Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Thursday, 31 May, 2007

مقاعـد أصحاب الصوب

قصة من فصل واحد

عـيسى عـبدالقيوم

الساعة تشير الى الثالثة بعد الظهر .. حسب عقارب " قرينيتش " النهمة لقضم الوقت .

تجاوز بوابة محطة القطارات الصغيرة بمدينة " بورتسمُث " الواقعة جنوب إنجلترا .

كان المكان خالياً من الناس.. ويلفه الصمت إلا من قرقعة خافتة ومتقطعة مصدرها تساقط دفقات من مطر ربيعي ناعم على سقف المحطة المعدني .. وخشخشة بعض العُلب الفارغة أثناء تلاعب النسيم بها .

وضع حقيبته الجلدية الصغيرة بجواره .. وتمدّد على كرسي خشبي طويل ..أحكم إغلاق معطفه بعد أن أخرج سيجارته وأشعلها .. أخذ نفساً عميقاً ثم راح يراقب اللهب المنبعث من عود الثقاب .. وأطلق زفرة طويلة وهو يتمتم :

ـ الله أرحم من أن يعذبني مرتين !! .

أخذ نفساً ثانياً وأطلق لبصره العنان عبر الرصيف الطويل .. فقاده الى " سنجاب " رمادي يتسكع فى أخر الرصيف .. عاد ليعبث بسيجارته دون أن يرفع عينه عن السنجاب .. الذى تظهر حيويته الزائدة " قرفه " من شهور البيات الشتوي .. وشوقه لونيس يناغيه تحت شمس الربيع الواعدة .

قفز " السنجاب " الى الممر الذى تفترشه قضبان السكة الحديدية .. ومنه عبر الى الضفة الأخرى .. هناك تنبه صاحبنا الى أنه ليس وحيداً فى هذه المحطة .. فثمة من يحتل المقعد المقابل لمقعده تماماً على الرصيف الأخر .

كانت المسافة بين الضفتين بضع أمتار.

عند تلك النقطة أغفل " السنجاب " .. و إعتدل فى جلسه .. وراح يسترق النظر إليها .. وشرع يصفها لنفسه :

سمراء ..

معتدلة الطول ..

شرقية الإطلالة ..

ذات عيون سوداء ..

وشفاه أرجوانية ..

وشعر كستنائي ..

فى الأربعين من عمرها .. ترتدي سروالاً أسوداً .. وسترة حمراء .. ويلف رقبتها منديلاً ربيعياً .. وعلى عينيها إستقرت نظارة طبية رقيقة الى درجة يصعب معها رؤيتها .

كانت هي قد رمقته عند أول ولوجه الى المحطة بخطى متثاقلة .. شارداً قلقاً .. فطوت كتاباً كانت قبل دقائق مشدودة الى عباراته .. وراحت ترقب الغريب الذى قطع سكون المكان .. إنحنت على حقيبتها وإستبدلت نظارتها الطبية بأخرى شمسية سوداء مذهّبة الأطراف .. ربما لكي تتمكن من تفحص ملامح القادم الجديد دون أن تثير إنتباهه.

إعتدل فى جلسته .. وتظاهر بأنه يحاول قراءة تعليمات مكتوبة فى مكان مرتفع .. فرفع بصره ثم هوى به مباشرة على وجهها .. وراح يكلمها ـ همساً ـ كما لو أنها تجلس الى جواره :

