Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi el-Fadhli

Monday, 4 June, 2007

              
              


"ان ذلك في حد ذاته فخر وشرف لي"

أوسمة على صدر الوطن.. (6)

د. فتحي الفاضلي

6 ـ شهيد المباديء.. ابن الوطن : محمد مهذب حفاف

بسم الله الرحمن الرحيم

ان المشهد الدموي الذي سنتحدث عنه، يعكس ما يكنه هذا النظام السادي، من كره لشعبنا وبلادنا ورسالة نبينا صلى الله عليه وسلم.

فقد ارغم النظام الليبي طلبة واساتذة وعمال الجامعة الليبية وطلبة المدارس الثانوية والاعدادية، على التجمع في ساحة كلية الهندسة بطرابلس، دون الاعلان عن المناسبة التي دفعت بثورتنا المجيدة، الى لم هذا الشمل المبارك.

وانطلق خيال الطلبة في محاولة للتنبؤ بما ينتظرهم من مفاجأت، واخذوا يتسألون فيما بينهم: لماذا.. يا ترى.. هذا التجمع؟ امن اجل تكريم اساتذة الجامعة وطلبتها! ام من اجل تدشين كليات ومعامل ومكتبات جديدة! ام لتكريم زائر من الاوساط الثقافية العالمية، ام تراه احتفالا بفوز فطحل من فطاحل "الثورة" بجائزة علمية ما، او ربما لمجرد المن على هذا الجمع الكريم بخطاب يلقيه الاخ "القائد"، يتحدث فيه عن الانجازات العلمية الضخمة التي حققها نظامنا الجماهيري البديع.

وفي خضم هذه التوقعات البريئة، التي لم يستوعب اصحابها الفقه الثوري، نُصبت مشنقة وسط الساحة، وتوقفت سيارة قريبا من ساحة كلية الهندسة، اُنزل منها احد المواطنيين الليبيين وهو محاط بشلة من الكلاب المكلوبة، كانت تمارس عليه ما تيسر من ركل ونباح وصفع، وغير ذلك من طقوس علمية ثقافية ثورية، فتراجعت، امام هذه المفاجأة التربوية، جميع التنبؤات، وذُهل الجميع، إلا الكلاب المكلوبة، التي كانت تجر الضحية الى المشنقة، بمتعة وحماس واخلاص. ثم قامت نفس الشلة، بشنق المواطن الليبي "محمد مهذب حفاف" امام ذلك الحشد العلمي العظيم. ليس ذلك فحسب، بل اخذ احد فقهاء الثورة الثقافية الخضراء، يتأرجح بجثة الضحية وهو يصيح قائلا: "هذا عميل.. هذا عميل."

فمن هو الشهيد "محمد مهذب حفاف"، وما هي الجرائم التي اقترفها ليستحق ما جرى له، ولماذا حدث له ما حدث، امام هذا الحشد، وبهذه الطريقة التي تأباها الضباع والافاعي والذئاب.

ولد الشهيد في قرية القواسم بغريان، عام 1947م، وانهى تعليمه الابتدائي والاعدادي، في نفس القرية. ثم تحصل على الشهادة الثانوية من مدرسة "غريان" الثانوية عام 1968م، فالتحق بكلية الهندسة، قسم الهندسة الميكانيكية، بالجامعة الليبية بطرابلس.

اعتقل الشهيد في ابريل 1973م، وهو في السنة النهائية (اي السنة الخامسة)، عقب الهذرمة التي عُرفت بـ"خطاب زوارة" والذي تمخض عنها موجة الاعتقالات التي طالت المثقفين والسياسيين والمتعلمين بصفة عامة، وتمخض عنها ايضا الانجاز الثقافي النادر، الذي سُمي بـ"الثورة الثقافية" التي تجسدت في منع واحراق ومصادرة الكتب والمكتبات، ومنع الفكر والتفكير والابداع، بالاضافة الى اعلان الاحكام العرفية ونشر الفوضى والفوضوية التي تعيشها ليبيا الى يومنا هذا.

كان الشهيد قد اصطدم مع الرائد "بشير هوادي" والرائد "عمر المحيشي" عضوي مجلس قيادة الثورة، في الندوة التي عُرفت بـ"ندوة الفكر الثوري" التي عُقدت في مايو 1970م، كما اصطدم ايضا بمعمر. وكانت وجهة نظره في تلك الحوارات اكثر عمقا وموضوعية مما طرحه معمر، ومما طرحه عضوي مجلس قيادة الثورة، بل كانت وجهة نظره تنم على ذكاء وبعد نظر وفهم دقيق للساحة السياسية في ليبيا والعالم الاسلامي. وربما بدأ الحقد والحسد يدبان الى النفوس ضد الشهيد منذ تلك اللحظات.

