Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Saturday, 28 July, 2006

عـرين الألم

قصة قصيرة

عـيسى عـبدالقيوم

أخذت مكاني فى طابور قصير يتجه صوب الطائرة الرابضة على أرضية مطار " ليفربول " .. والقاصدة روما القديمة .. كان الطابور يسير ببطئ عبر بوابة الفحص الألكتروني .. ألمني كعب رجلي فتحسسته قليلاً .. ووجدتني أستخدم عبارة " رجلي تؤلمني " لأجيب على إستفسار جارتي ـ فى الطابور ـ التى دفعها فضولها الإنجليزي للإلتفات نحوي .

فأنا لم أعرف حتى ذلك اليوم من معاني الألم غير وجع الرأس .. أو لطمة الخد .. وأعتبر خلع الضرس عند طبيب غير حاذق قمة الألم .

حين سمعت عن قصة " ضحى " إعتبرت ألمها كبيراً .. دون أن أحدد كمية أو حجم ما وصفته بالكبير .. فقط كنت أردد عبارة " ألم كبير " كلما طاب لي سرد قصة " ضحى " وإخوتها فى المُصاب .

حلقت بي أحلامي بين " مستشفى الأطفال " ببنغازي .. وقاعات " محكمة الجنايات " بطرابلس .. قبل أن تحط الطائرة على أحد مُدرّجات مطار " بيزا " الدولي .. إمتطيت عزمي الوهن .. وصعدت عربة القطار المتجه الى " روما " .. قصدت وسط المدينة الصاخب .. ومن هناك شرعت فى فك طلاسم المكان للوصول الى حيث ترقد " ضحى " .. كنت أظنها تقيم فى جناح مريح بأحد الفنادق الحديثة .. أو فى عيادة خاصة تحت رعاية طبية مشددة .. ولكن الوصف قادني الى سرير متواضع فى غرفة تعج بمن وصفوا بـ " أبناء المسيح " .. وهو وصف محتشم لعبارة كتبت على لافتة المستشفى الخارجية تقول : " نستقبل اللقطاء والمُهجّرين " !! .

وكي تقلل من ضجرها كانت ـ فى تلك الأونة ـ تعبث ببعض الأسلاك المتصلة بجسدها .. بعد أن غاب عنها السلك الدبلوماسي .. الذى يطيب له قبض مرتباته ـ وقائمة علاواته ـ بعملة " الإمبريالية " .. نظير رعاية ما يقال بأنها مصالح وشئون الليبيين فى الخارج ! .

وقفت على رأسها .. فنظرت إليّ بعينين غائرتين تعلوهما حيرة تفضي الى حيرة .. تكفي إطلالة واحدة عليهما لشرح حجم المأساة .. أحسست بأن وقوفي قد أضاف إليها مزيداً من الأسئلة من وزن :

ـ من هذا الغريب ؟!!..
ـ ماذا يفعل هنا ؟!..
ـ هل هو من هؤلاء ؛ أم من أولئك ؟!!.

أردت أن أخفف من وطأة وجودي المفاجئ .. فإبتسمت فى وجهها قائلاً :

ـ أهلاً ضحى .. كيف حالك .. لا تقلقي فأنا هنا من أجلك .

أبان ثغرها عن إبتسامة ساخرة .. قبل أن تقول :

ـ آه .. لقد ذكرتني بالدكتور " أشرف لحجوج " فقد قال نفس العبارة ذات مساء .. لقد طبطب يومها على ظهري قائلاً أنه هنا من أجلي .. كانت حرارتي مرتفعة بعض الشيء .. فأمر " كرستينا " البلغارية بحقني .. شعرت بعد الحقنة براحة كبيرة .. الى درجة أنني نهضت وطبعت على خده قبلة حارة .. فكرر قبيل إنصرافه عبارة " أنا هنا من أجلك " .. وقبل أن تشرق شمس صباح ذاك اليوم بدأ جسدي ينكر بعضه بعضاً .. ودخل دمي فى صراع مرير مع غرائب تسللت اليه عنوة .. لم أكن أعرف ما الذى يجري تحت جلدي وداخل عروقي .. كنت أحس بشيء ما .. لا أعرف ماهيته .. غير أن جسمي النحيف كاد أن يجف من كثرة ما سُحِب من دمي الشحيح أصلاً .. دون أن أعرف ما يجري داخلي وحولي .

