Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Fathi al-Araibi
الكاتب الليبي فتحي العريبي


فتحي العريبي

الجمعة 5 ديسمبر 2008

خروف العـيد .. سومه صقع .. ما تقدر عـليه

من أكثر أغاني البوب الليبية انتشارا هذه الأيام

 Libyan Pop Songs
 

تصوير وتحقيق : فتحي العريبي(*)

 

تناقلت شبكات الإنترنت الليبية في الداخل والخارج ، وفي مستهل عناوينها الرئيسية
أن ليبيا قد أشترت 150 ألف كبش من مالي لعيد الأضحى لهذا العام

ولسنا هنا بصدد التطرق لتفاصيل هذا الخبر من حيث الأسعار ونارها الشايطة
 أو إلي القادرين  فعلا علي الشراء ، بل نقدم لكم عوضا عن ذلك قصة طريفة وساخرة تبعث التأمل
في القلوب وترسم الابتسامات علي الشفاه ، وتعود بكم إلي خمسينيات بنغازي في القرن الماضي
 في أثناء صبا الأديب والمفكر الليبي القدير الأستاذ الدكتور: الصادق النيهوم

المصير واحد أيا كانت جنسية الخروف
سواء كان  من نوع  : وطني - بلغاري - شامي -  مزقري .. وغير ذلك

التفاصيل الأدبية في القصة التالية 

رجاء من الحاج الزروق



النص بالكامل لـ : الصادق النيهوم(**)
 

عندما وصل الحاج الزروق إلي بيتنا لكي يذبح لنا كبش العيد خلال جولته الدموية بين بيوت الزقاق ، كنت أنتظره وراء الباب مسلحا بحجر صواني ، وكنت أنوي أن أكسر رأسه بذلك الحجر  وأنهي معه معركتي البائسة  التي خضتها ضده ثلاث سنوات بدون أدني فائدة . 

وكان يحضر إلي بيتنا مرة كل عام لكي يذبح الخروف الذي أنفق في تربيته معظم وقتي ، يبقر بطنه ويعلقه في السقيفة مقلوبا علي رأسه ثم يضع البطانة في قفته ويذهب إلي البيت المجاور . وكان يربت علي ظهري بيده الدموية عندما أشرع في البكاء ، ويطلع لي بضعة قروش من عقدة منديله معلنا بأعلى صوته أنني سأحصل علي خروف آخر إذا نجحت في الامتحان . 

 خرفان العيد في طريقها رغما عنها للاستحمام في بحر الشابي -  زمن صبا : الصادق النيهوم

وكنت أحصل علي خروف آخر حقا ، وأنفق معظم وقتي في العناية به ، وأجره ورائي في أيام الجمع لكي أغسله في البحر مع بقية الحصران ، وأخلط له النخالة بأوراق الشاي المطبوخة ، وأسلخ جبهتي في تعليمه النطاح ، وعندما نصير أصدقاء ويصبح بوسعي أن أخرج به إلي الشارع بدون مقود وأسلطه علي بقية أطفال الزقاق ، يأتي العيد الكبير ويأتي معه الحاج الزروق لكي يذبح صديقي ويعلقه في السقيفة مقلوبا علي رأسه ثم يطلع لي بضعة قروش من عقدة منديله معلنا بأعلى صوته أنني سأحصل علي خروف آخر إذا نجحت في الامتحان . 

السقيطة معلقة في السقيفة وقد اختفت منها ( اللية ) في ظروف غامضة 

كانت لعبة حقيرة تثير الملل . وكنت قد تعبت من الحاج الزروق ، ومن رؤية أصدقائي المعلقين من أرجلهم المسلوخة في السقيفة . وخطر لي خلال الليل أن أغطي الخروف ببطانيتي القديمة وأخبئه وراء الصخور المكومة علي شاطئ البحر أو أربطه في احدي الخرب المجاورة لزقاقنا ، ولكن خطتي بدت في الصباح مثيرة للقلق ، فقد كان من الواضح أن إخراج ذلك الخروف من مكمنه الآمن في سقيفة بيتنا إلي إي مكان آخر في يوم العيد الكبير مغامرة خاسرة تشبه إخراج فأرك من المصيدة لكي تطلقه وحده في مدينة مليئة بالقطط  وكان من الواضح أن كسر رأس الحاج الزروق مهمة أسهل من إخفاء خروفك عن أعين المواطنين في عيد الأضحي . 

