Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Fathi Ben Khalifa
الكاتب الليبي فتحي بن خليفة


Fathi Ben Khalifa

Monday, 26 May, 2007


الأمازيغ والفلسفة
(3 من 5)

فتحي بن خليفة

في مرحلة الفلسفة الوثنية – المسيحية، وكما كان الشأن في ما سبقها من مراحل، برز عدد من الفلاسفة والقساوسة المسيح الليبيين البارزين، وكانت مدينة: قرطاجا، في ذلك العصر هي منارة الخطابة والبيان في المنطقة، ومنها برز:

ابوليوس امادوري
Apuleius Madauros
كاتب وفيلسوف أمازيغ، ولد حوالي سنة 125 م في جهة: مادورا، ( شمال غرب الجزائر حالياً ) عند تخوم جيوتوليا و نوميديا بإفريقيا الشمالية، نسب إلي جهته كما هي عادة تسمية كبار الفلاسفة والمفكرين والقادة الأمازيغ من قبل الإغريق والرومان، وكان من أسرة كريمة الأصل وميسورة الحال.
تلقي علومه الأولية ودرس الخطابة في: قرطاجا الزاهرة، ثم انتقل في البداية إلي اليونان حيث تضلع في أثينا بفلسفة أفلاطون. وكان شغوفاً جداً وأراد أن يعرف كل شيء من العلوم الطبيعية والفلك والطب، إلي الموسيقى وقرض الشعر، وكان يحب الأسفار والتنقل، فطاف بعدة بلدان وأقطار وأحتك بالعديد من الحضارات والثقافات، وبعد غيبة طويلة حافلة، عاد أدراجه ليقيم في موطنه الأصلي: شمال أفريقيا، فأستقر في: طرابلس حينا، ثم بمدينة: قرطاجا، إلي حين مماته فيها نحو سنة 180 م.
وأهم حدث في حياة جدنا: ابوليوس، والذي فجر فيه طاقاته الفكرية واللغوية الفذة، تمثل في واقعة الدعوي المغرضة التي أقامها عليه في: طرابلس، ذوو أرملة ثرية تسمي: بودنتيلا، واتهموه فيها بأنه أرغم هذه المرأة علي الزواج به عن طريق السحر والرقية الخبيثة، طمعا منه في مالها، وقد أبرأ نفسه من هذه التهم في مؤلفه الضخم الشهير: "في السحر أو دفاع ابوليوس"، وهو عبارة عن مرافعة يقدر بأنه ألقاها بين سنوات 155 - 158 م، أمام محكمة والي أفريقيا الروماني، وقد لاقت تلك المحاكمة إقبالاً غزيراً من قبل النخب المثقفة الطرابلسية في تلك الآونه. وكتاب: "في السحر أو دفاع ابوليوس"، هو الشهادة الوحيدة التي خلفها العصر الإمبراطوري الروماني على البلاغة القضائية باللاتينية.؟؟ ومن هنا لنا أن نلحظ أهميتها ودلالتها التاريخية لكونها جاءت علي لسان أفريقي أمازيغي الأصل(أي أعجمي- بربري)، وهو شأن عظماء الأمازيغ مع ثقافات وحضارات الوافدين علي مدي التاريخ، وهو الخطاب، الذي نعته مواطنه القديس الأشهر: أوغسطين، بأنه: (( عظيم الغزارة كثير البلاغة )).
أما في الشطر الثاني من حياته فنجده في: قرطاجا، وقد صار موضع تكريم الناس، ويضرب بدروسه أمثلة جديدة على بلاغة باهرة لم ينطفئ بريقها قط، وكان جمهور: قرطاجا، المثقف يقبل على سماع محاضراته ومجالسه، بمثل الحماسة التي كان جمهور: طرابلس، قد أقبل بها على حضور محاكمته، حيث كان يستثير إعجاب السامعين بفصاحته وجهوريته، فقد كان متحدثاً فصيحاً يجيد اليونانية واللاتينية بطلاقة وبالتناوب.
ومن مؤلفاته الصغرى: "أفلاطون و عقيدته"، وكتاب: "جني سقراط" الذي عرض فيه المذهب الديني للفيلسوف الشهير: سقراط، وكذلك كتابه: "في العالم"، والذي هو مجرد ترجمة بتصرف لمقالة الفيلسوف: أرسطو: "في الكون".
أما أشهر أعماله الأدبية علي الإطلاق فهو مؤلفه الخالد: "الأمساخات"، والذي سمي أيضاً بـ: "الحمار الذهبي"، وهو عبارة عن قصة في أحد عشر جزءا، وصف فيها مغامرات الشخصية الرئيسية للقصة وهو فتى يُعرف باٍسم: لوقيوس، امسخ حماراً- أي تحول إلي حمار، بفعل مرهم سحري، ثم عاد بعد مغامرات وأحداث رمزية شتى إلى صورته الإنسانية، وتنتهي قصة: "الاٍمساخات"، بالإشادة بالأسرار المقدسة، وتحديداً الجزء الحادي عشر الذي يتخلل مطلعه فرح ديني وجل، يتحول شيئا فشيئا وحتى النهاية، إلى قصة رائعة تدور حول الرؤى والمشاهدات والاٍنجدابات والنزعات الصوفية التي ترسم شخصية المؤلف بوضوح في قسمات البطل الذي لا يعود على حين غرة، هو ذلك الفتي اليوناني: لوقيوس، وإنما وبكل جلاء هو مجرد إنسان فيلسوف من جهة: مادورا النوميدية، وهو: ابوليوس الأفريقي، وفي: "الاٍمساخات"، تتجلى فعلاً كل عبقرية المؤلف ونبوغه، الذي كان من أكثر كتاب العصور القديمة اٍتصافا بالصفة الشخصية من حيث الأسلوب.

