Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Sunday, 23 September, 2007

قورينا في حوار مع كاتب المهجر عيسى عبدالقيوم
حاوره : خالد المهير
kalmhirey@yahoo.com

عـيسى عـبدالقيوم

* ربما أفضع من الموت أن تعبر أجواء وطنك بالطائرة دون أن يكون لك حق الهبوط فيه.
* الأفضع يوم ودعتكم في معرض الكتاب بالقاهرة فعدتم إلى ليبيا .. وأكملت رحلتي رفقة الحنين إلى بلاد الضباب .
* لابد من التذكير بأن منهج التهميش والإقصاء قد ولى .. ولغة التهديد والوعيد باتت عملة منتهية الصلاحية.


في بداية هذا العام تعرفت على عيسى في معرض القاهرة الدولي للكتاب،كانت بيننا الرسائل المتبادلة الباردة عبر الياهو،ولكن حين تقابلنا لم نكن نصدق أننا تقابلنا،وكأننا على علاقة من عشرات السنين ،تصافحنا كثيراً،وشربنا الكابتشينو فوق إحدى نواصي معرض الكتاب،وتحدثنا في السياسة والثقافة والوطن،أبسط العبارات التي يحدثك بها عيسى الحنين،وكأن الغربة لم تنتج سوى هذا الحنين الدافق للناس والوطن والحرية ،في هذا الحوار مع عمو عيسى كما يردد أبني سموالدين حين تقابلنا معه هناك في القاهرة نفتح الجرح الغائر عن أزمنة المنفى،واللحظة الراهنة،على أمل أن يكون الحوار القادم في شارع الإذاعة.

* لنبدأ الحوار من ردك الأخير على ما طرحه الدكتور محمد زاهي المغيربي حول ملف الليبيين في المهجر.. هل في اعتقادك أن هذا الطرح استباق لرؤية جديدة للدولة الليبية في تعاملها مع هذا الملف ؟!.
* بداية أشكرك أستاذ خالد .. والشكر موصول لصديقي ـ الذى لم ألتقيه بعد ـ الأستاذ عزالدين اللواج على هذه السانحة للحديث على صفحات جريدتكم التى آمل أن تسهم في توسيع مساحة حرية التعبير وإطلاق مشوار الإعلام المستقل .. أما عن تساؤلك حول دعوة د. المغيربي .. فأعتقد بأن الدعوة تشكل سابقة لكونها طرحت بنوع من التوازن .. فالدعوة ـ كما فهمتها ـ تحمّل الدولة جزءاً من المسئولية .. وتدعو إلى حل توافقي لهذا الملف .. وربما من المهم العودة للتأكيد على ضرورة الفصل بين عودة المهاجرين وبين أراءهم .. فكل عودة تسبقها شروط أمنية أو أيديولوجية .. لن تفهم إلا كنوع من الإبتزاز .. وهذا ما لا يخدم ملف بهذا الحجم .. وحقيقة لم أقرأ في دعوة الدكتور المغيربي أي رسالة رسمية .. وهو لم يصرح بذلك .. لذا فأنا أعتبرها خطوة إستباقية من المثقفين لتحمل مسئوليتهم تجاه ملفات الوطن العالقة .. والتي يشكل ملف المهجر أحدها .. فما زالت هناك قضايا أخرى أعمق وأدق تحتاج إلى أن تتحمل النخبة الليبية مسئوليتها تجاهها .. وأرجو أن تأخذ دعوة الدكتور زاهي طريقها إلى مكتب رئاسة الوزراء .. والى المؤسسات المعنية .. وتتحول إلى ورقة رسمية قانونية بدلاً من دورانها في فلك المراسيم الشفوية .. فالدعوة بمثابة البلاغ عن قضية لم تعد تحتمل التأخير.

