Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Fatma Mahmoud
الكاتبة الليبية فاطمة محمود


فاطمة محمود

Sunday, 3 February, 2008


الحقبة القذافية الأولى (1)

فاطمة محمود

في هذا المقال،لست بصدد القيام باستنطاق،موسِّع،لما أسميه: "الحقبة القذافية الأولى".إلا بما هو ضروري من مقاربة لبنيتها السلطوية و ما رتبته طبيعة حكمها،البدو فاشية،من،أوضاع وظواهر،و ما خلّقته،من سياقات وبُنى،كوْنها شكّلت،ولا زالت،لحظة تاريخية مفصلية،في صميم تجربة الليبيين،المعاصرة،فيما تعلّق بمواجهتهم للفاشية.

على أنني،في هذا الإيجاز،لست بصدد التدوين للسياسي والثقافي ولمقتضياتهما،التي هيمنت على الليبيين طيلة العقود الأربعة الماضية،وإن كنت لا أغفل أهمية سبر ما طرحته،تلك العقود،على صعيدَيْ الوهم والواقع.وما كرّسته من وقائع و حقائق مست بجوهر الليبيين والليبيات.وما أحدثته من شروخ وانكسارات؛ بل وانهيارات طالت البنيات الأساسية،لقيم اجتماعهم، و أخلّت بتصوراتهم لذاتهم الجمعية.

ولكن،قبل أن ندخل(معا)إلى معتقل الحقبة القذافية الأولى،التي لا يشك أحد في أنها أسوأ ما مر على الليبيين من حقب،سأتوقف قليلا أمام السؤال عن ..... لماذا نحقِّب لعهد القذافي؟!وما هي الضرورات ،السياسية ،التي تجعلنا نبادر إلى هذا التحقيب ،خصوصا،وأن ثابته القمعي،الذي يُعَدُّ من أهم سماته،ظلّ محافظا على وتيرته دون أن يُمَسّ بعامل،جوهري،ينقضه أو يخفّف من تأثيراته.و بعكس ما هو متوقع لم يقم الزمن إلاّ بتمتينه و تفعيله في صميم حياة الليبيين، بحيث أصبح يمثَّل حاضرهم ومستقبلهم المنظور وما يمكن أن يتوقعوه بعد ذلك!

إن التحقيب لعهد القذافي، في هذا المقال،لا يأتي في ضوء قراءة نقدية للتاريخ الليبي السياسي المعاصر.ولا يأتي في سياق محاكمة( ضميرية) لمتعلِّق سياسيٍ فرض علينا غيبيات سياسية ولغو سياسي لا أول لهما ولا آخر فذلك، مع ضرورته،لا يرد،في هذا المقال،إلا تلميحا..إلاّ أنه يمكن تلخيص محرِّضات هذه القراءة التحقيبية في الآتي:

1. أنطلق،في إيجازي لهذه الحقبة، من التذكير بالحاجة إلى طرح،كل هذا الذي حصل لنا،تحت مبضع السؤال النقدي التحليلي: لماذا حصل ما حصل؟! وفي أية ظروف ؟! وماذا فعلنا.. وماذا سنفعل؟!

2. إن التذكير بضرورة رصد اللحظة التاريخية الفالتة من بين أيدينا.أي،اللحظة التي حيل فيها بيننا وبين صناعة مصيرنا السياسي،منذ أن تم محاصرة مشروعنا الوطني الديموقراطي مع بوادر قيام دولة الاستقلال( الواقعة ما بين 1951 و1969) والذي على الرغم من تعثره إبّان دولة الإستقلال،إلا انه كان يملك، بحكم الواقع،فرصة التطوّر والانفتاح على فضاء من التجربة والتحديات التي كانت ستضع،هذا المشروع الوطني،في موقع الفحص والاختبار والتطوير،لولا انقلاب 69 الذي قام بشطبه ومن ثم ترسيخ ثقافة القبيلة،التي كنا،بالكاد، نحاول التسلّل من مضاربها،بل، والخروج على مآلفها. إن،هذا التذكير، يلح على الحاجة إلى إعادة قراءة تاريخ اجتماعنا السياسي والثقافي قراءة نقدية من داخله وليس من خارجه ؛ فمهمة الورّاقين هي آخر ما يحتاجه هذا التاريخ!

