Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli
الكاتب الليبي د. فتحي الفاضلي

السبت 5 يوليو 2008

اعـمل.. ودع غـيرك يعـمل

د. فتحي الفاضلي

إن سيطرة صيغة واحدة، من صيغ المعارضة، على الساحة الليبية، هو رهان على مستقبل ليبيا.

لذلك لابد ان نحترم من رضى بالقليل من الاصلاح، وان نحترم من رفع سقف التغيير، واخذ بالعزائم، واعتبر الاطاحة بالنظام اصلاحا في حد ذاته. فالاصلاح الجذري، هو ايضا، صيغة من صيغ النضال المشروع، من حق من يختاره، ويحتمل تبعاته، ويؤمن به، ان ييسر له الامر، وان لا تثبط عزائمه. ومن حق كل ليبي، ان يتبنى ما شاء، من اهداف ووسائل وانماط التغيير التي تناسبه، طالما انها لا تصادم عقيدة وطموحات وانتماءات الشعب الليبي.

ولابد، انطلاقا مما سبق، ان نحترم ما يدعو اليه كل مواطن وجماعة وفصيل، يطمح الى التغيير، دون ان يصادم بعضنا البعض، الا من اجل الاثراء الثقافي والسياسي، وبنية الوصول الى حلول ومواقف اقوى واوضح وافضل، ودون ان يؤدي، هذا الحوار، الى مزيد من التفرقة بيننا ومزيد من التمكين للنظام.

ان الحاجة الملحة، الى تواجد جميع صيغ المعارضة على الساحة الليبية اليوم، تحتمها عدة عوامل منها:

ان النظام تمرس في المداهنة والانبطاح وامتصاص الغير واستيعابه، بل وامتصاص المر، وابتلاع ما لا يُبتلع، من اجل مصالحه، ومن ثم من اجل بقائه. لذلك فان استجاباته لبعض المطالب، كبيرة نسبيا كانت او صغيرة، او سماحه ببعض الحراك السياسي والثقافي والاعلامي، لا تعتبر بالضرورة دليلا قاطعا على مصداقية النظام.

والنظام، من جهة اخرى، هو الذي حدد، ويحدد معايير الاصلاح وحدوده، لذلك فهو يدرك جيدا الاصلاح الذي ينفعه، والاصلاح الذي يضر به. فالنظام لم ولن يتنازل، من ضعف، عن مقدار ذرة، او اقل، بل قد يتنازل اراديا، وبرغبته، ومن مركز القوة، عما يريد. والنظام حريص على تذكيرنا، من حين الى اخر، بحجم قبضته، فمن اختطاف وقتل واعتقال، الى قرارات تصدر، حتى يومنا هذا، تنافي وتناقض وتخالف خطاب الاصلاح، كما يفهمه البعض. بل قرارات مشحونة بالاحتقار، والتحدي والاستفزاز، بالرغم من اننا نكاد نغرق، هذه الايام، في بحر الاصلاح السلمي وخطابه.

اضف الى ذلك ان تركيبة النظام، ونقاط ضعفه، ومكمن قوته الحقيقية، لازالت غائبة عنا حتى يومنا هذا. وعلينا ان نعترف بذلك، وبكل تواضع، بالرغم من ازدحام الساحة بشتى الاجتهادات في هذا الصدد. هناك، اذا، غموض ما، يلف الحالة الليبية اصلا. غموض يستدعي ان نكون مستعدين لاسوأ الاحتمالات فيما يخص القضية الليبية مستقبلا، خاصة فيما يخص القوى والمعادلات التي تخدم وتساند النظام. وحتى ذلك الحين، اي الى حين ينجلي ذلك الغموض، ليس من الحكمة ان نرجح اتجاه معارض على اخر، فالاتجاه الذي قد ننبذه اليوم، قد تثبت الايام، انه الاتجاه الوحيد، الذي كان يجب ان يبقى ويواجه النظام.

الغموض، من جهة اخرى، لا يلف النظام فقط،، بل ان مصطلحات "الاصلاح" و"الجذري" و"الاسقاط" و"التعديل"، بالرغم من امكانية الجمع بينهم تحت مصطلح "التغيير"، الا انها مصطلحات، تحتاج، هي الاخرى، الى توضيح، وتحتاج الى اخراجها من دائرة التعميم او التقييد، من اجل ان نصل الى اتفاق على دلالاتها، واتفاق بالتالي على ما يترتب على هذه الدلالة. وليس من حق احد ان يحتكر مصطلح الاصلاح ومعانيه، فبالرغم مما تحمله كلمة "الاصلاح" من معان سلمية، الا ان حدود الاصلاح، قد تمتد نظريا، من الاصلاح بالابتسامة والكلمة الطيبة والورود، الى الاصلاح بالدبابة.

