Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fawziyah Baryoun

Sunday, 8 July, 2007

ذكريات المنتصر... صفحة من تاريخنا الثقافي

د. فوزية محمد بريون

اطلع معظمنا على ما نشره الأستاذ الفاضل بشير السني المنتصر في "أخبار ليبيا" من حلقات متتابعة، حوت مذكراته وذكـرياته خلال مرحـلة هامة من تاريخ الوطـن ، كان فيها من النخبة المؤهلة التي تقلدت مناصب عامة وهامة ، سياسية ودبلوماسية ودولية ، مكنته من أن يكون قريبا من صنّاع القرار وملماً بملابسات الأحداث ، ومواقف الأشخاص ، ودوافع وخلفيات مفاصل هامة من أنشطة أعضاء الحكومة وأفراد المجتمع، وذلك منذ بداية تكوّن الدولة الليبية الناشئة ، وحتى خروجه من دائرة الضؤ السياسي بعد انقلاب سبتمبر .. ثم عودته كمواطن متفاعل مع الحياة ومنخرط في مجالات هامة أخرى محلية ودولية... وتعتبر هذه الحلقات جهداً قيماً وصورة غنية الجوانب ومتنوعة الخيوط نسجها قلمه في تلقائية ووضوح وصدق.
وتعتبر كتابة التراجم والمذكرات والسير الذاتية رافداً مهماً من روافد التاريخ الثقافي لأي مجتمع . كما تعتبر مؤشراً على التزام النخبة وشعورها بمسؤليتها في الإدلاء بشهادتها على مرحلة تاريخية تزخر بالأحداث والأشخاص والمـواقف ، وتمتليء بالســياقات المختلفة المـتوازية والمتقاطعة ؛ حيث يكون كتاب هذا اللون السردي الحي ـ كونهم الأقرب إلى تلك الأحداث والوقائع والشخصيات ـ الأقدر على إعطاء صورة قيّمة ـ وإن كانت جزئية ـ لفترة أومرحلة تاريخية ، من وجهة نظر شخصية ، يكون فيها التوجه الموضوعي ملموساً ، كما يكون فيها البعد الذاتي مفهوما ومقبولاً ومأخوداً في الاعتبار. ولقد ابتلينا ـ نحن الليبيين ـ بتاريخ ثقافي مطموس ومحدود رأسياً وأفقياً ، وذلك بسبب عدة عوامل ليس أقلها ضعف الاهتمام بذلك التاريخ، وعدم الانتباه إلى أهمية تسجيله ورصده ، مع تهميش المصادر البشرية الملمة بتفاصيل تطور حركة الثقافة في المجتمع أو المشاركة في بعض تياراتها ومراحلها... ومما يؤسف له أن شخصيات رائدة وفاعلة ثقافياً واجتماعياً ممن شكّلوا النخبة في مرحلة الاستقلال وما قبلها ، لم تتح لهم الفرصة لتسجيل ذكرياتهم ، ولم يُسع إليهم للأخذ عنهم أو الاستفسار منهم ؛ كما أنهم لم ينتبهوا شخصياً إلى أهمية ما يعرفونه عن فترة تأسيسية هامة من تاريخنا الثقافي فيقدموا على الكتابة عنها ...ومما يؤسف له كذلك أن شخصيات كثيرة قد فارقت الدنيا دون أن تدوّن شيئاً عن دورها ونشاطها ، وعن تضاريس بيئتها وما طرأ عليها من تغيرات ايجابية وسلبية .. وفي هذا السياق تقفز إلى الذاكرة أسماء عدة منها الأخوين على وأحمد الفقيه حسن وأحمد الحصائري ومصطفى بعيو والأمين الحافي ومصطفى بن عامر وصالح بويصير وعبد المولى دغمان ـ رحمهم الله جميعاً ـ وغيرهم كثير.
هذه الحقائق مجتمعة تعطي مذكرات الأستاذ المنتصر قيمة كبيرة باعتبارها اسهاماً في تلافي النقص الذي تعانيه الثقافة الليبية .. هذه الثقافة التي طالما جرت وتجري محاولات اجتثات جذورها والقفز على مراحلها التأسيسية ، وتجاهل شخصياتها الفاعلة من جيل الخمسينيات والستينيات التي عٌزلت أو عزلت نفسها .. ولا يحتاج الإنسان إلى كبير جهد ليخلص إلى أن الأزمة الحادة التي تعانيها الثقافة الليبية حالياً ليست سوى نتيجة اقصائها عن المنابع الفكرية والثقافية الأصيلة واجبارها على العب من المصادر الأيديولوجية الضيّقة والشعارات الثورية الجامحة .. وليس أنجع لتصحيح مسار هذه الثقافة ، وتأصيل روافدها وإثراء عطاءاتها من أن يبادر المثقفون والناشطون، وخاصة الذين ينتمون منهم إلى جيل الخمسينيات والستينيات ـ ممن مد الله من أعمارهم ـ بالعودة إلى ذلك الماضي الجميل، والتأمل في ايجابياته وسلبياته ، من أجل ثوثيق ما بقي منه في تلافيف الذاكرة خدمة للأجيال وتأصيلاً لتاريخنا الثقافي.