3. قراءة ما مر بنا طيلة الأربع عقود الماضية التي عاشها الليبيون مقذوفين خارج زمنهم.معزولين عن ماضيهم(الوطني) مصاغين في تاريخ سياسي مزوّر،مقطوعي الصلة بحاضرِهم و بغدهم، عاجزين عن صياغة فعلهم السياسي .وإنتاج ثقافة، تمثل ذاتهم الجمعية تمثيلا حقيقيا وعادلا.ولقد قُطِعت صلاتهم،تقريبا، بكل الآليات التي تضعهم في صلب حتمية التطور.

4. إن مراجعة الغيبيات السياسية التي روجها النظام فرّخت،بدورها، تثنائيات (ما نوية) من قبيل؛" ثوري / رجعي..وحدوي/اقليمي،جهوي،قبلي(!).عروبي / شعوبي.ولا تسأل عن؛"سلطة الشعب" التي لا معنى لها أمام تسّلط القبيلة على الشعب.و"جيش الشعب* "الذي هو جيش القبيلة ضد الشعب..الخ" ...و لقد أفلح هذا اللعب بالثنائيات( بالنسبة للسلطة ومن قِبَلِها) في خلق مستوى من تمثّل القمع وإعادة إنتاجه،و فرض حالة خاصة من التعايش مع القمع والفوضى؛ بحيث أصبح، كل طرف في هذه المعادلة،يفرز وحدته القمعية الخاصة به .ولكل وِحدة من هذه الوحدات ،القمعية، سلطاتها و آلياتها المنفِّذة لقوانين دورة القمع الكبرى، في مضامينها: الاجتماعية / السياسية / الاقتصادية /الثقافية ...!

5. و يأتي التحقيب لعهد القذافي لرصد ضرب من المرابين السياسيين الجدد،داخلا : ( المتحلقين حول سيف)وخارجا : (بعض المحسوبين على المعارضة)، وهم يتهيئون" لحقبة جديدة" تعج بالتملّق طمعا في إعادة تشكيل المشهد(السياسي) المعارض و تقزيمه إلى ساحة هشة ورَخْوة قابلة للعطب والتحويل والتأويل!وفي ذلك ينبش بعضهم(بقصد أو بدونه) قبور سياسية تجاوزها التاريخ ( في تجاهل ،غير خاف ، لإرادة الليبيين الجمعية وفي تسذيج مطالب قواها المعارضة) !

6. كما يأتي،هذا التحقيب،في سياق التوقف أمام إعادة تأهيل النظام دوليا والتأثيرات التي ستصاحب هذه العملية على ليبيا وعلى الشعب الليبي وعلى طلائعه المعارضة!

7. إن أحد مهام أية مقاربة نقدية،في صدد هذا التحقيب، هي التحريض على تفحّص ما تعج به الحقبة المعنية من حطام الليبيين.. حطام واقعهم ، حطام أحلامهم، حطام كرامتهم الإنسانية،حطام أجسادهم وأعمارهم،و.. حطام مستقبلهم...!

وعلى هذا لا بد من التذكير ببعض دوال المشهد السياسي الليبي في عهد دولة الاستقلال؛ فمحليا كان المشهد السياسي الليبي لا زال يحمل تأثيرات الحراك الوطني السياسي لما قبل الاستقلال والذي قام على الفعل الجهادي..الذي انتهى عمليا بشنق شيخ الشهداء عمر المختار في سلوق 16 ـ 9 ـ1931 .

