Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Fatma Mahmoud
الكاتبة الليبية فاطمة محمود


فاطمة محمود

الأربعاء 29 أبريل 2009

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

يا بنغازي.....* (1)

فاطمة محمود

وينك........... وين

 على الليِّ انقتلوا..

 منسيين" ؟!

 (1)  

وقفن عزلاً وشبه وحيدات إلا من القهر، الرفيق اللدود لليِّبيين والليبيات،وقرين كآبتهم طيلة الأربع عقود المنصرمة !  

وعَدا جرأتهن،التي تفتّقت بتلاتها فوق شفاههن؛ فإنه لا شيء يحمي ثكالى "ميدان الشجرة" من مرارة الفقد و قيظ  القمع وهجير الإستبداد...لا  شيء يقيهن ولا أحد يُنصفهن.. لا قانون ولا أخلاق ولا عرف ولا قبيلة ولا شارع ولا أبناء.. و لا حتى بنغازي ! 

[يدٌ فظّة امتدّت إلى بنغازي... نهشَت و اقتلَعت كل ما هو جميل وعزيز وسويٍّ ...وثمين فيها.. اقتُلِعت الروح والذاكرة ولم تبق على الإنسان..! 

أُقتُلِع الأبناء..أُخِذوا عنوة.. و سِيقوا بعيدا إلى مصائرهم، بعد أن أعادت دَمَويَّة النظام تشكيل أقدارهم وتحكمت قوانين همجيّته في قوانين بقائهم !  

كل رمز نبيل في بنغازي تم اقتلاعه.. أَرزَة الميدان(1)..و رفات سيدي عمر المختار(عنوان شرف الليبيين.. وبريدهم إلى الكرامة)! 

اقتُلِعت رياحين  بنغازي المرحة المشاكسة ؛ لطالما أينعت وتفتحت وانتشر أريجها في تلك الشوارع التي لم يتبق منها سوى أرصفة تحدِّق، بلا حيلة،إلى حيث تندب ثواكلها ليبيا وأبناء ليبيا.. وحيدات..لا

شيء ولا أحد يُظِلّهُن بظلِّه.. محذوفات في حزنهن.. مقصيات في يتمِهِن... وبدت بنغازي،التي علىمرمى حجر من كل شيء ومن كل أحد.. كأنها تغض البصر وتسد السمع عن كل شيء وعن كل أحد!! 

اقتُلِعت بنغازي.. من بنغازي.. وها هي.. فارغة؛ إلا من المرارة...كذلك قدر الأمكنة والناس والأشياء في هذه الجماهيرية التعيسة!... ]

............................ 

" يا قذافي وين ضنانا....؟! "** 

أكثر من أربع عشرة سنة وأمومتهن تجأر بالأسئلة..

أين ابني؟!...أكثر من أربع عشرة  سنة.. ولا أحد يبل الشفاه التي شقّقها السؤال، لو بإشارة..!

أين ابني .. أين؟! .. إلى أن انتهز جلاّد ليبيا وقاتل أجمل فتيانها فرصة عيد الأم وأرسل لهن بلاغات الموت "هدايا" الخيمة التي ما انفك يخصهّن بها طيلة أربع عقود أليس "كل يوم هو يوم السابع من أبريل"؟!!..(2) حيث المتهم متهم .. حتى تثبت إدانته !  

أكثر من أربع عشرة سنة من التغييب القسري..ليقدّم،أخيرا،"نجم نجوم"عروض"الإصلاح"التي تقدمها مؤسسة(الخيمة الحاكمة) نمرته الخاصة بـ" حقوق الإنسان" في "عصر جماهير"السيد الوالد، ولِيمنّ على الليبيين باعتراف متأخر بجريمة "بو سليم" بعد أن شاعت الفضيحة ولم يعد التذاكي (على الليبيين)أو تجاهلها و التستر عليها، ليجدهم نفعا؛ مبرِّرا بصفاقة نادرة جريمتهم هذه على انها مجرد :"ردود أفعال ضرورية ضد خونة وعملاء"!..يا لها من مرافعة "بليغة" من قِبل "داعية حقوق الإنسان"و"ممثلها"الوحيد،في الجماهيرية، معطيا بذلك مثالا(لا يضاهى!) عن"عدالة" خيمتهم التي: تُجهِّز التهم وتُنفِّذ العقوبة،خارج أي شرط للعدالة..ثم تعلن الأحكام فوق رفات الضحايا!! هذه هي حدود استيعاب"الخيمة"الحالية،لحقوق الإنسان..وهذا هو أقصى ما  يمكن أن تصل إليه،على هذا الصعيد، خيمة" ليبيا الغد"؛فيا لها من رؤية للعدالة ويا له من مستقبل "إصلاحي"مبشِّر !! 

