Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fawziyah Baryoun

Monday, 19 December, 2004

تـقدير وعـرفان للأستاذ مصطفى السراج

د. فوزية بريون

اطلعت ـ عبر موقع ليبيا اليوم ـ على مقدمة كتاب الدكتور محمد المفتي حول المجاهد مصطفى السعداوي، فسرتني أيما سرور المقابلة التي أجراها الكاتب مع أحد رواد الثقافة الليبية، وأحد المناضلين المخضرمين، وهو الأستاذ مصطفى السراج، أمدّ الله في عمره، وأدام عليه العافية وتوقد الذهن، وقوة الذاكرة.
ولقد اتصلت في يناير من عام 74 بالأستاذ الفاضل مصطفى السراج ووجهت إليه بعض الأسئلة حينما كنت طالبة متحمسة تعد للماجستير في الأدب العربي عن أطروحتها "القصة القصيرة في ليبيا: نشأتها وتطورها" تحت إشراف المرحومة الدكتورة سهير القلماوي.. وكنت قد تمكنت قبلها من الاطلاع على مجلد يضم أعداداً متفرقة من مجلة "ليبيا المصورة" التي رأسها عمر فخري المحيشي في العقد الرابع من القرن الماضي، ولكن المجلد اختفى من رفوف "مكتبة المحفوظات" التي كنت أتردد عليها للاطلاع على بعض المراجع التاريخية فيها. ولم يستطع أحد من المسئولين حل لغز اختفاء المجلد أو الوصول إلى السارق ( وبهذه الطريقة ضاع العديد من الوثائق التاريخية والعلمية والأدبية).. ولقد حاولت الحصول على أعداد أخرى من المجلة دون جدوى ، مما جعلني أفشل في التأريخ لبدايات القصة القصيرة التي كانت "ليبيا المصورة" التربة الراعية لبذورها. وكنت قد عرفت من مطالعاتي الأولى أن الأستاذ مصطفى السراج من الشباب الذي انتموا إلى مدرسة "ليبيا المصورة" وساندوها ونشروا انتاجهم فيها. كما كان أحد القلة الذين أتقنوا اللغة الإيطالية، ولم يكتفوا بتعلمها في حدود الشئون الإدارية والمعيشية والسياحية، وانما تمكنوا من النفاذ إلى عبقريتها، وتذوق بلاغتها، ومواكبة ابداعاتها الأدبية، وخاصة فن القصة القصيرة الذي كان فنا مستحدثا وخاصة بالنسبة للناشئة المتأدبة في ليبيا.
بدأ الأستاذ السراج نشاطه الثقافي بكتابة المقالة، ثم ترجم منذ عام 38 نصوصا ًمن القصص الإيطالي نشرها في "ليبيا المصورة"، حيث كان مع زميله الكتور وهبي البوري ـ أطال الله عمره ـ رائدان في مجال التمهيد لنشأة القصة القصيرة، وتقديم هذا النوع الأدبي لقراء المجلة من شباب جيلهم المتعطش آنذاك للحراك الثقافي والإجتماعي، وللابداع الأدبي.
ولقد حظيت بمقابلة الدكتور البوري في نفس الفترة الزمنية، وسجلت إفادته عن القصة والحركة الأدبية وصديقه المحيشي، وهي معلومات قيمة وموثقة في أطروحتي التي لم يقدر لها أن تر النور. وفي الوقت الذي تجاوز فيه الدكتور البوري حدود الترجمة إلى فضاء الكتابة الإبداعية ، اكتفى الأستاذ السراج بالترجمة.. ولعله انصرف بكله عن هموم الكتابة إبان فترة الحرب العالمية الثانية، متوجها إلى ميدان العمل السياسي والمعارضة الوطنية، فأدى بذلك دورا هاماً في مجالات النشاط الوطني والحزبي والبرلماني في أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته.