الجو بارد قليلاً أليس كذلك .. غالباً ما يكون متقلباً فى هذه الفترة من السنة .. ولكنه على أي حال أفضل من زمهرير الشتاء وما يتطلبه من بقاء تحت رحمة المدافئ .. أرجو أن لا أضايقك بحديثي سيدتي .. فأنا منذ مدة لم تسنح لي الفرصة كي أتحدث بدون أجندة مسبقة .. ودون وجود من يُملي شروطه .. لذا سأترك الحديث الذى تعشقه النساء ولا تمل سماعه .. فهناك مليون من يرغب فى إنفاق ما أبقى له الدهر فى الثرثرة حوله .. وأمنحك حديثاً من هناك .. من أقصى أعماق نفسي التى أجهدني إخفاء عيوبها عن الناس.. فأنا يا سيدتي إنسان ليبي إختطفته التعاسة مبكراً .. وفقد البداية منذ البداية .. ولم يمتلك خبرة النهايات بعد .. حتى أنني لا أعلم لماذا أنا فى هذه المحطة ؟!.. ولا الى أين أتجه ؟!.. صدقيني أنا أقول الحقيقة .. رغم أن هناك ألف ممن يظنون غير ذلك .. الى درجة أن بعضهم أشار نحوي ذات يوم وقال " تبدو إنساناً سعيداً "!! .. تصوري لقد إلتفتُ ورائي .. فقد ظننته يُخاطب شخصاً يقف خلفي .. وعندما لم أجد أحداً خلفي كدت أن أشك بأنني سعيد بالفعل !! .

حدث هذا منذ زمن بعيد .. وأنصحك بأن لا تكوني متهورة مثل ذاك الطيب .. وتتصوري بأنني سعيد .. أو حتى مرشح للعب دور السعادة .. لمجرد أنني أبتسم عندما تشرق الشمس .. أو عندما ألمح إمرأة جميلة مثلك .. فأنا هكذا منذ وعيت الدنيا .. أضحك من أجل أن لا يبكي الأخرون .. إكتشفت ذلك بعد حولين من قطع حبل المشيمة .. حيث فهمت بالسليقة أنهم يرغبون فى جعلي أضحك كي يتخلصوا من بكائي المزعج .. فقررت من يومها أن أحتفظ ببكائي لنفسي .. وأن أمنحهم ما حوى جوفي من الضحك مجاناً .. فأرجو أن يقدّروا لي ذلك .. وألا يتهمونني بالسعادة .. وهي تهمة ينفيها عجزي عن إسعاد نفسي عندما أختلي بها .

هل تصدقي يا .......؟؟ .. حسناً سأدعوك بـ " جود " لأنك الشيء الوحيد الذى جاد به القدر لأتحدث اليه فى هذا المكان المقفر.. فهل تصدقي يا " جود " بأنه على الرغم من أن جهازي " النقال " يحتفظ لوحده بما يقرب من " المئة " رقم تحت بند " فريند " .. إلا أنه يمر عليّ الدهر ومثله معه مفتقداً لصديق أبث إليه همّي !.. نعم هذا ما يجري وأرجو أن تصدقي ذلك .. فحتى أولئك الذين يعرفون بأنني ولدت فى شارع " منـّاع " .. أو أولئك الذين زعموا أننا " أمة " من دون الناس .. لم يعد لديهم الرغبة فى المزيد .. أصبحوا يفضلونه بمعايير " رأسمالية ".. دون أن تستفزهم كمية الغباء المعلقة فوق رأسه .. بالرغم من أنهم لا يملون الثرثرة عن ما أعده الله للفقراء فى الجنة .. والمثير أن بعضهم يزعم بأننا سندخل الجنة قبل عباد الله بـ " 500" عام .. وأنا أشك فى أن مروّج هذا الحديث شخص غني .. وغالباً ما يكون شيخاً لم تتوفر لديه الرغبة فى دفع ما يتوجب عليه تجاه المجتمع .. فأحال القصة برمتها الى يوم القيامة .. على إعتبار أن الله غفور رحيم .

عموماً لست سعيداً بمعرفة " دفعتي " فى الجنة .. فأنا أرجو أن يتغمدني الله برحمته وعفوه .. دون أن يتوسط أي منهم فى ذلك .. فالشيخ غير المفيد فى الدنيا أظنه عديم الفائدة فى الأخرة .