ويقول العالم الفرنسي: هنري أنطوان، عن جدنا الفيلسوف الأديب:
((.. إن من أول ما يلفت الاٍنتباه في فكر: ابوليوس، هو شساعة المعارف أو بالأحرى شمولها وكليتها، وكذلك تنوع المواقف وطراوة الموهبة التي تتعاطى مع جميع العقليات، لقد كان إذا جاز القول: "ديدرو" عصره)).

وتقول الروائية الفرنسية أني إرنو عنه كذلك: ((.. ستظل قصة: ابوليوس، (أمور وبسيشة)، تـُقرأ مادامت هناك نفوس ظمأى إلى ما هو عجيب وقلوب حساسة بالحب)).

ترتوليان - س
Tertulianus
كوانتوس سبتيميوس ترتوليان: هو لاهوتي ومنافح متشدد عن العقيدة النصرانية. ولد فيما بين سنة 155 و 160 م، في مدينة: قرطاجا كذلك، وهو واحد من أشهر الكتاب المسيحيين في عصره، وما هو معروف عن تفاصيل حياته أقل مما هو معروف عن تطور فكره المتدين، الذي يشف عنه زهاء أربعين نصا في المنافحة والتنسك والأخلاق، والي حين مماته في عام 230 م.
كان: ترتوليان إفريقيا من أسرة وثنية، تلقى في: قرطاجا، تأهيلا أدبيا وقانونيا معا، وعاصر في شبابه مجالس وخطابات الفيلسوف المفكر: ابوليوس، وما اندماج جانبي الأدب والقانون في فكره، إلا السبيل الذي أتاح له أن يصيب الشهرة التي أصابها في ممارسة المنافحة والتناظر، التي كان المتقدمون عليه من الكتاب باللغة اليونانية قد أرتقوا بها أصلا إلى مستوى رفيع من الكمال. وتفيد بعض الاٍعترافات المتضمنة في مؤلفاته جزأً من الخطايا التي اقترفها في شبابه، فهو يتهم نفسه بأنه مقترف للزنا وأنه تردد كثيراً على أماكن الفسق والدعارة. وما نعرفه عن مجونه وتمرده هو أكثر على كل حال مما نعرفه عن اٍعتناقه للنصرانية و زمن تدينه، والذي يـُقدر قريباً من العام 190 م، وربما في أثناء مقام له في روما. وتحمل تلميحاته على الاٍعتقاد بأنه انفعل أشد الاٍنفعال حينئذ لبطولة المسيحيين وهم يساقون إلى الموت و"الشهادة"، وبأن قدرتهم الهائلة على الإقناع قد أدخلت في ذهنه أنهم يجسدون الحقيقة التي لا تقاوم،(( والتي لا يأتيها الباطل لا من بين يديها ولا من خلفها ؟؟؟)) فتحمس الفيلسوف الشاب حيينها للعقيدة الجديدة، ولدرجة الشطط والتطرف، وكما هو حال أحفاده من بعده، وإلي يومنا هذا ؟
