Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli

الجمعة 7 نوفمبر 2008

الارهابيون.. واغتيال الحركة الطلابية في ليبيا

د. فتحي الفاضلي

فرق كبير بين ان يكذب اعوان النظام على الناس.. وبين ان يسخروا من الناس.

لقد كانت الحركة الطلابية، من اسرع الحركات والقطاعات والنقابات اندفاعاً في التعاون مع النظام العسكري الجديد. فبعد اسبوعين فقط من انقلاب سبتمبر، بدأت الحركة الطلابية في تجميع الناس بمختلف قطاعاتهم لمساندة "الثورة" التي جاءت لـ"تحمي" المضطهدين.

ونظمت الحركة الطلابية، لقاءات شعبية عديدة، كان اهمها التجمع الشعبي الكبير الذي القى فيه معمر، اول خطاب له في 16 سبتمبر1969م، امام ضريح شيخ الشهداء عمرالمختار، الذي دمره النظام الحالي في منتصف يوليو 2001م، بعد ثمانية وستين عاماً من اسشهاد شيخ الشهداء عمر المختار، وبعد اكثر من ثلاثين عاماً من انقلاب سبتمبر1969م.

اعتقدت الحركة الطلابية ان النظام العسكري، سوف يكون سنداً للحركة الطلابية في جهودها لتحقيق وتثبيت مطالبها المشروعة، بل اعتقدت الحركة الطلابية ان النظام سوف يدعم مسيرة الحركة الطلابية الليبية التاريخية بلا حدود.

لكن تاريخ وعطاء ونضال وجهاد وكفاح الحركة الطلابية لم يشفع لها..

فقد اندلع اول تصادم رئيسي ضد النظام الجديد، اثر خلاف حول توقيت "ندوة الفكر الثوري" التي دعا اليها النظام، في مايو1970م، واستضاف لها مجموعة من المثقفين والمفكرين والكتاب والحزبيين ومنتسبي الحركة الوطنية عامة. فقد اتفق توقيت الندوة مع توقيت الامتحانات النهائية، مما ادى الى حرمان قطاع عريض من الطلبة، من المساهمة في الندوة التي كانت تمثل اهمية خاصة في تحديد وترسيخ اتجاهات فكرية عامة في ليبيا، خاصة وان كثيرا من الطلبة كانوا يرغبون في المشاركة والمساهمة في الندوة.

لم تكن مصادمة الانقلاب، واردة عند الحركة الطلابية، وقت انعقاد الندوة، لكن سرعان ما انتقل الجدل والخلاف، من جدل وخلاف حول "توقيت الندوة"، الى جدل وخلاف حول "طبيعة وانتماء ونوعية الافراد الذين كُلفوا بتنظيم الندوة".

خلقت الندوة وملابساتها، شكوكاً، حول مصداقية واهداف النظام الجديد، فيما يخص مستقبل القوى السياسية الوطنية، بما فيها الحركة الطلابية، واعتبر اقصاء و استثناء، قطاع عريض من القوى الطلابية، من الاشتراك في الندوة، واختيار عناصر معينة لتنظيم الندوة الفكرية، نذير سوء، يدل على ان للنظام اهداف غير معلنة، ادرك النظام ان الحركة الطلابية لن تستسيغها اذا تم الاعلان عنها، لانها لا تبشر بخير، لا بالنسبة للحركة الطلابية، ولا بالنسبة للقوى الوطنية الليبية بصفة عامة.

واقيمت الندوة على اية حال، في مايو1970م، وكما ارادها النظام، توقيتاً وتنظيما، بالرغم من احتجاج مئات الطلبة، بمختلف الطرق والوسائل، بما في ذلك اعداد مذكرة وقعها مئات الطلبة، تضمنت احتجاجاً، على امور تخص الندوة توقيتاً ومحتوى وتنظيماً.