اُعتقل الشهيد، كما ذكرنا، عقب ذلك الخطاب الكارثة، واودع السجن، وعُذب هو وزملائه الذين اعتقلوا معه، عذابا شديدا، ثم حُولوا الى غرفة الاتهام التي اطلقت سراحهم لعدم وجود تهمة اصلا. لكن هذا الحكم لم يرق للسيد القائد، الذي شتم القضاء قائلا: "لابد ان تُرجعوهم"، فاعيدوا الى السجن في نفس اليوم الذي اطلق فيه سراحهم، وحُولوا الى "محكمة الشعب" التي نظرت في القضية بعد عشرة اشهر، وحكمت على الشهيد بالسجن لمدة خمسة عشر عاما. لكن هذا الحكم لم يرض ايضا غرور "السيد" الذي قال ما معناه: "ان من يدان لابد ان يقضي حياته في السجن الى ان يموت"، فتغير الحكم السابق (15 عاما) الى السجن المؤبد. ثم ولحكمة "لا يعلمها الا الثوريون" اُستبدل الحكم بالاعدام. ومن المرجح ان الحكم تغير من "المؤبد" الى "الاعدام" اثر اصطدام الشهيد بمعمر في السجن، كما سياتي فيما بعد. وفعلا اُعدم الشهيد شنقا، في ساحة كلية الهندسة، وفي حفل دموي عكس النفسية المريضة لكل من كان له ضلع في هذا الامر، بصورة مباشرة او غير مباشرة. اعدم الشهيد، قاب قوسين او ادنى من مكتبة الجامعة وفصولها ومعاملها، التي كان يدرس بها، بينما كان طلبة وطالبات الجامعة والمدارس الثانوية يراقبون هذا المشهد، وقد ارتسمت على وجوههم البريئة، نظرات الحيرة والذهول والغضب.

اُعدم شهيدنا بعد عشر سنوات من الترهيب والاعتقال والترغيب، من اجل ان يتخلى عن مبادئه، لكن ايمان وعزم وإرادة الشهيد فاقت طموحات الطغاة وتصوراتهم، فلم يثن العذاب، ولم تثن الاغراءات والتهديدات من عزم "محمد"، ولم تحيده هو وزملائه عن مبادئهم قيد انملة او اقل، فضرب بذلك مثلاً رائعاً على الثبات على القيم والمبادىء التي امن بها وعاش من اجلها، ودفع حياته ثمناً لها.

اما قائمة المتورطين في هذه الجريمة فتضم، بالاضافة الى قادة النظام، كل من "احمد محمود" رئيس محكمة الشعب في ذلك الوقت، و"حسن بن يونس" الادعاء العام لنفس المحكمة، و"نصر المبروك" امين العدل في منطقة "الفرناج" في ذلك الوقت، وهو الذي تواترت التأكيدات على انه الشخص الذي جذب قدمي الشهيد، واخذ، كما ذكرنا، يصيح قائلا: "هذا عميل.. هذا عميل". وما زالت قائمة الذين اشتركوا في هذه الجريمة تحت المراجعة، بما في ذلك الذين اعتقلوا الشهيد، والذين قاموا بتسليمه الى جلاديه، والذين قاموا بتعذيبه، والذين قاموا بشنقه، بالاضافة الى الذين اخذوا يهتفون ويغنون فرحين بموته.

لم يقتل السيد محمد حفاف احدا، ولم يسرق، ولم يحمل يوما سيفا او خنجرا او بندقية. لم يحرق الاسواق وينسف المساجد، لم يسمم الابار، ولم يكذب، لم ينضم الى مخابرات اجنبية، ولم يكن عميلا لاحد، لم يضطهد القوى العاملة، ولم يمتص دماء الشعب، لم يضطهد الطبقة الكادحة، فهو منها واليها. لم يشترك الشهيد في انقلاب ضد الثورة "الغراء"، ولم يحارب الكتاب الاخضر او "سلطة الشعب" لانه كان في غياهب السجون عندما اصيب الشعب الليبي بالنكبتين (الكتاب الاخضر وسلطة الشعب). لم يقترف الاستاذ "محمد مهذب حفاف" شيئا من الجرائم الجاهزة والمحفوظة في ارشيف الثورة تحت الطلب.