كنت أنظر اليها وهي تتحدث وقد ثبّـتت نظرها على كيس " التغذية " المتأرجح فوق رأسها.. جف حلقي .. وتاهت الحروف على لساني .. لم أشأ أن أتحدث رغبة فى أن تستمر فى سرد بعض ما يتلجلج فى صدرها .. فلم تطِل حيرتي وأضافت تقول :

ـ بعد أيام من سماعي تلك العبارة جاء أحدهم ووقف بجوار سريري وقال :

ـ ضحى .. أنت مريضة !.

أجبته : أعرف ذلك سيدي .. فأنا لم أتي الى " مستشفى الأطفال " إلا لكوني مريضة .. لقد أخبرني مشرف " دار الرعاية " التى أقطنها بأن حرارتي مرتفعة وعليّ أن أزور الطبيب .

بدأ الإرتباك واضحاً على الغريب وهو يضيف :

ـ ضحى هل تعرفي شيئاً عن " الأتش أي في " ! .

فقلت : لا !.

قال : أنت مصابة به .. ونحن نترجم هذا المصطلح الى عبارة " نقص المناعة المكتسبة " .

فقلت : ولا يهمك .. أعطني حبة " أسبرين " وسأكون على ما يرام مساءاً !! .

سحبت الغطاء الأبيض قليلا الى الأمام .. وتنهدت قبل أن تواصل حديثها قائلة :

ـ عندما بكى ذلك الغريب .. عرفت بأن الأمر غير أعتيادي .. وعرفت بأن الأمر أكبر من حبة الأسبرين .. فقلت له لا تقلق أنا قوية .. فإذا كان الأمر يستلزم عملية جراحية فأخبرني فأنا لا أخشى " البنج " حتى أسأل عمي " منصور " ـ غفير دار الرعاية ـ لقد رافقني عندما أجريت عملية " المصران الزايد " .

مسح الغريب دموعه وتمالك نفسه.. وخاطبني يومها بإبنتي قائلا : إن شفاء مرضك بيد الله وحده.

لم أفهم ماذا يقصد .. ولكنني عرفت ـ فيما بعد ـ بأن إبرة الطبيب " أشرف " لم تكن بريئة .. وأن مجيئه ليلتها لم يكن من أجلي .. تماماً كما أن إبتسامة الحسناوات البلغاريات لم تكن لتعبر عن ملائكة الرحمة بحال .

نظرت الى الساعة نظرة خاطفة قبل أن تضيف :

ـ آه .. نسيت أن أسألك عن إسمك ؟!..

ـ إسمي يوسف .. أجبتها وأنا أخفي الإنكسار الذى بدأ يلحق بي .

ـ أهلا بك طالما أنك جئت من أجلي .. فأنا لم أسمع هذه العبارة منذ مدة طويلة .. فقط كنت أشاهد بعض الرجال المحروسين جيداً يقفون هنا ليجروا مقابلات تلفزيونية ثم يرحلون بهدوء ..

وأضافت وهي تضع يدها على فمها لتخفي ضحكتها :

ـ حتى أن أحدهم نسي أن يسلم عليّ .. تصور ! .

بذلت كل ما لدي من طاقة لأتمالك نفسي .. وأجبتها :

ـ لا .. لا .. لا ياعزيزتي أنا لازلت إنساناً .. أو بالأحرى لازلت أحمل بقايا إنسان ليبي .. أنا هنا لأعبر لك عن إعتذاري عن تأخري فى المجئ .. نعم لقد تأخرت كثيراً .. ربما الأمر معقد يا صغيرتي .. ولكنني أشعر بتقصيري تجاهك .. وتجاه رفقائك فى رحلة الرعب هذه .

ساد المكان صمتاً مطبقاً .. أبحرت خلاله فى عيني " ضحى " .. حاولت أن أسبر أغوارها .. أو أن أفك الغموض الذى يكتنفها .. لكنني عدت بمزيد من الألم .

جربت أن أرجع بها الى نقطة البداية مرة أخرى ..

ـ من أنت ؟!.. وما الحكاية ؟!.