* لماذا في هذا التوقيت بالذات يطرح هذا الملف؟! . هل لأسباب داخلية أم إقليمية ودولية؟!.
*شوف يا خالد السؤال عن التوقيت يصلح لأن يطرح في كل وقت .. فلو طـُرحت المبادرة قبل أو بعد هذا الوقت فسيرد ذات السؤال التقليدي : ولماذا الآن ؟!.. وحتى لا تعتبر إجابتي هذه دبلوماسية .. فربما في تقديري للتوقيت صلة بقصة التجاذب السياسي الذى رشحت بعض مظاهره على الساحة السياسية الداخلية في الآونة الأخيرة .. فالمهجر لم يعد هو ذات المهجر القديم فقد بدأ يتحول إلى مؤسسات ذات صوت مسموع ومؤثر على الساحة الخارجية .. خاصة على خطّي حقوق الإنسان والماكينة الإعلامية .. مما بات يستدعي أن يتعامل الساسة معه بنوع من الجدية .. وربما ببراغماتية أيضا .. وبالمناسبة فالبراغماتية شيء غير معيب في دنيا السياسة .. فالسياسي المحنك هو من يستطيع أن يتناغم مع كافة مكونات المعادلة التى يتعاطى معها .. شريطة أن تكون لديه رؤية كاملة لا مجرد خدع بصرية .. طبعاً أنا هنا أتحدث عن وجهة نظري .. ولا أستبعد وجود وجهات نظر أخرى ستنظر لهكذا دعوات بنوع من عدم الاطمئنان .. فهناك إرث سلبي .. وهناك تجارب سابقة غير ناضجة .. ولكنني أميل إلى أن هناك معطيات جديدة من المهم جداً أن نحاول تفهم منطلقاتها وتداعياتها على نحو ما .. فإذا وجد من لديه الرغبة الحقيقية في حل ملف المهجر بعقلانية وتسامح ودون التفاف على استحقاقاته ففي تقديري سيجد أذاناً صاغية .. على الأقل لمناقشة الأفكار والحلول المقترحة حياله .

* هل من الممكن أن تضعنا في صورة عامة لأوضاع الليبيين في الخارج .. خاصة وأنك تطرقت للجوانب الإنسانية عند حديثك عن أحوال المهجر ؟! .
* من المهم أن يعلم الناس بأن هناك الآلاف من المهاجرين الذين يقطنون قارات العالم .. وتتحمل الدولة جزءاً كبيراً من دوافع نشأة المهجر الليبي .. وقد سمعنا من مستويات عالية في الدولة ما يشبه الإقرار بحدوث خروقات في هذا السياق .. وهذا موضوع قد يطول شرحه .. ولكي لا أبتعد عن سؤالك أقول بأن المهجر مقسم إلى عدة فئات وشرائح .. فهناك شرائح الساسة وأهل المهن والباحثون عن لقمة العيش وغيرهم .. وهناك عدة فئات منها مئات من الأطفال الذين ولدوا في المهاجر .. ولم يختاروا هم أن يكونوا هناك .. وهناك كبار السن .. وهناك مرضى .. وهناك من تقدم بهم العمر .. وكأي تجمع بشري لدينا الكثير من المشاكل الاجتماعية المعقدة .. تحتاج بالفعل إلى نظرة أكثر إنسانية لملف المهجر .. فمن الإجحاف أن يوضع تحت رحمة الهواجس الأمنية .. ولو نظرنا من زاوية أخرى سنجد أننا يمكن في أحد المستويات أن نقسم المهجر إلى طلاب سلطة .. وطلاب حقوق ( ولكلاهما الحق في اختياره ) .. ولكن لا يمكن لعاقل أن يساوي بين من لديه قائمة حقوق مشروعة يرغب في أن يراها متحققة فى بلده .. وبين من لديه الرغبة المشاركة فى السلطة .. وأكرر رغم أن الرغبة فى ممارسة السياسة ليست بجريمة .. إلا أن المساواة بين من لديه مطالب وحقوق تستهدف تطوير الدولة دون أن تكون له أجندة خاصة , وبين من لديه رغبة او طموح سياسي ، لن تساعد على الحل وستبقى جزءا من المشكلة .. فأوضاع المهجر تحتاج إلى وقفة جادة من فئات المجتمع النشطة .. والى إرادة سياسية من الجهات التشريعية والتنفيذية .. هذا إذا كنا نرغب فى حلحلة هذا الملف بشكل جدي وجذري .. وهنا لابد من التذكير بأن منهج التهميش والإقصاء قد ولى زمانه .. ولغة التهديد والوعيد باتت عملة منتهية الصلاحية .. فالعالم من حولنا متفق على أن الحوار هو الوسيلة الوحيدة للفهم والتفاهم .

