Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Fatma Mahmoud
الكاتبة الليبية فاطمة محمود


فاطمة محمود

الأثنين 11 مايو 2009

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

يا بنغازي.....* (2)

فاطمة محمود

(2)

أأهيي في المشــهد

"يا قذافي وين ضنانا........؟!!"

لم تُمْـلِ هذا الهتاف المتفجِّع مفردة النواح الشعبي...وهو لم يكن نواحا تضمّد به الثكالى جراحهن تارة وتارة يذكي حرائق مظلمتهن و يزيدها اتقاداً. وهو ليس سؤالا يرمي للإستفهام عن مصير الضحايا المختطفين.بقدر ما هو بيان مقتضب يضع "صاحب الجماهيرية"هو وجماهيريته في الزاوية الحرجة للمسألة فسيدات ميدان الشجرة يلقمنه السؤال الحجر اللائي لا يردن معه جوابا فمن يثق في إجابات الخيمة ومن يسألها بالأساس.!!.ومن جانب آخر هن يعرفن أنهن يعشن وأبناؤهن في الجماهيرية السرتاوية حيث الداخل إلى معتقلاتها مفقود والخارج منها مولود! وسيدات ميدان الشجرة يَحْدِسْن ماذا حل بأبنائهن ورجالهن منذ أن وقعوا بين براثن منظومة أمن القاتل وقمعه.. دعك من أنهن نقّبْن عنهم طيلة سنوات التغييب الأربع عشرة في كل الإحتمالات،التي تنذر بالسوء،وفي تلك الأمكنة المتجهمة الغامضة والمشبوهة (معتقلات وسجون ومثابات ومعسكرات عقائدية و مبان ومزارع خاصة استعملت كسجون سرية ) إلا أنّهن كشفن في هتافهن أنهن بحثن أيضا وبالذات" في الجبانة" ولم يجدنهم(1).. الجبانة ؟!.. آخر مكان يريد القذافي أن يسمعه على هذا الصعيد. ومما يزيد طين القذافي بلّه إنهنّ..و بإفادتهن القائلة بعدم وجود أبنائهن في المقبرة؛ من حيث هي مكان معروف يستوعب الموتى فإنهن يشرن إلى مقبرة أخرى مجهولة أي إلى مقبرة جماعية مخبّأة عن أعين الضمير والعدالة!!  لقد أفصحت طبيعة السؤال وحمولته وإيماءاته الرمزية عن تجريم وإدانة للنظام،لا لبس فيهما و غير قابلين للتمييع أو للمزايدة، وإلى ذلك فقد جسّدت وقفة سيدات ميدان الشجرة، فعلا وطنيا بليغا في دلالته ورمزيته،فقد كنّ يصرخن بالأسئلة الصعبة،التي لم يجرؤ عليها غيرهن،(ممّن تقف الصقور على شواربهم والذين كانوا يَعْبرون من حولهم متفرجين وكأن الأمر يحدث في عالم افتراضي!!!).لقد كُنّ يمرِّرن موقفا رافضا مشحونا بحمولة وطنية عالية حتى وإن كانت غير ممنهجة(نظريا وعمليا) في سياق فعل معارض عام.

إن هبّة سيدات ميدان  الشجرة تُعَدُ تفعيل للرفض الذي يغص به الليبيين جميعهم ولم يجرؤوا بعد على الإفصاح عنه بشكل جماعي حاسم،بدلا عن هذه الجرعات المتقطعة، وهي ، بهذا المعنى، ليست  مفصولة عن شبيهاتها التي لم يكن آخرها انتفاضة 17 فبراير حيث وقف فِتية بنغازي فاتحين صدورهم في مواجهة حقد "الخيمة" وهو ينطلق رصاصا حيا ويصرعهم أمام أعين الليبيين والعالم (على الهواء  مباشرة)!!

هي إذن وقفة ستؤرخ لمرحلة جديدة من مراحل النضال الوطني ضد طاغية ليبيا. مرحلة تضيف ولا تجتزئ  بل ولا ينبغي لنا أن نفصلها عن السياق العام الذي تجري فيه المواجهات والإنتفاضات التي حفلت بها بنغازي ضد النظام الذي لا يكره بنغازي أويعاقبها بدون سبب!! لهذا وجب على بنغازي أن تضيف لرزنامتها الوطنية تاريخا آخرا لا يقل نضجا ومسؤولية عن بقية انتفاضاتها بل ويضيف إلى عمقها الوطني حراكا معارضا يتكامل و ما عهدته من أساليب رفض  وضعتها،غالبا،في قلب مسؤولياتها التاريخية إزاء ما يستهدف الليبيين ويبتزّهم و يهدد حريتهم وكرامتهم وأمنهم بل و  وجودهم.