تحدثت " ضحى " طويلا بلسان مقالها .. وأطول بلسان حالها .

كل حرف قالته كان يصدقه فيض الحزن الدافق من عينيها .. وهالة الحرمان التى تحوطها من كل جانب .. والإبتسامة الساخرة التى ترتسم بين الحين والأخر على شفتيها .

ضحى .. البنت .

ضحى .. اليتيمة .

ضحى .. القادمة من دار الرعاية .

ضحى .. الساقطة من قيد الحقوق المدنية .

ضحى .. الفاقدة للكفيل والراعي .

أم ضحى المحقونة بفيروس الإيدز .

وجدتني أحدث نفسي دون أن أرفع بصري عن " ضحى " :

ـ يا إلهي .. كم كان القدر قاسياً على هذه الطفلة .. حتى أنني أكاد أجزم بأن لا أحد يحتمل هذا القدر الرهيب .. تماماً كما أنه لا يمكن لمن أقدم على الجريمة أن يكون إنساناً .. والليل إذا عسعس لو شنق الفاعل ألف مرة لكان ذلك قليل فى حقه .. ولو إغتسل بمياه المحيطات ما ساغ له أن يتطهر من هكذا خطيئة .

ـ أه .. يا صغيرتي ماذا أبقى لك هذا العالم الجحود لتشكيه .. الفقر .. اليتم .. المرض .. أم الولوج الى المتاهة .. فها أنت أخيراً هنا مع لقطاء وأيتام " المسيح " .. ورغم قسوة المُسمى إلا أنه يبقى رحيماً بالنظر لما شهدته حكايتكم من غرائب ومخجلات .. ففي حين تطردون من خرائب " اليمن " .. وتهجرون فى أزقة " بنغازي " .. وتركلون فى مؤسسات " طرابلس " .. وتعزلون عن أطفال " القبة " .. ها أنتم من سخرية القدر تجدون لكم ركناً فى هذا المأوى الذى يعلوه شعار الحملة الصليبية ! .

وقفت لحظة أصلي من أجلها .. أو لعلي أصلي من أجل أن لا أفقد بقية عقلي .. فالقدر قد شاء أن أعرف ميزانية بلدي من النفط ! .. وذات القدر شاء أن أقف على حافة سرير صغيرتي هذه .. وما بين هذا وذاك مساحة تحتاج الى أن تتدخل السماء كي لا يطأ الناس الكفر .

قبلتها بين وجنتيها .. وأكلت من طعامها .. ومسحت على رأسها .. وتركتها .

نعم تركتها هناك رفقة " أبناء المسيح " عليه السلام .. ومن مثل المسيح فى رحمته وعطفه .. ومن مثل المسيح فى تحمل الألم .. ألم يتحول الى عنوان للألم ؟!.

تركتها تنتظر وحيدة وصول القدر .. فالمؤسسة الرسمية مشغولة عنها .. وسكان المهجر لا يطيب لهم النزول من عليائهم لمرافقة " أبناء المسيح " .. وأهل الوطن أزهدني فيهم جحودهم الجاهل .

تركتها وأخر عهدي بها إشارة مليئة بلوعة لو وزعت على أهل الأرض لجعلتهم يفقدون طعم السعادة.

عدت وتركتها تنظر الى الدنيا من ثقب الأمل .

تركتها .. وعدت أدراجي وأنا أبحث عن إسم أو رسم جديد لمسمى " الألم " .. فما شاهدته شيء لا يمكن أن يشترك مع وجع الرأس ووخز الضرس البالي تحت إسم واحد .. فهذا ليس من العدل .. فألم " ضحى " له علاقة بالزمان والمكان والإنسان .. فكيف نساوي بين وطأة هذا الثلاثي المفترس على طفلة يتيمة لا تأوي الى ركن شديد .. وبين الأوجاع العابرة .

فهل تراني ولجت " عرين الألم " دون أن أقصد ؟!.

http://essak.maktoobblog.com

________________________

* كتبت هذه القصة قبل النهاية التى شهدتها قضية " الإيدز " الأسبوع المنصرم .. والتى أمل أن تكون مرضية لضحى .. ولكل رفاقها على درب الألم الطويل .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home