كان النظام يرغب في الغاء اتحاد الطلبة نهائياً، على اساس ان "اتحاد الطلبة لا ضرورة له بعد "الثورة"، ثم تراجع النظام قليلاً، فاصبح لا يمانع في تأسيس اتحاد تابع له، اهدافاً وادارة ووسائل وارادة، ويكون قادته موظفين، يعينون لتنفيذ اوامر وسياسات محددة، اي يكون اتحاداً حكومياً بحتاً، لا اتحاداً حراً، يمثل اهداف وطموح ومنطلقات القطاع الطلابي. ولكن الحركة الطلابية استطاعت، بالرغم من رغبات النظام ونواياه، ان تهزم اعوان النظام انتخابياً، وان تاتي بعناصر طلابية واعية تقود الاتحاد. وهكذا تأسس الاتحاد كما اراده الطلبة، لا كما اراده النظام، وسمي هذا الاتحاد بـ"الاتحاد الشرعي"، الذي يقابل او يضاد "الاتحاد الحكومي".

وبعد اعلان "ثورة التجهيل" (الثورة الثقافية)، في ابريل1973م، القي القبض على العناصر الطلابية الواعية، من قادة وقواعد اتحاد الطلبة الشرعي، ودفع النظام بمجموعة من مؤيديه، الى انشاء اتحاد حكومي صوري يتبع الدولة قلباً وقالباً.

وتفاعل طلبة الخارج مع هذه الاحداث، فارسلوا بمذكرة تطالب النظام بالتراجع عن مواقفه تجاه الاتحاد الشرعي. بل وسع القطاع الطلابي من مطالبه، فطالب النظام بالديمقراطية واطلاق الحريات السياسية العامة، والغاء الاحكام العرفية واعلان دستور دائم للبلاد.

ومع اواخر1974م، اعلن النظام عن برنامج التدريب العسكري العام، الذي يتلقى الطلبة على اساسه تدريبات عسكرية حتى اثناء الدراسة، وتدريبات اخرى اثناء فترة الصيف، وتعارض هذا البرنامج، مع متطلبات الدراسة، بما في ذلك مواقيت الامتحانات. ليس ذلك فحسب، بل فضلاً عن تعارض هذه البرامج العسكرية مع الدراسة بصفة عامة، فان الاعلان عنها كان يتم بصورة مفاجئة، ودون مقدمات، بل ودون وقت كاف للاستعداد لها، ناهيك عن قطع البرامج الدراسية والنشاطات التعليمية، في كل مرة يعلن عن فترة التدريب، وناهيك عن الفترة الزمنية التي يحتاجها الطلبة ليتأقلموا، مرة اخرى، مع الاجواء الدراسية، بعد انتهاء الدورات التدريبية التي تقام اثناء الدراسة. اضف الى كل ذلك المعاملة النفسية والجسدية القاسية التي تعرض لها الطلبة داخل معسكرات الجيش، وصلت الى موت بعض الطلبة، كما حدث في بعض المعسكرات، كمعسكر التكبالي على سبيل المثال.

والقت تصرفات النظام تجاه الحركة الطلابية، ظلالاً كثيفة من الشك، حول نية النظام الحقيقية من وراء برنامج التدريب العسكري العام، واتجهت الظنون الى ان النظام كان ينوي تدمير البنية التعليمية في ليبيا.

فالتدريب العسكري بهذا الشكل، توقيتاً وتنظيماً، والتدريب العسكري بهذا الشكل، قسوة وعنفاً، يهدف، وبدون شك، الى ارهاب القطاع الطلابي واضطهاده واهانته، كما يهدف الى زرع العدواة بين القطاع العسكري والقطاع الطلابي، وذلك بعد السماح للقوات المسلحة بالدخول الى المدارس والحرم الجامعي والتدخل في اداراتها.