* هل وفر لكم المهجر ما تحتاجونه أكثر مما وفره لكم الوطن الأم ؟! . وماهي العوائق التي تعوق عودتكم للعمل في البلاد ؟! .
* شوف يا خالد هناك أثر يقول " من لا يشكر الناس لا يشكر الله " .. بصورة عامة لقد وفر لنا المهجر الكثير .. ودعني أقولها بصراحة فالمجتمعات التى عشنا معها علمتنا عبر سلوكها المتسامح أكثر مما علمتنا تجارب العرب والمسلمين عبر قرون طويلة.. بل وبصورة شخصية أزعم بأنني تعلمت من التجربة الإنسانية لدى الغرب ما لم أتعلمه من كتب الحركة القومية أو أسفار الحركة الإسلامية أو غيرها .. هنا ينظرون اليك أولاً وأخيراً كإنسان .. ولا علاقة لحقوقك ومساحة حريتك بدينك أو لغتك أو جنسك أو خياراتك السياسية .. فالدولة التى عشنا فى كنفها اعتبرتنا جزءاً من نسيجها .. وأدرجتنا فى عداد مواطنيها عند تقسيم دخلها القومي .. ووفرت لنا قبل ذلك الحرية والآمان .. فلا يمكن إلا أن أشكرها على ذلك .. وأحتفظ لشعبها بهذا الموقف النبيل .. ولكن كل ذلك كما ترى يصنف على أنه شيء مادي .. فما يفتقده المهاجر شيء له علاقة بالهوية والجذور والانتماء .. فالوطن هو الأم .. ومهما كانت المربية خلوقة وعطوفة وفاضلة فلا يمكن أن تنزل منزلة الأم .
أما قصة العودة فما أتمناه هو أن أعود لوطني بدون " عزومة " خاصة .. فلا أحد يرغب فى البقاء خارج بلده .. فنحن أصحاب المثل القائل " مصير الغريب لبلاده " .. فأرجو أن تتحول دعوة الدكتور زاهي إلى تقنين وتشريع نافذ كي نرى نهاية منطقية وعادلة للملف .

*هناك الكثير من الليبيين شرعوا في العودة ،هل تفكر في العودة ؟!!،وهل لديك شروط معينة ؟! .
* نعم هناك الكثير من الأصدقاء الذين رجعوا ..بعضهم عبر جهود مكتب شئون الهجرة والمغتربين .. والأغلبية عبر مؤسسة القذافي للتنمية .. ولن أكرر ما قلته سابقاً .. ولكنني سأعيده على هيئة سؤال : ما الضير فى أن تدرس العملية برمتها لتخرج بتقنين يحفظ للدولة دورها .. ويحفظ للمواطن حقوقه ؟!.. خاصة بعد أن سمعنا من السيد سيف الإسلام عن نية الدولة فى بعث منابر سياسية .. فلتكن تلك المنابر الساحة المقننة لتبادل وجهات النظر بين من لديهم أراء مختلفة .. فربط قضايا ذات علاقة بحرية التعبير بقضايا ذات أبعاد إنسانية لازال يشكل فى تقديري أحد المعوقات .

* هل مقالة الدكتور زاهي المغيربي ـ كما يقولون ـ وضعت الأصبع على الداء؟!. * مقالة الدكتور زاهي لم تمثل الدعوة الأولى .. فهناك الكثير من الدعوات التى حملتها بعض المقالات والبحوث لكتّاب ومثقفين من داخل الوطن .. ولكن ربما مجيئها بشكل مباشر .. وبخطاب فيه نوع من العدالة فى تحمّل التبعات وإيجاد الحلول جعلها أكثر مصداقية وواقعية من الدعوات العابرة .

* كيف تفسر دعوتكم للكتابة في صحف الداخل؟! .
* والله يا خالد أنا لم أتلقى دعوة من جهة رسمية للكتابة .. كل ما هنالك أنه تربطني صداقة بالأستاذ عزالدين اللواج وتفضل مشكوراً بتوجيه دعوة شخصية للإسهام فى الجريدة التى يترأس تحريرها .. وهي إسهامة بسيطة ـ أو قل مساهمة زائر ـ مع الجهود التى يبذلها أساتذة كبار داخل الوطن نتشرف بأن تلحق أسماؤنا بهم .. فالتجربة جديدة وترفع شعارات مطلوبة .. وربما ستحدد الممارسة قرب أو بعد التجربة من مفهوم الإعلام المستقل .. وبالمناسبة أود أن أتوجه إلى كافة كتابنا فى الداخل بالتحية والتقدير للجهود التى يبذلونها فى ظل ظروف صعبة .. فهم ينحتون بأظافرهم من أجل استقطاع ما يمكن استقطاعه لصالح حرية التعبير.. ولمصلحة صورة ليبيا فى العالم .