ثم برز ملمح النضال المدني السياسي ( كأحد أصداء المرحلة الجهادية السابقة) وقد تكفلت، بذلك الملمح، الحركة الوطنية الليبية المطالبة بالاستقلال بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.وقد أرادت نخب،تلك الحركة،الذي احتك بعضها بالثقافة الغربية الليبرالية،أن تستغل محاسن الليبرالية ،في الدولة الدستورية والديموقراطية البرلمانية،وتسترشد بها في بناء دولة الاستقلال.كما تصادت بعض تلك النخب الوطنية،أيضا،مع التغييرات التي أحدثتها الدولة التركية العلمانية،بعد اسقاطها دولة الخلافة في 1924.وما ترتب عليها من استقلالات وطنية عن الدولة العثمانية.وفي سياق استيطالات عامليْ؛ التنوير التركي والحداثة الغربية وجدنا جمعية عمر المختار تطالب، مبكرا، بحقوق المواطنة.وبشير السعداوي يطالب بوحدة ليبيا الكاملة.وهو ما يحايث مطالبات عديدة، بإصلاحات اجتماعية وسياسية برسم دولة الاستقلال. إلا أنه، وكما هو معروف،فإن هذا النضال المدني لم يتطوّر، بالقدر الكافي، ليعزّز و يمتّن الحياة السياسية التعددية المرجوّة ؛ فبعض قوى، تلك الحركة الوطنية،صمت وانزوى.وبعضها انساق وراء المغانم الضيقة،من مناصب و مراكز في دولة الاستقلال.واكتفى البعض الآخر بالمنجز الديموقراطي(الدستور والبرلمان)كمنطلق تأسيسي لبناء بقية وحدات المؤسسة الدستورية العتيدة.بينما طال السجن والنفي والمنع قوى المعارضة الوطنية( الابعاد المبكِّر لبشير السعداوي، كأحد رموز الحركة الوطنية وقمع حراك جمعية عمر المختار السياسي والثقافي والاجتماعي).ثم انسحب،لاحقا،(المنع والسجن)على قوى وطنية وقومية ويسارية جديدة، ناهضة،معارضة.. كان بعضها يرى في النظام الملكي البرلماني منتج كولونيالي ليبرالي مرتبط بمصالح الغرب( بريطانيا وأمريكا).على الرغم من أن معارضة،تلك القوى السياسية المدنية في أغلبها، كانت ضمن النظام القائم وفي ظل شروط الحياة السياسية القائمة آنذاك!

إن الانطباعات التي قد يخرج بها من يقرأ تاريخ تلك المرحلة التأسيسية الخطيرة كثيرة وغنية.. و لكن ضرورة الاختصار، في هذا المقام ، تشير إلى انطباعيْن مهمّيْن :

1. إن ذلك الحراك السياسي المطلبي (النخبوي)لم يتمكّن،آنذاك، من طرح نفسه أفقيا ليصبح مطلب الديموقراطية الحقيقية(و ليست القبلية) مطلبا شعبيا يفعِّل برنامجا سياسيا يسعى إلى التغيير بوسائط ديموقراطية.و هذا مفهوم بالنظر إلى معطيات تلك المرحلة.

2. إن مخالفة النظام الملكي ، وقتها، لروح دستور دولة الاستقلال ، وخنقها للتعددية السياسية ؛ عمّق خفوت حس الليبيين بحقوقهم الديموقراطية،التي نص عليها الدستور.و بالتالي فوتت دولة الاستقلال على نفسها وعلى الشعب الليبي إمكانات تطوير المنجز الديموقراطي وإكسابه المناعة ضد هوجة الإنقلابات العسكرية التي كانت رائجة آنذاك!