تزامنت هذه الاجواء مع استمرار جدية النظام في انشاء اتحاد حكومي، واصراره على الغاء الاتحاد الشرعي، فانطلقت بسبب هذه الاحداث، مظاهرات احتجاج في اغلب مدن ليبيا تطالب بشرعية الاتحاد، واستقلالية الجامعة، وتعديل مواعيد التدريب العسكري العام، وزادوا فوق ذلك، المطالبة بالحريات العامة، بما في ذلك حرية التعبير، واطلاق سراح المعتقلين السياسيين في ليبيا.

صعد النظام، اثر ذلك، من موقفه وشكل محكمة عسكرية لمحاكمة الطلبة الرافضين لبرامج التدريب العسكري العام. وانطلق الطلاب فى نفس الفترة، فشكلوا فى جامعتي طرابلس وبنغازي، روابطهم الاتحادية المحلية فى الكليات، وشكلوا هيئة تأسيسية للاتحاد فى جامعتي طرابلس وبنغازي، ثم نظموا، فوق ذلك، العديد من الاعتصامات والمظاهرات والاضرابات، خاصة فى الفترة من 1973م الى اواسط 1976م.

وبدأت رائحة الصدام الدموي تفوح بين النظام العسكري، والحركة الطلابية، وذلك بعد ان طالت وزادت سلسلة المطالب، مقابل سلسلة القهر والسجون والاعتقالات والمحاكمات، ضد منتسبي الحركة الطلابية، بصورة جماعية. وانتقل الصدام الى شوارع طرابلس وبنغازي، وتدخلت قوات الامن لقمع المظاهرات والاعتصامات، خاصة داخل الحرم الجامعي، وميدان الجزائر، ومنطقة الفرناج فى مدينة طرابلس، وحول ضريح عمر المختار، وميدان الشجرة، والحرم الجامعي فى مدينة بنغازي.

واطلق النظام الرصاص على الطلبة، ونزلت الدبابات في بنغازي الى الشوارع، وانتشرت الحرائق والفوضى والاضطرابات، فى شوارع المدن الرئيسية في ليبيا، بل وفي قاعات المحاضرات والفصول الدراسية وردهات الجامعات.

وختم النظام هذه المرحلة باعدام عمر دبوب ومحمد بن سعود علناً، في ميدان الاتحاد الاشتراكي (الكاتدرائية سابقاً) في مدينة بنغازي، وذلك في 7 ابريل 1977م.

اضيفت الحركة الطلابية، اثر تلك الاحداث، الى قائمة اعداء "الثورة"، فكان على الحركة الطلابية وعلى القطاع الطلابي، بل وعلى القطاع التعليمي بصفة عامة، ان يدفع ثمن الانضمام القسري الى تلك القائمة، فاصبحت قاعات المحاضرات والفصول الدراسية فى الجامعات والمعاهد والمدارس، ميادين يتنافس اعوان السلطة فيها على الهتاف للنظام وقادة النظام.

واخذت السلطة تحشد الطلبة من حين لاخر، ودون سابق انذار، في ساحات وميادين المدارس والجامعات والمعاهد، لا ليستمعوا الى محاضرات وندوات وحوارات علمية او ثقافية، ولا ليشاهدوا عروضاً وانشطة رياضية، ولكنهم كانوا يُحشدون ليشاهدوا جثث زملائهم، تتأرجح على اعواد المشانق. يشاهدون ذلك، وعقولهم حائرة لا تصدق ان ما لم يحدث فى عصر السحرة والمشعوذين والكهان، يحدث امام اعينهم وعلى ابواب القرن الواحد والعشرين وفى ساحات وميادين وردهات الجامعات الليبية، وعلى مرأى ومسمع العالم المتحضر، الذى اخرسه النفط الليبي عن النطق.

