Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fawziyah Baryoun

Saturday, 25 February, 2004

تحية تـقدير وعـرفان
للأستاذ محمد بشير المغـيربي

د. فوزية محمد بريون

إن جيلنا ـ لاشك ـ مدين للجيل الذي سبقه بأمور كثيرة ليس أقلها الاعتراف بجهود نخبة منه حملت لواء الريادة في مجالات عديدة، وحافظت على وضوح في الرؤية، وصمود على المباديء، وإخلاص للوطن تحت كل الظروف. ومن أوائل رجالات هذا الجيل الأستاذ محمد بشير المغيربي ـ أمد الله في عمره ـ الذي كانت له في السياسة والصحافة والشعر صولات وجولات.

كان الأستاذ بشير في مطلع شبابه أحد قادة "جمعية عمر المختار" التي كان لها أثر بارز في التاريخ السياسي والثقافي والإجتماعي لليبيا قبل وبعد الإستقلال.. فقد تولى أمانتها العامة لسنوات طويلة، لعب خلالها دور الرائد والقائد والناشـط مع ثلة مخلصة من أبناء جيله. ولولاه لاندثر تاريخ هذه المؤسـسة الرائدة.. فقد وفقه الله لجمع وثائقها وبياناتها ومعاركها السياسية والصحفية في كتاب تزيد صفحاته عن الخمسمائة، أهداه إلى زوجي عندما قمنا بزيارته في بيته بمدينة أبوظبي في فبراير 1998، بعد أن منّ الله عليه بالشفاء إثر مرض ألم به ونقل على إثره للعلاج بسويسرا على نفقة ولي عهد الإمارات آنذاك باعتباره أحد مستشاريه، حيث كان الأستاذ قبل ذلك سفيراً لبلاده في تلك الديار.. وقد سـرّ الأستاذ بشير وزوجته الفاضلة السيدة دولت مخلوف بزيارتنا الأخوية بعد سنين طويلة، وكانت جلستنا مكتظة بالذكريات التي قفزت إلى فترة جريدة "البلاغ" التي كنت عضواً بمجلس إدارتها ومشرفة على صفحة "نصف المجتمع" فيها، مروراً بلقاءات تمت بطرابلس والقاهرة يوم زواج ابنه البكر نوري، واختلط فيها حديث الشجن والذكريات بحديث السياسة و"جمعية عمر المختار" وعبدالناصر والمعارضة في مجلس النواب، انتهاء بالشعر حيث أملى عليّ من ذاكرته قصيدة كان قد قالها في الملك إدريس في الخمسينيات ليست بين يديّ الآن.

تحدّث لنا الأستاذ بشير عن أيام "جمعية عمر المختار" التي أسسها بعض من الشباب الليبي المهاجر في مصر عام 1942، حين كانوا يلتفون حول شخص الأستاذ مصطفى بن عامر الذي كان يعتبر رمزاً وطنيا وشخصية متفوقة في جيلها، إذ تربى ودرس في مصر بعد هجرة الأسرة إليها، وتخرّج من كلية دار العلوم بعد أن حصل على الثانوية الأزهرية.. وقد شجع بن عامر الفكرة ورعاها فصودق على القانون الأساسي في القاهرة، حتى إذا أزاح البريطانيون الإيطاليين من بنغازي أذنوا للجمعية بممارسة نشاطها ، فكانت لها برامج رياضية وكشفية وتعليمية وسياسية أيضاً.. كما كان لها صحيفة ناطقة باسمها هي "بريد برقة" التي صدرت عام 43 ،ثم تغير اسمها إلى "الوطـن" عام 47 (وقد صارت لسان حال الجمعية الوطنية فيما بعد ، بينما كانت مملوكة في الظاهر لمصطفى بن عامر وتطبع في مطبعة المحيشي التي يمتلكها أحمد رفيق المهدوي).. كما أصدرت الجمعية مجلتين ثقافيتين هما "ليبيا" و"عمر المختار" لكنهما لم تستمرا طويلاً.. والشيء الذي لا يعرفه الكثيرون هو أن الفضل يرجع للأستاذ المغيربي في إنشاء أول فرقة كشفية في ليبيا تحت مظلة الجمعية، والمطلع على برامج هذه الفرقة يستطيع أن يلمس ما كانت تتميز به من تنظيم وانضباط ونشاط.

