Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


Essa Abdelqayoum

الأحد 29 مارس 2008

مشروع "1200" قتيل*

عـيسى عـبدالقيوم

"على الوطنية أن لا تعمي أعيوننا من رؤية الحقيقة ،
فالخطأ خطأ بغض النظر عن من صنعه أو فعله."
                                             مالكوم إكس

مسلمات بين يدي الحديث :

ـ أتصور أنه لم يعد محل شك أو تشكيك .. أو مداولة .. أن ما يقرب من 1200 سجين ليبي .. قد قتلوا خارج إطار القضاء عشية 29/6/1996م .. أثناء إحتجازهم بشكل مثبت من قبل الدولة الليبية .. فى أحد سجونها المعرّفة .. والتى تقع تحت مسئوليتها بشكل مباشر ( سجن بوسليم ) .. وأن عديد الأسر قد إستلموا شهادات وفاة بذلك .

ـ كما تقرر فى مدونة حقوق الإنسان والقانون الدولي .. ونص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .. أن الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم .. وأنها قابلة للمداولة فى أي لحظة .

ـ وأنه بميلاد الولاية الدولية على الجريمة .. أو ما أصطلح على تسميته بعولمة الفعل الجنائي .. باتت نوافذ كل الدول عصية على الغلق .. وبما أن لوائح محكمة الجنايات الدولية قد قررت بوضوح أنه لا حصانة لأحد .. بما فى ذلك رؤساء الدول ولو كانوا فى سدة الحكم .. فإن الأبواب وليس النوافذ قد شرّعت هي الأخرى .

ـ بما أن الدولة الليبية وعبر وثائق رسمية .. وخطب متلفزة لجهات عليا فيها ( العقيد القذافي ) .. ومناشدات لمؤسسات ذات علاقة ( مؤسسة القذافي للتنمية ) قد أقرت بحدوث الجريمة داخل سجنها الرئيسي ( سجن أبو سليم / طرابلس ) .. فقد بات التراجع عن الإستحقاقات شبه مستحيل .

ـ وبعد أن وضعت القضية أمام المحاكم الليبية ( محكمة شمال بنغازي ) وصدرت أحكاماً متعلقة بجريمة قتل ( 1200 ) مواطن ليبي .. والتى دعت بوضوح عبر منطوق حكمها الى ضرورة الكشف عن ملابسات القضية .. فقد باتت سيادة الدولة على المحك .

ـ وبما أن جمعية مدنية قد أطلقت لمتابعة القضية تحت مسمى جمعية عائلات ضحايا بوسليم .. وخيام العزاء قد إنتشرت من الزاوية الى البطنان .. والمطالبة بإحقاق الحق باتت تقال علنا .. فقد تحولت القضية الى قضية رأي عام بجدارة .

بعد كل هذه المسلمات .. وزيادة .. فلم يبقى أمام الدولة الليبية إلا طريقين .. ثالثهما الشيطان .

الطريق الأول : وبه يقطع السبيل أمام الذرائع الدولية التى قد تتدخل من أجل تحقيق العدالة التى يطالب بها أولياء الدم .. ويبدأ هذا الطريق وينتهي بتحقيق مطالب الأهالي عبر العدالة الليبية بشكل مباشر وواضح وشفاف .

الطريق الثاني : يتمثل فى ترك القضية على مفترق الطرق .. وهو ما قد يجعلها عرضة للإستخدام من جهات بات من العسير التسليم بأن قناعاتها الحقوقية تستهدف ذات القيمة .. فى ظل إزدواجية المعايير .. ولكنها ـ بعيدا عن العواطف ـ لن تتوانى فى أي لحظة من تسخير القضية ووضعها على طاولة السيد " أوكامبو".

لن أذهب بعيدا فى تتبع خيوط السيناريو الثاني .. فلدينا سيناريو مشابه مفتوح على مصرعيه فى حديقتنا الخلفية " دار فور " .. وفى لبنان خطوط مشابهة .. وما قضية " تايلور " عنا ببعيد .

فوجود أصابع خارجية قريبة من الملف لا شك أنه سيحيله الى قنبلة موقوتة .. فلن تتركه القوى الدولية دون تجيير .. فى حال إحتاجت لذرائع لتمرير مشاريعها فى المنطقة .. خاصة فى ظل الأزمة الإقتصادية المرعبة القابعة أمام مكاتب الرئاسات الغربية دون ظهور بوادر لمغادرتها قريبا .

إذن هو السيناريو الثاني .. وكي لا نرى بحر المزايدات يهيج من جديد .. وكي لا ترعد ببرق كاذب فى سماء خاوية على عروشها ..سأضيف لعبارة السيناريو الثاني عبارة " وفق مطالبات ومناشدات وشروط أهالي الضحايا " .

نقطة من أول السطر

وهذا السيناريو يتطلب فتح الملف بشكل أكثر جدية .. وعمق .. وشفافية ... فليكن حلا وطنيا .. ( كما تطالب أسر الضحايا ) .. وهذا السيناريو فى تقديري يبدأ بإشعار هذه الأسر بأنها فى عين إهتمام الدولة .. وأن قضيتهم على الطاولة .. وأن يتم تفكيك مكونات الملف الى عدة أوراق يشرع فى حلحلتها وفق قاعدة الأيسر فالأيسر .