يحدث كل ذلك، بدلاً من ان تصبح الردهات والقاعات والميادين والساحات، مواقع تحيط بها اجواء التفوق والابداع والابتكار، ومواقع حية تعج بالمحاضرين والاساتذة والزوار، وتعج باللجان العلمية والثقافية والرياضية، وبدلاً من ان تصبح منبعاً ومصدراً للتطور والتطوير. بل اصبحت، بدلاً من كل ذلك، ساحات اعدام تفوح رائحة الدم منها، وساحات ارهاب يغلفها الرعب والعنف والخوف.

وكان تحول ساحات الجامعات الليبية وميادينها الى ساحات ارهاب واعدام، نقلة نوعية معاصرة فى مجال التربية والتعليم، ففي الوقت الذي كانت فيه اغلب دول العالم تتنافس على الاكتشافات العلمية على الارض، وفي اقاصي الفضاء، وتتباهي فيما بينها باكتشافاتها وابحاثها فى شتى مجالات العلم والحياة، من طب وهندسة وزراعة وتربية وتعليم وعلوم انسانية وطبيعية، فى الوقت الذى كانت فيه مختلف الامم تتنافس على ذلك وتتباهى بذلك، كانت جثث الطلبة فى ليبيا، تتأرجح على اعواد المشانق، التي نصبت قاب قوسين او ادنى، من مباني المكتبات ومعامل الكيمياء والهندسة والطبيعة.

فما احاسيس ومشاعر وردود افعال طلبة ليبيا، وهم يحشدون، ليشاهدوا في عهد الثورة العلمية، جثة زميل لهم، تُسحل فى ساحة الجامعة، بعد ان قُتل صاحبها شنقاً، بينما يتابع اقرانهم في العالم، صراع الامم حول اسبقية الوصول الى المريخ والمشتري، ويتابعون صراع الامم من اجل التفوق والابداع فى مجالات التقنية والادب والفنون.

لم تنته ماسأة القطاع الطلابي.. ولم تنته مأساة التعليم عند هذا الحد..

بل أنشيء، فى كل كلية ومدرسة ومعهد، وفي كل موقع من المواقع التعليمية، مكتب للتنسيق العسكري، واخر للمخابرات، وثالث للجان الثورية، ورابع للامن، وخامس لغير ذلك من مؤسسات امنية لا اول لها ولا اخر. وغصت المؤسسات التعليمية واروقتها وقاعاتها برجال الامن، والمخابرات، والشرطة، واللجان الثورية، والقوى الثورية، والحرس الثوري، وغيرها من التصنيفات والمسميات، من رجال الامن والمباحث والمخابرات، يتجسسون ويراقبون ويتابعون الطلبة داخل ساحات وقاعات العلم.

وخصصت غرف في كل مدرسة ومعهد وجامعة، لضرب الطلبة وتعذيبهم والتحقيق معهم، حتى فاق عدد الحجرات المخصصة لاجهزة السلطة واللجان الثورية وحجرات الامن ومكاتب المخابرات في الجامعات والمدارس، فاقت، في فترة من الفترات، معامل الكيمياء والطبيعة وقاعات العلوم، عدة وعدداً وعتاداً.

واستمرت برامج التجييش في الجامعات والمدارس والمعاهد، بحجة حماية الوطن، وزج بالطلبة في معسكرات ومعتقلات، واخضعوا لقوانين ومحاكم وسجون عسكرية، وفرض عليهم الحضور الى مدارسهم بالزي العسكري، واختلطت في اذهان الطلبة، متطلبات البرنامج العسكري الذي تسانده الدولة، ومتطلبات البرنامج التعليمي التربوي المدني، الذي تعمل الدولة، بقصد او بغير قصد، على تحطيمه وهدم بنيته التحتية والفوقية.

وصنفت السلطة الطلبة تصنيفات،لا اول لها ولا اخر، فوصفت بعضهم بالرجعي والمتعفن والبرجوازي والعميل والخبيث، ووصفت اخرين بالثوري والمناضل والكادح والطيب، واشعلت نار الفتنة بين الطلبة المنتمين الى مؤسسات علمية مختلفة، وبين طلبة من نفس المؤسسة التعليمية، ودخل الطلبة في صراع، غذته السلطة ليل نهار، وطرد في خضم هذه الوقائع، الطالب والمدرس والموظف، ممن صنفتهم السلطة بما اشتهت من التصنيفات.