الامر الاخر، هو ان رأس النظام (معمر) ليس طرفا في جدلية الاصلاح، او انه يتظاهر بذلك، ولا فرق بين الحالتين. وذلك مما يزيد الامر غموضا، فهو لا يشير الى الاصلاح، ولم يباركه، وكأن الامر لا يهمه. بل وكأني به على ربوة عالية، يتفرج على اهل الاصلاح بجميع اطيافهم، ويستمع اليهم وهم يتخاصمون ويتجادلون، فجدل حول الاصلاح بين نخب الداخل وبعضهم بعضا، وجدل اخر، حول الاصلاح ايضا، بين نخب الداخل من جهة، ونخب المعارضة من جهة اخرى، وجدل ثالث حول الاصلاح وحدوده وسقفه ووسائله، بين القوى المعارضة بعضها بعضا. الجميع يجادل ويخاصم ويتخاصم ويتحدث عن الاصلاح، الا رأس النظام.

اقول ذلك بالرغم من انني لا اؤمن بان حركة الاصلاح (في مجملها) مجرد خدعة يضحك بها النظام على الاصلاحيين، فهذا التصور بتعميمه، غير صحيح. لكننا يجب ان ندرك ايضا، ان النظام لا يتفرج على نشاط التيارات الاصلاحية، وعلى هذا الحراك النسبي، في الداخل بالذات، بسذاجة وغباء واهمال ولا مبالاة، او يتسلى بما يجري، بل يجب ان ندرك ان النظام هو من يصنع او يوجه (على اقل تقدير) هذا الحراك،، بل ويراقبه عن كثب، وبقبضة حديدية. فلا احد يستطيع ان يسرع بالاصلاح او يعرقله الا النظام.

امر اخر في هذا الصدد لابد ان ننوه اليه، وهو ان النظام ينظر الى فئات الاصلاحيين ويتعامل معهم بعيون ومقاييس مختلفة، فالاصلاحيون ذوو الخلفية التقدمية او اليسارية، او ان شئتم الذين لا يهمهم امر الاسلام السياسي، تحت اي مسمى، من الذين كانوا خارج ليبيا وعادوا اليها، او من اهل الداخل، هذه الفئة، لها (حاليا، وحتى الان) حضوة في عزومة الاصلاح، فهم يحتلون مواقع تاثير، اعلامية وثقافية وعلمية، اكثر حساسية نسبيا، مما وصل اليه الاسلاميون. ذلك بالرغم من ان الاسلاميين، يعتبرون اليوم، واجهة الاصلاح. فهم، اي الاصلاحيين الاسلاميين، يبذلون جهدا اكثر من غيرهم في عالم الاصلاح، فقد تجاوزت جهودهم، سقف الحوار الثقافي والاعلامي، فهم يعالجون قضايا شائكة، يرغب النظام في الانتهاء منها، بل من التخلص منها من اجل امور تهمه مستقبلا.

النظام يقبل بذلك، من اجل تصفية بعض قضاياه الشائكة، ومن اجل ابعاد الشباب عن الفكر الجهادي، عبر توفير "متنفس اسلامي" اخر، او هامش ما، يتمثل في التيار الاسلامي الوسطي المعتدل. ولابد ان ندرك، في هذا الصدد، ان النظام قد يسمح بنشر التيار الاسلامي المعتدل، لكنه لن يسمح بانتشاره، الا بشرط واحد، وهو ان ينتشر بدون مخالب، وبدون تنظيم، وبدون مؤسسات وجمعيات رسمية. فالنظام لا يمانع في ان تنجح الحركة الاسلامية في انتاج مواطنيين على قدر من الطيبة، ملتزمين، لا يسرقون، ولا يفسدون اداريا، لكن دون ان يكون لهم تاثير ملموس في الحراك السياسي والاعلامي والثقافي في ليبيا ،اي دون ان يكون لهم تأثير ملموس على قضايا مصيرية في ليبيا.

ولا ادعي ان الحركة الاسلامية غاب، او قد يغيب عنها، هذا الامر، فربما رأت ان استعمال او استغلال هذا الهامش افضل من تركه.