خروف العيد لهذا العام : سومه صقع عللي كيفي وكيفك 

وقد كنت له وراء الباب . تزودت بحجر صواني وكنت له وراء الباب فيما كان الخروف يراقبني بفضول في المربوعة المقابلة . وكان المخلوق الطيب القلب لا يعرف الحاج الزروق . وكان مستعدا لان يبادر إلي اللعب معه بمجرد أن يبدأ في مطاردته لكي يحكم وثاقه بحبل الغسيل ، فالخرفان – فيما يبدو – لم تتعلم قط أن تتعرف علي الجزارين من رائحتهم . 

وقد جاء الحاج الزروق في الميعاد . شممت رائحته قبل أن يصل إلي باب بيتنا ، وسمعته يتبادل تهاني العيد مع أحد الجيران ثم شممت رائحة البطائن في قفته الدموية ، ومددت يدي لكي أفتح له الباب مطرق الرأس . ومنحني الحاج الزروق ابتسامة حمراء وقرصني في أنفي من باب إظهار الود ، ولكني لم أتركه يدخل . لقد وقفت معترضا طريقه وراء العتبة دون أن أجرؤ علي النظر إلي وجهه فيما حشر الخروف رأسه بين رجلي وطفق يراقب معركتي الخاسرة بفضول .

ورأي الحاج الزروق حجر الصوان . ورآني أغالب دموعي في يأس ورفعني بين يديه ثم وضعني فوق كتفه مطلقا ضحكة عالية . وعندما فتحت عيني بعد ذلك كنت أجلس علي حجره في السقيفة وكان يرتشف  قهوته من الفنجان الضائع وراء شنباته العملاقة ويتحدث بصوت عال عن يوم القيامة . 

وقد أنصتنا إليه معا ، الخروف وأنا . وسمعناه يقرأ آيات من القرآن عن عيد الأضحي وسمعناه يسعل مختنقا بعقب سيجارته الرديئة ويقسم لنا برأس والده أن المرء يطلع من قبره يوم القيامة ويجد خروفه في انتظاره علي باب المقبرة لكي يمتطيه إلي قصره في الجنة . وعندما أحس الخروف بالملل وذهب يبحث عن أوراق الشاي المطبوخة في علبة القمامة ، وضع الحاج الزروق طرف شنباته في أذني وأخبرني أن المشي علي الصراط مستحيل من جميع الوجوه ، وأنني سأسقط في النار مع النصاري والشياطين إذا قررت أن أصل إلي الجنة مشيا علي الأقدام .  

ووضعت حجر الصوان جانبا وخرجت من البيت مطرق الرأس . كنت أعرف أني خسرت معركتي مرة أخري ، وأنه ليس ثمة فائدة من البكاء علي كتف الحاج الزروق ، فهو لن يصدقني علي أي حال ، حتي إذا قلت له أنني لا أريد أن أذهب إلي الجنة مقابل خروفي ، إن الله نفسه يقف إلي جانبه ، ثم أن الكبار لابد أن يذبحوا أحدا ما في عيد الأضحي ويدخروا عظامه في زير القديد لكي لا تملآ الفتاشة بطونهم بالأحجار . 

كنت أعرف ذلك أيضا . وأعرف أن الخرفان - إذا كانت تذهب إلي الله حقا -  فإنها بالتأكيد لا تذهب كاملة . إن الرأس علي الأقل لا يخرج من بنغازي إلي أي مكان ، وكل مواطن هنا يشوي رأس نعجته ويرسله إلي الفرن في صباح اليوم التالي . 

 يشفشف الرأس أولا في البيت علي نار حامية ذات لهب  .. ثم تقطع القرون وينظف جيدا ويدعم بعد ذلك بطبقة وافرة من البهارات ويرسل في طجين إلي أقرب ( كوشة ) في الحي 

والبوسمة - أيضا لا يخرج من بنغازي بل يعلقه المواطنون علي باب الدار لجلب المحبة وكذلك الأرجل وحبة القلب والفخذ والضلوع . إن الخرفان في الواقع إذا كانت تذهب إلي الله حقا ، فلابد أنها تذهب زحفا علي بطونها المبقورة بدون رؤوس وبدون أرجل أو كبدة أو أمعاء ، والمرء لا يستطيع أن يعتمد عليها في عبور الصراط . إن النصاري الذين يمشون علي أقدامهم يملكون فرصة أفضل للوصول . 

ولكن الحاج الزروق يناصبني العداء . هذا كل ما في الأمر . لقد خلقه الله خاصة لكي يطارد كل خروف أحصل عليه مقابل احتمالي لعذاب المدرسة ثم يوثق رباطه بحبل الغسيل ويعلقه في السقيفة مقلوبا علي رأسه بعد أن يسرق بطانته . هذا كل ما في الأمر أن الحاج الزروق قضاء وقدر . 