وتغيرت المناهج مرات ومرات، بحجة انها مناهج موروثة تقليدية، وتدخل الطلبة من اعوان السلطة في مناقشتها وتغييرها وتحويرها وتطويرها، حسب امزجتهم، ففرض تدريس الكتاب الاخضر ومادة التربية العسكرية على كافة المدارس والكليات والمعاهد، والغيت العديد من المواد، وقلص غيرها، واختصرت ثالثة، واضيفت مواد اخرى لا فائدة ترجى منها سوى خدمة النظام وخدمة سياساته، وكان كل ذلك يتم بصورة دورية فجائية عشوائية ارتجالية، فتغيرت المناهج المرة تلو المرة، وتبدلت مرات، واضيف اليها، وحذف منها، دون ترو او دراسة ودون سبب او تمييز.

وتعرضت مدة الدراسة، بل وساعات الدراسة، ودوامها اليومي، الى حوار وجدل حادين، فظهرت، دعوات لتقليص الفترة الدراسية، واختصارها الى نصف سنة، او اقل من ذلك، او اكثر من ذلك، على ان تستعمل نصف الفترة الباقية، او جزء منها، في التدريب العسكري، او في حمل السلاح، او الحرب، او الزراعة، او العمل، او في غيرها من النشاطات غير العلمية.

وكانت الجامعة واغلب المعاهد والكثير من المدارس الثانوية مزدحمة، قبل تدخل النظام الفاشي، بمختلف التيارات الفكرية، من اقصى اليمين الى اقصى اليسار، تتفاعل مع بعضها البعض، في حركة ثقافية رائدة متقدمة، في جميع المجالات.

فطالت يد السلطة كل ما يمت للثقافة بصلة، فمنعت الكتاب والمجلة والشريط والمسرحية والامسية الثقافية، بل ومزقت حتى المجلات الحائطية، التي يقوم الطلبة باعدادها من حين لاخر، فتحولت الحياة الثقافية في الجامعات والمعاهد والمدارس، الى مسخ مشوه، وهيمنت على الحياة الجامعية، اجواء لا يسمح فيها حتى بادعاء حق التفكير، واصبح المدرس والطالب الذي لا يخدم "الثورة" ثقافياً، اصبح، عدوا "للثورة" يستحق السحق والسحل والمحق.

وهيمنت روح السلطة على اجواء المؤسسات العلمية، واصبح الطالب يفكر في "الثورة" و"اللجان الثورية" و"الجيش" و"العسكر" و"المعسكرات" و"التدريب" و"الامن"، قبل ان يفكر في المنهج والكتاب والامتحان والادارة والعميد والدكتور والمدرس والبحوث والمستقبل والدراسات.

واضيف الى القاموس العلمي في بلادنا شعارات تربوية معاصرة كـ"غربلة الطلبة" و"تنقية الطلبة" و"تصفية الطلبة" و"طرد الطلبة" و"حرمان الطلبة" و"تثوير الجامعة" و"تثوير الطالب" و"تثوير المدرس" و"تثوير الكتاب" و"الكتاب في يد والسلاح في يد اخرى" و"الطالب الجندي" و"الطالب المسلح"، وغيرها من مصطلحات اليسار التي تذكرنا بالصين وماوتسي تونج وستالين وكوبا والخمير الحمر وغيرهم.

واضيف الى ذلك مقولات تربوية علمية معاصرة كـ"قيادة الجامعة نحو التسلح"، وتحويل الجامعة والمدارس والمعاهد الى "قلاع ثورية" و"القوى الثورية بجامعة كذا" و"جامعة الثورة" و"عسكرة المدارس" و"قلعة الثورة" و"مدرسة الثورة" و"الكتاب الثوري" و"المدرس الثوري" و"المبنى الثوري" و"اللجنة الثورية بكلية العلوم" و"اللجنة الثورية بكلية الزراعة" وغير ذلك من اسماء ومسميات.