* * *

لقد انطلقت الحقبة القذافية الأولى بانقلاب عسكري جاء في سياق مشاريع سياسية انقلابية..عصفت بالمنطقة.وهذه المشاريع،في عمومها،وإن حَوى خطابها حمولة تبشيرية(بولِغ في تقديرها)أو قاربت شيئاً من"حداثة سياسية"(وقفت عند حدود الشكل)أو أناطت بنفسها القيام بمهمة التغيير والتحرير(وهو ما وقفت إزاءه عاجزةً).إلا أنها فشلت في خلق دول حرة تليق بكرامة إنسانها.ومن أبرز دوال فشل هذه المشاريع ما نشهده،في طول وعرض المساحة التي تحركت في مضمارها(وهي هنا عربية،زمنا وجغرافية)من فقر وبؤس وتخلف ومشاريع حروب طائفية وأهلية تسندها ماضوية تبريرية شرسة.
ولقد ضربت(الحقبة القذافية) مثالا وجيها على هذا الفشل؛ بل إنها قامت بسد ثغراته وأكملت حلقاته.. وضاعفت من بشاعته.
إن استيلاء القذافي على السلطة الذي تم بالقوة والعنف ثم مثالثتهما بالقمع،وضع حقبته الأولى في مأزق بنيوي و أخلاقي لا يسمح لها بمد جذورها في المستقبل، كسلطة قابلة للاعتراف بها ومن ثم للتحقّق والتطور خارج شرطها القمعي،علاوة على انغلاقها الموضوعي على نفسها،فهي لم تكن تعبر عن تشكلٍ اجتماعي أو سياسي(حزبي أو ما إليه)،بقدر ما كانت تعكس، في منشأها،تطلعات وتصورات مجموعة صغيرة من ضباط صغار معزولين عن الحياة السياسية وعن ممارستها في الحيز الديموقراطي(وإن ضاق) لدولة الاستقلال.ومعظمهم محمول على عدوانية إقصائية ضد النظام السياسي برمته،ومنفعل،عن بعد،بالأصداء التي أحدثتها الانقلابات العسكرية العربية. هكذا قاموا بإجهاض الشرعية الدستورية الديموقراطية للبلاد،و قطع السياق السياسي الذي كان يؤسِّس لسلطة حديثة لدولة معاصرة.

بهذا المعنى تشكلت سلطة انقلابية لا تملك من الشرعية إلا"شرعية"الأمر الواقع،أي شرعية القوة أمام غياب قوة الشرعية! وفوق ذلك هي لا تتمتع حتى بتلك الشرعية التاريخية،التي عادة ما تبرِّر السلطة التقليدية،كسلطة تدعمها المآلف ويثبّتها الإذعان التلقائي،تجاه سلطة الدولة بشكل عام،الإذعان الذي تبرّره المصلحة الجماعية ويقوم،الثقافي والعقائدي،بتسويغه.وتسهر عليه القوانين(إلهية كانت أم وضعية)مما يجعل سلطة الدولة،التي يعرِّفها بعض دارسو التاريخ السياسي بأنها "حارسة المصلحة العامة"، مقبولة.. ما دامت مقيدة بإجراءات وقوانين تضمن الحد المعقول من العدالة،مما يساعد على التخفّف من شرطها القمعي.

ولقد فشلت،هذه السلطة الانقلابية،منذ قيامها وحتى يومنا هذا،بالإتيان بغير حقيقتها الاجتماعية بحكم عقيدتها البدو عسكرتارية.على الرغم من اجتراها للمترادفات الثورية وكل ما يعج به خطابها "الثورجي" من مواعظ وحِكم قومية واشتراكية، ولاحقا أممية، مما اضطر مؤسس هذه الحقبة " قائد ثورة الفاتح العالمية"، الملم بـ"أزمة البشرية قاطبة " و"حاجتها" لـ "حلوله النهائية"، بأن يفتح فروعا لبازاره "الأيديولوجي" من قبيل "المثابات الثورية العالمية" و"الساحات الثورية العالمية" و"المدرجات الثورية الخضراء" !

وعلى الرغم من كل ذلك الخبل الهذياني.. فإن الذي يتفحّص عجينة هذه الحقبة سيجد أنها لم تتعد شروط ثقافة القبيلة وقواعد اجتماعها القائمة على : "العرف والنسب ، والتحالفات العشائرية والوصاية المطلقة وتوريث تلك الوصاية والهيمنة للوريث"الشرعي".

يتبع.

فاطمة محمود
كاتبة وشاعرة ليبية تقيم بالمنفى
Fatima_mahmoud@yahoo.com
________________________

* معروف أن القذافي استهدف الجيش الليبي كمؤسسة وطنية. إذ قام بشل فعاليتها. بعد أن جردها من الذخيرة. ووضعها تحت سيطرة أبنائه، وضباط قبيلته.



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home