 بطانة خروف - الصادق - التي سرقها الحاج الزروق في وضح النهار 

ورفعت رأسي إلي السماء فيما كنت أتسكع في أزقة المدينة علي غير هدي ، وطلبت من الله أن يمسخه إلي حجر ثم ذهبت إلي ضريح الرفاعي وأعطيته خمسة قروش مقابل تحقيق هذه الرغبة . 

وفي الأسبوع التالي مات الحاج الزروق . لقد كلفني خمسة قروش أخري علي ضريح سيدي عثمان ، ولكنه مات في نهاية المطاف ، ورأيت سكان الزقاق يشيعون جنازته بعد صلاة الجمعة ، رأيت الرجال الذين وضعوا نعشه فوق أكتافهم ينحنون بوهن تحت وطأة جسده الحجري . لقد كان ذلك أفضل كثيرا من كسر رأسه بحجر صواني ، وكان موت الحاج الزروق علي هذا النحو النظيف الخالي من سفك الدماء موضع رضا جميع أطفال الزقاق حتي أنهم قرروا أن يدفعوا لي نصف النفقات التي خسرتها علي الأضرحة . وعندما ذهبت إلي فراشي في المساء كنت قد جمعت في الواقع ضعف ما أنفقته علي قتل الحاج الزروق ، وكان صراخ العجائز في مأتمه يطرق سمعي في نغمة رتيبة مفعمة بالرضاء . 

ووضعت مصحفي في نافذة الغرفة لكي لا تتسلل إليها أية غولة طارئة علي الزقاق ، ثم نمت ملء جفني ، وحلمت بالمرابطين ، ورأيت أحدهم يفتش تحت وسادتي بحثا عن النقود التي جمعتها من الأطفال ثم سمعته يقول بصوت عال أنني خدعتهم كعادة المواطنين في بنغازي ، وأنهم سيعيدون الحاج الزروق إلي زقاقنا في الصباح . وعند منتصف الليل حلمت بالخرفان ورأيتها تتجمع علي باب المقبرة وتتلاعب فوق السور الحجري المنخفض ثم رأيت الحاج الزروق يطلع من قبره حاملا عدة الجزارة فوق رأسه . 

 العدة التي كان يستعملها الحاج الزروق صباح يوم عيد الأضحى 

وسمعت ثمة من يقول له :

- انتظر يا حاج إن خرفانك لم تصل بعد . ما الذي يدعوك إلي هذه العجلة ؟
ورفعت رأسي في المنام واتكأت علي سور المقبرة لكي أري صاحب الصوت ثم سمعت الحاج الزروق يطلق ضحكة عالية ويقول بمرح :
- إنها ستصل في أية لحظة . لقد كانت أفضل خرفان في المدينة ، وكنت أطعمها وأعطيها أوراق الشاي المطبوخة في السكر .

وضحك أحد ما في طرف المقبرة ، وأصدر الباب الحديدي صريرا مفاجئا ثم ظهر الحاج الزروق عند نهاية السور ورأيته يحدق في الخرفان بدهشة ، فيما كان الصوت السماوي الغامض يقول له :
- هذه خرفانك يا حاج . أجل إنها هي بعينها لقد حاولنا أن نركب لك خروفا واحدا منها جميعا ولكننا لم نجد شيئا من الرؤوس . أسمع . أنت لم ترسل لنا خروفا واحدا برأسه ماذا تعتقد أننا نستطيع أن نفعل من أجلك؟. 

ورأيت الحاج الزروق يجثو علي ركبتيه . ثم رأيته يزحف بين الخرفان ويبحث عمن يحمل رأسا منها ولكنه -فيما يبدو -  لم يجد شيئا في نهاية المطاف ، فقد كانت جميع خرفانه مبقورة البطون وكانت خالية من الرؤوس و البوسمة ، وكان بعضها مسلوخا أيضا . 

