المدارس والمعاهد والجامعات من الطلبة، مما يقلل نسبيا من ردود الفعل تجاه هذه المجازر، في حالة تسرب اخبارهما.

ومن المعلوم ان شهر يونيو (حزيران)، هو ذكرى انتصار اسرائيل في حرب الايام الستة، (حرب 5 يونيو 1967م) واحتلال الجولان، والتهديد باحتلال دمشق، فالمواطن العربي، يتوقع في مثل هذا الشهر من كل عام، ان يقوم النظام السوري القومي، يعاونهم معمر(امين القومية العربية)، بتحرير القدس والجولان، ولكن، بدلا من ذلك، يصر النظامان، في هذه الذكرى "المأساة"، على سحق الانسان العربي المسلم المدني الاعزل، غدرا وخيانة ونذالة.

ليس فقط التوقيت، بل حتى وسيلة تنفيذ المجزرتين، تشير الى مدرسة ارهابية واحدة، فقد اُمر المعتقلون، بالتجمع في الساحات، وامام العنابر، وبين القواطع، ثم فتحت عليهم النار، وقتلوا بدم بارد، غدرا.

فقد تلقت "سرايا الدفاع" السورية، امراً بتصفية سجناء "تدمر"، تصفية جسدية. فتوجهت، اثر هذا الامر، قوة من السرايا المذكورة، وطوقت السجن، واستلم قادة الحملة التاريخية، مفاتيح المعتقل، وزودوا بمرشدين، يعرفون مداخل، ومخارج، وغرف، وردهات السجن، بدقة متناهية. ثم اُمر المعتقلون، بالوقوف امام عنابرهم، مغمضي العيون، وهم ينظرون الى السماء. وعندما نفذ المعتقلون هذه الاوامر، فتحت عليهم سرايا الدفاع النار، مستخدمين الرشاشات، والقنابل اليدوية، وقاذفات اللهب. ثم انطلقت، نفس القوة، الى عنابر اخرى، وقتلت بقية المعتقلين داخلها.

وفي معتقل "ابوسليم"، طلب حراس السجن، من السجناء، الخروج إلى الساحات الني تفصل بين قواطع السجن، ففتحت عليهم القوات النار، مستخدمة بنادق الكلانشكوف، ورشاشات الاغراض العامة، وقتلتهم جميعا.

ليس ذلك فحسب، بل اخذ القتلة، عقب المذبحتين، يركلون جثث الضحايا، للتأكد من موتهم، فاذا شعروا، ان الحياة مازالت تدب في احدهم، اطلقوا عليه النار فورا.

واختلفت الروايات عن عدد الضحايا، فاشارت منظمة مراقبة حقوق الانسان، الى سقوط 1181 ضحية في تدمر، بينما يقدر عدد ضحايا ابوسليم بـ 1200 شهيد. وتؤكد مصادر اخرى، عديدة، ان عدد ضحايا المذبحتين، يفوق ذلك بكثير جدا.

وعقب الانتهاء من المجازر "الثورية"، في البلدين الثوريين، دُفن ضحايا ابوسليم في مقابر جماعية، داخل السجن، اولاً، ثم اخرجوا بقايا الجثث لاحقا، ودفنوها في مكان مجهول. واقيمت قاعدة خرسانية، على جزء من الجثث التي تعسر نقلها خارج السجن. كما تم دفن ضحايا تدمر، في مقابر جماعية، في منطقة قريبة من "تدمر"، ثم نقل رفاة الشهداء الى منطقة اخرى، بعد تسرب المعلومات عن مكان الدفن.

