Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


عـيسى عبدالقيوم

الإثنين 28 يونيو 2010

الوصايا العشر

مأساة أبوسليم بين المتفقات الوطنية ، والسابقة السويسرية

عـيسى عـبدالقيوم

أتصور أنه يشاركني الكثيرون من المهتمين بالشأن العام الليبي .. بأن قضية أبوسليم باتت تتربع على قائمة أبرز قضايا الوطن العاجلة التى تنتظر حلاً عاجلاً أيضاً .. وربما لن أضيف جديداً إذا قلت بأن حلها سيكون له مردوداً إيجابياً على عموم الحالة الليبية .. وسيبعث بالمزيد من الشعور بالتفاؤل حيال مستقبل علاقة المواطن بالوطن .. فالقضية التى نحن بصددها تشير ـ بكل وضوح وبدون تلعثم ـ الى حدوث خرق كبير لكافة القوانين والأعراف .. كونها تفسّر قانونياً وحقوقياً على أنها " جريمة قتل خارج إطار القضاء ".

دون إطالة .. فبالرغم من أنني ممن يفضلون الحديث عن حلول الإشكاليات ضمن الأطر والدوائر ذات العلاقة المباشرة بها .. إلا أنني سأكسر هذه القاعدة مع قضية أبوسليم .. بعد تحولها الى قضية رأي عام بجدارة.. وهنا دعوني أفكر معكم بصوت مرتفع كي نصل الى الخلاصة .. وذلك من خلال طرح ثلاثة مُسلّمات لن تخرج عن ما مارسته الدولة الليبية .. وما طالبت به رابطة أسر ضحايا أبوسليم .. منعاً لاي سوء فهم.. وغلقاً لكافة أبواب المزايدات .. التى باتت أحد مجلبات الإحباط فى قضايا الشأن العام الليبي.

وإثباتها ـ اي المسلمات ـ كمقدمة جاء من أجل التأكيد على وجود ما يمكن أن نصفه بالأساسات التى يُشرع لنا عقلاً وقانوناً البناء عليها .. وهي كما سترى نابعة من تقييم الحِراك الوطني الداخلي .. ومستجيبة لملامح الحل كما يراه الأهالي ( سواء من إلتقيتهم شخصياً .. او تواصلت معهم إلكترونياً .. أو قرأت لهم ).. وكذلك غير بعيدة عن ما رشح من قرارات وتصريحات للدولة حول القضية .

غير أن المحاولة تفترض توفر شيء من حسن النية وغياب الهواجس الأمنية .. وتتطلب مستوى مرتفعاً من ثقافة التسامح المجتمعي ( التسامح من أجل العبور الى المستقبل .. وليس التسامح من أجل التلاعب بحقوق الناس والتجاوز على ألامهم ) كي تفهم على أنها محاولة لطرح حل .. وليست تبريراً لجريمة لا يمكن أن تبرر .. وكذلك فهي ليست حكماً قضائياً مسبقاً .. كون هذا النوع من الأزمات يحتاج ( كما أثبتت التجارب ، خاصة فى جنوب افريقيا والمغرب ) الى نوع من الحلول المركبة كونها تعدت مستوى الحدث العادي .. الى الأزمة التى طالت عمق المجتمع .. سواء لجهة العدد الكبير ممن فقدوا فيها أشخاصاً أعزاء .. أو من جهة تأثيرها على شريحة واسعة صدمت بكونها حدثت داخل البلد .. أو لتقاطعها مع ما تحمله شريحة كبيرة من مبادئ وقيم حقوقية وإنسانية ( أفراداً ومؤسسات).. فمحصلة كل ذلك لابد وأن يساوي أزمة غير تقليدية .. لذا فهي تحتاج الى حل ربما غير تقليدي .. على غرار " الحقيقة والمصالحة " .

والمسلمات الثلاثة التى أقترحها كأرضية للتفكير فى الحل ، وأرجو إستحضارها أثناء التفكير فى الخطوات العشرة لتفكيك الأزمة كما ستأتي لاحقاً .. هي :

المُسلّمة الأولى :

ـ تتمثل فى وجود إعتراف من الدولة الليبية بوقوع الجريمة .. وتكليف قاضي تحقيق خاص بها .. وصدور أحكام بحقها من محاكم ليبية.. وصدور تصريحات وبيانات من مؤسسات محلية حول القضية .

المُسلّمة الثانية :

ـ تتمثل فى مطالبة أهالي الضحايا بأهمية الحوار مع الدولة من أجل إيجاد مخرج عادل .. وتقديمهم للحل الوطني على التدويل .. وتصريحهم بأن مطالبهم حقوقية وليست سياسية .