لقد كان الشهيد، وبشهادة الجميع، رجلا صالحا، طيب المعشر، دمث الاخلاق، ملتزما بكتاب الله وسنة نبينا الكريم، وملتزما بقيم الاسلام فكرا وعقيدة واخلاقا، وكان كريما عفيفا نشيطا، وكان يلقي المحاضرات وينضم الحلقات والندوات ويساهم في جوانب ثقافية واجتماعية وفكرية عديدة. وكان بجانب كل هذه الصفات الحميدة، متفوقا في دراسته. لقد كان المواطن الليبي "محمد مهذب حفاف"، وبكل اختصار، امة، في حد ذاته.

فاذا كان الشهيد لم يقترف أياً من هذه الجرائم، فلماذا يتلقى هذا العقاب السادي؟. ولعلنا بعد الاطلاع على ما قيل في الشهيد وما قيل عنه، نضع ايدينا على قائمة الجرائم التي دفعت بنظامنا الجماهيري الى اعتقال وتعذيب ومساومة، ثم اعدام هذا المواطن الطيب.

يتحدث احد الذين عاصروا الشهيد في كلية الهندسة وتعرف عليه وعلى عائلته عن قرب، فيقول:

كانت اسرة الشهيد تتكون من الام والاب، بالاضافة الى ثمانية ابناء (ثلاثة اخوة وخمس كريمات)، وكان الشهيد اكبر الاولاد. وكان يعتبر رأس العائلة. وكانت الاسرة تعيش تحت خط الفقر، اي انها كانت تنتمي الى الطبقة التي يفترض ان "الثورة" ما جاءت الا من اجلها. كما عُرف عن هذه الاسرة الكريمة الالتزام بكتاب الله وسنة نبيه الكريم، حتى قبل الصحوة الاسلامية، بل كان "محمد" يمتاز بالاستقامة منذ صغره، فلم يبذل اهله جهدا في تربيته، وكان متقدما في دراسته، بل كان يساعد الاخرين في مذاكرة دروسهم واداء واجباتهم. وكان الشهيد يلقي دروسا اسبوعية متنوعة وينظم حوارات ايجابية بصورة دورية مع اهل بلدته، وخاصة من الطلبة والاساتذة والنخب.

انتقل الشهيد الى طرابلس، بعد تخرجه من المرحلة الثانوية، والتحق بكلية الهندسة عام 1971م. وتعرف على اغلب اطياف التيار الاسلامي، فانظم الى تنظيم الاخوان المسلمين، لكنه لم يستمر طويلا، فحاول ان يؤسس تنظيم تحت اسم "الحزب الوطني"، لكنه تراجع عن الفكرة بعد ان وجد صعوبة في وضع برنامج متكامل لهذا التنظيم. ثم انضم الشهيد الى حزب التحرير. وكان الشهيد على علاقة طيبة مع جميع التيارات الفكرية والسياسية، كما كان على علاقة طيبة مع جميع القيادات الاسلامية داخل وخارج السجن.

اعتقل في ابريل 1973م، واعتقل معه اخويه "احمد" و"فرج" ايضا. فسجن "فرج" لمدة خمس سنوات ثم توفي فرج (رحمه الله) اثر مرض الم به، بينما اطلق سراح "احمد" بعد ان سجن لمدة عامين ونصف تقريبا. وتوفيت السيدة الوالدة (رحمها الله) بعد يوم واحد من اعدام ابنها "محمد"، كما توفي رب الاسرة (رحمه الله) في اواخر التسعينيات (ربما في 1997م). ولم يتزوج الشهيد، ولم تسلم جثته الى اهله، ولم يعرف مكان دفنه حتى الان. بل انكر النظام في البداية وجود سجين بهذا الاسم اصلا، حيث خاطب اهل الشهيد بقولته المعتادة: "ليس لديكم ولد في السجن"، ثم عاد النظام بعد ذلك، فاعترف بجريمته، ولكن دون ان يسلم الجثة الى اهلها.

ويحدثنا صديق اخر عرف الشهيد عن قرب، فيقول:

كان الشهيد طويلا.. اسمر اللون.. دمث الاخلاق.. مهذبا (اسم على مسمى).. جادا.. انيقا.. ومتواضعا.. وكانت البسمة لا تفارق ثغره.. وكان صداعا بالحق.. جريئاً.. وخاصة في المواقف التي تتطلب الجراءة.. والشجاعة.. وكان عنيدا في الحق.. لا يداهن.. ولايهادن.. ولا يخشى في الله لومة لائم. وكان معمر يحقد عليه حقدا شديدا. وكانت الفكرة الاسلامية متجسدة فيه قولا وعملا. وكان يصلي بالناس في الجامعة، وينظم حلقات القرآن والدروس الاسبوعية.

