Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Fatma Mahmoud
الكاتبة الليبية فاطمة محمود


فاطمة محمود

Wednesday, 27 February, 2008


الحقبة القذافية الأولى (2)

سلطة النجع

فاطمة محمود

لقد أسفرت،الحقبة القذافية الأولى،بعد الصيغة العسكرية التي استغرقتها في سنواتها الأولى،عن صورتها كـ"سلطة عارية"(1) تماهت، فيها، ببعض الفاشيات الانقلابية العربية...ثم استدعت تجارب فاشية عالمية أخرى ( ديكتاتوريات أمريكا اللاتينية).ولم تلبث أن توجهت صوب المعسكر الاشتراكي فوجدت في بعض أنظمته التوتاليتارية مجالا للتحالف الأمني الإستخباراتي،أبرزها (رومانيا وألمانيا الشرقية،السابقة)، و فرصة للإستقواء بدولة عظمى،وقتها، مثل الإتحاد السوفييتي، الذي تموّنت منه بالسلاح، وبمزق من خطاب أيديولوجي مقطوع عن سياقه.

ولقد حسم "العقيد" مسألة السلطة لمصلحته،وهذا ما استغرقته المرحلة الأولى من الحقبة.إذ اتضحت معالم ذلك الحسم في قيام سلطة استبدادية لم ينقصها حتى تنغلق دائرة استبدادها،إلا ربطها بـ"الثورة"أي أدلجتها لتصبح "الثورة" المرجع الوحيد لتفسير سلطاتها(الذاتية) المباشرة والضمنية. و بغض النظر عن أن ما يحدث له صلة بما سماه "ثورة"و"ثورة شعبية" من عدمه؛ فإن انقلابه قد آل،بالضرورة،إلى سلطة طغيان طاردة لأي تمثيل فعلي للشعب في تلك السلطة.

ولما كانت بنية المجتمع الليبي بطبيعتها قبليّة بطريركية(أبوية) فقد سهّلت الأمر على تنفّذ السلطة الحاكمة.وبالتالي حصولها على امتيازات لم تكن لتتوقعها؛ فقد استطاعت أن تقمع وتروِّض المقاومة،النسبية،التي أبدتها الفئات المدنية التي لم يكن قد تم شطبها نهائيا،من خارطة المجتمع الليبي،آنذاك.

وبينما كان الجميع منهمكين في فك شفرة "النظرية" و تهجي قاموس الحقبة "الثورية"و الغوص في ركام كل ذلك اللغط الشعبوي والثوروي. وبينما كان الشعب الليبي يقبع تحت سياط التجريب المقرون،دائما، بالقمع.كانت القبيلة ترتّب أوضاعها السلطوية.و تعزّز من غنائمها.بعقد التحالفات القبلية والصفقات المشبوهة مع السماسرة،المحليين والدوليين. وتُصلِّب بذلك من قبضتها مستحوذة على كل ما يمكن الإستحواذ عليه لتضمن حالة سلطوية مؤبدة.

هكذا أخذت القبيلة تسفر عن وجهها السلطوي المغرق في قبيليَّته و عشائريته وعائليته،قابضة بأسنان من فولاذ على غنيمتها الكبرى : السلطة والثروة والسلاح!
وهكذا حصلنا على طبعة منقحة من الحكم الاستبدادي مثّلته حقبة تهيمن،هيمنة كاملة بأذرع ثلاث قبلية عسكرية و أمنية.

و في الحقيقة فإن،هذه الحقبة،لم تكتف بالتقوّت،بشكل أساسي،على موروثات القبيلة وطواطمها ؛ بل انها استفحلت ضمن ثقافة القبيلة،واستقْوَت وطغت وفق محدّداتها السلطوية،المطمئنة إلى حالتها القبليَّة مسنودة بتفشي أعرافها.كون هذه الأعراف الحامل السلطوي لطبائع القبيلة ونزعاتها، علاوة على أنها المرآة التي ترى فيها ذاتها.

وعلى الرغم من التعريف الاجتماعي،الملاصق للعرف،الذي يُرى إليه،كسلطة أخلاقية معنوية. إلاّ أنه يُعَدّ من أهم الوحدات السلطوية في منظومة القبيلة،السياسية والاجتماعية والاقتصادية،وهو الحامل،التاريخي،لأهم مفرداتها الثقافية والسياسية و السايكولوجية..وعبر هذه المفردة،الأخيرة، تبرز(العدوانية الجماعية)كنزعة جماعية تشهرها القبيلة،في وجه عدوها(الواقعي أو الإفتراضي)،
كلما توجّست من ما قد يُقلِق وجودها.أو كلما أرادت التحسين من شرطها الاقتصادي والرفع من مكانتها الاجتماعية أو تعزيز نفوذها ؛ بما يجعل من العرف سلطة تتعدى بعدها المعنوي الأخلاقي إلى التموْضع في قوانين وعلاقات وآليات سلطوية،تؤثر في الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.دون أن تتأثر،كثيرا،بأي منها.