المُسلّمة الثالثة :

ـ تتمثل فى وجود سابقة يمكن القياس عليها .. كونها مُقدَمة من طرف الدولة الليبية لحل أحد أزماتها الكبرى .. وأقصد تحديدا الأزمة الليبية السويسرية .. وهنا يمكننا حصر فكرة الحل التى تقدمت بها الدولة الليبية فى أربعة نقاط .. هي :

1ـ الحوار المباشر بين أطراف القضية .. بوجود جهات محايدة .

2ـ الإعتذار الرسمي وتحميل الدولة السويسرية أخطاء جهاز الشرطة فيها .

3ـ التعويض كجزء من تحمّل المسئولية ( 1,5 مليون يورو بحسب الخارجية الليبية ).

4ـ تشكيل لجنة تحكيم تقصي حقائق للوقوف على حقيقة ما جرى دون روتوش .

معالم آلية تفكيك الأزمة ...

وعليه .. وبناءً على المقدمة والمسلمات الثلاثة .. التى يمكننا بكل إطمئنان وصفها " بمحل الإتفاق " بين المعنيين بالقضية بصورة مباشرة ( الأهالي والدولة ) .. وبكونها مستمدة من ممارسة ليبية وطنية داخلية .. فإن تصور بداية تفكيك الأزمة وتحويلها الى ملفات يتم التعاطي معها وفق منطق الأسهل فالأسهل .. وعلى خلفية كونها أزمة غير عادية .. قد يكون فى الوصايا التالية :

1ـ يتم تشكيل لجنة مساعٍ حميدة لإدارة خلية حل القضية .. مكونة من مؤسسة القذافي ( بحسب مطالبة الأهالي ونداءاتهم المتكررة لها ).. وأساتذة قانون .. وأخصائيون إجتماعيون .. وشخصيات إجتماعية .. ونشطاء حقوقيون .. وغيرهم.. شريطة أن يتم التراضي حول المرشحين للجنة بين الدولة والأهالي .

2ـ عقد إجتماع مغلق يحضره فقط أقارب الضحايا من الدرجة الأولى بصفتهم الشخصية ( أب / أم / أخ / زوج / زوجة / إبن ـ أو ابن عم فى حال عدم وجود من سبق ) .. وشخصيات مسئولة من قيادات الصف الأول فى الدولة بصفتها الإعتبارية ( ممثلة الدولة ) .. وتشرف على التحضير وإدارة الإجتماع لجنة المساعي الحميدة .

3ـ يتقدم السيد قاضي التحقيق بسرد قصة ما حدث يوم 29/6 كاملة .. فقط من أجل معرفة الحقيقة كما جرت .. وليس فتحاً لتحقيق جنائي جديد .. وهو طلب يكاد يجمع عليه كافة أهالي الضحايا .. والمؤسسات المعنية بالأمر .. بل والشارع الليبي برمته .

4ـ يفتح الباب للحوار .. ليَسمع عبره الأهالي من الدولة .. ولتستمع الدولة الى الأهالي .. وليقل كل فريق ما عنده دون تحفظ أو شروط مسبقة .. وبشكل عقلاني وشفاف .. ينتهي بطرح الدولة تصورها للحل .. وبطرح الأهالي تصورهم للحل .

5ـ تقسم نتائج الحوار الى " متفق عليه " و " مختلف حوله " .. ليتم حصر نقاط الإختلاف بشكل دقيق وموثق من أجل ضمان لملمة أبعاد القضية بدقة ووضعها فى شكلها النهائي والموثق هذه المرة عبر حوار من أصحاب الشأن مباشرة .. مما يسقط عنها كافة ما لحق بها من القيل والقال .

6ـ بالنظر الى إعتراف الدولة بوقوع الجريمة .. تقدم إعتذاراً رسمياً .. بصفتها المسئولة عن حماية السجناء .. ولكونهم قتلوا فى حادثة خارج إطار القضاء داخل مؤسسة يفترض أن حمايتها من مسئولية الدولة .. وهو مستوى لا يمكن ان تتنصل الدولة منه .. ولو لم تكن متهمة بالأساس .

7ـ تقترح الدولة مقدار التعويض الذي تراه عادلاً عن مجمل الأضرار التى لحقت بالضحايا وذويهم .. من الإعتقال وحتى الوفاة .. وتطرحه للنقاش .. ( وربما فى تقديري مبلغ مليون دينار للعزاب .. ومليون ونصف للمتزوج .. ربما يكون جزءاً مقبولاً من سلة الحل الكلي ) .

