Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fawziyah Baryoun

Sunday, 22 January, 2004

 

النخبة الليبية.. بين جـيلين
( 1 من 2 )

د. فوزية محمد بريون

المتتبع للكتابات والتعليقات في المواقع الليبي، والباحث عما في سطورها وما وراء سطورها يلحظ أنه قد بدأت تنتشر بيننا نزعة قبلية متخلفة، وتعصب جهوي مقيت ، ينفر منه صاحب كل قلب سليم، وعقل مستنير، ويرفضه كل ذي أفق واسع وذهن متفتح. والحقيقة أن سريان هذه النزعة كالعدوى، إنما يدلّ على وجود نقائص تعتري الذات الوطنية، وعيوب تعاني منها الشخصية الليبية، في عاداتها الفكرية وأنساقها الثقافية والقيمية.. خاصة إذا ما نظرنا للظاهرة على ضوء الملابسات الإقليمية والعالمية، والتي تضعنا على مفترق الطرق، وفي مهب تيارات قاصمة ميزت مطلع القرن الجديد.
وإذا أردنا أن نبحث هذه النزعة فلابد من أن نجعل مرجعيتنا في ذلك عاملين أساسيين :
الأول: ديننا العالمي السمح، الذي يقر بأن أعظم مقومات الأمة وأساس قوتها إنما يكمن في تنوعها العرقي واللغوي والثقافي، داعيا كل عناصر الأمة إلى الإعتراف بالآخر والإنفتاح عليه (لتعارفوا).. مؤسساً لقاعدة أخلاقية وحضارية لازمة، وهي أن أفضل الناس وأكرمهم ليس هو من ينتمي إلى عرق بعينه أو قبيلة بذاتها، وإنما هو الأكثر تقوى.. أي هو الشخص الذي ينضبط بمعايير الإسلام، ويتفاعل ضمن حدودها، سالكاً مسلك العدل وحسن الخلق، ومراعاة حقوق الآخرين عليه، والانتصاف من نفسه لهم.
الثاني: هو هذه الحياة التي نحياها بكل ملابساتها وتياراتها، وبكل محنها وابتلاءاتها. وأولها هذه العولمة المستبدّة التي تفرض على "الشعوب والقبائل" التي تنتمي إلى نسق ثقافي واحد، ومدار حضاري تاريخي جامع.. كما تفرض على الجماعات التي تتقاطع مصالحها، وتتقارب حدودها الجغرافية، ومواردها البشرية والمادية، أن تتعاون وتتآلف وتؤلف خطة مشتركة للتعايش والتضامن المادي والمعنوي.. من أجل أن يكون لها في العالم موضع قدم، وفي التاريخ والحضارة بصمة بنان.
والحقيقة أن هذين العاملين هما قانونان نافذان، يفعلان فعلهما في هذه المرحلة الهامة من تاريخنا ، ويؤثران في جميع مناحي حياتنا.. شئنا هذا أم أبينا، ووعيناه أم لم نعه.. ولذلك فمن المؤسف أن تنحرف النخبة الليبية إلى خارج حدود الزمان والمكان، وبعيداً عن أخلاقيات ذات المباديء التي تدّعي اعتناقها، فتقع في مستنقع العصبية القبلية، والتحيّز الجهوي.. بل وتنحدر إلى مستوى مؤسف من السب والشتم، والتعريض والهمز واللمز، يجتمع على ذلك من يدّعي الأممية الإسلامية، والأممية الإشتراكية.. ومن بينهما.. كما يجتمع عليه كثير من الذين لا ينتمون إلى فضاء أيديولوجي بعينه!.. وهي ممارسات لا تزيدنا إلاّ ضعفاً وتشتتاً، وتفوّت علينا فرص أن نكون جماعة أو جماعات فاعلة، ونحن الذين خرجنا إلى رحاب العالم الأوسع فرأينا بأم أعيننا كيف يكون التنوع والإختلاف مصدر قوة وإثراء.. ونحن الذين نشدنا الحرية وأمهرناها أجمل سني عمرنا، وخبرنا معنى الكرامة الإنسانية، وقيمة استقلالية الفكر وحرية الرأي والتعبير.. بل وندّعي أن هدفنا في الحياة أن تتحقق هذه الحرية وتلك الكرامة لأبناء شعبنا وللناس أجمعين، بينما نمارس نحن فيما بيننا قيم التعصب والإقليمية، ونؤسس لثقافة العرق والقبيلة والأفق الضيّق فلا يترك بعضنا فرصة دون إذكاء شررها وإلهاب أوراها.
فهل هذه عيوب ونقائص متمكنة من تكويننا الشخصي وتنشئتنا الإجتماعية وممارساتنا الثقافيةالتي تمليها أنماط تفكيرنا وسلوكنا، المتوارث والمكتسب؟
