Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Fatma al-Tayeb
الكاتبة الليبية فاطمة التائب

الأحد 25 اكتوبر 2009

أين الطبيب الإنسان؟

فاطمة التائب

الموت كأس كلنا ذائقه: "كل نفس ذائقة الموت". ولا سبب واحد له، كل له طريقه إلى الموت.

ولكن فراق الأحباب له مرارة لايخففها إلا التسليم بقضاء الله. ولعل فراق الأم هو الأعظم مرارة ،لأنه يسبب فراغا كبيرا، نحسه في قلوبنا قبل أن نراه في الأماكن الفارغة.

ـ (إنها سنة الحياة) هكذا نقول قبل أن تدور علينا عجلة النسيان و نستمر في القتال اليومي من أجل أن نعيش دون أن نمد أيدينا إلى قلوبنا متحسسين جروح الفراق التي لابد أن تظل آثارها إلى الأبد. لكن هذا النسيان يصير أصعب و أصعب إذا اعتقدت أن هناك من أسهم في فقداننا لأحبابنا .. نعم..نعم..الكلام لن يعيد أحدا إلى الحياة ،وما حدث كان قضاء و قدرا،ولن تنفعنا (لو)!لكن شعورك أنك قد أهملت و أهمل مريضك الحبيب في مرافق كان ينبغي أن تحمل عنك عبء العناية بمريضك،حيث يكفيك أن تكون قلقا و مهموما وأنت ترى (أمك)ترتجف مرضا. هذا الشعور بالإهمال قد يسلمك إلى دوامة من الألم: ألم الفراق؛وألم الحزن على حالة مرافقنا الصحية؛و الأنكى من ذلك كله ألم التحسر على الضمير الميت للطبيب الليبي،الذي تردى في هاوية اللامبالاة التي سقط فيها من قبله ضمير المسؤول الليبي؛و المعلم الليبي.....وهلم جرا..!

و هانحن نقص قصة أم أسهمت هذه اللامبالاة المقيتة في تفاقم مرضها حتى أسلمت الروح تحت مرأى ومسمع أطباء، بين من شخص المرض تشخيصا خاطئا،ومن منع عنها البقاء في العناية ، ومن لم تسمح بأن تتغاضى عن الروتين الاجوف مقابل إنقاذ روح إنسانية، و بين موظف يرفض إعطاء كيس الدم لطالبه دون ان يقدم بين يدي طلبه واسطة.إنها قصة اليوم الواحد الذي شهدت فيه أبصارنا شهادة عيان على مدى التسيب المفزع المتفشي في مستشفياتنا قصة ام تعود ابنائها على علاجها في الخارج لعدم ثقتهم في المستشفيات الليبية لما يسمعونه من مأسي تحدث كل يوم في مستشفيات الموت,,,,ولكن المرض كان سريعا والرحيل كان اسرع .

ذهبت الأم المرحومة بإذن الله:أم الخير ارحيم التائب. يوم الأربعاء الموافق 30/9/2009 إلى مستشفى ابن سينا الساعة الحادية عشرة ظهرا بصحبة ابنها الموظف بشركة الخليج إثر عارض بسيط،ذهبت إليه تنشد العلاج في هذا المرفق الصحي الذي يقتطعون من أجله مبلغا من رواتب موظفي الخليج مقابل العناية الصحية. وهناك أجريت لها صورة أشعة، حيث لزم للقيام بهذه الصورة أن تقف المريضة المنهكة، فلا وجود للسرير المتحرك،حتى اضطر ابناهاإلى اسنادها بينهما أمام الجهاز على الرغم من خطورة هذا عليهما. ثم أجريت لها صورة فوق صوتية ،في دوامة من التعب و الانتظار لم تنته إلا عند الساعة الرابعة عصرا ، وشخص المرض بعد ذلك بأنه استسقاء على المعدة و الرئتين أدت إلى حالة الألم و الإنهاك و عدم القدرة على التنفس السليم التي تضاعفت بعد هذا المكوث الطويل، ولا يمكن أن تعالج إلا في مستشفى سبعة أكتوبر أو في مستشفى الجماهيرية.