" وين ضنانا ... ؟!! 

تُسائلكم أمهات ليبيا؟! 

تُسائلكم أمهات ميدان الشجرة 

 تُسائلكم أم أولاد مفتاح الفرجاني (3) 

أين أبنائي الستة ؟.. تُسائلكم أم أولاد التايب (4) ..

إبن...

إثنان ..

 ثلاثة..

أربعة..

خمسة...

ستة..... 

أولئك هم أبناء التايب الذين التهمهم "ملك ملوك أفريقيا" في مجزرة واحدة..!!! وذلك هو جواب (الخيمة الحاكمة) على السؤال الرهيب .. الجواب الفظ ذاته.. بلاغا متعجرفا ينبئ بموت جماعي للأبناء الستة!!

إنه أفظع درس في مادة الحساب تتجرّعه أم ليبية!!

تُرى في شِـرعة أي انتقام يكمن كل هذا الإنحطاط .. وفي لوح أي عبث تقيم كل هذه التراجيديا.. وأي وحشية هذه التي تُغمِد نصلها في صدر هذه السيدة.. وأين هي اللغة التي يمكن أن تسعف أم كهذه.. بل و أي اعتذار نقدمه(نحن الليبيون) يليق بأُمٍ ليبيّةٍ مجلّلةٍ بكل هذا الألم؟؟!! 

يا لأمهاتنا إذ تهان أمومتهن وتذرو أثمن كنوزهن رياح حاقدة...!! 

و..  يا بنغازي..

كل شيء ضاق وتضاءل في قبضة الاستبداد....ضاق الليبيون بآلامهم وضاقت آلامهم بهم.. ضاقت بهم الحياة وضاقوا بها.. وضاقوا ببعضهم البعض، بعدما استبد بهم  القمع وأزمَن،حتى أصبحوا ينظرون إلى ذواتهم من كوّته.. لكأنّه يقوم مقام وجودهم: أنا مقموع إذن أنا موجود(5) ..... 

ألهذا انكمشت الأرواح والأكف..وأصبح إكتفاء كل منا بإبداء بعض من تعاطف عاجز أو هز الرؤوس أسفاً،تجاه من تقع عليه مظلمة من مظلمات النظام، يُعَد عملا "بطوليا خارقا"لمآلف الخنوع السائد الذي بات كأنه قضاؤنا وقدرنا.. كأنه مكتوب في ألواحنا؛ حتى رأينا أنه في أكلِنا الفتات وشُربنا البقايا ما يعد دليلا على أننا نحيا. وإلا لماذا ضُربت علينا الذِلّة وسامنا كل خسيس؟!.. و لماذا تتساقط فضائلنا فضيلة.. فضيلة ..وينهض فينا كل هذا الخراب؟! ألهذا تصمت الشوارع،صمت الموتى، و تطأطئ   مدننا" العصية " أمام المستجيرات بها؟!.. فلا تبسط لهن كفا ولا تمد إليهن يدا؟!

وإلاّ فيما صمتكِ.. وقد صرخت ثواكلك وسُفِحَ حليب أمومتهن..؟! فيما صمتكِ وقد رفعن إليكِ أنخاب حزنهن وفوّضْنكِ النظر في مظلمتهن : " وينك ... يا بنغازي........ ؟!" 

"نبكي منعميات عيوني... على اللي قتلوهم دكنوني"!*** 

اتّسع ميدان الشجرة،أخيرا، للثكالى؛ حيث تُضرب المواعيد لما هو أكثر من احتمال.. أَلَمْ يسع،يوما، دم أولاد بنغازي الذين تفتحت أكمام غضبهم النبيل ذات انتفاضة وها هي صرخة سيدات بنغازي الرائعات تنسكب على جذوع شجرة الميدان المقتلعة بعد أن سقاها دم..موفّق الخياط،وبشير المنقوش(رياحين بنغازي المغدورة)(6)... ترى هل تستطيع  بنغازي فك شيفرة الدم والدموع هذه..؟! فثكالى بنغازي..(ثكالى ليبيا) لم يعدن لِيبْكِين في خدورهن...ويكتمن صرخاتهن، كما درجت عليه عادة الأمهات الليبيات المقهورات المطعونات في أمومتهن.كما لم يعد بوسع أحد أن يحرّضهن على السكوت انصياعا لأوامر(الخيمة الحاكمة).. إذ يذهب المغدورون إلى قبورهم بصمت رهيب؛ فأوامر الخيمة المتجبّرة أوامر قاطعة و واضحة وهي لا تسمح لأم الشهيد أن  تبكيه أو تنعيه...أو تتقبل فيه العزاء(ضمن مراسم العزاء المعروفة في المجتمع الليبي) الأم أيضا مدانة،في عرف"الخيمة"، إذا ما محضت أمومتها لمن "يضل"عن القطيع ويعلن العصيان!