تحركت من مكانها .. كانت تجتاجها مشاعر غريبة .. فهي هنا .. وهو هناك .. وثمة هسهسة .. فهل هناك ما يقال أم هي مجرد تهيؤات ؟!! .. عادت وأسندت ظهرها من جديد الى الكرسي .. وإسترسلت فى التحديق به .

وعلى الضفة الأخرى كان هو لا يزال يواصل فضفضته .. ويبدو أنه نسي شيئاً ما فعاد للتذكير به قائلا :

آه .. نسيت أن أعترف لك بشيء بات مهماً هذه الأيام .. فأنا يا سيدتي صعلوكاً لا أمتلك من الدنيا غير تهمة وجودي فيها .. فلا يغرك هذا المعطف فثمنه البخس مقسم على إثنى عشر قسطاً .. وقميصي " نايلو " .. أما الحذاء فثمنه دراهم معدودة لأنه عديم " الماركة " فلا يُعرف له نسب !.. عموماً هذه قصة أخرى لو إسترسلت فيها ستسرقني من حديثي الأول .. دعيني أعود بك لسريب " الأصحاب " .. فبالرغم من كل هذا .. فأنا لا أكرههم .. ودائما ما أبرر فقدانهم على أنه ناتج عن كيس الدواء الذى يرافقني .. فالناس يا " جود " لا ترغب فى تذكر الأخرة فى مثل هذه السن .. وأنا أوجاعي لا تكاد تنتهي .. ولهذه الحكاية حكاية .. فأمي أخبرتني بأنني كنت وأنا صغير .. جميل الصورة .. سليم الجسم .. مفعم بالحيوية .. أو ممتلء شطانة .. على حد قولها .. حتى غادرتها على حين غفلة منها .. ومن أبي .. ومن الزمن .. ومن أجهزة الأمن .. ثم عندما شاهدتني بعد إنقطاع دام خمسة عشر خريفاً .. أصابها حزن شديد .. وزعمت أن ما أصابني بفعل " العين " .. فأرسلت لي مع أخر القادمين الى لندن " بوكبير " و " وشق " و " حجاب ".. وأرفقت الصرّة بوصية مشددة تنص على ضرورة أن أضع "الحجاب" تحت وسادتي .. وأن أبخّر نفسي كل يوم جمعة .. بين صلاتين .. ولم تحدد المسكينة أي صلاتين تقصد .. ولا أدري هل نسى " الفقي " ذلك فى هوجة جني ثمار المجتمع القلق ؟!.. أم أن يد أمي قد قصرت ـ كالعادة ـ عن دفع الفاتورة .. فعاقبها " التيس " بمنحها نصف الوصفة ؟!.. حقيقة لا أدري .. ولا أجد الرغبة فى أن أدري .

أمي هذه يا " جود " إنسانة طيبة .. وهي مثلي تماماً لم تغترف من السعادة يوماً بكلتا يديها .. فمنذ وعيت على هذه الدنيا وأنا أراها تستيقظ قبل طلوع الشمس لتجهز جيشاً من البشر .. ثم تعود لتتمدد قرب " الكانون " لتريح عظامها التى تكاد تذوب من كثرة الدوران .. أبي كان قاسياً معها .. فهو إبن المدرسة القديمة التى تعتبر " الضحك مع الصبايا قلـّة مرجلة " .. لذا كنت أراها فى بعض الأحيان تبتسم بعفوية عندما يبتسم الممثلون فى مسلسل " القاهرة والناس " .. أشعر اليوم بأنه كان لديها مخزوناً هائلاً من التبسم لم تستطع إنفاقه فى حضرة أبي .. وعدا ذلك كنت ألمح بريق الحزن يلمع فى عمق عينيها ..