ولقد وعى الأستاذ بشير السني المنتصر أهمية هذه العملية وأحس بمسؤليته نحوها باعتباره أحد أولئك الرواد الذين تفاعلوا مع مرحلة مليئة بالأحداث التي أسهمت في تشكيل المجتمع الليبي ودولته الوليدة المتطلعة ، وشاركوا في تشغيل دولاب الحكومة ومعايشة أحلام وطموحات الناس على بساطتها وصدقها وشفافيتها .. ولقد كان من حسن حظ صاحب المذكرات أنه كان مدعوما منذ صغره بوالد متعلّم يعي قيمة العلم ويحرص على أن يتزود منه أبناؤه ، وبعائلة عريقة ذات تاريخ أهّلها للقيام بأدوار في الحركة الوطنية والتعليمية والسياسية .. ولعل مذكراته تمثل في أصلها مواصلة لجهود أسلافه ، وهو ما يفسر لنا حرصه ـ بعد كل هذه المدة ـ على الإدلاء بشهادته عن المرحلة التي عاشها والظروف التي مر بها ، والمواقف التي قرر اتخاذها أو اتخذها غيره من السياسيين والدبلوماسيين الذين عرفهم واحتك بهم.
والحقيقة أنه ليس في نية هذه السطور مراجعة هذه المذكرات أو الوقوف عند بعض تفاصيلها بالتحليل أو المقارنة أوالاستنباط ، فهذا منتظر من زملائه ورفاقه الذين عاصروه وعملوا معه وكان لهم مثله جهد وحضور ومراقبة... ولكن الهدف هنا ليس سوى لفت النظر إلى قيمتها التاريخية ، وأسلوبها المتزن ، وتناولها الموضوعي .. كما أن الهدف الآخر هو تثمين روح المبادرة والشعور بالمسؤلية والجرأة على قول الحق مما قد لايرضي الكثيرين .. وفي نفس الوقت ابراز ذلك الحدس التاريخي الذي ألهم كاتبنا تسجيل ما كان لايزال حياً ونابضاً في ذاكرته حالما أفرج عنه من معتقله عام 1970 ، وقد كانت شخصيات ووقائع ذلك العهد حينئذ ذات صدى مشوش شكّلته محاكمات غير عادلة وسانده حس سياسي غر وساذج .. ولعل ذلك هو ما دفعه إلى العكوف على تسجيل ذكرياته وملاحظاته على الأشخاص والوقائع والمواقف ، حيث كانت معظم الأحداث في منعطف قريب من ذاكرة الناس تنبض بتفاصيلها وبالأحكام والمشاعرالتي صحبتها .. وقد شكلت هذه التسجيلات بعد حوالي ثلث قرن الهيكل الأصلي للمادة المنشورة .. والجميل أن الكاتب لم يدّع أنه يقدّم لنا صورة كاملة أو دقيقة عن تلك الفترة، بل لقد أشار إلى حقيقة هامة مفادها أن "الكتابة عن العهد الملكي لن تكون دقيقة وموثوقة إلاّ إذا أمكن الرجوع إلى الملفات الليبية وبالأخص ملفات مجلس الوزراء ومجلس الأمة وتقارير الشرطة والمخابرات ، والتي لا يعرف أحد مصيرها منذ الأول من سبتمبر."
وجملة صلة الموصول في آخر الفقرة حقيقة تؤلم كل صاحب ضمير وحس وطني يؤمن بأن من حقه أن تبقى جميع هذه الوثائق في عهدة من يقدّر المسؤولية ، وفي ذمة ماضي الشعب وتاريخه.
إن مذكرات الأستاذ المنتصر وذكرياته تكتسب قيمة كبيرة في هذه الظروف التي نحن في أمس الحاجة فيها إلى تأصيل تاريخنا وتحديد مرجعياتنا والنظر إلى الأمور بموضوعية وعلمية وسعة أفق .. وأكرر هنا بأنها جذيرة باهتمام معاصريه الذين كان لهم موقع مماثل أو دور مشابه، وذلك من أجل تسليط الضوء على هذه المذكرات وإثرائها .. كما أنها تستحق عناية المهتمين بالتاريخ وطلابه والحريصين على تسجيله ورصده بأمانة وموضوعية.
وأخيراً فنحن نأمل أن يعمل الأستاذ المنتصر على مراجعة مذكراته أو ايكالها إلى محرر كفؤ لصقلها من الناحية الشكلية واللغوية ، وياحبذا لو استطاع دعمها بما لديه من صور ووثائق ، ثم نشرها في كتاب تحفظه رفوف المكتبات للدارسين من أجيالنا القادمة ، علّ هذه الأجيال تكون أقدر على الاعتراف بقيمته والاستفادة مما جاء فيه .. وآمل أن يكون هذا الجهد نموذجا يحتذيه غيره ممن يختزن في جعبته الكثير من الحقائق والمعلومات التي لا تتوفر في الدوريات العامة أو الوثائق الرسمية التي تحاول عبرها الأنظمة السياسية دائماً أن ترسم صورة وردية لمراحلها وشخصياتها ومواقفها بعيداً عن الأمانة التاريخية والتناول الموضوعي ... فتحية وتقديراً للأستاذ بشير على جهده القيم وحفظ له ذاكرته وأعاد لذكرياته عن وطنه الدعة والأمن والسرور إنه على ذلك لقدير.
وهو وحده ولي التوفيق.

د. فوزية بريون


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home