Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli

السبت 6 سبتمبر 2008

قبر الشيخ البشتي ليس مجهولا..

د. فتحي الفاضلي

الصدق والحقيقة وجهان لعملة واحدة.

اغتال النظام الارهابي في ليبيا، العديد من النخب والرموز الليبية، من اجل افراغ المجتمع من القوى السياسية، واخفى اماكن دفنهم، وحرم الشهداء، الذين اغتالهم في الخارج، من حق الدفن في ارض الوطن، وعلل ذلك باطروحات مستمدة من ثقافة الارهاب.

نذكر من ثقافة الارهاب هذه، المقال الذي نشرته صحيفة "الزحف الاخضر"، في ابريل 1980م، تحت عنوان: "لتنسف المقابر ثارا لكبرياء الارض"، جاء فيه: "ان مقابر العرب الليبيين، ترفض ان تستقبل جثث نتنة (يقصد جثث الشهداء الطاهرة، الذين اغتالهم نظامنا الارهابي، في الخارج)، ويضيف المقال: ان اللجان الثورية، تتحمل مسؤليتها كاملة، في نسف هذه القبور. كما وصف المقال جثث شهداءنا، ورموزنا، بـ" جثث الخونة"، كما جاء في المقال: "ان هذه الجثث، لابد ان تبعد عن الارض الليبية، وعن المياه الليبية." جاء ذلك في المقال، بالرغم من ان الضحايا، ليبيون، قبل ان يولد رأس النظام نفسه، فهم اكبر سنا من رأس النظام، وبالطبع اكثر وطنية، وحب لليبيا، واهل ليبيا منه.

وعندما سار الناس في جنائز الشهداء، من رموزنا، الذين قُتلوا، في الداخل، تحت التعذيب، او اعدموا، خرجت صحف الارهاب لتقول في مقال سخيف اخر تحت عنوان "لا.. لجنائز الجيف النتة": "ان خروج الناس، خلف تلك "الجيف"، يعتبر تآمرا على الثورة، وعلى سلطة الشعب، وان دفنهم، في الاراضي الليبية، يعتبر تدنيس لهذه الارض."

وهكذا، وصف المقال، جثث الضحايا، مرة اخرى بـ"الجيف"، دون مراعاة لحرمة الميت، حتى لو كان كافرا، فما بالك بشهداء الوطن، ورموزه. ودون احترام ايضا، لاهل الشهداء وذويهم، ولا مراعاة لمشاعر امهاتهم، وزوجاتهم، وابنائهم، وبناتهم، واقربائهم، واصدقائهم، بل دون مراعاة لمشاعر المسلمين جميعا. فالمسلم لا يرضى بذلك، لان للموتى ولقبور الموتى، حُرمات، في ديننا الاسلامي، وفي جميع الاديان السماوية، بل وفي اعراف وعادات وتقاليد شعوب الارض جميعها.

والجدير بالذكر، ان "الزحف الاخضر"، التي نشرت المقال، تعتبر صحيفة "عقائدية"! "فكرية"!، تصدر عن اللجان الثورية.

يضاف الى ما سبق، سلوك ارهابي اخر، يتمثل في الاحتفاظ بجثث شهدائنا الطاهرة، الذين قُتلو تحت التعذيب، او قتلوا على ايدي الكلاب الفكرية العقائدية المكلوبة، ورفض تسليمها لذويها. واذكر، كمثل على ذلك، جثة ابن الوطن، الشهيد "محمد احمد احفاف"، رحمه الله، والذي لم تسلم الى ذويه، وغيرها من عشرات الجثث، بل المئات، من جث ضحايا مذبحة "ابوسليم"، احدى الانجازات التاريخية، لثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة.

وقبل ان نواصل مقالنا هذا، لا يسعنا الا ان نترحم على ارواح شهدائنا، جميعهم، وان نسأله سبحانه وتعالى، ان يتكفل وملائكته، بارواحهم، ودمائهم، وجثثهم الزكية الطاهرة، وان يتغمدهم جميعا برحمته، وان يسكنهم فسيح جناته، وانا لله وانا اليه راجعون.

ونقول، استمرارا لموضوعنا، ان النظام يفعل ذلك، اي يرفض دفن الشهداء على التراب الليبي، او يخفي قبورهم، او يرفض تسليم جثثهم، خوفا من ان تتحول قبور الشهداء، او ذكراهم، الى رموز تحيي الجهاد، والنضال، والكفاح، كلما مرعليها الناس، او كلما قاموا بزيارتها، او تحدثوا عن اصحابها. فالاضرحة والقبور، لا تذكر الناس باصحابها فقط، بل وتذكرهم بمواقفهم وافكارهم، وخلفية استشهادهم ايضا، فتتحول بذلك الى وقود، لمحاربة الظلم والفساد والارهاب. كما تظل قصص، وملاحم، ومواقف اصحابها، شاهدا على ممارسات النظام القمعي، من جهة، وجزء من التاريخ الليبي، الذي يحاول النظام، عبثا، طمسه، من جهة اخرى.