وهذا ما بدا أساسيا في تركيبة البنية السلطوية للحقبة القذافية. بل إن وجودها ترسّخ داخل محدّديْ الغزو والغنيمة اللّذيْن شكّلا سماتها الفارقة وظلاَّ(منذ خطاب زواره)يغذيان هيمنتها ويوسّعان سلطاتها و يراكمان نفوذها وغنائمها،و دائما،بواسطة أعراف القبيلة،التي ظلّت على سريانها مستفيدة من التقنيات السُلَطوية الحديثة.

هكذا رأيناها(الحقبة) تثيرالنعرات القبلية.وتعمل على خلق التوترات الاجتماعية،بضرب قوى اجتماعية بقوى أخرى. ثم قِوى المجتمع الشرعية بقوى النص،السلطوي،اللا شرعية. كما رأيناها تتقرّب من القبائل(التي تفوقها عددا و مكانة اجتماعية وتاريخية)،بالتنازل لها عن شيء من فتات الغنيمة،التي اغتنمتها في غزوتها الانقلابية : رِشاً من مال(منهوب) و بعضاً من نفوذ موهوم.

ورأينا كيف وقعت،هذه الثقافة القبلية التي وسمت الحقبة،وأوقعت الليبيين، في شرك تناقضاتها. حيث طرحت إدعاءها، المشار إليه سلفا. والذي قام برفع الكلفة مع الحداثة،بقوله بأنه قدم "الإجابة النهائية" لمسألة السلطة.وبناء عليه، استحق شيخ،هذه القبيلة، لقب " محرّر البشرية" و"مخلّص العالم"وإلى ما إليه من مئات الشعارات المضلّلة!! وفي الواقع فإن الذي يهمنا،من حالة الهذيان هذه ليس ،فقط ، هذا التبجّح وليس،فقط،ذلك التكاذب الذي ظل النظام القبلي يؤسّس عليه حالته اللاأخلاقية بما فيها جميع سلطاته (الثقافية والأمنية والسياسية) بل هذا النقض اليومي لمبدأ المواطنة الذي تضرّر،ضرراً بالغاً، من حيث هو"حق الإنسان في الحصول على حقوقه "(2) .. وقد ترسّخت ،في ظل هذا النقض والإلغاء،لمبدأ المواطنة، خروقات فادحة لحقوق الإنسان.و استقطب،كل ذلك،المزيد من الاغتراب و الخوف والتهميش والكثير من الألم المخلوط بالغضب والأحقاد والضغائن.

إلاّ أن" الفضيلة "الوحيدة التي يمكن أن ننسبها لمشروع القذافي السلطوي الانقلابي هو قيامه بفضح، هذا الادعاء بنفسه.. فهو الذي :

• أخذ،منذ البداية وحتى الآن،يعقد التحالفات القبليّة والمناطقية على قاعدة الذي ليس معي هو ضدي.! بما ترتبه هذه النظرة التي تضمر العداء المسبق لكل من هو مختلف ، وما تشهره من سيوف العقوبات الجماعية المسلطة التي طالت الآلاف من الليبيين!

• قام باختلاق واستنخاب قِوى أخرى، طارئة اجتماعيا،ومكلفة بمهمات أمنية وفوق أمنية تدين له بالولاء المطلق. أشاعت الفوضى ومكّنت للظلم والرعب.

• قام ببرمجة مَطروقه ومألوفه السلطوي، بتعبيراته الاجتماعية والسياسية،وفق رؤية القبيلة وحسب ما تمليه ردود أفعالها وقراءتها لمفهوم السلطة،بما في ذلك قراءتها، القاصرة، للنص السياسي والاجتماعي السابق عليها.أي نَص ما قبل انقلاب 1969..هكذا رأيناه يجتهد،مبكراً، في إزاحة ؛ بل تصفية القوى السياسية والاجتماعية السابقة على الانقلاب،و التي تضم طلبة وعمال وموظفين(كبار) في الدولة(عسكريين ومدنيين)، منظمات المجتمع الأهلي، ومنظمات المجتمع المدني،الناشئ آنذاك، (قبل الانقلاب)، وقوى سياسية معارضة( كانت قد مُنِعت من ممارسة نشاطها الحزبي المعارض،من طرف العهد الملكي)،وقام(القذافي)بإخراج عناصرها من السجون في الأيام الأولى للانقلاب( حسب مقتضيات الدعاية لنظامه"الثوري" "الجديد") ثم ما لبث أن قام بضربها،ثانية،وتفكيكها والزج بقياداتها ونشطائها في السجون والمعتقلات.الأمر الذي بدت معه سجون العهد الملكي أشبه بمزحة!.... وهو حين قام بتصفية تلك القوي الوطنية بتعبيراتها الأهلية المدنية،وبمشروعها الساعي إلى تحديث بنيات المجتمع وتحجيم تدخل القبيلة في الحياة السياسية.لم يكن، في الواقع يصفي ما كان يسميه بالعهد البائد ورموزه الحاكمة؛ بقدر ما كان يضرب لبنات المجتمع المدني والتعددية السياسية، و يصفي،بذلك،الشرعية الدستورية وما تختزله من مشروع التحديث المدني والتطور الديموقراطي برمته.ويستمسخ القبيلة كأداة مهيمنة على الثقافي والسياسي!

