Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


عـيسى عـبدالقيوم

الإحد 30 نوفمبر 2008

مِن جـِراب الحاوي

حكاية طويلة فى قصة قصيرة

عـيسى عـبدالقيوم

(1)

زنقة الدردوحه ... كان وهو " أعوّيل " يلهو فى الزنقة عارياً تماماً .. لا أقصد تماما تماما .. كي لا أقع فى العيب .. أو أخدش فخامة الحياء العام .. فللأمانة كان يرتدي " جلابيه " مصنوعه من "شوال دقيق فارينه " .. عُريه كان أسفل الجلابيه .. فكل الأعضاء هناك مشرفة على بعضها بشكل مباشر .. ربما اعتاد ذلك كمحصلة لتجربة " الطهاره " وما تستلزم من تبريد للحاله .

إجتهدت أمه فى أن تجعل أنفه نظيفا من " الفضلات " فلم تفلح .. فبمجرد ما أن تلفح شمس " القايله" رأسه العاري ايضا حتى تبدأ مياهه فى السيلان .. وهو بدوره واظب على تركها تتراكم .. فلم يعر يوماً إهتماما لتعليقات " الفروخ " .. كان يراوغ منها بخفة دمته .. أو بتصنعه لحركات مضحكة وذات قدرة على تغيير الموضوع .... شويطين ! . حافي القدمين يمشي .. حتى ركل "كرة عشرين" ـ خشنة المظهر والمخبر ـ لم يشعره بالحاجة الى إمتطاء حذاء أو حتى " إقبال " .. أصابع قدميه تبدو غير متناسقه .. تماما كعدم تناسق حركاته .. ومع هذا كان الأسرع بين عيال الشارع فى التبليغ عن " سلومه " عندما شوهد فى "الكاوة " يشرب فالدخان .

(2)

إبتدائية نجمة وهلال ... كان يجدّ الخطى للحاق بأول يوم دراسي .. ولازال يحمل بعض أتربة الزنقة بين جلدة قدمه .. وجلدة حذاءه البلاستيكي الجديد .. فلم يكن قد ولج عهد" الشخاشير" بعد .. ومع إنطلاق مارثون " من علمني حرفاً ..... " بدأ عليه الإعياء فى تهجي الحروف الأبجدية .. وبعد أن قطع شوطا لابأس به فضّل أن ينتقل ـ بمحض إرادته ـ الى المقاعد الخلفية أين يطيب المقام لأصحاب العقول السميكة .. متجنبا غابة الأصابع المرفوعة فى الصفوف الأمامية .. ومن هناك .. من مقعده البعيد .. دأب على إختلاس النظر ـ من بين رقاب الطلبة ـ نحو السبورة التى بدت تعج بمقررات لم يعِ أنه معني بها حتى كاد المارثون أن ينتهي .

(3)

إعدادية المفرق ... وصل بشق الأنفس الى بوابة المدرسة .. بدا له المشهد مختلطاً وهو الذي إعتاد على أولاد الحي فقط .. فقد خبـِرهم .. وعرف كيف يتخطى رقاب ضعافهم .. ويتحايل على عضلات أكبر " شلش " فيهم .. ولكنه مع إنبلاج فجر أول شعرات " إبطه " كان قد ربىّ بين حناياه حقدا على كل ما لم يطله .. وحنينا ساديا لرغبات ربما وخزته بجرعتها الأولى فقط إذاعة " صوت العرب " ثم حقن نفسه محلياً ببقية الكورس .. لم تطل حيرته فقد بدأت تباشير تغير ما تلوح فى أفق المدرسة .. وعليه أن يكون الأقرب من أجل الوثبة الأولى .

(4)

ثانوية العهد الجديد ... الطفل أصبح شاباً يافعاً .. وجفت أخر جداول أنفه .. وغطى " مخاريقه " ببدلة شغل عسكرية .. ورغم أني لم أشاهد أصابع قدميه .. إلا أنه إنتابني إحساس بأنها قلقة داخل الحذاء العسكري الجاف .. كان يراوح بين المدرسة والبيت على وقع الفعلين" داوم" .. " إنصرف " .. حتى جاء زمن الولولة .. وكما كان الأسرع أيام " الكاوة " .. كان الأكثر صراخاً هنا .. كنت لازلت أعجب من إستعاضته عن عضلته بمكره .. كان يفلت من عقاب " الفروخ " فى هذه السن ايضا .. ولا يكل من الصراخ فى وجه المجهول متعدد الألقاب والأحجام .. الجديد هو حصوله على " صك غفران " يعفيه من مشاهدة الدوائر الحمراء على رقعة " الباجيله " ! .. وتفوقه فى كافة مسابقات " أضاحي وقرابين " .. التى تعادل شهادة " هوليكوست " .