* اعتقد أن هناك تطورات كبيرة تحدث ،وتغيرات في التعامل مع كافة الملفات .. من وجهة نظرك كيف ترسم الصورة العامة للمشهد الليبي في الداخل؟! .
* يا خالد أنت تصعّب فى الأسئلة على روحك .. فربما يقال هضا موجود فى الخارج ويفصّل وهو متريح .. ولكن عموماً سأقول ما أعتقده وما أردده دائماً .. نعم هناك تغير فى المشهد الليبي على الصعيد السياسي والثقافي والإعلامي .. وبصورة ما طال التغيير ملف حقوق الإنسان .. هذا ما تلمسه حتى مؤسسات ليبية وغربية فى الخارج .. وما نسمعه ونطالعه فى بعض ما يرشح من مقالات وتغطيات .
عموماً المشهد يقول بأن هناك من لديه الرغبة فى إصلاح الوضع .. وشخصياً لمست ذلك من خلال ما تمخض عن مؤتمر السياسات .. ولجنة الدستور .. وأحاديث السيد محمود جبريل .. وما برز فى أوراق وبحوث د. زاهي المغيربي .. ود. فتحي البعجة .. ود. أمال العبيدي .. ود. محمد المفتي .. و د. شامية .. وغيرهم .. وما تنشره مؤسسة القذافي .. ووزارة التخطيط .. ولكن فى المقابل هناك من يستشعر وجود من لا يرغب فى دوران عجلة العملية الإصلاحية .. ربما لورود هواجس تتعلق بالخوف من تحول البعض إلى أكباش فداء على غرار ما حدث فى دول مجاورة .. وربما لتقديم ملف الفساد المالي والأخلاقي كأولوية على قائمة العملية الإصلاحية مما أفرز حالة من الهلع لدى من أطلق عليهم " القطط السمان" .. وفى المقابل لا يستبعد البعض فرضية عدم وجود مشروع إصلاحي ناجز .. وكل ما هنالك شعارات يكبلها ماضٍ ثقيل .. ولكي لا أتشعب أقول هناك تغير فى المشهد الليبي غير أنه لم يمس مصالح المواطن ورجل الشارع العادي بصورة مرضية .. وهناك شعارات لا خلاف عليها غير أنها لم تفرز آليات تنفيذية بعد .. وهناك رغبة فى إحداث تطوير تتطلبه بنية الدولة التحتية وهيكلها السياسي غير أنها لم تتحول إلى إرادة سياسية نافذة .. يعني هناك من يرى ضوء فى نهاية النفق .. غير أنه يتخوف من ولوج النفق .. وشخصياً أتصور أننا نقف على أحد أهم المفاصل فى المشهد الليبي .. ونحتاج إلى مزيد من الشفافية .. والحوار .. وتوسيع دائرة المشاركة من أجل المرور المثالي نحو المستقبل الذى نتفق جميعاً على ضرورة أن يكون واعداً .. وأن تطال بركاته كل بيت وزقاق فى ليبيا .

* وماذا تبقى من حنين الوطن بعد سنوات الغربة ؟! .
*الكثير يا خالد .. فالوطن لم يغادرنا .. وإن غادرناه .. الوطن أكبر من أي حاكم .. وأوسع من أي ايديولوجية .. ومتى سكنك فإنك ستلتقيه في الزنزانة الضيقة .. وفى المهجر الواسع .. الحنين إلى الوطن هاجس قد لا نتفطن لوجوده .. ولكنه كائن حي يستيقظ عقب مغادرتك الحدود .. وهو بالمناسبة يصنف على أنه من الفئات ذات المذاق المر .. وربما أفضع من الموت أن تعبر أجواء وطنك بالطائرة دون أن يكون لك حق الهبوط فيه .. والأفضع من ذلك يوم ودعتكم في معرض الكتاب بالقاهرة فعدتم إلى ليبيا .. وأكملت رحلتي رفقة الحنين إلى بلاد الضباب .. أستطيع أن أؤكد لك بأن الحنين مكون من مكونات البيوت الليبية في المهجر دون إستثناء.