وفقدت الجامعات والمدارس والمعاهد الاستقرار، الذي يعتبر اساس تطوير وتنمية مختلف المؤسسات العلمية، بل اساس تطوير وتنمية الدولة بكاملها، مما يعني دمار المؤسسات التعليمية، بل دمار مستقبل الدولة برمتها.

ثم اتهم الطالب الذي ربما عجز في فترة من فترات دراسته، لسبب او لاخر، عن مواصلة دراسته او عجز عن اجتياز مرحلة ما، اتهم، بانه محتكر للمقعد الدراسي، في الوقت الذي قد يستمر اعوان السلطة، في نفس المرحلة الدراسية وفي نفس المقعد دهوراً لا شهورا.

والغيت في بعض السنوات الامتحانات، واقر النظام، في فترة من فترات التعليم، نظام الترحيل، اي اجتياز مراحل دراسية بدون امتحانات، مما اضر بسمعة الجامعة الليبية، في سجل الجامعات العالمية، التي فقدت (في فترة من الفترات) الثقة في نظام التعليم في ليبيا، وسحبت اعترافها بقيمة الشهادات الليبية، مما اضاف الى متاعب الطالب الليبي متاعب اخرى.

وتدخل النظام في احيان كثيرة، وفوق ما سبق، في نجاح ورسوب الطلبة، بسبب او بدون سبب، واصبح الولاء للنظام، رخصة لاجتياز اهم المراحل الدراسية واصعبها.

ووزعت الكليات على مناطق مختلفة، خوفاً من ان يلتقي الطلبة من جميع انحاء البلاد في نفس الجامعة، او نفس المعهد وباعداد هائلة، فيتم التعارف بينهم، مما قد لا يحمد عقباه بالنسبة للنظام، وليسهل ايضاً حصر وحصار الكليات والتحكم فيها. واقفلت، فوق ذلك، كليات عديدة، ووضعت قيود مادية لمن اراد ان ينتقل من كلية الى اخرى. واعلن في احيان كثيرة، وخاصة في فترة الاضطرابات، حظر التجول من مبنى الى اخر وفي نفس الجامعة احياناً.

وهدد الطلبة بعدم تعيينهم بعد تخرجهم من الدراسة، اذا لم يستقيموا على الطريقة، بل ونسب من نجح منه في الثانويات الى كليات ومعاهد لا رغبة لهم فيها، ولا مقدرة لهم على العطاء فيها. ومنع الكثير من الطلبة من السفر، وقطعت عن غيرهم المنح الدراسية، ومنع اخرون من العمل، بعد تخرجهم، بل وطرد كثيرون من اعمالهم بحجة التفكير بغير ما تفكر فيه الثورة. وحتى الذين طردوا من وظائفهم او اطلق سراحهم من السجون، طلبة كانوا او اساتذة او اداريين، هُددوا، بعد اطلاق سراحهم، بان "الثورة" ستكون وراءهم اينما كانوا.

ورفض النظام، كما اشرت، ان يكون للطلبة حق تأسيس اتحاد طلابي مستقل، فالاتحادات فى نظر الثورة "سجن معنوي يستعبد فيه المنتمون اليها"، والاتحادات فى نظر "الثورة" ايضا "سلطة مسلطة على رقاب الناس". واختار النظام بدلاً من ذلك ان يجعل من اتحاد الطلبة هيئة حكومية، بل عصاة فى ايدى الدولة، التى تعتقد ان بيدها الخير والشر. وصنف الطلبة الذين يطالبون باتحاد خاص بهم، ويطالبون باستقلالية، الجامعة عن السلطة، كرجعيين وبورجوازيين واستغلاليين وعملاء ومعوقين لمسيرة "الثورة" وخصوم لها لابد من تصفيتهم.!!!