ويواصل هذا الصديق قائلا:

اُعتقل الشهيد وزملائه في سجن الحصان الاسود، بتهمة "الدعاية ضد الثورة" و"محاولة قلب نظام الحكم". وقُدم هو وزملائه الى غرفة الاتهام في 1/7/1974م، فافرج على البعض واحتفظ بالبعض الاخر، من بينهم الشهيد "محمد"، ثم اعيدوا جميعا (حتى الذين اُطلق سراحهم) الى محكمة الشعب في 1977م، فحكمت عليهم بالسجن لمدة خمسة عشر عاما، فغضب معمر وقال: "اللي يدان يجب ان يقضي حياته في السجن طوال حياته او الى ان يموت". فتغيرت الاحكام بقدرة قادر الى المؤبد. ثم اصطدم الشهيد مع معمر في السجن، عندما كان النظام يساوم المعتقلين ويعرض عليهم العروض مقابل التخلي عن مبادئهم. وكان الشهيد صريحا واضحا حازما في طرح افكاره ومبادئه والدفاع عنها والتصدي لمعمر دون تردد وريبة وشك، حتى وهو داخل المعتقل. انتهى كلام الصديق.

اما مجلة "العودة" التي كانت تصدرها وحدة "الشهيد" التابعة لفرع الاتحاد العام لطلبة ليبيا، فتقول:

... والشهيد محمد حفاف كان في امكانه الخروج من السجن عندما عرض عليه بيع كرامته، ولكنه اختار طريق الشهداء والصالحين. ولعل بعضكم يذكر ذلك الموقف الذي يسجله التاريخ للشهيد حفاف، يوم ان وقف ناصباً عوده الرقيق، في عزة وكبرياء وشموخ، عندما هدده الطاغية معمر بانه سيبقيه في السجن مدى الحياة، فما كان من الشهيد الا ان ردد قائلا بقوة وصدق وايمان: "ان ذلك في حد ذاته فخر وشرف لي."(1) (وربما كان هذا الموقف هو الذي تحدث عنه الصديق في الفقرة السابقة، والذي تغيرت الاحكام بعده الى الاعدام). وقد كرم الاتحاد العام لطلبة ليبيا الشهيد، فنظم مؤتمره الطلابي الثالث الذي انعقد في ذي القعدة 1403هـ (اغسطس 1983م)، تحت اسم "مؤتمر الشهيد محمد مهذب حفاف.. من اجل غد افضل".

كما نشرت "مجلة المسلم" مقالا بعنوان"المشهد الرهيب.. والمجرم العتيد"، قالت فيه:

حُشد الالاف من طلبة الجامعة واساتذتها والعاملين بها، واضيف اليهم طلبة وطالبات المدارس في طرابلس وضواحيها، في ساحة كبيرة بجامعة طرابلس، ولم يعرف الناس سبب هذا الحشد اول الامر، وظن البعض ان القذافي سيقرع اسماعهم، باحدى خطبه الكريهة، ولكنهم فوجئوا، حوالي العاشرة والنصف، من صباح ذلك اليوم، بمشنقة تقام على عجل، وسيارات القذافي وعتاولته، تحضر انسانا من السجن، وتقوم بشنقه على مرأى ومسمع من الجميع. واخذ احد المهووسين، من اتباع القذافي، وهو المدعو "نصر المبروك"، يجذب قدمي المشنوق شماتة ونكاية. اصيب الناس، عقب هذا، بذهول ووجوم وغثيان، ومرض البعض، ورجع بعض الطلبة الى ذويهم، في حالة عصبية شديدة. واخذ الناس يتساءلون: من هو الرجل الذي شنقوه؟ وما هي جريرته التي حكم بها عليه بالاعدام؟

ثم جاءت الاجابات:

هذا الشاب الطاهر، العف، المتدين هو محمد مهذب حفاف، ألقي القبض عليه، لا لشيء ارتكبه، بل لانه يحمل افكارا اسلامية، وكان وقتها طالبا في السنة الاخيرة من كلية الهندسة، واودع السجن، منذ ذلك الوقت، وظل دون محاكمة سنوات، وعندما قُدم لمحكمة قضائية (غرفة الاتهام) برأته حيث لم تكن هناك ادلة كافية ضده، وكيف تكون هناك ادلة ولم تكن هناك جريمة اصلا؟

وتواصل "المسلم" حديثها عن هذه الجريمة فتقول:

اطلق سراح "محمد مهذب حفاف"، فسافر الى بلدته "غريان"، وعند وصوله الى بيته وجد هناك من يعتقله ويعيده الى السجن، وبعد ان أستمر في السجن مدة اخرى، قُدم الى محكمة عسكرية، حكمت عليه بالسجن مدة خمسة عشر عاما، واستمر في سجنه مظلوما، الى ان جاءه من يأخذه، ويضعه على المشنقة، دون ان يصدر عليه حكم بالاعدام، ولو عن طريق محكمة هزلية. ان جريرة محمد حفاف وجريمته، هي انه يحمل افكارا اسلامية، فلم يسرق، ولم يزن، ولم يقطع طريقا، ولم يحارب الله، ورسوله، ولم يفسد في الارض. لقد شُنق لانه قال: "ان ربي الله"، تلك الكلمة التي قُتل الطواغيت والفراعين بسببها انبياء واولياء ومجددين ومصلحين.(2)

اما مجلة "الانقاذ" فتتحدث عن الشهيد، في مقال لها بعنوان "شخصية العدد.. محمد مهذب حفاف"، فتقول:

كان الشهيد من الشباب الملتزم فكريا واخلاقيا، وكان يُعرف بين زملائه بجديته وايمانه العميق بافكاره. ساهم في العديد من الانشطة التي كانت تقام في جامعة طرابلس، كما شارك في معظم المحاضرات واللقاءات والندوات. وقام كذلك بالقاء عدة دروس في المسجد الجامعي، ونظم عدد من الحلقات الدراسية، التي كان يعقدها في حجرته بالقسم الداخلي.

واجه الشهيد الدجال القذافي، وتصدى لضلالاته وافتراءاته في الندوة التي اطلق عليها "ندوة الفكر الثوري". اعتقل مع مجموعة من زملائه واصدقائه عقب خطاب زوارة، سنة 1973م. وقُدموا الى غرفة الاتهام سنة 1974م، وتمت محاكمتهم في القضايا: "974/74"و"1757/74"و "1019/74"، وقد أفرجت المحكمة عن بعض المعتقلين، واستثنى من الافراج، كل من الشهيد، ونفر قليل من زملائه. وفي 1976م، شكل الدجال القذافي، ما يسمى بـ"محكمة الشعب"، التي ترأسها "احمد محمود" ومثل فيها "حسن بن يونس" الادعاء العام. فتولت محاكمة الشهيد وزملائه، وكافة الذين تم اعتقالهم اثر خطاب زوارة (حتى الذين تم الافراج عنهم)، واصدرت قرارها بسجن الشهيد لمدة خمس عشرة سنة، تغيرت الى المؤبد. وتعرض الشهيد وزملائه، خلال فترة السجن، الى شتى انواع التعذيب على ايدي مرتزقة القذافي، ولم يزد الشهيد وزملائه الا صلابة وقوة. كما قدمت للشهيد، عدة عروض، مقابل الافراج عنه، منها تولى منصب محافظ "غريان"، شريطة اجراء مقابلة على الشاشة المرئية، يتنصل فيها من افكاره، مع توقيع اقرار، بعدم مزاولة أي نشاط فكري او سياسي، إلا ان الشهيد، رفض كل ذلك بحزم واصرار. (3) بل قدمت نفس العروض الى الشهيد حتى دون الظهور على الشاشة المرئية ولكنه رفض ذلك ايضا.

وقدمت"منظمة العفو الدولية" وصفا محزنا لهذه الجريمة البشعة، نقلته على لسان شاهد عيان، جاء فيه:

ان الشهيد قد انزل من السيارة باللكم والهتاف والركل، وكانت الايدي والعصي تنهال عليه، حتى سالت الدماء من جسده ورأسه بغزارة، ثم علق بحبل المشنقة بطريقة بدائية، وقد استمر اعضاء اللجان الثورية في ضربه، وتعلق احدهم برجليه متأرجحا، ثم تُركت الجثة معلقة لمدة ساعات، عارية تماما من الملابس، وسط حشود اللجان الثورية وهم يصرخون، وقد احتشد الطلاب، والاسى باد على وجوههم، لالقاء نظرة على مصير احد الشباب الوطني الرافضين لحكم القذافي الهمجي. انتهت رواية الشاهد العيان.(4)

حدث هذا في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى، بتحريض من "الاخ القائد" الاممي "معمر" وموافقته ومباركته.