والعجيب يا جود أنني لم أعرف سر ذلك الحزن إلا منذ بضع سنين فقط .. فبعد هذا العمر عرفت بأنها ولدت لأم غريبة عن الوطن .. وأضاف القدر قسوة لقسوته عليها .. فلم تنعم معها بطفولة كاملة .. فلحقها اليتم مبكراً .. لهذا فهي تحمل حنان قلبين .. قلبها وقلب أمها التى ماتت غريبة .. مسكينة جدتي لم يمهلها المرض كي تعود الى " بلاد الشام " من أجل أن تطفئ شوقها الملتهب .. وتعفـّر وجهها بتراب أزقة شهدت مولدها .. وإحتضنت طفولتها .. لقد سبق عزرائيل شوقها .. وقطع عليها حبال أحلامها .. هي الأن ترقد فى حمى الرجل الطيب " سيدي عبيد " .

هذه السيدة المكتنزة حناناً ـ أمي ـ تقسم بأن ما أنا فيه نتيجة " للعين ".. فهي لم تقرأ ولم تكتب .. وبالتالي لم تفهم معنى الدكتاتورية .. ولم تستدل على ماهية إنتهاك حقوق الإنسان .. وما يخلفانه من أوجاع وأمراض عصية عن الفهم .. فضلاً عن العلاج .. فكل الظواهر الغريبة تفسرها على أنها ناتجة عن " العين ".. أما إذا تفاقم الأمر فتصّر على أن فى الحكاية " تخطي " لعتبة جن أسود !.

وهل ثمة " أسود " غير قلب ابن أدم عندما يفقد إنسانيته !!.

رفعت نظارتها ومسحت برفق على عينيها الجميلتين .. ثم أرجعت نظارتها .. ورمقته بنظرة حائرة .. كانت تحاول أن تتأكد من أنه يحرك شفتيه .. أخرجت مذكرتها وراحت تكتب برهة .. ثم ترفع رأسها وتنظر إليه أخرى .. ثم تعود لتكتب .

لم يتوقف هو عن الكلام .. ربما كان يخشى إنقطاع حبل أفكاره .. وإسترسل فى همسه إليها كما لو أنه يتوسد ذراعها :

ـ لن أسألك هل أنت متزوجة أم لا ؟!! .. فأنا لا أشاهد فى يدك خاتماً .. ولا يهمني إن كنت أرملة .. أو مطلقة .. أو إمرأة تجاوز الزمن على نصيبها فى القسمة الضيزى المسماة " زواج " .. لأنني لا أعتبر ما ينقصنا مجرد غرفة مؤثثة بشكل جيد .. ومغلقة بإحكام .. حتى ندعي السعادة .. نحن نحتاج الى خلوات أعمق لجسر الهوة مع ذواتنا التائهة .

فأنا أرى أن سحابة القلق التى تظلك وتظلني لن تنقشع " بزغروته " مستعارة .. و " معازيم " حمقى .. لأنني أقدّر بأن المشكلة ستتفاقم صباحية يوم " الزغروتة " .. فبعد الفطور سنقوم لنجلس سوياً أمام التلفاز .. ويقيناً ستقولين لي : ضع المؤشر على قناة " الجزيزة " يا حبيبي !! .. ما سيحدث بعد ذلك سيصرفني عنك الى أن تظني بي الظنون .. ما سيحدث لن يترك لي خيارات كثيرة .. فإما أن أتحول الى " ذكر نحل " يعيش من أجل وظيفة بيولوجية تنتهي حياته بإنتهاءها .. أو لا أكون كذلك وأفتقدك بشكل نهائي ومزلزل .. ربما خطيئتي يا " جود " أنني أكرهت مبكراً على إختياراتي .. فجاءت مُسيسة .. صعبة .. قاسية .. يشوبها شيء من التصحر .