ولعل الأستاذ السراج الذي توجهت إليه بأسئلتي عام 74 عن القصة والأدب وليبيا المصورة، هو الذي أخبرني بأن السيد عبد المجيد كعبار ـ رحمه الله ـ، وهو من السياسيين المثقفين، يملك الأعداد الكاملة لمجلة "ليبيا المصورة"، فكان أن دلني على ما مكنني من ردم الهوة التاريخية بين المقال السردي في العشرينيات والفن القصصي في الخمسينيات ( بعد أن عدلت خطتي مضطرة على هذا النحو).. وبالفعل اتصلت بالسيد عبد المجيد كعبار فلم يتأخر ـ رحمه الله ـ في تقديم العون لي، وذلك رغم حرصه الشديد واعتزازه البالغ بالمجلة، لدرجة لم يسمح لي فيها بإخراج مجلد واحد منها خارج مكتبه. وقد اضطررت آنذاك ـ بمساعدة زوجي وعونه ـ إلى استعارة آلة نسخ وتصوير من الأخ ابراهيم الغويل ونقلها إلى مكتب السيد كعبار من أجل تصوير النصوص القصصية، المترجم منها والمبتكر، مما نشر في هذه المجلة.
وعودة إلى دور الأستاذ مصطفى السراج، أذكر أنه قد أفادني بأنه قد بدأ في ممارسة كتابة المقال منذ أن كان مدرّسا بأحد مدارس هون في جنوب البلاد، وقد شجعه على الكتابة ومطالعة الآداب قاضي هون آنذاك المرحوم الشيخ محمد الهنقاري الذي كان أيضا أحد كتاب مجلة ليبيا المصورة. وقد ذكر لي الأستاذ السراج ـ كما هو مذكور في أطروحتي ـ أن الشيخ الهنقاري كان من أوائل الذين حاولوا كتابة المسرحية التاريخية.. ولكم أتمنى من الباحثين أن يتعقبوا هذه الحقيقة وان يسعوا في الحصول على نصوص ووثائق تؤكد هذه المعلومات وتسهم في رصد وكتابة تاريخنا الثقافي المهمل.
وقد اتصل الأستاذ السراج بعد انتقاله إلى العمل في بنغازي بعمر فخري المحيشي وتكونت بين الرجلين صداقة أدبية وصحفية استمر بفضلها في تزويد المجلة بمقالاته وترجماته. وقد لاحظت في أطروحتي بأن تلك الترجمات كانت تجنح إلى الأسلوب الأدبي المعاصر، والبعد عن التكلف والسجع والمحسنات البلاغية (وهو الذي كان سائدا آنذاك، بل وكان مقياساً للجودة الأدبية).. ولعل ذلك هو ما دفع رائدا آخر هو المرحوم الأستاذ علي الفقيه حسن ، مؤسس النادي الأدبي في الأربعينيات ، وعضو مجمع اللغة العربية في الستينيات والسبعينيات، لأن يصف المحاولات الأولى للقصة القصيرة بأنها "إسفاف وشذوذ من حيث الأسلوب الإنشائي الذي لا يتمشى مع قواعد الأدب العربي المتين." ولكنه رحب بها إذا كانت " تدافع عن الفضيلة وتحمي الأخلاق الإسلامية وتدعو إلى إصلاح المجتمع."
إن الحديث حول تاريخنا الأدبي والثقافي لذو شجون، ولكن التطويل في موقع الإختصارمخلّ بلا شكّ فما كتبت هذه السطور إلاّ لأحيّ الأستاذ الفاضل مصطفى السراج، وأشير في عجالة إلى دوره الريادي ـ الحافل حتما بتفاصيل لا تعرفها النخبة الليبية ـ وأكرّم في شخصه الفاضل جيلاً طُمست آثاره، وهُمش دوره، وأُهمل الإعتبار بخبرته وتدارس تجاربه.. إن الأستاذ السراج وأمثاله يعيشون بين ظهراني خمسة ملايين من البشر، فمن يا ترى يعرف لهم قيمة أو يقدّر لهم دور؟
فتحية للأستاذ السراج الذي قصّر جيلنا في تكريمه..
ودعاء خالص أن يطيل الله في عمره حتى يرى ما يسره في وطنه وأمته.

د. فوزية محمد بريون


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home