وعين طلبة، من اعوان السلطة، رؤساء مكاتب تسجيل، ومسؤولين واداريين في مختلف الكليات، وحرض طلبة الجامعة والثانويات والمدارس بصفة عامة على الزحف على ادارات مدارسهم وتحويلها الى مؤسسات تدار بواسطة الطلبة.

ولم يملك اغلب الذين تم تعيينهم كوزراء للتربية، الكفاءات التي تؤهلهم لذلك، فلم يكمل اغلبهم دراستهم، ولم يتحصل اغلبهم على ما يؤهله لاقل من ذلك. فعين وزراء للتربية والتعليم، كان اتقان بعضهم لفن التعذيب، او ابداع الواحد منهم في ضرب الطلبة بحزام بنطلونه، هو المؤهل الوحيد الذي رشحه لان يكون وزيراً للتعليم . كما عين رجال مخابرات، وعسكريون، واعضاء لجان ثورية، مدراء لاغلب المدارس الثانوية.

وظهرت من جهة اخرى، دعوة لالغاء المدارس الثانوية، وتوجيه طلبة الاعدادي الى معاهد متوسطة اجبارياً، ودعوة اخرى الى الغاء التعليم الابتدائي، وتبني منزلية التعليم بدلاً من ذلك، وتركه لربات البيوت تحت شعار "ان التعليم المنزلي هو الحل الجذري والعالمي والتاريخي لمشاكل التعليم". وتوجت "الثورة" ثورتها العلمية، بايمانها "بهمجية النظام التعليمي المنظم"، الذي اصبح، بالنسبة للسلطة، "نظاماً مضراً بالفرد"، لابد من استبداله بالنظام المنزلي.

وسمي التصادم مع الطلبة صراعاً وتصفية وحسماً، وبعد ان انتهى الصراع والتصفية والحسم، تحولت المدارس الثانوية الى مصدر لضحايا الحرب التشادية، بعد ان نقل شباب الثانويات والمعاهد المتوسطة، بل اختطفوا، من مدارسهم وقاعات دروسهم ومقاعدهم، ونقلوا الى تشاد، حيث زج بهم في حرب الصحراء الخاسرة. فماتت البسمة على شفاه الالاف منهم، واحتلت الكآبة، وجوههم الشابة الطيبة، واندثرت طموحاتهم في خدمة بلادهم وتطويرها وبنائها وتعميرها، اندثر كل ذلك بعد ان احتضنت رمال الصحراء، جثثهم وحولت امال وطموح، من نجى منهم، الى سراب، كسراب الصحراء التي ابتلعت جثث رفقاء دربهم.

وهكذا.. امتدت يد العبث الى مصائر الطلبة والمدرسين والمناهج والكتب والمكتبات.

وزاد من مأساة التعليم في ليبيا، حالة اللااستقرار المصطنعة التى كان وما زال النظام يختلقها في قطاع التعليم بصورة دورية شبه دائمة، مما ادى الى زعزعة المؤسسات التعليمية وتوقف تطورها ونموها، ساعد على ذلك اجواء العنف التى افقدت الطلبة الاحساس بالامن والامان داخل مؤسساتهم التعليمية، بل وعلى مقاعدهم وداخل فصولهم ومدرجاتهم، فالاستقرار والاحساس بالامن والامان يعتبران شرطا اساسيا للعملية التربوية نفسها، وحداً ادنى للاستيعاب والتحصيل العلمي.

لقد انشئت فى ليبيا، ومنذ زمن بعيد، جامعات وكليات نظرية وعملية غطت جميع المجالات، كما انشئت معاهد للمعلمين، ومعاهد فنية، وعملية، نهارية وليلية، منذ زمن بعيد، بل اوفد الطلبة ومنذ قرون، الى جامعة الزيتونة في تونس والى الشام ومصر وتركيا والمغرب.