توقف لإشعال سيجارة أخرى ثم واصل هسهسته بقوله :

ـ لا أدري لماذا أخبرك بكل هذا .. ولكن لا بأس ربما سأعثر على السبب لاحقاً .. وحتى لو إتضح أنه لا سبب .. فلا ضير .. ألم يغزو السيد " بوش " العراق ويقتل كل هذا العدد من أجل تخمينات لم يحالفه الحظ فى إثباتها .. ومع هذا لم يتوقف عن معاودة لعبته القاتلة .. فعلى الأقل تخميناتي حتى وإن كانت مُسيّسة على نحو ما إلا أنها غير قاتلة.. وفى حال ما إقتضى الأمر موت شخص ما .. فسأكون أنا بلا فخر .. ربما تكون فكرة الموت سحقاً على طريقة " أولي الأمر" مزعجة بعض الشيء ... ولكن إطمئني ولا توجلي منها فهي لن تحدث لسبب تافه .. فقد سبقهم التعب والقلق .. ووطأة الدكتاتورية .. ومخالب المناضلين .. وأحذية الرفاق .. الى تحويلي لشيء غير ذلك الذى يشبع رغبة السادة فى القتل الكريم .

عموماً لننتظر .. وشخصياً ألفت الإنتظار .. فقد تحولت على أيديهم " جميعاً " الى إنسان على قائمة الإنتظار .. فربما عليك يا سيدة " جود " أن تعلمي بأنني لا أنتظر القطار القادم فقط .. بل أنا مسجل بشكل رسمي على عدة قوائم إنتظار .. من قائمة السعادة .. وحتى قائمة طبيب الأذن والأنف والحنجرة .. مروراً بقائمة الرجوع الى الوطن .. ولو أردت أن أنتظر دوري فى كل تلك القوائم .. فهذا كفيل بإستنزاف ما بقى لي من أيام .. لذا فأنا أسير وعيني على الساعة .. وقلبي على قلب أمي .. وأدفع " جثة الأمل " أمامي من محطة الى أخرى.. على أمل أن تدب فيها الحياة لحظة ما .. بعضهم سخر من إنتظاري وردّد بأن آمالي تحتاج الى معجزة فى زمن لم تعد فيه المعجزات ممكنة.. وربما عليّ أن أعذر ذاك الساخر فهو لا يدري بأن آمالي قد تقلصت فلم يعد يُرى منها سوى الرغبة فى وطن يؤكد بأن معلوماتي الشخصية صحيحة .. ولا يُمانع فى منحي فرصة النوم الى جوار جدتي عندما يحين الرحيل.. فأنا لا أرغب فى توريث الحزن الذى رأيته فى عيني أمي الى أحد بعدي .. ففكرة الموت غريباً شيء أقسى من الموت ذاته .

رفعت رأسها من جديد تجاهه .. فقد تضاعف شعورها به بعد أن أحست بأنه ينظر إليها ويحرك شفتيه .. تمنت لو أنهما كانا على ضفة واحدة .. تظاهرت بأنها تحاول إعادة ترتيب شعرها .. وأطالت النظر اليه .. كان يبدو متحمساً للكلام بصورة غير طبيعية .. لقد بدأ كما لو أنه لم يتكلم منذ عشرين عاماً .. أسندت ظهرها الى الكرسي وراحت تختلس النظر إليه من جديد .. وتجتهد فى تفسير حركة شفتيه الغامضة .

كان هو ـ فى تلك الأونة ـ منهمكاً فى حديثه إليها .. ولم ينتبه لفضولها المتنامي على الضفة الأخرى .. غيّر من طريقة جلوسه .. وواصل لجلجته .. قائلا :

ـ هذه البلدة ظريفة.. وأهلها مهذبون ..أليس كذلك .. لابد أنك زرتي وديانها وسهولها .. ووقفتي على شواطئها .. وسهرتي فى نواديها .. وأكلتي من أطعمتها الشعبية .. وأكيد أنك زرتي معالمها الأثرية .. وتجولتي فى أسواقها العامرة .. وإستمتعتي بالقيادة على طرقها الواسعة .. فهيئتك تقول بأنك عابرة سبيل شاطرة .. وأنا متيقن بأنك فعلت هذا .. وهذا تحديداً ما لم أستطع فعله .. وإذا ما فعلته فلا أجد له مذاقاً .