لقد كان السؤال، الصرخة، يعيد رواية القصة/ الفضيحة المضرّجة بالألم والمتوَّجَة بالإدانة.. فهن يسمّين القاتل ويفضحنه  ويُدِنَّه.. لأنّه أراد أن يحيل استشهاد الأبناء إلى أقل حتى من موت مجاني..موت بلا عنوان..بلا دالّة تمنحه إسما وتاريخا ومعنى.. ولأنه أراد أن يشرّدهم في موت لا أثر له (الأثر الذي يقتفيه كل من يبحث عن معنى لحياة غير مشروطة بمهانة أو ذِلّة)... أراد تغييبهم في اللامكان مخافة أن يصبحوا رمزا.. و حتى لا يعيد المكان إنتاج شهادتهم في حياة أخرى لا يستطيع القاتل أن يمحوها..وحتى لا يُبعثون من حيث أراد تغييبهم،كما يُبعث الشهداء عادة؛..ذلك ما يرعب صاحب "الخيمة"(أنظر ما فعله من قبل مع ضريح ورفات شيخ الشهداء عمر المختار) لذلك جاءت البلاغات التي أرسلها،لأهالي الضحايا،حافلة بالأكاذيب.. أكاذيب هي أقرب إلى الفجور والفسق في لا مبالاتها واستهانتها وعدم توقفها أمام أي وازع من ضمير.. وهي تبرّر  سبب موتهم وتحيله إلى "هبوط في السكري" أو "ارتفاع مفاجئ في ضغط الدم"!!

لقد قامت سيدات ميدان الشجرة،بالإضافة إلى تسمية القاتل الضالع في جرائمه،(التي دأب على القيام بها دون أن يزعجه بقية الليبيين بمساءلة أو احتجاج..) بتشييد عنوان آخر للضحايا، عنوان لا يستطيع القاتل أن يطاله : أن يغيِّبه أو أن يزوِّره و يغير من معالمه(2)..!عنوان يحفظ لهم كرامتهم الإنسانية والوطنية. عنوان تسطع فيه أسماؤهم حاملة حقيقة استشهادهم رقية ضد القهر والقمع والطغيان!!  لقد أصبحوا يقيمون في السؤال العلني الذي تردّد في سماء بنغازي شفّافاً شفافية الحزن وصارما صرامة التفجّع؛ طليقا لا يلعثمه نفاق أو تزلّف...سؤالا حياً  و مريراً ..سؤال الدم والألم والغضب ..سؤال العدالة التي ينبغي أن يمثل أمامها القتلة وعلى رأسهم القاتل الأول، الذي أمر بالقتل..ثم الذي قام بتنفيذ الجريمة..ثم بقية الجلادين والشركاء،الذين حرّضوا وتستّروا..وبرّروا.

هكذا طرّزت هاته السيدات الرائعات عنوانا آخرا للضحايا عصيا على التغييب والإخفاء وعلقنه على صدر تلك الظهيرة الواضحة التي سطع فيها غضبهن .. هكذا قوَّضْن مكائد العقيد وسخرن من كذب بلاغاته وتفاهتها...هكذا شِدْن للشهداء أضرحة تقع،تماما في قُلب الذاكرة والضمير الجمعييْن.. وعلى تخوم عدالة الشعب وقصاصه!!

ذلكم بعض ما أرادت سيدات ميدان الشجرة تثبيته إزاء قاتل متعدّد الجرائم (ما أن يفرغ من جريمة حتى يتفرّغ لأخرى!!).. وأكثر من هذا فإن صرختهن الضميرية هذه لا  تكتفي بإدانه المجرم إنما تصفع الجميع وتعري الجميع... كل أنواع القتلة وكل أنواع الصامتين وألوانهم(الصمت هو الآخر تواطؤ مع القاتل ؛ بل هو نوع من القتل).

ولكن.. هل كانت سيدات ميدان الشجرة ينتظرن أن يمتلئ "ميدان الشجرة"بالمقموعين الغاضبين يتدافعون بالمناكب ليفيض الميدان ،بل لتفيض ميادين بنغازي وضواحيها، باللذين هبّوا لنصرة أمهاتهم وأخواتهم والضحايا..بل و لنصرة أنفسهم (باعتبارهم أيضا ضحايا على قائمة الإنتظار).؟؟!!

إلا أنه لم يأت أحد..  لم يأت أحد منكم يا (هل بنغازي)..هل خطر لأحد منكم،قبل أن ينام،أن يلقي على نفسه هذا السؤال : لماذا خذلتهن ؟؟!! ومن خذلتُ حين خذلتهن؟؟!!

لم يأت أحد وتُركَتْ ثكالى ميدان الشجرة وحيدات تماما (بالمعنى المباشر والأخلاقي).. مُتخلّىَ عنهن.. وأمام هذا التغايُب لا أحد يجرؤ على تلفيق أي صياغة للإنوجاد على تخوم صرختهن في وجه النظام..ذلك أنّهن لم يتركن لكم حجة عليهن،على غرار معظم الأمهات الليبيات اللائي ذهبن في حرائق فجائعهن بإِباء..!!