وحتى التخطيط والاشراف، على العمليتين، تولاهما، نخبة من اعمدة النظامين. فقد اشرف "رفعت الاسد" (اخو رئيس الدولة)، على مذبحة تدمر، تعاونه طائفة من اعمدة النظام السوري، في ذلك الوقت. بينما اشرف العقيد "عبد الله السنوسي"، عديل معمر (رأس النظام الليبي)، على مذبحة ابوسليم، تعاونه طائفة من اعمدة النظام الليبي، من بينهم، كما جاء في اغلب المصادر: خيري خالد، التهامي خالد، فرج أبوغالية، عبدالله منصور، موسى كوسة، وناصر المبروك (وزير العدل! سابقاً). بالاضافة الى مجموعة من الحراس، والمشرفين على شؤون السجن اثناء المذبحة، منهم خليفة المقطوف، وثابت الاصيبعي، ومصطفى الحيران، والمرغني الحيران، وفرج العجيلي، وفرج الزائدي، ومحمد الريح، وعطية النائلي، وعبدالقادر التاورغي، ورئيس عرفاء عامر، ورئيس عرفاء ابوعجيلة، والجندي القرضاوي.

كما يتبع كل من معتقل "ابو سليم" ومعتقل "تدمر"، ادارة عسكرية امنية مشتركة (الى حد ما)، وذلك لمنع الجهات القضائية المدنية، من التدخل في ادارة السجن، او في قضايا المعتقلين، او في اسباب اعتقالهم، او موتهم تحت التعذيب، او بسبب ظروفهم المعيشية العامة، او المطالبة بحقوقهم في المحاكمة والدفاع.

فسجن ابوسليم، يتبع اداريا، جهاز الأمن الداخلي، بل ويقع داخل معسكر للشرطة العسكرية. كما يتبع، سجن تدمر، في بعض جوانبه، ادارة الشرطة العسكرية، ويتبع المخابرات العسكرية، فيما يخص السجناء السياسيين. وتقوم قوة من الوحدات الخاصة، بحراسة السجن. كما ان تواجد المعتقلين، في نطاق المعسكرات، يشير الى نية مبيتة، من النظامين، الى تواجد قوات مسلحة، قريبة وجاهزة للتدخل، والقمع، وتنفيذ ما تيسر من المخططات الثورية الوطنية، عندما تحين ساعة الصفر.

كما كانت الاغلبية العظمى، من ضحايا المذبحتين، من المدنيين، الملتزمين اسلاميا، ومن جميع شرائح المجتمع. فمنهم الطالب، والمهندس، والطبيب، والمحامي، والعامل، والفلاح، والقاضي، والكاتب، والمثقف، والمدرس، والعالم، والشيخ، والمفتي، والكهل، والمراءة، والرجل، والشاب، والموظف، والاعزب، ورب العائلة، وغيرهم من شرائح وفئات المجتمع.

وحاول النظامان، اخفاء هذه الجرائم، والتكتم عليهما، بما في ذلك، بالطبع، عدد الضحايا، واسمائهم، واسباب المجزرة. ولكن أخبار المذبحتين تسربت، عن طرق اخرى غير رسمية. فقد تم الكشف عن تفاصيل مذبحة تدمر، عندما اعتقل النظام الاردني، اعضاء من سرايا الدفاع، شاركوا في المذبحة، وقد قبض عليهم الامن الاردني، عندما توجهوا الى الاردن، لاغتيال "مضر بدران"، رئيس وزراء الاردن في ذلك الوقت.

ولم ينجح النظامين، في اخفاء اثار جرائمهم، داخل المعتقلات بالكامل، بالرغم من محاولات التنظيف. فقد اخبر شهود عيان، في تدمر وابوسليم، عن وجود بقايا من جثث الموتى، وبعض الدماء، على الارض، والجدران، وفي الردهات، والعنابر، بالاضافة الى اثار طلقات الرصاص على جدران السجون.

كما جرت، قبل المذبحتين، ترتيبات وتحركات وتنقلات عديدة، تنبيء بالاعداد، لامر ما. فقد تم في تدمر، الفصل بين المعتقلين الاسلاميين وغيرهم، من ذوي الاتجاهات الاخرى، قبل المذبحة باسبوعين، كما صدرت الاوامر، بنقل المعتقلين الاسلاميين، من فروع التحقيق المختلفة، الى سجن تدمر. وحدث نفس الشيء في ابوسليم، فقد جرت قبل المجزرة بقليل، عمليات نقل للسجناء، من والى المعتقل، بصورة مريبة، تدل على ان النظام، قد جمع في سجن ابوسليم المركزي (الذي تمت فيه المذبحة) كل من اراد التخلص منهم.