لقد كان للأستاذ المغيربي اليد الطولى في كتابة المقالات وصياغة المذكرات والبيانات التي تصدر عن الجمعية، فقد كان ذا قلم سيّال وأسلوب سلس متميز، وكان مع الأستاذ بن عامر الفكر المدبّر واللسان الصادع والقلم المسلول.. ولم تكن الجمعية ـ رغم مساندتها للأمير السنوسي وولائها له ـ تخفي تشككها في حليفته بريطانيا، بل كانت تهاجمها جهارا نهارا.. ولم تكن تترك فرصة لتحذيره من خططها ومن بذور الفرقة التي تعمل على زرعها بين أبناء الوطن الواحد.. أما قضية وحدة ليبيا واستقلال كامل ترابها، فقد كان للجمعية الدور الأكبر في الضغط على الأمير وحليفته والنخبة السياسية وقتئذ، من أجل ألاّ يتم الاكتفاء باستقلال برقة وحدها وتقسيم البلاد أو ترك جلها للوصاية. كما كان للأستاذ المغيربي دور وطني في الربط بين شرق البلاد وغربها حيث كانت تربطه علاقات طيبة مع بشير السعداوي وأحمد المريض وأبو الأسعاد العالم وأحمد الحصائري وغيرهم..

والأستاذ المغيربي لم يكن أبداً شخصية إقليمية منغلقة، أو ليبية محدودة، بل كان معروفا بتوجهه القومي وتمسكه الإسلامي، وهو ما جعله يكوّن علاقات أخوية وتنسيقات سياسية مع مناضلين تونسيين وجزائريين ومغاربة ومع غيرهم من العرب، دعا بعضهم إلى الجمعية والتقي مع بعضهم الآخر في القاهرة التي كانت مركزا حضارياً جاذبا آنذاك.. وقد جمعته علاقة صداقة بالحبيب بورقيبة أثناء نضاله لاستقلال بلاده، ومع بن بله وفرحات حشاد وأحمد توفيق المدني ورفاقهم.. كما عرف صالح بن يوسف والمنجي سليم وعلال الفاسي وعبد الكريم الخطابي وغيرهم من نخبة الأمة العربية والإسلامية.. ولم يكن يألوا جهداً ولا قلماً في مساندة شعوب المغرب العربي في نضالها ضد الإستعمار الفرنسي.

الدور الأقرب الذي يذكره جيلي للأستاذ المغيربي كان أثناء توليه النيابة في البرلمان الليبي.. وهو الأسلوب الذي لجأ إليه أعضاء الجمعية بعد حلها وحل غيرها من التنظيمات ومؤسسات المجتمع المدني الواعد.. فقد شهدت الستينيات ظهور حركة معارضة قوية ضد الفساد والمعاهدات الأجنبية. وقد تزعم الأستاذ المغيربي حركة سحب الثقة من حكومة عبدالمجيد كعبار على حيثيات مشروع طريق فزان الشهير، حيث وجه رسائل إلى رئيس الوزراء ونائب رئيس البرلمان مطالبا بمساءلة الوزير المختص بخصوص زيادة مبلغ العطاء، وعندما لم يحدث هذا عمل الأستاذ المغيربي على تجميع اثنين وثلاثين توقيعا من النواب لسحب الثقة من الحكومة برمتها.. وليس آخراً ما قام به من تشكيل كتلة معارضة للقواعد الأجنبية داخل البرلمان كانت مكونة من الشيخ محمود صبحي ـ شفاه الله ـ والسائح فلفل والفيتوري زميت ومحمد الرماش، حيث تقدموا بمشروع قانون بالغاء المعاهدات البريطانية والأمريكية، جنبا إلى جنب مع كتلة أخرى مكونة من سبعة نواب يتزعمها الأستاذ على مصطفى المصراتي.. وربما لا يعرف الكثيرون بأن الأستاذ المغيربي كان أول من اعترض على هذه الإتفاقيات قبل توقيعها من قبل الحكومة الليبية، فكتب في جريدة "الدفاع" عام 53 مقالا في شكل رسالة إلى رئيس الوزراء الذي كان موجودا بلندن بعنوان "اقطع حديث المعاهدة، وابدأ حديث الجلاء يا رئيس الوزراء".

إن هذا قليل من كثير من تاريخ رجل يستحق كل تكريم وعرفان.. وتجلة وتقدير.. فله منا الدعاء الصادق بأن يمد الله في عمره حتى يرى ليبيا التي وهبها شبابه وقد ارتدت حلة تليق بها، وتسنمت مقاماً طالما رسمه لها في أحلام الشباب ودعا به في ابتهالات الشيخوخة..
إنه على كل شيء قدير.

دكتورة فوزية محمد بريون


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home