* سؤال أعتذر لك مقدماً عن طرحه : من عيسى عبدالقيوم؟! . فكما أخبرني الأصدقاء بأنه أسم حركي ، ولكن كيف جاء هذا الاسم ؟!.
* خوذ راحتك ولا داعي للاعتذار .. فخلال رحلة قاربت العشرين عاماً تداخلت على مسيرة حياتنا أمور لم تكن من طبيعتها ذات يوم .. وتقلبت بنا السبل نحو مسالك ودروب كثيرة لم نتوقع ولوجها لو سارت حياتنا بشكلها الإعتيادي .. نعم عندما غادرت ليبيا وسط أجواء وظروف الثمانينات كان من الضروري أن أغير أسمي .. كما فعل أغلب المهاجرين .. غير أنهم تخلصوا من الأسماء المستعارة بعد فترة من الزمن .. وتورطت أنا فيه .. حتى صارت أسرتي وأهلي في ليبيا وكافة أصدقائي ببريطانيا لا يعرفونني بغيره .. وغالباً ما أقول ـ تندراًـ إذا أردت أن أخفي شخصيتي عن أحدهم فما علي إلا أن أقول أسمي الحقيقي .. وأسمي هو يوسف محمود القماطي.


بين المحاور خالد المهير والصحفي نور جابر سلطان

* توطدت العلاقة بين كتـّاب الداخل والخارج عبر منابر الإنترنت ، ولكن مازال هناك تباين في وجهات النظر حول مسائل ثقافية وسياسية ، في تقديرك هل الحوار بين المثقفين في الداخل والخارج سوف يضيق حجم الاختلاف في عديد القضايا ؟!. وماهي الوسائل الكفيلة لتوسيع دائرة الحوار بين مختلف الأطياف الثقافية ؟!.
* سؤال مهم ومحوري .. أكيد لقد فرضت الحقبة التى نعيشها .. والتي تسمى بحقبة السماوات المفتوحة ..أوضاعاً لم يعد من الممكن تجاهلها .. وأهمها على الإطلاق حجم الحوار الدائر حول العالم .. فعلى سبيل المثال هناك أكثر من ثمانية ملايين شخص يتحاورون يومياً عبر تقنية "البال توك" فقط .. وبالتأكيد طالت بركات الإنترنت المشهد الليبي .. وفرضت على الجميع وضعاً جديداً .. منه تواصل الكتّاب والمثقفين والصحافيين وغيرهم بصورة مباشرة وغير مُكلفة .. وفى نفس الوقت بحرية مطلقة .. أما قصة التباين في وجهات النظر وكيفية علاجها .. فأود التأكيد أولاً على أن الاختلاف ظاهرة صحية ولا يجب أن تقلق أحداً .. وكمراقب سجلت العديد من نقاط الاختلاف في تشخيص بعض الأزمات الليبية السياسية والثقافية .. وفى طريقة أو كيفية علاجها أيضاً .. بين ما يطرح في الداخل والخارج .. ولعل من أبرز ما يمكن أن يجسر الهوة بين الناس ـ كخطوة أولية على الأقل ـ هو إفساح المجال لمؤسسات المجتمع الأهلي .. وما أطلق عليه مؤخراً المنابر السياسية من أجل أن تلعب دورها المفقود .. لأننا بذلك نكون قد ولجنا إلى فكرة توسيع رقعة الحوار أفقياً .. ففي الدول الشمولية تتجه كافة سهام النقد والنزاع إلى الدولة .. أما في الدول المؤسساتية فالاشتباك يقع على مساحة أفقية عريضة مما يخفف الحمل على الدولة .. فتوسيع رقعة الحوار بين الليبيين أمر مهم جداً خاصة في هذه المرحلة .. التى أمل أن يخاض غمارها تحت شعار " الشراكة في الوطن " .. فالدولة يجب أن تفكر جدياً في أن ترفع يدها على الكثير من المساحات لصالح المواطن .. فما لم يشعر المواطن الليبي بأنه شريك في نهضة الوطن فلن يتحمس لأي مشروع مهما كان براقاً .. وكذلك لن يستشعر المواطن أهمية ما يقال له طالما قدّم إليه على شكل هبة أو منحة ولم يقتنع بأنه إنتاج توافقي .