وتضيف وحدة الشهيد "لطفي امقيق" التابعة للاتحاد العام لطلبة ليبيا، في نشرتها "المناضل"، فتقول في بيان لها بهذا الخصوص:

نصب اذناب الطاغية مشنقة في ساحة كلية الهندسة بجامعة طرابلس، ثم احضروا احد خيرة شباب ليبيا، وهو السيد "محمد مهذب حفاف".. وارتكبوا بعدها جريمتهم النكراء، جريمتهم الدنيئة، جريمتهم الخسيسة، فقد علقوا الشهيد على المشنقة، لا لذنب، الا لانه قال: "ان ربي الله". ولم يكتف احد هؤلاء الحقراء المجرمين، بهذا، بل اخذ يتعلق بجسد الشهيد الطاهر، ثم اخذوا يضربون الجسد المعلق. كما اصروا ان يحضر ذلك المشهد جميع الطلبة، حتى انهم وجدوا بعد عمليتهم الدنيئة، بعض الطالبات اللواتي لم يتحملن المنظر، في مكان قريب من الساحة، فانهالوا عليهن ضربا (5).

وهكذا.. اتضحت قائمة الجرائم التي ارتكبها السيد "محمد مهذب حفاف" من خلال ما قيل عنه وما قيل فيه:

فهو مهذب.. وشجاع.. وجريء.. لا يخشى في الله لومة لائم.. صدع.. اكثر من مرة.. بكلمة حق.. في وجه طاغية ظالم جائر.. وهو رجل صلب.. تمسك بمبادئه.. بالرغم من الظلم والعذاب والسجون.. وبالرغم من المساومة.. والاغراء.. والترغيب.. وهو رجل تقي.. ملتزم بكتاب الله وسنة نبيه الكريم.. متفوق في دراسته.. نشط.. يحب وطنه.. واهل وطنه. وكان فوق كل ذلك، اكثر ذكاء من الذين يقودون البلاد حاليا، وقد ظهر ذلك واضحا من خلال حواراته معهم.

تلك بعض جرائم السيد حفاف، التي اعدم من اجلها. فصفاته الحميدة التي تميز بها، ومواقفه التاريخية الرائعة في سبيل دينه ووطنه، تعتبر - في عرف نظامنا- جرائم تكفي لان يتعرض صاحبها، الى حسد وكراهية ومقت النظام واذيال النظام. فالنظام الليبي عدو لكل متميز ومبدع ومفكر.. بل ان النظام الليبي يعتبر "عدو الشعب رقم 1."

امور عديدة اخرى كشفتها هذه الجريمة الكارثة، منها العبث الذي يعاني منه الانسان في ليبيا، فاحكام تُلغى واخرى تُغير، من سيء الى اسواء، دون محكمة.. ومحام.. وشهود، ودون معرفة بالجهة التي تأمر وتنفذ، مما يدل ويؤكد على وجود اكثر من دولة في دولة.

ناهيك عن الاحباط والدمار النفسي الذي اصاب الحضور، وخاصة من الطلبة والطالبات (مستقبل البلاد ومصدر فخرها وعزتها). فثورتنا البيضاء العظمى الخضراء، لا يمكن ان تكون غافلة عن التاثيرات النفسية المدمرة، التي قد تصيب ابناءنا نتيجة لمشاهدة مثل هذه المواقف والاحداث، اقلها فقدان الامن والامل والامان. وكيف سيساهم المواطن في بناء وطن لا امن فيه ولا امل ولا امان!. ان قتل ابناءنا من اجل ارهاب اجيالنا، يعتبر اكبر خيانة للامانة، واكبر خيانة للوطن. فكل ما حدث يصب، وبكل تأكيد، في مصلحة اعداء الامة والوطن.