فكانت الرحلة الثانية إلى مستشفى 7أكتوبر الذي بدا نظيفا و منظماحين وصلته المريضة و هي على وشك الإغماء.و بعد أن استعان أبناؤها بالواسطة منّ عليها بكرسي متحرك و ممرض لاستلامها عند العيادة الخارجية بعد أن حملها ابنها من السيارة إلى العيادة .أما الكرسي فلا مساند للقدمين فيه فطلب الممرض من المرافقين أن يحملوا قدمي المريضة ليستطيع دفع الكرسي دون أن تلتوي قدما المريضة ، في منظر عجيب يدل على عدم توفر أبسط الاحتياجات الطبية في هذا المستشفى العريق في مدينة بنغازي ..و لأن من لا يشكر الناس لا يشكر الله؛كانت طبيبة الدخول كريمة للغاية، فقد اهتمت بالمريضة و استمعت إلى تفاصيل مرضها بكل دقة ، وعملت عمل الممرضة و الطبيبة على الرغم من وجود الممرضات اللاتي يكتفين باستعراض ملابسهن و وجوههن دون أن يقمن بأي فائدة.وشككت الطبيبة في التشخيص،غير أن رداءة الصور و تدهور حالة المريضة أعجلتها إلى إدخال المريضة إلى العناية ،حيث فجأنا الطبيب المسؤول بمنع دخولها إلى العناية وكأنها منزله الخاص و أخرجها آمرا بنقلها إلى الباطنة رافضا حتى الكشف على حالتها دون أن يحرك قلبه منظرها وهي مرمية على الكرسي و هي بالكاد تلتقط النفس.وإذا صدمتك هذه اللامبالاة من طبيب العناية فإن الأنكى ما رأيناه في قسم الباطنة من الطبيبة المسؤولة التي رفضت الكشف على المريضة أيضا متحججة بالروتين حيث بنت رفضها هذا على خلو التقرير من أي إشارة على تحويل المريضة من قسم العناية،دون أن تعتبر أن لا ذنب للمريض في هذا الخرق الروتيني ،حيث كانت صحة المريضة خلال هذا كله تتدهورفي حين أن حالتها لم يتأكد تشخيصها بعد، فضغط الدم كان يهبط متسارعا دون أن يتخذ أي إجراء حيال ذلك. والتنفس كان متسارعا ولا يوجد انبوب الأكسجين ربما لعدم اهميته بديهم . حتى اضطر مرافقوها إلى طلب أطباء من المعارف للكشف على المريضة إلى أن تحل مشكلة(طبيبة الباطنة) مع(طبيب العناية),مع العلم بأن سرير المريضة كان مجاورا لمريضة أخرى تعاني التهاب الكبد الوبائي!!.و بعد أن وافق طبيب العناية على التنازل و الاعتذار من طبيبة الباطنة،تنازلت هي و وافقت على رؤية المريضة المرمية على السرير منذ ساعات!!. ولم تكن رؤيتها لها بالمجدية ،حيث اكتفت بنظرة سريعة دون تشخيص واف!!.و لما لم تكن المريضة قد تذوقت شيئا منذ قيئها في الصباح استفسر مرافقوها عن إمكان اعطائها قليلا من الماء فوافقت الطبيبة ،وعندما تجرعت المريضة الماء عانت ألما رهيبا حتى فقدت وعيها .فأنزلت إلى العناية (بالواسطة) وصورت مرة أخرى بالأشعة السينية ،لتشخص حالتها بأنها انفجار في الأثنى عشر!!و بأن المريضة تعاني نزيفا داخليا بسبب ذلك منذ الصباح.و قرر اجراء عملية (مستعجلة!!!)لرتق الانفجار.ليهرع أبناؤها و أقاربها كل في اتجاه :بين من يسعى لتأمين الدم،و من يحضر الخيط الجراحي و أدوات التعقيم!!.ـ ولاحضار الدم قصة،يعرفها كل من ألجاته الظروف إلى أن يعاني قريبه في مستشفيات بنغازي ـ ،فمصرف الدم مقفل ليلا،و مختبرات الدم التابعة للمستشفيات لا يمكن أن تعطي الدم إلا بواسطة،وهكذا كان : فعند طلب ابنها كيس دم من مختبر مستشفى الجماهيرية بورقة من مستشفى 7أكتوبر زعم الموظف أن الدم قد نفد.وعندما استعين بواسطة عاد إلى الموظف نفسه بالورقة نفسها أعطاه كيس الدم الثمين .

و بدأت العملية بعد منتصف الليل، و أهلها كلهم أمل في أن تكون خاتمة آلام أمهم التي تعاني منذ الصباح دون أن يلتفت أي طبيب إلى ألمها .و أخرجت بعد ساعة ليقول الجراح إنهم وجدوا الغرغرينا متفشية في الأمعاء،سبب الغرغرينا هو الانفجار في الاثنى عشر الذي لم يعالج مبكرا!! لتمكث في العناية وهي غائبة عن الوعي حتى الساعة العاشرة من صباح يوم الخميس 1/10/2009 حين استلم الله أمانته.

ونختم بالقول: ما الذي يريده الطبيب الليبي ـ في بنغازي خاصة ـ؟ ، ألم يزيدوا راتبه! ألم يقوموا بصيانة المستشفيات! ألم يحسنوا من وضعه! ما الذي يلزمه بعد ذلك ليكون إنسانا قبل أن يكون طبيبا؟ من المعاد المكرور القول بأن الطب مهنة إنسانية ينبغي لمزاولها أن يسع المرضى بأخلاقه قبل ان يسعهم بعلمه. ياتري كم ضحية يلزمنا ان نفقد ليشعر الطبيب بالمسؤولية وبحجم المأساة؟

فما الذي حدث للطب في بلادنا؟

الأبنة والشاهدة علي المأساة
فاطمة التائب


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home