*كيف تقبـّل كتـّاب المهجر خبر نشرك في صحيفة قورينا ؟! .. وهل هذه المبادرة من جانبكم تعزز الثقة لدى أبناؤنا في الخارج لتعجيل عودتهم إلى الوطن؟! .
* في الحقيقة لا أعرف تحديداً رأي أغلب الأصدقاء .. ولكن القريبين مني نظروا إلي التجربة من الجانب الإيجابي .. ولا مانع لدي أن أسمع ما يخالف ذلك .. والخطوة بالنسبة لي تمثل تجسيداً لفكرة أمنت بها وهي" الإشتباك الإيجابي ".. فأنا لازالت لدي وجهة نظر مختلفة حيال بعض ما يطرح ويقال في بلدي .. ولدي أيضا كمواطن ليبي ملاحظات حول ما يعانيه رجل الشارع .. وعن الكثير من الأفكار والأطروحات الإيديولوجية .. وفى المقابل أتفق مع بعض ما بات يطرح داخل الوطن .. فوجود ما يمكن أن تختلف فيه مع ما يمكن أن تتفق حوله في حيزّ واحد لن ينسجم بغير تفعيل مبدأ " الإشتباك الإيجابي " .. من هنا فأنا من دعاة التخلص من فكرة العزلة .. والاقتراب من فلسفة " الإشتباك الإيجابي " مع المحافظة على الموقف سواء أكان مختلفاً لمِا عليه السلطة أو متفقاً معها .. وربما أيضا تنطلق مشاركتي من فكرة أنني لم أعد أؤمن بمنطق " الثأر" .. وبت أميل إلى التعاطي مع المرحلة بمنطق وآليات الفكر السياسي المدني الذى أسهم في حلحلة كافة القضايا العالقة من جنوب أفريقيا وحتى البلقان .. أما قضية العودة فلا أربطها مطلقاً بحكاية المشاركة والتفاعل مع أبناء الوطن .. فلكل سياقه .. وشخصياً أتمنى أن أرى كافة الأسر الليبية وقد عادت إلى بلادها والتأم شملها .. وسيكون من دواعي سروري لو أسهمت ذات يوم مع المثقفين الليبيين في التخفيف من معاناة الناس .

* هل شروط المغتربين الليبيين في الخارج عبارة عن عمل أو سكن؟!. أم هناك شروط أخرى لديهم للعودة ؟! .
* بصراحة أنا ضد أن يعامل العائد من الخارج معاملة " خمس نجوم ".. على حساب من يكتوي بنار الفساد الإداري والمالي داخل الوطن .. ما نرجوه هو أن يتلقى كل ليبيين معاملة حسنة وجيدة .. وأن ينال الناس حقوقهم ونصيبهم من ثروة بلادهم وفق قانون نافذ .. وتحت طائلة هذا القانون من المفترض أن تقع حقوق ومعاملة الليبي العائد من الخارج .. أما بالنسبة لقضية الشروط .. فلا أعتقد بأن هناك من لديه شروطاً شخصية .. ولكن الحديث عن توسيع هامش حرية التعبير .. أو الدعوة لحرية الصحافة .. أوترسيخ مبادئ حقوق الإنسان .. أو المناداة بالسماح بمؤسسات أهلية ونحوها .. أو المطالبة بمزيد من الشفافية .. وتسريع وتيرة التحول إلى الدولة الحديثة .. أو المطالبة بالإفراج عن سجناء الرأي .. أو الإصرار على مراجعة قانون (15).. فلا أتصور أنها تمثل شروطاً بقدر ما أنها تمثل وجهات نظر من حقها أن تجد المنابر المناسبة لها للتعريف بنفسها .. ولا أعتقد أن هذا شيء كثير .. دعنا نتحدث بصراحة.. فقائمة النواقص لدينا طويلة .. ولا يجب أن تفسر المطالبة بها على أنه شروط .. طالما أن المطالبة بها ترد في سياق سلمي / أهلي .