أستطيع أن ألمح تعجبك من هنا .. أتودين معرفة السبب ؟!! .. حسناً .. ربما لأنني لازلت حبيس قصتي الصاخبة.. فمنذ أن تلقيت صفعة غير مبررة من رجل متخم بالصلاحيات .. وحتى ضياع إسمي بين حقول الجوازات المزورة على بوابات العبور .. وأنا مكبل بقدري الذى لم أختره .. وأعترف بعدم سعادتي به .. فكل الناس ـ سيدتي ـ تسعى للمجئ الى هذه البلدة .. وينفقون أموالهم بل وأعمارهم من أجل الوصول الى هنا .. لذلك لديهم برامج عمل .. وخرائط سياحة .. أما أنا فقد وصلت الى هنا صدفة .. ودون تخطيط مني .. لذا فأنا لا أدرى ماذا عليّ أن أفعل ؟! .. أو ماذا يجب أن أفعل ؟!! .

صدقيني لقد عجزت مراراً عن إيجاد إجابة لتساؤلات من هذا النوع .. لقد أنفقت قرابة العشرين عاماً وأنا أعدد مزايا الإنتظار .. وفوائد الصبر.. وعظمة الصمود فى وجه المجهول .. وفى كل عام يمر بجواري جيل جديد .. يملئون جيوبهم من خشاش الأرض ثم يفيضون من حيث أفاض الناس ويأتي غيرهم .. وفى كل عام تزداد الأمور تعلقاً بالثرى .. وتزداد الثريا ظلمة وبعداً .. وأوغل فى حيرتي .

لا تعتقدي يا " جود " أنني أحسدهم على قدرتهم على " العيش العبيط " .. أنا أيضا تمر بي ساعات أتمنى فيها لو أنني مثلهم ..

ساعات أتمنى فيها لو أنني لم أجتهد فى التنكيش وراء كل هذه القضايا .

ماذا جلبت لي غير المزيد من القلق .. والمزيد من الأرق .. والمزيد من العداوات !!.

لقد أصبحت عرضة لشتائم أناس لا أعرفهم .. ولم يمنحوا أنفسهم فرصة ذلك .. فبعضهم يشتم لأنه سمع غيره يشتم .. والبعض يشتم مجاملة لأخر يشتم .. تصوري حتى أن بعضهم يشتم من " الكساد " .. ولن تعدمي وجود من يتفل .. ومن يركل .. ومن ينسج روايات أبطالها أخر من يعلم بها .. فأنا فى أسبوع الغربال بطل .. وأنا لست كذلك .. وفى أسبوع الزلزال خائن .. وأيضا أنا لست كذلك .. فقط أنا مواطن يبحث عن ذاته .. فهل بات البحث عن الذات جريمة ؟!.

ساعات أتخيل ـ أو أتمنى ـ لو أن الأمر إستقام لي كموظف فى مؤسسة الكهرباء .. أعمل بالنهار حتى الثانية ظهراً .. ثم أعود لزوجة تقليدية لا يروق لها الطبخ إلا بالقديد .. ألتهم ما تجود به " طنجرتها ".. وأتمدد فى وسط الحوش مستمتعاً بقيلولة هادئة .. وعند العصرية ارتدي " بدلة عربية " و" سباط أصبع " وأعود لقيادة سيارة أجرة ومغازلة العائدات من عيادة الصابري أو سيدي حسين .. وقبيل المغرب أنظم الى قافلة " الكارطة ".. فأشبعهم صراخاً وعويلاً على ضياع " التريس " من بين أيديهم.. والعِشاء أرجع لأختم يومي بنكاح لا غسل بعده.

