Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Friday, 31 August, 2007

ليلة زفاف عزيزة

قصة قصيرة


عـيسى عـبدالقيوم

إختلست السمع من وراء الستارة الغليظة التى تفصل " المربوعة " عن باقي البيت .. وعندما تناهى الى سمعها صوت الرجال وهم يرددون عبارة " مبروك .. مبروك " .. أيقنت عزيزة بأن خطبتها على صابر قد تمت .

وبهمسة من أبيها فى أذن أمها تعالت الزغاريت فى أرجاء الدار .

إرتدّت عزيزة الى الخلف على وقع أصوات أقدام بنات خالاتها القادمات نحوها وهن يتغامزن .. وشرعت فى تلقي التهاني منهن الواحدة تلو الأخرى .. وهي تردد عبارة " عقبالك " .

صباح اليوم الثاني كان البيت لايزال يشهد حركة المهنئين والمهنئات .. وكانت جدة عزيزة لأمها لاتزال تنشط بين جموع الفتيات اللاواتي تحلـّقن لسماع قصصها عن غرام أيام زمان .

كان كلامها يدغدغ عواطف البنات .. ويفجر خجلهن .

وعندما وصلت عزيزة الى حيث تتربع جدتها كان الحديث قد وصل الى ترتيبات مراسم الزواج فى أربعينيات القرن الماضي .. وروت الجدة كيف أنها لم تكتشف وجه بعلها الميمون إلا ليلة الزفة .. وكيف أن مهرها لم يكن سوى بضع دراهم .. وجهازها لم يتجاوز حمولة صندوق خشبي صغير .. وتحدثت بزهو عن زينتها فى تلك اليلة .. والتى تضمنت الحنة والكحل وبعض الأصباغ والعطريات محلية الصنع .

ثم راحت تحدثهن عن حفل الزفاف الذى شهده " النجع " .. وكيف أنه إستمر الى ما بعد منتصف الليل.. وما قيل فيه من أهازيج وأشعار لازالت الجدة تحفظها الى اليوم .. بل وزعمت بأن بعض " الشتاوات " قد قيلت فى مدحها بصورة شخصية .. وبعضها ذكر فيها إسمها صراحة .

وتنهدت وهي تروي لهن مراسم مغادرة بيت أبيها .. ولحظة صعودها الى " الكرمود " وزفافها الى عريسها وسط سحابة من البارود .

كانت الجدة تتحدث وسط همز وغمز البنات .. فلكل واحدة منهن حلمها الخاص عن " ليلة الزفة " .. حلم بات لا يشبه قصص الجدات .. ولا حتى يقترب منها .. فلكل جيل حلمه .. ولكل جيل طريقته فى التعبير عن سعادته بتحقق حلمه .

وبعد أن استعاد البيت سكينته التى غالباً ما تفقدها البيوتات الليبية فى المناسبات الإجتماعية .. إستطاعت " عزيزة " أن تتسلل الى الزقاق المجاور لبيتهم لمقابلة " صابر " .. فوالدها من أبناء " المدرسة القديمة " التى لاتعني لهم الخطبة الكثير .. وبوضع يدها فى يده سرت فى جسد عزيزة الملفوف سعادة لم تعهدها من قبل .. تحدثت وأياه عن المستقبل بكل تفاصيله حتى أنها لم تنسى أن تحذره من " كثرة الإنجاب " .. وتفصح عن رغبتها فى أن تكتفي بثلاثة أطفال فقط .. وسط تذمر صابر الذى طالبها برفع الرقم الى سبعة على الأقل !! .

ثم عادا وإتفقا على تفاصيل أخرى .. تضمنت أنواع الأثاث .. وألوان الستائر .. وثم ما لبثا أن إختلفا على الأكل.. ففي الوقت الذى تفضل عزيزة الأكل على طاولة حديثة .. يرى صابر بأن الأكل على الأرض لابأس به .. وعندما إحتجت عزيزة بأن الأكل على الأرض لا يناسب " السيرفيز " الحديث .. إحتج صابر بأن " البازين " يستحيل خوض معركته على طاولة مرتفعة .. ولم تخفِ عزيزة إنزعاجها من كلام صابر مخافة أن يذهب بعيداً ويقترح البازين كوجبة الرئيسية يوم زفافها .. مما يعني أن حلم تقديم وجبة عشاء فاخرة من أحد فنادق المدينة قد يتبخر .

عاودت اللقاءات .. وفى كل لقاء كانا يتفقان على تفاصيل ويختلفان على أخرى .. وكان لخلافهما طعم لذيذ لا يشبه خلافها مع بنات جنسها حول نفس المواضيع .. لأن صابر كان بارعاً فى إنتزاع ضحكتها أثناء تعليقه على طريقة كلامها الغاضب .. مما يجعل النهايات دائماً سعيدة .