كان: ترتوليان، متزوجا، وأيضا كان كاهنا، وتشهد مقاطع كثيرة من مؤلفاته على ذلك. وكتاباته في الفقه الكنسي والمحاجة والأخلاق تؤشر إلي الحماسة والذكاء معا، وتنم عن قوة في الشخصية، واٍن كانت بلاغته لا تخلو من ثقل أحياناً، ولا تقارن ببلاغة مواطنه ومعلمه: ابوليوس، ولئن كانت حججه القانونية وحرارة اٍقتناعه وقوة ردوده الملتهبة تستثير الإعجاب، فاٍن: ترتوليان، لا يعرض عن ركوب مركب التحيز الذي يولده الميول والهوى الذاتي، فإذا بالسخرية والتهكم والضغينة تتقدم في كثير من الأحيان على تقديم الحقيقة.
انضم: ترتوليان، ومن شدة غلوه وإسرافه، إلى شيعة: مونتانوس المتطرفه. وتجلي تشدده في نصوصه ذات النزعة الأخلاقية، فهو لا يتردد في تصنيفاته: "ضد المسارح" ( 198 - 202م )، و"التوبة" (203 - 204م)، وفي "الأخلاق" (200 - 206م )، في إبداء آراء تتناقض تناقضا فاضحا مع إجماع مذهب الكنيسة، فهو يدين إدانة قاطعة مثلا، في كتابة: "الحض على العفة" 208م، الزواج الثاني ويعتبره ضربا من الزنى.؟ كذلك فاٍنه يستبعد، في كتابه: "تاج الجندي" (211-212م)، النصراني من الخدمة العسكرية، بل وأنه لا يعترف للنصراني، في رسالته التي تحمل عنوان: "في الهرب من الاٍضطهاد" 212م، بالحق في الحرية والهرب من الاٍضطهاد، إلتزاماً بتعاليم المذهب المونتانوسي، مع أنه كان ذهب من قبل إلى العكس من ذلك باسم الإنجيل والكنيسة.؟
وهذا التشدد، الذي أبعده نحو عام 213م عن الكنيسة، اقتاده فيما بعد إلى أن يؤسس، هرطقة جديدة تحمل اسمه، وتُنسب إليه: الترتوليانيه، والتي لم يرتد عنها آخر أتباعها إلا علي يد مواطنه القديس: أوغسطين.
ومن مؤلفاته الغزيرة كذلك:
: "الدفاع" 197م – "رسالة التعليمات ضد الأمم"- "الرد على مرقيون" 200م – "الرد على: هرموجانس" 202-203م – "في أصل النفس" 203م - "الرد على اليهود"197م – " في الصبر" 200- 203 – "في النفس" 208-211م – "رسالة اٍلى سقابولا" 212م- " الرد على براكسياس" 217-222م – "في الزواج الأحادي" 217م.

ويقول الفيلسوف الفرنسي الفذ: ديدرو، عن: ترتوليان:
(( ترتوليان، ذلك الأفريقي المندفع الذي كان لديه من الأفكار أكثر مما لديه من الألفاظ )).