على الأم إذن أن تعلن عن"غضب حليبها على هذا الإبن "الضال"كشرط للنظر في إمكانية الإبقاء عليه حياً.. !

هكذا جثت مرة سيدة ليبية عند قدمي صاحب الخيمة، في إحدى نوباته الدموية،ترجوه أن يترك لها فلذة كبدها :

"حارم عليه حليبي..سيدي القايد " و"ليس ابني ولا أعرفه" فقط سامحه سيدي القايد..أرجوك.. اعدمني مكانه.. أرجوك أتركه لي.. أو اعدمني مكانه.. أرجوك انه فلذة كبدي سيدي القايد.. وانت امجرِّب الكبد.. اقتلني مكانه.. سيـ ". وما أن اكتفى "السيد القايد"من  مشهد الإسترحام هذا.. وتجشّأت عقده.. حتى أخذ يعِدُ السيدة،التي كانت تسترحمه، "خيراً"...  وما هي إلا أياما معدودات حتى كان من تسميهم"أدبيات الثورة" بـ"رسل الحضارة الجديدة"( = أعضاء اللجان الثورية)... ينفذون أمره،القاضي بالإعدام شنقا،في رشيد ،إبنها، في ساحة كليته.. كلية الصيدلة(7)! 

إلا أن ثكالى ميدان الشجرة لم يكنّ وحدهن، في ثكَلهن،إنما هنّ ينتظمن في طابور طويل(بطول أربعين عام) من ثكالى ليبيا سبق وأن وضعتهن "الخيمة" في شرط القهر ذاته.. حيث قدر الأم الليبية أن تبكي أبناءها مقهورة ووحيدة و عزلاء :  

هكذا غمست سين... كفيها وقلّبتهما في الزيت المغلي كي تكفّر عن خطيئة إعدادها الطعام،لصاحب "الخيمة" ذات زيارة له إلى منطقتها. آنذاك وجدت نفسها تشارك بقية نساء البيت الزغاريد؛ بعد أن نهرتهن "الحارسات الثوريات" المرافقات، عادةً، لـ "صاحب الخيمة" : "زغردن..هُوُ كل يجيكم القايد!!!".. زغردت (سين) وطبخت و أكل "القايد" من خبزها وملحها!

ولم تمض سنة حتى جاء الدور عليها..ونفذ قضاء"الخيمة وقدرها"في قلبها...  مُنِعت من البكاء علي فقيدها، الذي أصبح من ضمن اختصاصات ،صاحب الخيمة، الذي رسّمه كـ"كلب ضال"..ولم تجد"سين" بدّاً،أمام"شهامة"الخيمة وصاحبها،من أن تضع كفيها في الزيت المغلي وكأنها تعتذر من فقيدها الذي لم يتقيظ لها أن تشيّعه،هي الأخرى، فقد كان صبيان القذافي من أعضاء "اللجان الثورية" يعبثون بجسد فتاها الشهيد المربوط بحبل إلى عربة تذرع الشوارع في طقس احتفالي همجي، اعتادت على وحشيته الشوارع والساحات الليبية وأصبح جزءا من هويّة النظام الدموية التي لا يعرّف بغيرها! 

كذلك كانت الحال مع جيم.. وعين.. و ميم.. و صاد ..و قاف .. و شين .. ولام.....(وإن اختلفت التفاصيل).. آلاف الثكالى ممّن تحالف خوفنا(من الخيمة)،مع الخيمة،ضد حق أبنائهن وأزواجهن في الحياة وضد حقهن الإنساني في أمومة آمنة..،لقد تركنا الضحايا يغيّبون في صمت جماعي مشبوه.. وتركناهن لقمة سائغة للقهر يروضهّن ويقصقصن أجنحة صرخاتهن ! 

اليوم تمرّدت الثكالى.. وأعدن صياغة حزنهن.. ما عدن ليأبهن وقد اتّسع لهن أخيرا ميدان الشجرة

أهو الوقت وقد حان؟! أَهوَ أوّل الغيث..." يا بنغازي..؟! 