فقبر الشيخ البشتي رحمه الله، وقبور ضحايا الارهاب، في ليبيا، ليست مجهولة بل مخفية. والنظام، ورأسه، واعوانه، يدركون ذلك جيدا. فالقتلة يعرفون اين دفنوا ضحاياهم. ومن حق ليبيا ان تعرف اين قبورابنائها؟ ومن قتلهم؟ يصب، في هذا السياق، اي سياق الطمس، ممارسات اخرى غريبة، يعرفها الليبيون جيداً، منها، وكما قد نتذكر، لوحة الارقام، التي كان يرفعها كل من اراد ان يساهم في "اثراء النقاش الديمقراطي الحر"، اثناء انعقاد المؤتمرات الشعبية.

والغريب، ان الاشارة الى البشر، بالارقام، بدلاً من الاسماء، هو امرُ، لا يمارس الا في السجون والمعتقلات، وخاصة المعتقلات الجماعية، كمعتقلات النازية، ومعتقلات الفاشست التي اقامها الجيش الايطالى، للشعب الليبي في "العقيلة"، ومنها ايضا المعتقلات الجماعية، التي اقامها "الصرب"، للمسلمين والمسلمات، في "البوسنة."

كما يصب في نفس السياق، هدم وازالة المواقع والمباني والمعالم، التي ارتبطت بالنضال والجهاد والكفاح، الذي قاده الليبيون ضد الغزاة الايطاليين. وكذلك المواقع والمباني، التي ارتبطت بالصراع السياسي، في الفترة التي سبقت تاسيس الدولة الليبية الحديثة، وكذلك التي ارتبطت بكل حركة دينية او سياسية او اجتماعية، في ليبيا. نذكر منها، على سبيل المثال، لا الحصر، ضريح شيخ الشهداء عمر المختار في مدينة بنغازي، ومسجد سيدي حمودة في مدينة طرابلس، ومواقع اخرى تمثل الحركة السنوسية، حتى في جانبها، الذي لا يمت بصلة، الى المملكة الليبية المتحدة، او الى الملك محمد ادريس السنوسي (رحمه الله).

وبجانب دورها في احياء النضال السياسي والاجتماعي، تمثل هذه المعالم، جسراً، يصل اجيال اليوم بتاريخ ليبيا السياسي، القديم والمعاصر. الامر الذي لا يطيقه النظام الحالي، لانه راهن على طمس تاريخ ليبيا، ليؤسس دولة ليبية معزولة، عن تاريخها الوطني والعربي والاسلامي.

ان اليوم الذي سيكرم فيه هؤلاء الشهداء، آت، باذن الله، لا محالة، وان تكريم الشهداء، سيكون، كما ذكرنا من قبل، في اعظم جنازة رمزية، تشق جميع قرى ومدن وارياف وصحاري وبادية ليبيا، جنازة عظيمة ستمر على كل موقع سقط فيه شهيد، وجنازة عظيمة، ترافقها الزغاريد، وفرحة الناس بتكريم ابنائهم، وتكريم جثثهم الطاهرة، طهارة تراب الوطن. جنازة يحتضن بعدها تراب ليبيا، رفاتهم، واجسادهم، جنازة سيشهد العالم، من خلالها، كيف يكرم ابناء ليبيا ابطالهم ورموزهم وشهداءهم.

ليس ذلك فحسب، بل وسنطلق اسماء الشهداء، الذين قتلهم النظام في الداخل، او اغتالهم في الخارج، واحداً واحداً، على اكبرميادين ليبيا وشوارعها، وحاراتها، ومدارسها، ومؤسساتها. وسنبنى المعالم التي تحيي ذكراهم، وسيمر اطفالنا واحفادنا، على هذه المعالم، يستمدون منها العزة والكبرياء والقوة، المستمدة من الله سبحانه وتعالى. سيمر احفادنا على هذه الرموز، والمعالم، وسيتسألون، وسنجيبهم ، بفخر واعتزاز، عن مواقف اصحابها، وعن بطولانهم، وملاحمهم، وصولاتهم، وجولاتهم.

وسنعيد باذن الله، كل ما دمره النظام، من مساجد ومعالم، بل سنضيف مساجد ومعالم واسماء اخرى. وستصبح قبور شهدائنا ومساجدنا، رموزا، تحيي الجهاد والنضال والكفاح، في اجيال اخرى، قادمة الى يوم القيامة، باذن الله.

ولعل الرد الحاسم، على ما يرمي اليه النظام، من تصفية ليبيا من نخبها ورموزها وقادتها، من اجل افراغ المجتمع من القوى السياسية، حتى لا ينبثق بديل سياسي، يحل محل النظام القائم، هو مواصلة الجهد ومضاعفته، من اجل ايجاد بديل سياسي، يجمع الناس. فليبيا سترضخ، تحت نفس النظام، طالما انها تفتقد الى البدائل السياسية، فكراً ورموزاً وتنظيماً.

ثم يجب على القوى السياسية الليبية، من اجل ان تتكامل جهودها، ان تصنع الوسائل، الكفيلة بتحقيق البديل المنشود، على ارض الواقع. على ان يكون الجهد والوقت، الذي يُبذل من اجل تحقيق هذا البديل، اكثر من الجهد والوقت الذي يبذل من اجل البحث عن البديل، ومن الواضح جداً، ان هذا الامر، لن يبدأ في ليبيا، من الصفر. والله ولي التوفيق.

د. فتحي الفاضلي
fathifadhli@yahoo.com
www.fathifadhli.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home