* ماهو رأيك في ملف الإصلاح في ليبيا ، والنهج الذي يتبناه المهندس سيف الإسلام ؟!.
*.. أريد أن أكون صريحاً معك.. وربما سأكرر بعض ما كتبته عن الموضوع في السابق .. فليس لدي أقوالاً خاصة بهذه المقابلة .. ما يطرحه السيد سيف الإسلام وخاصة ما يدور في فلك تحديث الدولة .. ودسترة منظومتها السياسية .. وإعلاء شأن ملف حقوق الإنسان .. وتخفيف معاناة رجل الشارع البسيط .. وتطوير منظومة القضاء .. ومحاربة الفساد .. وغير ذلك لا يمكن لعاقل تهمه مصلحة البلد أن يرفضه .. ففي النهاية غالبية الشعب الليبي " تريد العنب ولا تريد رأس الناطور " على رأي أهل الشام .. ولكن هناك سؤال محوري دائماً ما يبرز عقب الدردشة حول ملف الإصلاح .. وأود أن أطرحه من خلالكم على المهندس سيف الإسلام .. الناس تتساءل عن الآليات المعول عليها في التنفيذ.. وعن التشريعات التى ترعى العملية من التفسيرات الشفوية لها .. فهل ثمة خطوات في هذا الإتجاه ؟!.
على أي حال ما أود قوله هو أن الجانب النظري ربما بات مقبولاً ولا جدال كبير حوله .. وما بقى هو أن يرى رجل الشارع العادي شعارات المشروع الإصلاحي وهي تخالط حياته .. وتصل إلى جيبه .. وفى تصوري قد تبدأ العجلة بالدوران في حال نجاح تجربة الإعلام الحر .. وتفعيل فكرة المنابر السياسية .. فهذه الأسس ستعمل وفق طبيعتها على تفعيل باقي الملفات .. طبعاً في حال تركت تعمل وفق المعايير الدولية .. على أن تمنح ـ في المقابل ـ الوقت الطبيعي لجني ثمارها .. فلن أتورط في المطالبة بتوفير كل النواقص على طريقة " تعلم الإيطالية في ثلاثة أيام ".. فالكون خلق في ستة أيام .. المهم هو دوران العجلة وفى الإتجاه الصحيح .

* نأخذك إلى موضوع الثقافة ،بالانفتاح على الإنترنت تعرفت على المشهد الثقافي في الداخل . كيف ترى هذا المشهد؟! . وهل هناك فرق بين المشهد الثقافي الليبي في الداخل والخارج ؟!.
قد لا أحسن وصف مشهد تحكمه قواعد الخصوصية المحلية .. ولا أتعاطى معه بشكل يومي .. ولكن كمتابع ومن خلال الاحتكاك بالكثير من رموزه .. أتصور أن المشهد الثقافي يمتلك مقومات ومقدرات وكوادر جيدة .. ولكن يبدو أن إشكالية العلاقة بين الدولة والمؤسسة الثقافية لازالت تلقي بظلالها عليه .. وأيضا ربما تدني مستوى الوعي بالدور الثقافي لدى بعض الدوائر الرسمية وبالطبع لدى عامة الناس جعله يقبع في مؤخرة قائمة المشاريع الاستثمارية .. فمثلاً رغم وجود طفرة في العمل المسرحي ببنغازي .. لم نسمع عن مشاريع استثمارية تتجه إلى هذا القطاع .. ورغم وجود قائمة طويلة لمؤلفات ليبية إلا أننا لم نسمع عن الاستثمار في مجال المطابع الحديثة مثلاً .. فالثقافة أصبحت الآن صناعة لا تقل حضوة عند الأمم الأخرى عن الصناعات الاستهلاكية.. أما الفرق بين المشهدين الداخلي والخارجي .. فلا مقارنة .. فالحراك الثقافي داخل الوطن خاصة في الآونة الأخيرة قفز عدة خطوات إلى الأمام .. في الوقت الذى تضخمت العضلة السياسية في المهجر على حساب المشهد الثقافي .. الذى انزوى وتقوقع .. وإن كان لم يضمحل نهائياً ولا زال يكافح على استحياء على يد مجموعة صغيرة تجتهد في استقطاع مساحة تكافئ حجم الدور المطلوب منه في صراع الهوية ومشاكل التعايش بين ثقافتين .. وكما ترى فبالرغم من خطورة الدور الثقافي .. فهو في المهجر أيضا غير ملتفت اليه بالشكل الكافي .. ولا يتلقى أي دعم يذكر .