كان الحديث عن مراسم ليلة الزفة القاسم المشترك بين كل اللقاءات .. وأكثره تكراراً .. فكانت عزيزة تغمض عينيها وتسرد لصابر تفاصيل ما سيحدث .. من بداية تعليق الزينة .. وحتى لبس " الفيلو " الأبيض .. دون أن تغفل تحديد من سيقف بجوارها فى " الكوشة " من بنات خالاتها .. ولون الورد الذي سينثر أمامها .. بل وأخبرته ذات مرة بأنها قد شرعت فعلاً فى كتابة أسماء المعازيم من أقارب .. وجيران .. وزميلات دراسة .

وفى كل جولة كانت عزيزة تضيف لسيناريو " ليلة الزفة " شيئاً جديداً .. وفى أخر لقاء ذكرته بأنها ترغب فى أن يكون يوم " الخميس " هو يوم زفافها .. وأبدت له تذمرها كون " الفرق الغنائية " فى المدينة غالباً ما تزدحم مواعيدها فى هذا اليوم .. ولكنها أصرت على أن تكون ليلة الزفة الخميس .. ولو أدى ذلك الى تأجيل الموعد لبعض الوقت من أجل حجز فرقة لتحيي تلك الليلة .

وكان صابر يكرر عليها نفس العبارة بقوله : لا تقلقي يا حبيبتي ستكون ليلة من ألف ليلة وليلة.. وسأنشر الخبر فى صحيفة " قورينا " و " أويا " تحت عنوان " ليلة زفاف عزيزة " .

كانت عزيزة تعود من لقاءات صابر وقلبها النابض بالحب يمنيها بحياة سعيدة مع من تعشق .. فقد لبس كلاهما " دبلة الخطوبة " وتعاهدا على عدم نزعها طوال العمر .

أما صابر فكان يرجع من لقاءات عزيزة الى بيته ليدخل فى حسابات مع عائلته حول مراسم الفرح وتكاليفه .. وكان يطمئنهم بأنه يستطيع خلال عامين أن يوفر كل متطلبات الفرح .. ويردد على مسامعهم بأنه يريدها ليلة لا تنسى .. يريده ـ حسب تعبيره ـ خميساً تتحدث عنه المدينة لأجيال طويلة .. وكانت والدته لا تتوانى عن إطلاق الزغاريت كلما شعرت بسعادة إبنها وهي تردد " بيت الحلال مرزوق" .

أحس صابر بأنه ملك الدنيا .. وبأنه أسعد إنسان فى الكون .

وبادلته عزيزة نفس الشعور .. عندما صرح لها بإحساسه .

اللقاء الأخير أضافت " عزيزة " أخر رتوش أحلامها حول " ليلة الزفة " عندما طلبت أن تكون سيارة العريس بيضاء اللون .. ورجته أن يمر موكب عرسها من فوق كوبري " جليانه " .. فأعطاها صابر موافقته بهزة من رأسه .

ثم صمتا وراح كل منهما يداعب " دبلة الخطوبة " فى أصبعه .

كانت عزيزة تعتبر حلمها " بليلة الزفة " بمثابة مولود ستنتظر ولادته بفارغ الصبر .

الخميس الأخير فى الشهر الأول من عمر الخطوبة .. زف صابر الى حبيبته خبر شروع الدولة فى عملية إصلاح شاملة .. سوف تزيل التعاسة .. وتزرع السعادة .

الخميس الأخير من الشهر الثاني .. زف صابر الى حبيبته خبر تشكيل وزارة جديدة أجمعت وكالات الأنباء على أنها تستهدف مستقبل الجيل الجديد .

الخميس الأخير من الشهر الثالث .. زف صابر الى حبيبته خبر عن قروض وبيوت الشباب .. وسعادة ستوزع بالمجان .

الخميس الأخير من الشهر الرابع .. زف صابر الى حبيبته خبر إنعقاد مؤتمر السياسات وما يعد به من إنفراج وتقدم .

الخميس الأخير من الشهر الخامس .. زف صابر الى حبيبته خبر تجاوز النفط لحاجز السبعين دولاراً للبرميل .. وراح يشرح لها عن معاني الطفرة فى الإقتصاد .

الخميس الأخير من الشهر السادس .. زف صابر الى حبيبته خبر ورود إسم ليبيا فى " الشراكة المتوسطية " وعاقبة ذلك على الدخل القومي .

الخميس الأخير من الشهر السابع .. زف صابر الى حبيبته خبر زيارة رئيس مفوضية الإتحاد الأوربي .. ومشاهد توقيع العقود بالجملة .

الخميس الأخير من الشهر الثامن .. زف صابر الى حبيبته خبر التوصية من مؤتمر الشعب العام بزيادة " المرتبات " .

الخميس الأخير من الشهر التاسع .. جاء صابر الى حبيبته حاملاً " دبلة " الخطوبة فى كفه .. فقد ورد إسمه فى قوائم " العمالة الزائدة " .

عيسى عبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home