وهكذا دواليك .. لا يهمني إن كانت قضية الإيدز حقيقة أم خيال ؟!.. ولا ألقي بالاً هل النفط ثروة قومية أم تركة شخصية ؟!.. ولا أكترث هل الصحف المكدسة على أرصفة الشوارع حرة أم إيديولوجية ؟!.. ولا أشغل بالي بالمعارضة هل هي مخصية أم لديها فائض فى الفحولة ؟!.. ولا ألتفت لشيخ لم يقرر بعد تاريخ ميلاد أفكاره ؟!!.. ولا أدفع ظريبة الحديث عن تجديد فكر ديني بائد ؟!! .. ولا أسأل متى نتحول من الثورة الى الدولة ؟! .. ولا أعتبر نفسي معني بما يحدث خلف أسوار " بوسليم " ؟!! .. ولا ... ولا .. ولا ... فقط أنفق الأسبوع على النحو الذى سبق .. مع إعتبار يوم " العطلة " يوم خاص بالنوم حتى الظهيرة .

وإذا ما قالت الحكومة نحن فى شهر " الصيف " .. سنارتي والبحر .
أما إذا قالت نحن فى شهر " النوار " .. فخيمتي والباكور .

ووسط هذه الجوقة لن أنسى تقديم إعتذاري للفأر الذى لطالما إتهمته ـ ظلماً وعدواناً ـ بالجبن .. فلربما كان أكثر حكمة مني .. وأقصد ذلك " المستكين " الذى لخص حلول مشاكله فى معادلة " نلحس مسنيّ .. ونرقد متهنيّ "!!.

أوقات كثيرة يتجاذبني هذا الحلم الوردي يا " جود " .. وأتحسر على اللحظة التى قررت فيها أن أعرف تفاصيل ما يجري !! .. وألعن " أبواليوم " الذى صدقت فيه سياسي كان من المفترض أن أعرف أن بيع الكلام طبعه .. إمتطاء ظهور الغافلين طبيعته.. وألعن " أبو الساعة " التى أمّنت فيها على دعاء شيخ صنعته الصدفة .. كان من المفترض أن أتكهن بأن دوره إضاعة الوقت وطمأنة العصاة .. صدقيني كثيراً ما تتجاذبني هكذا خواطر .. ثم أعود فأستغفر الله لي ولهم .. وأردد : كلٌ مُيسّر لما خلق له .. وأرجع لأستسلم بهدوء لقدري الذى لست سعيداً به.

باتت السمراء الأربعينية متأكدة من أنه يتمتم .. وأنه ربما يقصدها بتلك التمتمة .. كانت مترددة فى فعل شيء ما .. هل تناديه من هنا ؟!!.. أم تنتقل الى الضفة الأخرى ؟!! .

وقبل أن تقرر ماذا ستصنع حيال هذا القدر العجيب .. غمر المكان ضجيج وصول قطارين فى لحظة واحدة .. ركبت هي فى إتجاه الجنوب .. وركب هو فى إتجاه الشمال .

وفيما كانت هي لا تزال تسلط بصرها على شفتيه المنفلتة من عِقلها .

ألقى هو أخر سجائره .. وإلتفت إليها فى لحظة إنطلاق القطار .. قائلا بما يشبه الهدهدة :

أعرف أنك سترحلين .. وسيكون قدرك أفضل من قدري .. أو هذا ما أرجوه لك .. فقط تذكري هذه المحطة .. وأحتفظي لنفسك بكل ما إستودعتك فيها من خواطر وأسرار .. ولا تخشي من كونها ناقصة .. فقصة الوجود أصلا ناقصة .. ولن تكتمل إلا فى المحطة الأخيرة .. فربما نلتقى فى محطة أخرى .. فالقطارات فى هذه الدنيا باتت تتقاطع بشكل عجيب .. وإذا ما إلتقينا فذكـّريني لأنني نسيت أن أحكي لك قصة " مقاعد أصحاب الصوب ".

والسلام

عيسى عبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home