وحول "ظاهرة": ترتوليان، إن صح التعبير، يقول أشهر الفلاسفة الفرنسيين المعاصريين: جان جوليفيه:" جاء ترتوليان، إلى المسيحية في الثلاثين من العمر، بعد أن خيبت آماله وتطلعاته المذاهب الوثنية، ومن ثم فقد قدر أنه بلغ أخيرا إلى الحكمة والحقيقة، وبات لزاما عليه بالتالي بعد أن اٍمتحن الفلاسفة ، أن يدينهم جميعا لأنهم لم يفلحوا في رأيه أن يعرفوا ولو نزرا يسيرا مما يعرفه أبسط مسيحي، وهكذا عارض أثينا بأورشليم، والأكاديمية بالكنيسة، ولئن رفض مبدأ: الغنوصية تحديداً: أي تركيز الجهد على دمج الفلسفة والنصرانية معا، فلأن: الغنوصية، تدل بوضوح على أن الهراطقة يولدون من الفلاسفة : ففالانتينوس ولد من الأفلاطونيين، ومرقيون من الرواقيين، والأبيقوريون ينفون خلود النفس، والشيع جميعا تنفي البعث، وزينون يؤله المادة ، وهراقليطس يؤله النار، وأرسطو اٍخترع قواعد الجدل، أي أدوات الهرطقة بذاتها، وهذا مع أن قاعدة الإيمان تستكفي بنفسها : فالعلم الحقيقي والتام هو أن يجهل المرء كل ما ينقضها، ولا مجال لحل وسط مع الفلسفة ".

ويبقي القول عن : ترتوليان، "بأنه كان مثالاً لا ينسى في العصر المسيحي القديم على تلك السقطات المؤلمة المريرة، التي من الممكن أن ينزلق معها بوجه خاص صفوة المفكرين الأذكياء"، من أبلغ ما قيل عنه. وبالرغم من كل هذا فقد ظل فكر ونهج هذا القسيس الفيلسوف ذا تأثير علي العديد من معاصريه وتلامذته، فها هو القديس: ييرونيموس يقول: (( لقد كان القديس: كبريان- س، من أكثر المعجبين به حماسة، وكان يتخد من كتبه قوته شبه اليومي ))، فمن هو:

القديس: كبريان - س
Saint ;Cyprianus
هو من آباء الكنيسة اللاتينية، ولد في مدينة: قرطاجا، نحو عام 210 م، ومات على مقربة منها في 14 أيلول 258م . كانت أسرته أفريقية وثنية وذات مال وجاه، وقد أصاب أول الأمر شهرة كبيرة كمدرس للبيان في: قرطاجا، ثم اٍعتنق النصرانية نحو عام 245 م، وخلف في عام 249 م : دوناتيوس على أسقفية قرطاجا.
ومن أبرز مواقفه الفكرية والفلسفية، احتجاجه على عبادة الأوثان في كتابه: "الآلهة" 249م، وقد حارب الوثنية بحجج مستمدة من فلسفة ونهج مواطنه ومعلمه ومثله الأعلي: ترتوليان، الذي عاصره في شبابه، وأعلن في مؤلفه: " الشهادات"، عن أفول نجم اليهودية، أمام بيان المسيحية وسماحة خطابها،وترتبط بنشاطه الأسقفي تصنيفاته المتعددة في التأمل والأخلاق كما في مؤلفه: "في سلوك العذارى" 249م، و"في نفع الصبر" - "في الحسد والغيرة" 256م، وقد دخل القسيس: كبريان، في نزاع مع كنيسة روما حول مسألة معمودية الهراطقة، وقال بضرورة تجديد عمادهم، من باب قبول الأخر، على أن كنيسة روما وكنيسة اٍفريقيا عادتا إلى ما كانتا عليه من وحدة لما شن الأمبراطور: فاليريانس، حملة اضطهاد النصارى، فاعتقل الأب : كبريان، في منتصف عام 258 م، بسبب أرائه ومواقفه ونفي، وكان آخر كتبه: "الحض على الشهادة"، ثم أعدم بقطع رأسه في 14 أيلول 257 على مرأى من أتباعه ومناصريه.

يتبع ..

تجميع وتقديم : فتحي بن خليفة
________________________________________________

المصادر :
_ Dictionnare Larousse de la philosophie
_ A history of western philosaphy-Russell
_ معجم الفلاسفة،من إعداد: جورج طرابيشي



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home