(5)

كلية الطب ... بدأ متورماً قليلا .. وإستبدل صراخه بعويل مكتوم يشبه صوت "البوم" .. لقد تفاجأت من إستعارته لأناقة لا أعرف أنها تعرفه .. من أيام " شوال الفارينه " وحتى " بدلة الميدان " .. وبالرغم مما ظهر على " لكنته " من إعوجاج فى بعض مخارج الحروف .. إلا انه بدا لي أكثر عافية .. وأكثر تكديساً للملابس فوق جسده .. حتى أنه لم ينس أن يمنح رأسه " عصابة " كتلك التى شاهدتها على جبين قرصان فى فيلم قراصنة جزيرة الخوف .

إبتسمت وأنا أتخيله يتأهب للإنضمام الى جيش القراصنة .. الشيء الملفت فى سيرته ـ فى تلك الفترة ـ أنه لم يحض ـ على غرار أقرانه ـ بإعجاب أي فتاة محترمة .. انا ايضا لفت إنتباهي الأمر .. وقررت أن أعلق لاحقاً .. فقد كنت مشغولاً بالبحث عن حل للغز صورة له وهو حافي القدمين .. عاري القلب .. مصفـّد الرسغين .. كانت الصورة لصحيفة " غربية " .. لقد عبر طفل " زنقة الدردوحة " الحدود .. وصار " فتى غلاف " مميز ..

(6)

مقعد الدراسات العليا ... صاحب حالته إنتفاخ فى الأوداج .. وسيطرت عليه حالة من الوهم المريح .. لم يعد يرضيه أنني قد أسبغت عليه لقب " بحري " من جزيرة القراصنة .. أي فاعل خير " بحيثية " قاطع طريق .. بحكم الواقعية وأوراق الهوية المهربة .. فعندما يكون كل الناس فى عرض البحر الهائج لا مناص من الإقرار بسلطانه .

لقد كبر الولد ويريد أن يعتلي عرش " الألهة " .. قال لزميله المقيد على كرسي خشبي فى غرفة يعرفها الشيطان جيدا ـ أثناء لعبة الكراسي ـ : " أنا الله هنا .. والشمس لا تشرق داخل القبور " .. لقد إستبدل خوفه من " الفروخ " بشجاعة مستعارة من طقوس القراصنة .. لقد وضع الماضي وكلام الناس ويوم القيامة خلف ظهره .. لقد صار " رباً " صغيرا يحبو .. ويملك " الحبال ".. ويمنح " برك الدم بسخاء " .. فلا مناص من إيجاد ملكوت له .

لا أدري لماذا جال فى خاطري بأنه ذهب الى " جزيرة الخوف " كي يشنق خوفه وعجزه وآلام الشارع الخلفي .. وينصب لنفسه تمثالاً هناك .. وربما ليرسم حدود ملكوته الجديد ما بين " الخيمة والجزرة " .. ويقدس سره .. ليجد من يقول له سبحانك ! .

(7)

دكتوراة ... أخيرا .. وبعد فترة بيات شتوي طويل شاهدته .. لقد تغير كثيرا ولم يعد ذاك الشاب الطوباوي .. لم يعد كما كان فى أي من مراحل حياته .. لقد عاد من جزيرة الخوف " صحّافاً " .. كأخر حلقات الجدل مع التاريخ والذاكرة الشعبية .. لقد شاهدته مرة أخرى .. يا إللهي إنه يبتسم .. فهل بدّل عقله ؟! .. أم بدّل جلده ؟! .. أم أنا من عليه أن يفكر فى ذلك ؟! .

(8)

قبل الزقاق ... شوارع .. أحياء .. زحام .. وفرقعة خط ولوح .. 7 ابريل .. 2 مارس .. أعراس .. وزمزامات .. طوابير .. وعويل .. فنادق .. دستور .. وعاهرات .. سيرك .. حكاكي خلوط .. و سي دي .. بطاقات خلو من السوابق .. كابتشنو .. جوفنتس .. أرقيلات .. عائدون .. ومغادرون .. أنترنت .. الصين .. أفريقيا .. وإسراطين .. الليبو أم التحنو أم المشواش .. أنت لم تعد أنت .. وأنا من المفترض أنني لست أنا .. والثابت الوحيد هو المتغير .. والمتغير الوحيد هو الثابت .. عقارب الساعة تتحرك فى كل الإتجاهات .. ومفكرة التاريخ تشير الى أننا نكبر بنهم .. لا أريد أن أقصد الكفر لذا أقر بأن لا شيء أكبر من الله .. غير أننا نمتلك أكبر " دائرة " فى الكون .

هدني التعب .. وأعيتني الحسابات .. كنت حينها قد وصلت الى " الميناء " وأنا لازلت أفكر في : من بدّل من ؟!.. أو من بدّل ماذا ؟!!.

إنتبهت " لعجوز " تشي سحنته بأنه كان ذات يوم بحاراً طيباً .. أحال الزمن تضاريس وجهه الى نقوش تحكي تاريخ " أهل الحل والعقد " .. نظر بتثاقل الى " الحبال " المتدليه من " أوناش " الميناء .. وردد : " ياما فى الجراب يا حاوي " .

والسلام

عيسى عبدالقيوم
Yumuhu65@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home