إن التقسيمات الجغرافية والعرقية والسسيولوجية شيء طبيعي وحقيقة تاريخية لازمت البشرية منذ طفولتها الأولى، وستظل تلازمها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. فمن قديم العصور عرف اليونانيون أثينا وأسبرطة.. ووجدت إبّان العصر الجاهلي مملكتا الحيرة والغساسنة وفي عهد الإسلام الأول كانت هناك مكة والمدينة (وإلى الآن مازال هناك نجد والحجاز)، وفي العصور الأخرى وجدت الكوفة والبصرة، والشام وبغداد، والمشرق والمغرب.. وفي كل بلاد يوجد البدو والحضر، وسكان المدن والأرياف، وأهل السهول والسواحل وضفاف الأنهار، كما يوجد أهل الصحارى والجبال والواحات.. هذه هي حقائق التاريخ والجغرافيا والإجتماع والأنثربولوجيا. ولا شك أن المجتمع الواعي، أو دعنا نقل أن النخبة الواعية هي التي تبحث عن القواسم المشتركة بين عناصر ومكونات مجتمعها، وهي التي تعترف في الوقت نفسه بالفروق الفردية والجماعية وبالتنوع والإختلاف، وتنظر إلى ذلك كله باعتباره عامل إغناء وإثراء، لا انقسام وتشرذم... فكيف ننزع نحن إلى عكس ذلك في وقت ندّعي فيه بأننا نمثل النخبة، أي خلاصة المجتمع وطليعته، ومستوى متقدم من عالم فكره وثقافته وفاعليته الفكرية والأخلاقية؟
إننا إذا نظرنا من الخارج إلى صفاتنا كشعب، نجد أن من عاشرنا وأقام بين ظهرانينا يشهد لنا بالطيبة الفطرية الصافية ، وبالشهامة والكرم وحسن العشرة.. فكيف نستطيع إذاً أن نفسر هذه الظاهرة السلبية التي بدأت تشوب تعاطينا الثقافي والسياسي، وتعاملنا مع بعضنا البعض؟.. لمصلحة من هذه الدعوات القميئة والإشارات المبطنة، والتصنيفات المتخلفة من شراقة وغرابة، وبدو وحضر، وتوصيفات أخرى ما أنزل الله بها من سلطان؟ حتى أن بعض المحسوبين على التأريخ والدراسة الأكاديمية لا يرعوي أن يركز على جهته وإقليمه وعلى من تجمعه به العصبية القبلية، بينما يبتسر تاريخ من عداهم ويمر على دورهم في الجهاد وتحرير البلاد مرور الكرام.. والله وحده يعلم إن كان سبب ذلك مجرد الجهل والكسل أم التعصب والتحيز والعمى الجهوى!
إن ظاهرة انتشار النزعة القبلية والتحيز الجهوي بيننا الآن، وفي هذه الظروف وهذا العصر انما تعكس عيوباً جوهرية في الذهنية والشخصية الليبية.. وهو ما يجب أن نعترف به ونقف عنده ونتصارح حوله. لقد عرف تاريخنا ألواناً من الاختلاف في الاجتهادات السياسية والفكرية، عند النظر في تنظيم شؤون البلاد، في فترة محددة من تاريخناالمعاصر.. لكنّ جيل تلك الفترة ـ بكل ملابسات المرحلة واشكالات الزمان والمكان ـ قد استطاع في معظم الأحوال معالجة اختلافاته، وتجاوز خلافاته، وتقديم مصلحة الوطن ووحدة كيانه.. لقد جاهدوا نفوسهم الأمارة بالسوء، وتغلبوا على تحيزاتهم القبلية والجهوية والعرقية، وارتقوا إلى مستوى المسؤليات التي ابتليوا بها.. ولا نشير هنا إلى السياسيين الذين كانوا يعملون على الوصول إلى كراسي الحكم ومراكز النفوذ، ولكننا نعني النخبة التي تعاملت مع الفكر والثقافة والكلمة والرأي.. لقد سمت هذه النخبة على سلبيات الواقع وأردان العصبية في وقت كان التعصب علامة من علامات "الرجولة والنخوة"!، وفي ظرف لم تكن فيه الموارد المادية والبشرية، كما لم تكن الإمكانات الفكرية والثقافية على المستوى المتوفر لدى نخبنا المعاصرة، خاصة تلك التي تعيش خارج البلاد وتأمل في أن تؤثر في تغيير واقع الوطن والأمة..
فلماذا نجحوا يا ترى وفشلنا؟.. ألأن الوازع الأخلاقي كان أقوى في نفوسهم بحيث لم تكن ضمائرهم لتسمح لهم بأن يسجل عليهم موقف يؤدي إلى التفرقة والإنقسام؟.. إن هؤلاء لم يكونوا حتماً جيلاً من الملائكة، بل كانوا بشراً موسومين بالنقصان.. ومع ذلك فإن نظرة سريعة لتاريخنا الثقافي كفيلة بأن تبين لنا البون الشاسع بين نخبة الأسلاف في تعاملهم الشخصي والموضوعي مع بعضهم البعض والنخبة المعاصرة التي تفوح من بين سطورها وسلوكها رائحة التعصب النتنة.. وسنتناول في الحلقة القادمة بعضاً من الصور المشرقة التي سـطرتها خبة جيل الأسـلاف في هذا المساق.. علها تكون عبرة لمن منا يعتبر.. وقدوة لمن يقتدي.

د. فوزية محمد بريون


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home