وحتى مطالب الناس، في البلدين، تشابهت بشكل محزن. فالناس في ليبيا وفي سوريا يطالبون تقريبا بنفس المطالب، مما يدل على بديهية هذه المطالب من جهة، ومما يدل على انها حقوق اساسية من جهة اخرى، يشترك فيها البشر جميعا. الناس في ليبيا وسوريا، مازالوا، حتى يومنا هذا، يطالبون بالكشف عن القصة الكاملة، لهذه المجازر، وعن ملابساتها، والاعلان عن عدد الضحايا، واماكن دفنهم، وتسليم جثثهم لعائلاتهم، ودفن الرفاة كما يليق بالمسلمين، من احترام وتقدير لحقوق الموتى، والشهداء، ومحاكمة المسئولين عن الجريمتين، ومن ضمنهم اللجان الثورية، ولجان القبض، والتحقيق، ومكتب اتصال اللجان الثورية، وطاقم وادارة السجن اثناء المذابح، والكشف عن اسماء الذين امروا بتنفيذ المجزرتين، ومارسوا التعذيب داخل السجن، والذين كتبوا التقارير ضد الضحايا، قبل اعتقالهم، وظروف الاعتقال، والتحقيق مع لجان التحقيق التابعة للنظامين، الذين قاموا بتزوير التحقيق.

كما ان هناك اصوات تنادي بالاستعانة بالمحاكم الدولية، ولجان حقوق الانسان، وهيئة الامم، ومحكمة العدل الدولية، ومطالبة هذه الهيئات، واللجان بالتدخل، للتحقيق كطرف محايد، بل وباتخاذ اجراءات قانونية دولية ضد النظامين.

ان هذا التشابه، في جميع جوانب القضيتين، يدل، مرة اخرى، على مخطط مسبق واحد معد ومدروس. ويدل هذا التشابه، مرة اخرى، على نية القتل العمد، مع سبق الاصرار والترصد.

وهكذا..

يخيم علينا الحزن، كلما تذكرنا، ان الذين قاموا بهاتين المجزرتين البشريتين، والذين عذبوا شبابنا، واذاقوهم الويلات، ثم قتلوهم غدرا وخيانة وصبرا، لا زالوا احرارا، لم يحاكموا ، ولم يقتص منهم، ولم يدفعوا ثمن جرائمهم، بل ما زالوا احرارا، يتمتعون بالشمس والهواء والحياة، ويتمتعون مع اطفالم واهلهم وذويهم، بالاعياد والمناسبات والافراح، وقد تلطخت ايديهم بدماء اولادنا، بينما قتل الحزن حتى الاحياء منا، حسرة على فلذات اكبادنا.

عزاؤنا.. انهم.. باذن الله شهداء.. وعزاؤنا اننا لن نتنازل.. ما حيينا.. عن قطرة دم واحدة.. فهؤلاء الضحايا.. ملك للوطن.. وملك للامة.. العربية.. والاسلامية.. وقتلهم.. بهذه الصورة.. وما تحمله.. من غدر وبشاعة ونذالة.. يعتبر.. بجميع المقاييس.. خيانة عُظمى للوطن والانسان والقيم. ولابد من ملاحقة الخونة.

د. فتحي الفاضلي
ffadhli@yahoo.com
www.fathifadhli.com

________________________

المراجع :
1. كتاب مذبحة سجن ابوسليم / التضامن لحقوق الانسان http://lhrs.ch/books/
2. موقع التضامن لحقوق الانسان http://lhrs.ch/
3. تدمر.. شاهد ومشهود (1980-1991م)/ محمد سليم حماد/ الزهراء للاعلام العربي.
4. تدمر.. المجزرة المستمرة/ دار النذير- 10/ الطبعة الثالثة/ مزيدة ومنقحة.
5. ملف مذبحة ابوسليم موقع ليبيا المستقبل على الرابط :
http://www.libya-al-mostakbal.com/Busleem/busleem_index.html


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home