من مكملات الدوارة  ( الروايا والكبدة والقرجوطة .. وو .. ) .. لزوم ما يلزم لوجبة : العصبان

وقد عاد الحاج الزروق للزحف علي ركبتيه مرة أخري ثم رفع رأسه فجأة وطفق يصرخ بصوت عال وبمزق ملابسه حتي التفت صدفة ورآني أراقبه من فوق السور . عندئذ حدث شيء مضحك ، فقد أسرع الحاج الزروق في اتجاهي ضاحكا رغم أنني قتلته ورفعني بين يديه وشرع يحتضنني بود حتي كاد أن يكتم أنفاسي ، وعندما أخبرته بأنني قد قتلته متعمدا مقابل خروفي ربت علي كتفي مرة أخري وقال لي إن ذلك لم يعد يهمه وأنه ما يزال يعتبرني صديقه ، ثم وضع طرف شنباته في أذني وسألني بصوت خافت :
- هل رأيت ما حدث ؟ .
هززت له رأسي ، فدفن شنباته في أذني أكثر وقال برجاء :
- اسمع .. أنت أحسن أصدقائي أليس كذلك ؟ .
أسمع إن صديقك لا يستطيع الآن أن يعبر الصراط . هذا رأيته أنت بنفسك . أجل إنه أمر يدعو إلي الخجل، ولكن ماذا تعتقد أنني أستطيع أن أفعل . لقد كانت عادة شائعة في بنغازي أن يأكل المرء رأس نعجته ويرسل الباقي إلي السماء. أسمع ، لا تدعني أعتمد علي هذه المخلوقات المضحكة ، إنني أريدك أن تذهب الآن إلي بيتنا وتخبرهم بأنني في حاجة إلي مطية كاملة وإذا لم يكن بوسعهم أن يشتروا خروفا ، فدعهم يبعثون لي رأسا علي الأقل وقل لهم أيضا أن يرسلوا البوسمة وحبة القلب . 

وكذلك البعض من مفقودات خروف الحاج الزروق : الدوارة والبوسمة وحبة القلب .. وقطع أخري

ومددت يدي لكي أقرصه في أنفه من باب الأخذ بالثأر ، ولكنه أزاح يدي جانبا وقال في صوت مرتجف :

- هذا ليس وقتا للمزاح. أسمع هل تستطيع أن تتذكر قطع الغيار؟. أعني هل تحتاج أن أكتب لك قائمة ؟ أجل . أنت ستنسي إنني أعرف أنك ستنسي دعني أكتب لك قائمة . 

وفي الصباح وجدت القائمة تحت وسادتي. لقد كانت مكتوبة بخط رديء وكانت حروف الفاء منقوطة من تحت، ولكنها كانت قائمة حقيقية ، وقد عرضتها علي أطفال الزقاق ، وقرؤوها طوال النهار ، ومات اثنان منهم  بالضحك .

 وهكذا صار ( التميز ) في بنغازي يمارس عبثا ، وعلي نحو مأسوي ومخجل . من ذلك مثلا : ( الذبح العشوائي ) في الشوارع وما يخلفه من فضلات الأضاحي ودمائها النتنة والتي تحوم عليها أسراب من الذباب الأشد فتكا من السلاح النووي وغاز الخردل(***) .. الصورة ملتقطة عام 2007 . 

أما هذه الصورة (السريالية) فتعد واحدة من مئات الصور، لدم الذبائح في أحد الشوارع الرئيسية بالمدينة (عام 2007 ) حيث يمتد هذا الشارع أمام وعلي مقربة من مستشفي : الجلاء من جهة اليمين في الطريق المؤدي إلي مطار بنينا ، وقد تمت صياغة هذه الصورة من دون المساس بمحتواها الأصلي  بمرشح Canvas ، وهو من المرشحات Filters التي تضاف إلي برنامج الفوتوشوب وتفضي بدورها إلي ما يماثل ملمس قماشة الرسم في اللوحات الفنية. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)  فنان تشكيلي  وكاتب ليبي مستقل - رئيس تحرير مجلة كراسي www.kraassi.com
(**) نقلا عن : صحيفة الحقيقة - الصادرة في بنغازي يوم 24 يناير 1970
(***) التعريف بغاز الخردل في هذا الرابط :

http://www.marefa.org/index.php/%D8%BA%D8%A7%D8%B2_%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B1%

أنظر كذلك إلي أحد هذين الرابطين وموضوعهما المشترك -  كرسي وسقايط والحال زايط :http://www.almanara.org/new/index.php?scid=4&nid=12747

http://www.jeel-libya.com/show_article.php?id=11031&section=13

وهنا قصة إلكترونية مصورة ، أبطالها من أصحاب الجلالة والفخامة ( الخرفان العرب ) من الذين تم الضحك علي ذقونهم في مؤتمر: أنابولس –
Annapolis   بتاريخ 27 نوفمبر 2007  وتفاصيل هذه القصة الهزلية والمضحكة في هذا الرابط : http://www.philaddelphia.com/Detail.asp?Show=863

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home