فلا أظن أن قضية إصدار شهادات وفاة كاملة قد تمثل مشكلة خاصة بعد إعتراف الدولة بوقوع الحادثة .. ولا أظن تقديم الإعتذار بشكل مباشر من الدولة المسئولة قانونيا وأخلاقيا عن السجون يمثل إشكالية .. ولا أظن سماع الحقيقة ( على غرار ما حدث فى جنوب أفريقيا ) يمثل مشكلة فى ظل تناقل الناس لتفاصيل الحادثة بشكل واسع .. بل ربما يشكل الحوار المباشر حولها نوعا من تخفيف الألم ( وهو مطلب الحاجة حميده جويلي على سبيل المثال ) .. وكذلك يمكن الحديث عن تعويضات مناسبة للجريمة البشعة .. تليق بكرامة الإنسان الليبي.. ( وهو أحد مآخذ أسر الضحايا) فالتعويض كما تقرره الشريعة والقوانين البشرية يحمل ـ بالضرورة ـ فى طياته الإعتذار .. والتكريم .. والوفاء لذكرى من مات .. وإلا فالجميع يعلم بأن مال الدنيا لا يعيد عزيزا فقِد .

وتبقى قصة محاسبة من كان وراء الحادث ـ وهو ما تحدثت عنه ايضا مؤسسة القذافي الخيرية بل وأوردت بعض الأسماء فى سابقة تشير الى وجود من يتحمل مسئولية قانونية ـ وأتصور أن هذه النقطة هي العقبة الكبرى أمام فتح الملف بشكله الكامل والشفاف ولكنها بكل تأكيد أحد أهم فصوله من أجل إغلاق الملف وتحقيق العدالة .. وفى تقديري ربما سيشكل إنجاز حلول ـ على نحو ما ـ للأوراق سالفة الذكر عاملا مساعداً لإيجاد مخرج يرضي أهالي الضحايا والرأي العام الليبي .. فقد حلت قضايا مماثلة فى المغرب وجنوب أفريقيا بطرق يمكن دراستها وتقديمها كمشاريع لحل هذه الأزمة .

على أي حال .. ما يمكن إجماله هنا هو أن بقاء القضية كتلة واحدة صماء صامتة لن يؤدي الى نتيجة .. وأن تفكيكها وحلحلة ما يمكن حلحلته هو بداية الطريق نحو مشوار إنصاف عائلات الضحايا .. والمهم هنا أن لا يكون الحل فردياً .. أو أمنياً .. بمعنى أن لا يكون بمعزل عن أولياء الدم أو أسر الضحايا .. وأن لا يأتي على شكل إرهاب وتخويف .. على غرار ما يحدث هذه أيام فى مدينة بنغازي من إعتقالات لنشطاء من ذوي الضحايا .

أما العبث .. والتسويف .. ومحاولة الهروب من تحمل المسئولية .. أو الإتكال على ضعف الناس وقلة حيلتهم .. فلن يجدي شيئا على المدى المتوسط والبعيد .. فقد تحولت القضية الى قضية "رأي عام " فى الشارع الليبي .. وولجت أروقة المنظمات الدولية .. وباتت تحضى بإهتمام كبير داخل الأوساط الشعبية .. وتحولت حكاياتها من الهمس الى الجهر الى التجمهر .. وبات على الدولة أن تتوقف عن لامبالاتها تجاه شعبها .. وأن تلتفت لحل القضايا الداخلية بشيء من الجدية والمسئولية .. فلا إحترام لدولة تزعم أنها تنهض بأعباء ومشاكل العالم ولا تكترث لمشاكل مواطنيها .. أدعو لأن يكون عام 2009 عاما لحل مأساة مجزرة بوسليم .. وأن تتحول الى همّ أول لكافة مكونات ساحات العمل الليبي الإعلامي والسياسي والثقافي والإجتماعي .. فى الداخل والخارج .. وأن تتصدر كإختبار من إختبارات المستقبل .. ودائما على خلفية الدعوة لترسيخ البعد الوطني لكافة قضايا الوطن دون الإخلال بمفهوم العدالة ومسار تحقيقها .. وذلك قبل أن يكفر الناس بهذا الوطن .. عندما يتحول فى ذاكرتهم الى ركن معتم .. أو خنجر مسموم .

سادتي الكرام : إن مشاريع بحجم المصالحات الوطنية .. وعودة الإستقرار والشعور بالثقة للمجتمعات التى تعرضت لهزات عنيفة يحتاج الى مصارحة وحل للأزمات الكبرى .. ولا يكفي فيه مجرد إطلاق وإشاعة الشعارات الخاطفة للأبصار .. فوجود مظالم بحجم مظلمة سجن "بوسليم " سيجعل أي حديث عن التغافر عن الماضي بمثابة تغطية عين الشمس بالغربال .

وفى ذات السياق .. فإنه لمن المخجل والعار على المجتمع الليبي أن تلصق على جدران شوارعه ملصقات تعازي تشير الى أن المتوفى " شهيد " .. فهذه الملصقات قد تقبل فى غزة .. أو البصرة .. أو تورا بورا .. أما فى وطن لم يتعرض لإحتلال أجنبي .. فهي تشير لوجود كارثة إنسانية.. وجريمة ضد البشرية .. وإستهتار عظيم بالمواطن .. وغياب كامل لدولة القانون .. وستبقى هذه الملصقات أحد مؤشرات ظلم الدولة .. وقسوة الجلادين .. وتواطؤ المجتمع الصامت .. وما لم يجد هذا الملف نهاية مرضية فإن ما عداه سيبقى وهماً .. قد لا يستحق حتى مجرد السخرية فضلا عن التعاطي الجاد .

والسلام

عيسى عبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com
________________________

* عنوان المقالة "مشروع 1200 قتيل".. مستوحى من يافطة كنت أمر بجوارها منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما تقول هنا "مشروع 1200 سرير".. مستشفى ببنغازي أظنه لم ينجز حتى اليوم.. فلا نريد لهذه القضية أن تتأخر أكثر مما تأخرت.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home