* ماهي الأسماء الأدبية التي تعرفت عليها قبل ولوج عالم الإنترنت؟!. وهل تعتقد أن هناك أسماء بعينها لديها شعبية عند ليبيي المهجر؟! .
* بالنسبة للأسماء فقد تعرفت على أسماء كثيرة .. بعضهم تشرفت بالتعرف عليهم في مناسبات ومناشط ثقافية خارج ليبيا .. وبعضهم تربطني به صداقة لازلت أترقب الفرصة لكي تكلل بلقاءات مباشرة .. أما بالنسبة لشعبية البعض فأعتقد بأن أغلب الأسماء المتداولة على الشبكة تحضى بقدر من الشعبية في المهجر .. ولكن ليست بمثل شعبية " صالح الأبيض " و " ميلود العمروني " مثلاً .. فهؤلاء دخلوا إلى كافة مرابيع وصالونات المهجر .. وهناك التغطيات الصحفية التى يقوم بها بعض الصحفيين لازالت تحضى بمتابعة خاصة .. فلازلنا نذكر مثلاً ملف الفقر الذى فتحته أنت شخصياً يا خالد .. ولازالت متابعات ابتسام عبدالمولى وغيرها تلقى رواجاً جيداً .. عموماً لا أريد أن أتورط في ذكر الأسماء لأن نسيان البعض سيضعنا أمام أحد إشكاليات الشخصية الليبية التى لا يحتاج زعلها سوى لثوانٍ ولا يكفي لترضيتها عام بطوله ! .. فتحية لهم وكل عام والجميع بخير .

* كيف تصف علاقتك مع الكتـّاب الليبيين ، واعتقد أن معرض القاهرة للكتاب وفر لك فرصة التعرف على الكثير من الأدباء الليبيين ؟!.
* أحتفظ بعلاقة جيدة مع كافة الأصدقاء داخل الوطن .. ووجدت عندهم كل احترام .. ولم يبخلوا علي بمساعدة طلبتها .. حتى أنهم منحوني بعض الأولويات فكنت أول من دشن حوار مع مثقف من داخل الوطن وكان مع الأستاذ الأديب أحمد الفيتو ري .. وأول من أقام ندوة بين شخصيات من داخل الوطن وخارجه وكان ضمن ضيوفي د. على فهمي خشيم والروائي الكبير أحمد إبراهيم الفقيه والمؤرخ د. فرج نجم .. وبالفعل لقد منحني معرض الكتاب فرصة الإنفتاح على المشهد الثقافي الليبي .. وربما أيضا جسّدت تغطية المعرض لعام 2006م أول مناسبة تعرض ألبوماً مشتركاً بين مثقفين وكتَاب من داخل الوطن وخارجه .. وما دار فيه من حوارات ومناقشات شكلت نقلة في تصوراتي حول المشهد الليبي .. وأسهم على نحو ما في تحوير بعض قناعاتي .

* هل أنت مع مشروع التسامح الذي يطرحه الدكتور محمد المفتي ؟!.
* هذا أحد مرابط الفرس .. أنا منحاز وبقوة لفكرة التسامح .. ولا أقصد به المعنى السطحي الذى يتبادر إلى الأذهان .. والذي يرسم علاقة هجينة بين السلطة ومخالفيها .. أنا أقصد به ـ وسبق ونشرت ذلك ـ المعنى العميق الذى يغوص إلى قاع المجتمع .. فالمجتمع غير المتسامح لا يمكن بحال أن ينجح في بعث الدولة الحديثة .. وربما نحن في ليبيا نحتاج أكثر من غيرنا إلى تعميق فلسفة التسامح .. لقد خضنا تجربة قاسية .. وتراكمت لدينا بفعل السنين والأخطاء طبقة من الكراهية .. لو أردنا أن نزيلها بمعاول صارمة فستستغرق منا العملية جيلاً أو جيلين .. بل وربما سنتفاجأ بعد ذلك بأن عملية الإزالة ذاتها قد خلفت طبقات أخرى وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية .. لذلك فنحن نحتاج إلى حقن المجتمع بجرعات مكثفة من التسامح من أجل وضع نقطة النهاية لكافة أنواع الألم .. للشروع في بناء مستقبل أكثر رفاهية وإستقراراً .. من هنا أتفق مع الدكتور المفتي .. ومع كل من ينادي بعقلنة الحوار ونشر ثقافة التسامح .. التى لا تعني بأي حال من الأحوال هدر الحقوق وضياع العدالة .. بقدر ما تعني استشراف المستقبل والنظر إلى جيل أخر من الإجحاف أن يرث رواسب الماضي وآلامه .. ولاشك فكما أن للمثقف دور في إحداث التحول المجتمعي نحو التسامح فإن للأكاديميين من أساتذة الجامعات والمعاهد والثانويات دور لا يستهان به ولا يقل خطورة عن الدور المطلوب من الصحافة .. غير أنه يبقى دور ومبادرة الدولة هو الأكبر والأخطر في هذا الباب .
________________________

جريدة قورينا ـ الخميس 16 رمضان الموافق 27 سبتمبر 2007م ـ العدد 026 .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home