• رأينا كيف طالت عمليات التصفية الجسدية،التي اعتُمدِت كمبدأ أساسي للدفاع عن "الثورة"، كل من تقع عليه شبهة عدم الإيمان بـ"ثورته"أو الخروج على نصه السلطوي.ولقد أخذ،هذا الفرز الدموي(منذ 7أبريل 1976)،يصبح طقساً ثورجياً بمضمون قبَلي وبتسميات مختلفة. بينما كان ادعاء النظام لـ "الحداثة" يسقط متعثراً برواق خيمة القذافي..ماركة السلطة القبليّة المسجّلة!

لكن الإسعافات التي يقدمها العرف مُمثلة بالتحالفات القبلية،وحدها،لم تسد حاجة القذافي إلى السيطرة المطلقة والقبض النهائي على مفاصل السلطة،عدا إنها لم تكن لتلبي متطلباته الأمنية المتعاظمة،لا سيما وإن المحاولات الانقلابية المتواترة للإطاحة به،كانت قد بدأت منذ الأشهر الأولى لانقلابه العسكري.وكما رأيناه ينقلب على الشرعية الدستورية في انقلابه العسكري عام 1969رأيناه ينقلب، ثانية،على "شرعية" إنقلابه وعلى "رفاقه الانقلابيين" فأطاح ،في خطاب زوارة العام1973،بما كان قد سُمِّىَ بـ"مجلس قيادة الثورة"،عند أول سانحة لاحت له.

ثم قيامه،بعد ذلك،بتلفيق ما سماه بـ"النظرية العالمية الثالثة"حيث تمخّضت "سلطة الشعب" عن فذلكة عقائدية مُرِّرت بقوة القمع وحده.. بحيث جعلت هذين النقيضيْن الصارخيْن(سلطة القبيلة و"سلطة الشعب") يتقاطعان في مشترك قمعي واحد لا يمس، بالدرجة الأولى، بسلطته القبلية.إذ يُعَد القذاذفة (المُمَكَّنين من المفاصل الحيوية للسلطة والثروة والسلاح)الضامن الحيوي لامتدادها وهيمنتها فعليا وعمليا على مفاصل السلطة العسكرية والأمنية والثورية. ولا يُحرج (هذا المشترك القمعي) سمعة "السلطة الشعبية"،التي يقدمها " للبشرية" كـ"حل أخير" لـ"أزمة الحكم". والتي نراه يحكم ويتنفّذ باسمها؛ فهي من طوّبته إلها صغيرا،مع ذلك،زاهدا في السلطة : فهو ، حسب الادعاء المعروف،"لا يملك"و"لا يحكم"و"لا يحوز من ثروات ليبيا إلاّ على راتبه كعقيد"!!!

يـتبـع .

فاطمة محمود
كاتبة وشاعرة ليبية تقيم بالمنفى
Fatima_mahmoud@yahoo.com
________________________

(1) " أي من النوع الذي لا ينطوي على أي تقبل من جانب الرعية، ومن هذا الطراز سلطان"القصاب"على أغنامه ـ انظر برتراند راسل ، السلطان، دار الطليعة ، بيروت ، الطبعة الأولى. 1962.
(2) مفهوم المواطنة كما عرّفته المحكمة الدستورية الأمريكية العليا في بداية النصف الثاني من القرن العشرين.../ وقد رأيت انه تعريفا جامعا مانعا ..خصوصا وإننا، نحن الليبيين، نعيش تغييب قسري ليس لحالة المواطنة فقط وإنما عن المعرفة بما ترتبه المواطنة من حقوق وبالتالي فإن عجزنا، عن المطالبة بهذه الحقوق، يأتي، في جانب كبير منه، لتغييب معرفتنا بها!



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home