كما يجب، من جهة اخرى، ان نضع اجيالنا الجديدة، في الداخل والخارج، في الصورة الصحيحة للاحداث، فنوضح وباستمرار، دور النظام في هذه الجرائم، التي اقترفها تحت مظلة "ثورة الطلاب". ونوضح لهذه الاجيال، ان ما اطلق عليه النظام "ثورة الطلاب"، ما هو الا غطاء يتنصل به من جرائم قتل عديدة. لقد اعطى النظام للمباحث والامن والمخابرات، الحق في ان تعتقل وتعذب وتقتل ابناء ليبيا، من اجل ارهابهم ومن اجل ان يكونوا عبرة لغيرهم، وكأنهم ادوات لا قيمة لها، فالنظام مارس ما مارسه من جرائم، عبر افتعال صراع وهمي بين الطلبة والطلبة، حتى لا يكون النظام طرفا في اي صراع، وحتى يظهر الاخ "القائد" بمظهر المحايد والمرشد والبريء. بينما هو المحرض والدافع والمشجع على هذه الجرائم. بل الآمر بها. فاذا كانت "ثورة الطلاب" هي فعلا صراع بين الطلاب، فمن هذا الذي القى القبض على الشهيد.. ومن سجنه.. وفي اي سجن سُجن.. ومن حكم عليه.. وهل كانت محكمة طلابية تلك التي حكمت على الشهيد.. ومن هو رئيس المحكمة.. ومن هم الذين اعتقلوا الشهيد.. وعذبوه.. في سجون النظام.. هل كانوا هم ايضا من الطلبة.. ام كانوا من رجال الدولة.. ومن اعوان النظام.. ومن الذي غير الاحكام الظالمة.. اصلا.. الى احكام اكثر ظلما.. ومن امر بالاعدام.. ومن الذين نصبوا المشنقة.. ومن الذين شنقوا الشهيد.. ومن الذين جاءوا به في تلك السيارة!.. ومن هم الذين سمحوا لطلاب المدارس والجامعات والمعاهد بترك مدارسهم.. وقاعات دراستهم.. والتجمع في ساحة كلية الهندسة.. في يوم معين.. وساعة معينة.. اي جهة تستطيع ان تقوم بكل ذلك!.. غير النظام.. ومن وراء النظام. اليس الذين فعلوا ذلك.. هم من رجال الدولة.. ورجال الامن.. ام انهم من طلاب المدارس والمعاهد والجامعات.. الذين احضرتموهم.. قسرا.. لمشاهدة وقائع هذه الجريمة. ان النظام الليبي.. وعلى رأسه.. قائده.. هو المسؤل عن هذه الجريمة.. وعن غيرها من الجرائم.. ولابد من محاسبتهم جميعا. ولم يكن معمر صادقا، عندما تحدث في جامعة سبها، في ابريل2007م، عما اسماه بـ"ثورة الطلاب"، فقد صور الاحداث كصراع اندلع تلقائيا بين الطلبة، معتقدا ان الاجيال الجديدة لن تجد للحقيقة طريقا.

لقد ساهمت الدولة بكل ثقلها في هذه الجرائم التي اسمتها بـ"ثورة الطلاب"، فسمحت لرجال الامن والمخبرين والمخابرات، وسمحت للكلاب المكلوبة، ولدائرة المحاكم والسجون، بالتدخل لاقتحام وتخريب المؤسسات التعليمية وقمع الحركة الطلابية، بالرغم من ان مطالب الحركة الطلابية كانت تتلخص في ذلك الوقت في الاعتراف بشرعية الاتحاد، واستقلالية الجامعة، وتعديل مواعيد التدريب العسكري العام، والمطالبة بالحريات العامة، بما في ذلك حرية التعبير، مع اطلاق سراح المعتقلين السياسيين في ليبيا. لكن النظام اختار ان يتعامل مع "الحركة الطلابية" بـ"ارهاب الدولة"، بدلا من الاستجابة لمطالبها البسيطة والعادلة في نفس الوقت.

كما لا يخفى على احد، ان الذين كانوا يضربون الشهيد ويركلونه ويبصقون عليه، والذين تأرجحوا في جثته الطاهرة، طهارة تراب ليبيا، هم الذين يمثلون الوجه الحقيقي لمعمر ونظام معمر. كما ان هذا المشهد الدموي، وغيره من المشاهد الدموية التي شهدتها بلادنا منذ اكثر من ثلاثة عقود، هي شاهد حي على ما يكنه هذا النظام السادي من كره وضغينة ومقت لليبيا والليبيين وللوطن والمواطنيين، و شاهد حي على كراهية هذا النظام لديننا وعقيدتنا ورسالة نبينا صلى الله عليه وسلم. وهذه الجريمة وحدها تكفي للدعوة الى اسقاط النظام الحالي باية وسيلة كانت، دون الاخذ في الاعتبار اية معايير او ملابسات او ظروف.

ولابد، مرة اخرى، من محاسبة الجناة جميعا.. دون استثناء.. اولئك.. الذين قبضوا على الشهيد.. والذين عذبوه.. والذين.. حكموا عليه.. والذين غيروا الحكم ليناسب مزاج السيد.. والذين علقوه.. على اعواد المشنقة.. والذين تدلوا بجثته.. وهتفوا.. فرحا.. وطربا.. لموت مسلم كانت اكبر جرائمه انه قال "ان ربي الله".

وفي الختام.. نسأله سبحانه وتعالى.. ان يكون ابن الوطن.. محمد مهذب حفاف.. بين الصديقين.. والشهداء.. ونسأله تعالى ان يتقبله بواسع رحمته.. وان يلهم اهله.. والوطن.. الصبر.. والسلوان.. وان يعوض ليبيا.. والليبيين.. عن هذا الرجل.. الامة.. خيرا.. و"انا لله وانا اليه راجعون".