الفئة الاصلاحية الاخرى، هم مجموعة من النخب الوطنية، من مؤسسي المعارضة، او من المحسوبين عليها، وهي فئة يتمتع اغلب المنتمين اليها، بدرجة عالية من الحس الوطني، كما يتمتعون بقدر من الثقافة والوعي السياسي، وهي فئة مدركة لواقع الصراع السياسي في ليبيا، ماضيا وحاضرا. وتكتسب هذه الفئة اهميتها، بسبب رصيد افرادها الوطني والسياسي. وهي فئة لا يجمع اصحابها تنظيم معين، بقدر ما يجمعهم اتجاه او فكر او هدف. فارتباطهم بدعوة الاصلاح، تحقق، والى حد ما، بعض مطالبهم، كما ان ارتباطهم بالاصلاح، يحقق للنظام فوائد عديدة،اهمها مخاطبة الكتلة العامة في الداخل والخارج، وهذه الفئة تدرك هي الاخرى هذا الامر.

الفئة الاصلاحية الاخيرة هم من الجيل الثاني من اعوان النظام، ممن تربوا وترعرعوا تحت مظلته، فهم جزء منه، يؤمنون بـ "بابا معمر"، القائد الذي لا يمس. ولعلهم او ذويهم واقرباءهم واصدقاءهم يعتبرون من اعوان النظام الرئيسيين، او من المقربين الذين تولوا مناصب حساسة في مؤسسات النظام الامنية او المدنية، او من غير المتضررين من النظام، فهذه الفئة لا تعارض النظام ورجاله، وتركيبته، ولا تعارض شكل الدولة، او سلطة الشعب بعمومها. لكنهم قد يعارضون بعض قطاعات النظام، وممارسات بعض رجاله، ويعارضون بعض جزئيات سلطة الشعب. وهم ايضا لم يعاصروا ممارسات النظام القمعية في فترة التمكين، ولم يتورطوا في ممارسات اللجان الثورية، وعمليات القمع والقتل و"البصاصة" والتعذيب. وهم ايضا بعيدون عن اجواء الحركة الاسلامية وتأثيراتها، وعن المعارضة الليبية وتفاعلاتها وتوجهاتها، فلم تؤثر فيهم عوامل الصراع بين النظام وخصومه من القوى السياسية المعارضة للنظام. والمنتمين الى هذه الفئة يكتبون ويتحدثون من الداخل، ويطالبون بالاصلاح، وينتقدون الامناء واللجان الثورية، ويهاجمون الفساد المالي والاداري، في قطاعات الصحة والتعليم والمواصلات، والقطاعات المدنية بصفة عامة، كما يهاجمون ايضا سقفا منخفض جدا، من الجزء السياسي، يمارسون ذلك بصوت عال، وبكل طمأنينة وحرية، فهم يتحدثون عن نظام ينتمون اليه، فهم من اهل البيت، ان صح التعبير.

هذه الفئة، هي التي يهيئها النظام، لتحل اعلاميا وثقافيا، مكان الفئات الاخرى، وهي الفئة التي ستكون لها المنعة والمكانة في القطاع المدني، خاصة الثقافي والاعلامي، وربما التعليمي مستقبلا. وسيأتي يوم، يقفل فيه النظام الهوامش النسبية عن الجميع، الا عن الفئة الاخيرة، والتي تعتبر، حتى الان، وزارة "الظل" للثقافة والاعلام، وستصبح يوما ما الوزارة "الحقيقية" لهذا القطاع. وسينتهى الامر بالفئات الاخرى، تقدمية او اسلامية او نخبوية، الى الاقصاء والتهميش، بل والى القمع، اذا رأي النظام ذلك. وحتى في اعلى درجات "الاصلاح" و"الصلح" و"المصالحة الوطنية"، لن تستلم هذه الفئات اي من مواقع التاثير الحساسة، الا ضمن طاولة النظام.

النظام حاليا في مرحلة استيعاب وتطبيع وامتصاص تجاه جميع الفئات، وفي مرحلة تطوير، ثم تمكين لفئة "اهل البيت". فلن يثق النظام، في فئة او فصيل او جماعة، تأسست اصلا لمواجهته او معاداته او للاطاحة به. ومن العبث ان نلومه على ذلك.

فاذا ارادت الفئات الاخرى، ان تتجنب القمع والاقصاء والتهميش مستقبلا، وان تتحكم في بعض مواقع التاثير، وان يكون لها دور حقيقي في انقاذ البلاد واصلاحها، على هذه الفئات، ان ارادت ذلك، ان توفر وسائل ضغط ومصادر قوة، تضفي هيبة ومعنى واهمية اكبر على صوتها الاصلاحي.

والى ان يحين يوم التغيير، الذي ينتظره الجميع، ستظل الساحة الليبية السياسية، في حاجة ماسة الى جميع وسائل التغيير، وليكن شعارنا جميعا، اعمل ودع غيرك يعمل، والله ولي التوفيق.

د. فتحي الفاضلي
fathifadhli@yahoo.com
http://www.fathifadhli.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home