لا أحد إذن يستحق أن ينظر في عيون ثكالى ميدان الشجرة :

ـ  الشارع وقد فضحته عنّته!!

ـ  القبائل وقد امّحى هذر أعرافها وتآكلت نخوتها،بعد أن سلبها القاتل (أعز ما تملك:"شرف القبيلة"!)،وبعد أن تقيحت ذكوريتها والتصق بها،هي الأخرى،وإلى الأبد، عار العقود الأربعة!

ـ  شهود الزور.. من مستكتبين ومستكتبات الحبر الأصفر،باعة وبائعات الوهم..  وحرّاس وحارسات رذيلة الصمت!!

و ....

لا أحد يستحق أن يمسح دموع ثكالى بنغازي.... لا من "الخارج" ولا من "الداخل".فلا الخارج عاد خارجا،بكامله،(على القذافي ونظامه).ولا الداخل،في بعضه،احتفظ لنفسه بموقع الشاهد المستقل عن مشهد يعي عجزه عن تغيير شروطه،وهذا أضعف الإيمان؛ مادام لم يخلق لنفسه،حتى الآن، وضعية أكثر نزاهة من هذا المأزق الذي يُجَرُّ إليه تحت أكثر العناوين بريقا واشتباها وتلفيقا وإيهاما باسم "الإصلاح والحراك السياسي وليبيا الغد" !!

وعدا استثناءات قليلة فإن الكثير منشغل بهواجسه.. وغيرهم الكثير..غارق في خوف وضيع ينزلق به في مساومات رخيصة!

كل منهم راضٍ بهوانه ..

كل منهم يغوص في مهانته الخاصة..

ولا شيء يُعَدُ لهؤلاء وأولئك سوى النفاية...وشيئا من تمنيّة النفس بلحس قعر القصعة!

............................

ابن واحد ..

اثنان ...

ثلاثة  ..

أربعة ..

خمسة..

ستة..

ماذا على ثكالى آل التايب أن يفعلن... وقد أصبحت "السعادة" بالنسبة لأم ليبية هي أن توافيها منيّتها قبل أن يأتيها بلاغ جائر كالذي تبلّغته هذه السيدة الأم.. أم أولاد التايب التي فقدت ستة أبناء، وزوجا على يد هذا النظام ..!!(3) 

(انشاء الله يومي قبل يومك يا بنيْتي..)هذه آخر أمنية سمعتها من أمي قبل أن يأخذها الموت مقهورة مطعونة في أمومتها!! وهي ذات الأمنية التي ترفعها أي أم ليبية تخاف أن يأتيها بلاغ من أجهزة القذافي الأمنية بتصفية أحد أبنائها؛..أكان بعيدا على أحد أرصفة العالم ملاحقاً مطارداً..أم كان مختطفا قابعا في أحد أقبية الأجهزة الأمنية أو المثابات الثورية..أم معلقا على المشانق في الميادين والساحات .. أم هكذا.. نتيجة "هبوط السكري "في سجن أبو سليم ..فكل الأمكنة التي تطالها يد صاحب"الخيمة"تصلح لأن تكون مقبرة تسع الليبيين !!! 

أمنية الموت قبل موت الأبناء.. ذاك هو سقف السعادة للأمهات في "المجتمع الجماهيري البديع" !!!

لا حاجة للبلاغة إذن يا نيافة "ملك الملوك" وأنت تُروِّج لجماهيريتك العجيبة .. فآل التايب وكل أم ليبية أحرقتَ قلبها على أبنائها وكل الأبناء الذين يتّمتهم والزوجات اللائي رمّلتهن... كل ضحاياك منذ أول ضحية رُسِّمْتَ،بسببها،ملكا للموت وحتى آخر ضحية في قائمة الموتى على يديك..  هم من ينبغي أن يقدمهم حواريوك و"المبشرين" بهلوساتك، نموذجا لعدالتك "للباحثين عن النعيم الأرضي"! 

يا لسعادة القتلة وهم يحيلون شقاء الثكالى إلى"أعراس ثورية"!!

يا "لشهامة" المتفرجين وهم ينكّسون رؤوسهم منصرفين إلى شؤون حياة عادية وقد صدقوا أنهم يحيون حقاً.. أو ربما ظنوا أنها حقا حياة !!

فاطمة محمود

fatima_mahmoud@yahoo.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. راجع الهتاف اللائي أطلقنه : "يا قذافي وين ضنانا     ما لقيناهم في الجبّانة = المقبرة.

2. انظر ماذا فعل في نصب الجندي المجهول بالهاني بطرابلس..حيث افتعل لأبيه تاريخا جهاديا مزورا ووضعه تحت النصب التذكاري للجندي المجهول!!!

3. توفى الأب كمدا لموت أحد أبنائه في السجن قبل المجزرة التي أودت بحياة بقية الأبناء الخمسة!!


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home