لقد رحل الشهيد.. لكنه.. لم يرحل دون ان يترك مدرسة.. علمتنا معنى الصمود.. والكبرياء.. والشموخ.. في وجوه الذين يريدون ان يُنصبوا انفسهم الهة على هذه الارض.. من دون الله.. والذين يريدون ان يقولوا للناس.. لا نريكم الا ما نرى.. ولا نهديكم الا سبيل الرشاد.. والذين يريدون ان يقولوا لعباد الله.. لا نعلم لكم من اله غيرنا. مدرسة.. تركها الشهيد.. علمت هامان وقارون والنمرود وفراعين هذا العصر ان "لا اله الا الله.. وان محمداً رسول الله".

لقد صفع الشهيد غرورهم وصلفهم ورعونتهم وتكبرهم على عباد الله.. وعلمهم درسا في كل شي.. في الوطنية.. في المبادئ.. في القيم.. في الرجولة.. في الصمود.. في الكبرياء.. درسا لازالت اجيالنا.. وستظل.. تغرف منه حتى يرث الله الارض وما عليها.. ووالله كأنني اسمع الشهيد حفاف يردد قائلا:" والله لو ان لي الف روح لبذلتها في سبيل الله".. فنم قرير العين.. فأنت ابن ليبيا الوطن.. وابن لنا جميعا.. وانت في قلوبنا.. وعقولنا.. ونفوسنا.. معزز.. مكرم.. ابي.. شامخ.. ملأتنا.. بمواقفك.. عزة.. وفخرا.. وكبرياء.. على بقايا الطاغوت.. واذيال الطاغوت.. فجزاك الله عنا وعن الاسلام والوطن كل خير "ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون،إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار* مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد اليهم طرفهم، وافئدتهم هواء* وانذر الناس يوم ياتيهم العذاب، فيقول الذين ظلموا، ربنا اخرنا الى اجل قريب، نجب دعوتك ونتبع الرسل، اولم تكونوا اقسمتم من قبل ما لكم من زوال* وسكنتم في مساكن الذين ظلموا انفسهم، وتبين لكم كيف فعلنا بهم، وضربنا لكم الامثال* وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وان كان مكرمهم لتزول منه الجبال* فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله، ان الله عزيز ذو انتقام*(ابراهيم 42-47).

وإلى اللقاء.. مع وسام أخر على صدر الوطن.. ليبيا.. أرض الشهداء.

اضغط هنا للاطلاع على سلسلة " أوسمة على صدر الوطن "

د. فتحي الفاضلي
ffadhli@yahoo.com
www.fathifadhli.com
________________________

المراجع..
1- "العودة" /العدد الثاني /السنة الاولى / يونيو 1983م / مجلة دورية تصدرها وحدة العائدون/الاتحاد العام لطلبة ليبيا - فرع الولايات المتحدة الامريكية/ ص 24-27.
2- المشهد الرهيب.. والمجرم العتيد/ كلمة المسلم/المسلم/ رجب- شعبان 1403 هـ/ابريل- مايو 1983م /السنة الرابعة/ ص 4-6.
3- شخصية العدد.. الشهيد محمد مهذب حفاف/ الانقاذ/ العدد الرابع والخامس/ السنة الاولى/ شوال 1304هـ - اغسطس 1983م/ ص 83.
4- واقعة اعدام الشهيد محمد مهذب حفاف/ الانقاذ/ العدد 37/عدد خاص/ ربيع الاول 1412هـ- سبتمبر 1991م/ ص 30-31.
5- انتهاكات حقوق وحريات الانسان الليبي في ظل النظام الانقلابي (سبتمبر 1969م- ديسمبر 1998م)/ الجزء الاول / الحقوق القضائية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية/ 1419 هـ- 1999م/ ص 98. من منشورات الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا.
6- بيان حول اعدام شباب حزب التحرير/ المناضل/ العدد الاول/ السنة الاولى/ نشرة تصدرها وحدة الشهيد "لطفي امقيق" / 19 ابريل 1983م/ ص22.
7- أقدم سجناء رأي في العالم !! أنس الغريانى.
8- بعض من جرائم القذافى ضد الشعب الليبى.. شاهـد عيان على الجريمة/ وقائع شنق معلن فى ليبيا /سيد الهضاب/ موقع اخبار ليبيا.
9- قائمة الشهداء تفضح ادعاءات القذافي/ بيان عن الاتحاد العام لطلبة ليبيا/ شهداء ليبيا/العدد 25/السنة الثامنة/ ذي القعدة 1408هـ- يونية 1988م/ص21.
10- موقع ليبيون من اجل العدالة/ www.libyanforjustice.com


              
              


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home