8ـ تتبنى أحد المؤسسات المشاركة فكرة رعاية أبناء الضحايا وأبائهم .. وأخرى للسعي لمعالجة الأثار النفسية المترتبة على القضية .. كونها مست عددا كبيرا من الأسر .. مما يجعل هذا البند مهماً ولا مجال لتجاوزه .. كجزء من إتمام عملية العلاج بشكل جذري والتى منها إعادة الدمج فى المجتمع .

9ـ تحال قائمة القضايا المختلف فيها الى هيئة تشكلها لجنة المساعي الحميدة من أجل فتح نقاش ثنائي حولها ( بين اللجنة والدولة ) ( وبين اللجنة والأهالي ) .. للخروج بتوصية للحل النهائي .. فمن المرجح أن الحوار سيعمل على تفكيك كتلة الأزمة .. ومن هنا نقول ان الحوار قد يأخذ طابع الجولات الثنائية بين بعض الأسر واللجنة .. أو بعض جهات الرسمية ذات الصلة بالملف واللجنة .. ومن المنتظر أن تخف الحدة .. ويتقلص حجم التوتر .. وبالتالي قد نشهد تنازلات من كافة الأطراف .

10ـ يصدر بياناً عن هذا الإجتماع يحدد معالم ما تم إنجازه بشكل عام ومجمل .. ويشير الى إنطلاق عجلة حل الأزمة وبعض أهم معالمه .. تصيغه لجنة المساعي الحميدة .. ويتلى فى نهاية الإجتماع .. وعقب إنتهاء جولات الحوار بشكل نهائي وكامل يصاغ بيان ختامي يوجز مشوار الحوار فى نقاط رئيسة .. كمؤشر على إنتهاء القضية .. وينشر فى الصحف الرسمية .. وتحفظ محاضر جولات الحوار ضمن ملفات القضية .

ختاماً ..

أتصور أن النقاط العشر سالفة الذكر لم تخرج عن المسلمات الثلاثة .. وما تضمنته من مطالب للأهالي .. وما إقترحته الدولة الليبية لحل أزمتها مع سويسرا .. وهي أزمة لا يمكن مقارنتها مع قضية أبوسليم من حيث التوصيف أو التكييف القانوني .. ولكن المقصود من طرح المقاربة هو تذكير الدولة الليبية بأنها عرضت حلاً مشابهاً فى ألياته على الدولة السويسرية والعالم وإعتبرته منطقيا وعادلا .. فهل ستعتبره مقبولا ومنطقياً وعادلاً عندما نقترحه لحل قضية وطنية أكملت (اليوم ) عامها الرابع عشر ؟!.

والسلام

عيسى عبدالقيوم
28/6/2010
____________

ملاحظات :

1ـ حول من سقطوا ضحايا للصدامات المسلحة من رجال الشرطة والجيش .. يمكن للجنة الشعبية العامة معالجة أوضاعهم وفق القانون رقم "12" الصادر عام 1991، والذي يقرُّ حقوقاً ومزايا لمن يفقدون حياتهم من العسكريين والمدنيين أثناء تأدية الواجب.. وتحميل الدولة للمسئولية هنا ايضا ليس بكونها الفاعل .. بل لجهة مسئوليتها العليا على مواطينها .. تماما كما تتحمل مسئولية من قتلوا داخل سجن يقع تحت حمايتها .

2ـ اعترف وأقر بأن ما إقترحته أعلاه يمثل أجندة الحد الأدنى للحل .. ولو وجدت من يعتبره هدراً للوقت .. فقد لا أنكر عليه كثيراً .. فى ظل إستهتار الدولة وعدم إلتفاتها إهتمامها بمعاناة الناس .. فنحن نتكلم اليوم عن مرور (14) سنة كاملة .. وعن صمت محبط ومقلق فى ذات الوقت .

3ـ إقترحت بأن تكون الجلسات مغلقة لطبيعة الأزمة .. ويمكن فى أي لحظة يتم فيها الإتفاق أن توسع دائرة الحضور على الأقل .. وفى حال كانت البدايات مشجعة يمكن إدخال التلفزيون الوطني من أجل شفافية أكبر .. وهو على أي حال ما حصل فى التجربتين المغربية والجنوب افريقية .

4ـ لامناص من الإستمرار فى مؤازرة هذه القضية .. والسعي لنصرتها .. فهي قضية عادلة بكل المقاييس .. ومطالب أهلي ضحاياها مشروعة ومنطقية .. طالما قبلوا الحوار حولها .. وبصفة شخصية لازلت أدعم هذه القضية بقوة .. وسأقف معها حتى ترى حلاً عادلاً .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home