ينتصبن،كأشجار حور،في الميادين وتنتصب معهن قامات المغدورين من فتيان ليبيا وشهدائها..شهود على انسحابكم وتنصُّلكم من تاريخ سطّره الرجال الأحرار في مواجهة الفاشية(القديمة والجديدة). ولم تجرؤا، كما يفعل الرجال الأحرار، عادة، حتى على قراءة ذلك التاريخ !!  

لم يكنّ يندبن أبنائهن هناك، في ميدان الشجرة..كُنّ يسردن عليكم الحكاية كما هي بلا تزييف وبلا كذب من ذلك الكذب الذي اعتدتم أن تساقون إليه كما القطعان..! 

كنّ يطرحنَ عليكم السؤال الصعب الواضح الذي يتفاداه خنوعكم الواضح... : أين دم رجالنا.. قبل أن يغسل القاتل يديه ؟! 

كنّ يواجهنكم بحقيقتكم؛ أكنتم من البطون أم من الأفخاذ،ويضعونكم بين قوسين.. يا كل الناطقين باسم "فحولة"القبائل،التي تتحايل على بؤس واقعها فتلجأ لتلفيق برقيات التأييد المخجلة والمبايعات المكتوبة بدم مزوّر متستّرة على ضعفها وهزالها منهمكة في جني محصول وضيع لجبنها وذلّها وهَوَانها أمام قبيلة تحكم وتتحكّم وتسرق وتفسق وتُهين وتقتل الليبيين باسم الليبيين!!  

ينتصبن في ثباتهن.. لم يعدن معنيات بارتفاع منسوب نخوة الليبيين من انخفاضها..(  فقد كن قد جرّبنها لأكثر من ثلاث عقود) يا كل من وقف متفرجاً وتجمدت منه الأطراف و خارت فيه العزائم.. فلم يجد بدا من الإنسحاب خارج المشهد.. وكأنه يجرجر جثة وليس جسداً ..!! 

...... 

 يتبع.

فاطمة محمود
Fatima_mahmoud@yahoo.com
________________________

هوامش : 

*    هتاف رددته عائلات الضحايا التي تظاهرت  صباح السبت 14/3/2009  في بنغازي احتجاجا على النظام.

**   من الهتافات التي ترددت في المظاهرة المعنية.

*** من الهتافات التي رددتها سيدات ميدان الشجرة في المظاهرة المعنية .

(1)      يشير السرد الشفهي لتاريخ مدينة بنغازي المعاصر إلى أن الشجرة المعنية كانت أرزة من أرز لبنان أهديت  إلى بنغازي وتمت زراعتها في الميدان الذي سميَّ باسمها، حتى تم إقتلاعها لاحقا،من قبل النظام، بعد أن   تجمع حولها طلبة بنغازي في مظاهرة 1976واستشهد في تلك المظاهرة عدد من الطلبة!

(2)      "كل ليلة هي ليلة الفاتح من سبتمبر وكل يوم هو يوم السابع من أبريل" هذه مقولة "ثورية" تؤكد على مشروع التصفية الجسدية لـ"أعداء الثورة"الذي أخذ يتكرر سنويا بطقوسه الدموية الرهيبة عند كل ذكرى لما يسمونه بـ"ثورة الطلاب".. ولقد  توعّد القذافي في  احتفاله بهذه الـذكرى المشؤومة 7 أبريل الماضي  2009 بأن يعيد سيرة 7 أبريل مرة أخرى.

(3)      مفتاح الفرجاني مواطن،ليبي، فقد ثلاثة من أولاده في  مجزرة "بو سليم".

(4)      أسرة التايب في مصراته فقدت 6 من أبنائها لأم واحدة، في المجزرة وقد تم اعتقالهم في شهر أبريل 1995.

(5)     تنويع على كوجيتو ديكارت الفلسفي "أنا أفكر.. إذن أنا موجود".

(6)      الطالب في معهد التمريض بشير التاورغي المنقوش الذي استشهد بفعل إطلاق الرصاص عليه من قبل النظام وكذلك الطالب موفق الخياط الذي أصيب في المظاهرة ذاتها ثم توفي لاحقا يوم 7 يناير 1976 متأثرا بإصابته.وقد تجمع الطلبة المتضاهرون في ميدان الشجرة وكان يقود العملية القمعية التي تصدت للمتظاهرين يومها الظابط سليمان محمود العبيدي.

(7)     أُعدم الطالب رشيد منصور كعبار شنقا في ساحة كلية الصيدلة في أبريل 1984.
 


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home