وامتدت يد العبث الى البنية التعليمية فى العهد الايطالى، الذى دمر النظام التعليمي بكل اشكاله، فقفل الزوايا والكتاتيب والمدارس والغى تعليم اللغة العربية والتربية الدينية وعبث بكل مقومات التعليم.

اما النظام التعليمي الحديث، اى نظام الكليات والمعاهد والمدارس الابتدائية والاعدادية والثانوية، فقد وجد بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تأسس التعليم الابتدائي فى ليبيا منذ اكثر من نصف قرن، اي منذ 1943م ( قبل اكثر من ربع قرن على انقلاب سبتمبر)، وانشئت رياض للاطفال منذ عام 1952م، وانشئت المدارس الاعدادية والثانوية منذ اكثر من نصف قرن، وبالتحديد منذ 1951م، وافتتحت الجامعات فى ليبيا منذ اكثر من 45 عاما (افتتحت اول كلية سنة 1965م). وكانت مؤسسات ناجحة، قامت بتخريج الالاف من ابناء ليبيا، فى مختلف المجالات حتى امتدت يد العبث اليها.

سيطرت اجواء التجهيل على مؤسساتنا التعليمية.. اذا.. اكثر مما سيطرت اجواء التعليم، واتسعت دائرة التجهيل بدلاً من ان تتسع دائرة التعليم. وازدادت الهوة بين الشعارات والواقع.

فمن استقلالية التعليم وتثويره، الى اقفال الجامعات والغاء الكليات، والغاء التعليم الابتدائى . ومن ثورة علمية ترفض الجهل وتقدس حق الفرد في التعليم، وترى ان المعرفة حق طبيعي لكل انسان، الى "ثورة" تطرد الطالب من مقعده الدراسي، ومن "ثورة" تؤمن بحرية التعليم، الى "ثورة" تخصص يوما لتصفية الطلبة جسديا، بدلا من ان تخصص اياما، يُحتفل فيها بالاكشافات والبحوث العلمية والتربوية، ومن "ثورة" تنظر الى العلم نظرة انسانية نابعة من الايمان بالحرية والعدالة، الى "ثورة" تلغي المؤسسات التعليمية، ومن "ثورة" وعدت بانفاق الملايين على التعليم، الى دولة جمع فيها اولياء امور الطلبة (في فترة من الفترات) ما تيسر لتوفير مستلزمات الدراسة لابنائهم، بل الى دولة تقسم الطلبة فى المنطقة الواحدة او الحي الواحد، الى مجموعتين يداوم نصفهم صباحا ويداوم النصف الثاني مساء، لنقص فى المباني او الكتب او غير ذلك من المستلزمات الاساسية، ثم ومن ثورة جاءت من اجل العلم، الى دولة فاقت ميزانية التعذيب فيها ميزانية التعليم نفسه، واخيرا من ثورة ترسخ حرية الطالب وتحميها وتدافع عنها، الى ثورة تعاقب الطلاب بالفلقة، فى مقر اتحادات الطلبة بل وفي قاعات الدروس.

ويبقى التساؤل، الذي يفرض نفسه منذ مجىء "الثورة البيضاء": لماذا، وفى مصلحة من، كان كل هذا؟ فاذا كانت الاجابة ان كل ما حدث كان في مصلحة "الثورة".! فلماذا تناقضت مصلحة "الثورة" مع مصلحة الناس في ليبيا، بل لماذا تناقضت مصلحة "الثورة" مع مصلحة الامة!!!. فما حدث للحركة الطلابية، وللقطاع الطلابي، وللبنية التعليمية فى ليبيا، لا يمكن ان يكون فى مصلحة احد الا اعدء هذه الامة.

د. فتحي الفاضلي
fathifadhli@yahoo.com
www.fathifadhli.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home